أحمد الله أولاً، حمداً كثيراً متوالياً؛ وإنك ان يتضاءل دون حق جلاله حمد الحامدين.
وأصلي واسلم على رسله ثانياً صلاة تستغرق مع سيد البشر سائر المرسلين.
وأستخيره تعالى ثالثاً فيما انبعث عزمي من تحرير كتاب في إحياء علوم الدين.
وأنتدب لقطع تعجبك رابعاً أيها العاذل المتغالي في العذل من بين زمرة الجاحدين، المسرف في التقريع والإنكار من بين طبقات المنكرين الغافلين؛ فلقد حل عن لساني عقدة الصمت وطوقني عهدة الكلام وقلادة النطق: ما أنت مثابر عليه من العمى عن جلية الحق، مع اللجاج في نصرة الباطل وتحسين الجهل، والتشغيب على من آثر النزوع قليلاً عن مراسم الخلق ومال ميلاً يسيراً عن ملازمة الرسم إلى العمل بمقتضى العلم طمعاً في نيل ما تعبده الله تعالى به من تزكية النفس وإصلاح القلب، وتداركاً لبعض ما فرط من إضاعة العمر يائساً عن تمام حاجتك في الحيرة وانحيازاً عن غمار من قال فيهم صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه "أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعلمه" ولعمري إنه لا سبب لإصرارك على التكبر إلا الداء الذي عم الجم الغفير بل شمل الجماهير من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن الأمر جد والخطب جد والآخرة مقبلة والدنيا مدبرة والأجل قريب والسفر بعيد والزاد طفيف والخطر عظيم والطريق سد، وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد: فأدله الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفاً، فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين مندرساً، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام.
فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه: فقهاً وحكمة وعلماً وضياء ونوراً وهداية ورشداً، فقد أصبح من بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسياً.
ولما كان هذا ثلماً في الدين ملماً وخطباً مدلهماً، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهماً، إحياء لعلوم الدين، وكشفاً عن مناهج الأئمة المتقدمين، وإيضاحاً لمباهي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين.
وقد أسسته على أربعة أرباع وهي: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات.
وصدرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم لأكشف أولاً عن العلم الذي تعبد الله على لسان رسوله ﷺ الأعيان بطلبه، إذ قال رسول الله ﷺ "طلب العلم فريضة على كل مسلم" وأميز فيه العلم النافع من الضار، إذ قال ﷺ "نعوذ بالله من علم لا ينفع" وأحقق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب، وانخداعهم بلامع السراب، واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب.
ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب: كتاب العلم، وكتاب قواعد العقائد، وكتاب أسرار الطهارة، وكتاب أسرار الصلاة، وكتاب أسرار الزكاة، وكتاب أسرار الصيام، وكتاب أسرار الحج، وكتاب آداب تلاوة القرآن، وكتاب الأذكار والدعوات، وكتاب ترتيب الأوراد في الأوقات.
وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب آداب الأكل، وكتاب آداب النكاح، وكتاب أحكام الكسب، وكتاب الحلال والحرام، وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق، وكتاب العزلة، وكتاب آداب السفر، وكتاب السماع والوجد، وكتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة.
وأما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب شرح عجائب القلب، وكتاب رياضة النفس، وكتاب آفات الشهوتين: شهوة البطن وشهوة الفرج، وكتاب آفات اللسان، وكتاب آفات الغضب والحقد والحسد، وكتاب ذم الدنيا، وكتاب ذم المال والبخل، وكتاب ذم الجاه والرياء، وكتاب ذم الكبر والعجب، وكتاب ذم الغرور.
وأما ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب التوبة، وكتاب الصبر والشكر، وكتاب الخوف والرجاء، وكتاب الفقر والزهد، وكتاب التوحيد والتوكل، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا، وكتاب النية والصدق والإخلاص، وكتاب المراقبة والمحاسبة، وكتاب التفكر، وكتاب ذكر الموت.
فأما ربع العبادات فأذكر فيه من خفايا آدابها ودقائق سننها وأسرار معانيها ما يضطر العالم العامل إليه، بل لا يكون من علماء الآخرة من لا يطلع عليه، وأكثر ذلك مما أهمل في فن الفقهيات.
وأما ربع العادات فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق وأغوارها ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها وهي مما لا يستغني عنها متدين.
وأما ربع المهلكات فأذكر فيه كل خلق مذموم ورد القرآن بإماطته وتزكية النفس عنه وتطيهر القلب منه، وأذكر من كل واحد من تلك الأخلاق حده وحقيقته، ثم أذكر سببه الذي منه يتولد، ثم الآفات التي عليها تترتب ثم العلامات التي بها تتعرف، ثم طرق المعالجة التي بها منها يتخلص، كل ذلك مقروناً بشواهد الآيات والأخبار والآثار.
وأما ربع المنجيات فأذكر فيه كل خلق محمود وخصلة مرغوب فيها من خصال المقربين والصديقين التي بها يتقرب العبد من رب العالمين وأذكر في كل خصلة حدها وحقيقتها وسببها الذي به تجتلب وثمرتها التي منها تستفاد وعلامتها التي بها تتعرف وفضيلتها التي لأجلها فيها يرغب مع ما ورد فيها من شواهد الشرع والعقل؛ ولقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتباً، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور الأول حل ما عقدوه وكشف ما أجملوه الثاني ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه الثالث إيجاز ما طولوه وضبط ما قرروه الرابع حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه الخامس تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلاً إذ الكل وإن تواردوا على منهج واحد فلا مستنكر أن يتفرد كل واحد من السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه، أو لا يغفل عن التنبيه ولكن يسهو عن إيراده في الكتب، أو لا يسهو ولك يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف؛ فهذه خواص هذا الكتاب مع كونه حاوياً لمجامع هذه العلوم.
وإنما حملني على تأسيس هذا الكتاب على أربعة أرباع أمران: أحدهما - وهو الباعث الأصلي - أن هذا الترتيب في التحقيق والتفهيم كالضرورة لأن العلم الذي يتوجه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة وعلم المكاشفة، وأعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقط، وأعني بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين ومطمع نظر الصديقين، وعلم المعاملة طريق إليه ولكن لم يتكلم الأنبياء صلوات الله عليهم مع الخلق إلا في علم الطريق والإرشاد إليه. وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل والإجمال، علماً منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال - والعلماء ورثة الأنبياء - فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسي والاقتداء ثم إن علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر، أعني العلم بأعمال الجوارح - وإلى علم باطن - أعني العلم بأعمال القلوب والجاري على الجوارح إما عادة وإما عبادة، والوارد على القلوب التي هي بحكم الاحتجاب عن الحواس من عالم الملكوت إما محمود وإما مذموم فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين ظاهر وباطن والشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عادة وعبادة، والشطر اباطن المتعلق بأحوال القلب وأخلاق النفس انقسم إلى مذموم ومحمود، فكان المجموع أربعة أقسام ولا يشذ نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام. الباعث الثاني. أني رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله سبحانه وتعالى المتدرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه ومنزلته في المنافسات وهو مرتب على أربعة أرباع والمتزيي بزي المحبوب محبوب فلم أبعد أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفاً في استدراج القلوب ولهذا تلطف بعض من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعاً في الجداول والرقوم وسماه تقويم الصحة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذباً لهم إلى المطالعة والتلطف في اجتذاب القلوب ولهذا تلطف بعض من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعاً في الجداول والرقوم وسماه تقويم الصحة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذباً لهم إلى المطالعة والتلطف في اجتذاب القلوب إلى العلم الذي يفيد حياة الأبد أهم من التلطف في اجتذابها إلى الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد، فثمرة هذا العلم طب القلوب والأرواح المتوصل به إلى حياة تدوم أبد الآباد، فأين منه الطب الذي يعالج به الأجساد وهي معرضة بالضرورة للفساد في أقرب الآماد? فنسأل الله سبحانه التوفيق للرشاد والسداد، إنه كريم جواد.
===========
وفيه سبعة أبواب
الباب الأول في فضل العلم والتعليم والتعلم الباب الثاني في فرض العين وفرض الكفاية من العلوم وبيان حد الفقه والكلام من علم الدين وبيان علم الآخرة وعلم الدنيا الباب الثالث فيما تعده العامة من علوم الدين وليس منه، وفيه بيان جنس العلم المذموم وقدره الباب الرابع في آفات المناظرة وسبب اشتغال الناس بالخلاف والجدل الباب الخامس في آداب المعلم والمتعلم الباب السادس في آفات العلم والعلماء والعلامات الفارقة بين علماء الدنيا والآخرة الباب السابع في العقل وفضله وأقسامه وما جاء فيه من الأخبار.
=======
إحياء علوم الدين/كتاب العلم/الباب الأول
الباب الأول
في فضل العلم والتعليم والتعلم
وشواهده من النقل والعقل
فضيلة العلم
شواهدها من القرآن قوله عز وجل "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط" فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم؛ وناهيك بهذا شرفاً وفضلاً وجلاء ونبلاً. وقال الله تعالى "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" قال ابن عباس رضي الله عنهما: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام. وقال عز وجل "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" وقال تعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقال تعالى "قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" وقال تعالى "قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به" تنبيهاً على أنه اقتدر بقوة العلم. وقال عز وجل "وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً" بين أن عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم. وقال تعالى "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون" وقال تعالى "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله. وقيل في قوله تعالى "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواءتكم - يعني العلم - وريشاً - يعني اليقين - ولباس التقوى" يعني الحياء. وقال عز وجل "ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم" وقال تعالى "فلنقصن عليهم بعلم" وقال عز وجل "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم" وقال تعالى "خلق الإنسان علمه البيان" وإنما ذكر في معرض الامتنان. وأما الأخبار فقال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده" وقال ﷺ "العلماء ورثة الأنبياء"، ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة. وقال ﷺ "يستغفر للعالم ما في السموات والأرض وأي منصب يزيد على منصب من تشتغل ملائكة السموات والأرض بالاستغفار له. وقال ﷺ "إن الحكمة تزيد الشريف شرفاً وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك" وقد نبه بهذا على ثمراته في الدنيا، ومعلوم أن الآخرة خير وأبقى. وقال ﷺ "خصلتان لا يكونان في منافق: حسن سمت وفقه في الدين" ولا تشكن في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزمان، فإنه ما أراد به الفقه الذي ظننته، وسيأتي معنى الفقه. وأدنى درجات الفقيه أن يعلم أن الآخرة خير من الدنيا، وهذه المعرفة إذا صدقت وغلبت عليه برىء بها من النفاق والرياء.
وقال ﷺ "أفضل الناس المؤمن العالم الذي إن احتيج إليه نفع وإن استغني عنه أغنى نفسه" وقال ﷺ "الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم" وقال ﷺ "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد: أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل". وقال ﷺ "لموت قبيلة أيسر من موت عالم" وقال عليه الصلاة والسلام "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" وقال ﷺ "يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء" وقال ﷺ "من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة حتى يؤديها إليهم كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة" وقال ﷺ "من حمل من أمتي أربعين حديثاً لقي الله عز وجل يوم القيامة فقيهاً عالماً" وقال ﷺ "من تفقه في دين الله عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ورزقه من حيث لا يحتسب" وقال ﷺ "أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم عليه السلام: يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم" وقال ﷺ "العالم أمين الله سبحانه في الأرض" وقال ﷺ "صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس: الأمراء والفقهاء" وقال عليه السلام "إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم، وقال ﷺ في تفضيل العلم على العبادة والشهادة "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" فانظر كيف جعل العلم مقارناً لدرجة النبوة وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب عليها ولولاه لم تكن عبادة? وقال ﷺ "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وقال ﷺ "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" فأعظم بمرتبة هي تلو النبوة وفوق الشهادة مع ما ورد في فضل الشهادة. وقال رسول الله ﷺ "ما عبد الله تعالى بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه" وقال ﷺ "خير دينكم أيسره وخير العبادة الفقه" وقال ﷺ "فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد بسبعين درجة" وقال ﷺ "إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه قليل معطوه كثير سائلوه والعلم فيه خير من العمل" وقال ﷺ " بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة" وقيل: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل? فقال "العلم بالله عز وجل" فقيل: أي العلم تريد? قال ﷺ "العلم بالله سبحانه" فقيل له: نسأل عن العمل وتجيب عن العلم! فقال ﷺ "إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله، وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله" وقال ﷺ "يبعث الله سبحانه العباد يوم القيامة ثم يبعث العلماء ثم يقول: يا معشر العلماء، إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم" نسأل الله حسن الخاتمة. وأما الآثار فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق. وقال علي أيضاً رضي الله عنه: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه وقال رضي الله عنه نظماً:
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهـم
على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرىء ما كان يحسنه
والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حياً بـه أبـداً
الناس موتى وأهل العلم أحياء
وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خير سليمان بن داود عليهما السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه، وسئل ابن المبارك: من الناس? فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك? قال: الزهاد. قيل: فمن السفلة? قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين ولم يجعل غير العالم من الناس لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم؛ فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، ولا بعظمه فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه، ولا بأكله فإن الثور أوسع بطناً منه، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه، بل لم يخلق إلا للعلم. وقال بعض العلماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فاته من أدرك العلم. وقال عليه الصلاة والسلام "من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظم الله تعالى" وقال فتح الموصلي رحمه الله: أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت? قالوا: بلى قال: كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت. ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته، كما أن غذاء الجسم الطعام، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم ولكنه لا يشعر به؛ إذ حب الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه؛ كما أن غلبة الخوف قد تبطل ألم الجراح في الحال وإن كان واقعاً؛ فإذا حط الموت عنه أعباء الدنيا أحس بهلاكه وتحسر تحسراً عظيماً ثم لا ينفعه وذلك كإحساس الآمن خوفه والمفيق من سكره بما أصابه من الجراحات في حالة السكر أو الخوف، فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وقال الحسن رحمه الله: يوزن مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه موت رواته، فوالذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم، فإن أحداً لم يولد عالماً وإنما العلم بالتعلم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها، وكذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وأحمد بن حنبل رحمه الله. وقال الحسن في قوله تعالى "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة، وفي الآخرة هي الجنة. وقيل لبعض الحكماء: إن الأشياء تقتنى? قال: الأشياء التي إذا غرقت سفينتك سبحت معك، يعني العلم وقيل. أراد بغرف السفينة هلاك بدنه بالموت. وقال بعضهم: من اتخذ الحكمة لجاماً اتخذه الناس إماماً، ومن عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار. وقال الشافعي رحمة الله عليه: من شرف للعلم أن كل من نسب إليه ولو في شيء حقير فرح، ومن رفع عنه حزن. وقال عمر رضي الله عنه: يا أيها الناس عليكم بالعلم فإن لله سبحانه رداء يحبه، فمن طلب باباً من العلم رداه الله عز وجل بردائه، فإن أذنب ذنباً استعتبه ثلاث مرات لئلا يسلبه رداءه ذلك وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت. وقال الأحنف رحمه الله: كاد العلماء أن يكونوا أرباباً وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل مصيره.
وقال سالم بن أبي الجعد: اشتراني مولاي بثلثمائة درهم وأعتقني، فقلت بأي شيء أحترف? فاحترفت بالعلم فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له. وقال الزبير بن أبي بكر: كتب إلي أبي بالعراق: عليك بالعلم فإنك إن افتقرت كان لك مالاً، وإن استغنيت كان لك جمالاً. وحكى ذلك في وصايا لقمان لابنه قال: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء. وقال بعض الحكماء: إذا مات العالم بكاه الحوت في الماء والطير في الهواء ويفقد وجهه ولا ينسى ذكره. وقال الزهري رحمه الله: العلم ذكر ولا تحبه إلا ذكران الرجال.
فضيلة التعلم
أما الآيات فقوله تعالى "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين" وقوله عز وجل "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" أما الأخبار فقوله ﷺ "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة" وقال ﷺ "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع" وقال ﷺ "لأن تغدو فتتعلم باباً من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة" وقال ﷺ "باب من العلم يتعلمه الرجل خير له من الدنيا وما فيها" وقال ﷺ "اطلبوا العلم ولو بالصين" وقال ﷺ "طلب العلم فريضة على كل مسلم" وقال عليه الصلاة والسلام "العلم خزائن مفاتيحها السؤال، ألا فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة. السائل والعالم والمستمع والمحب لهم" وقال ﷺ "لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه" وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه "حضور مجلس عالم أفضل من صلاة ألف ركعة وعيادة ألف مريض وشهود ألف جنازة" فقيل يا رسول الله، ومن قراءة القرآن? فقال ﷺ "وهل ينفع القرآن إلا بالعلم?" وقال عليه الصلاة والسلام "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة" وأما الآثار فقال ابن عباس رضي الله عنها ذللت طالباً فعززت مطلوباً. وكذلك قال ابن أبي مليكة رحمه الله: ما رأيت مثل ابن عباس، إذا رأيته رايت أحسن الناس وجهاً. وإذا تكلم فأعرب الناس لساناً وإذا أفتى فأكثر الناس علماً. وقال ابن المبارك رحمه الله: عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة? وقال بعض الحكماء: إني لا أرحم رجالاً كرحمتي لأحد رجلين: رجل يطلب العلم ولا يفهم، ورجل يفهم العلم ولا يطلبه. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة. وقال أيضاً: كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابع فتهلك. وقال عطاء: مجلس علم يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللهو. وقال عمر رضي الله عنه: موت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه. وقال الشافعي رضي الله عنه: طلب العلم أفضل من النافلة. وقال ابن عبد الحكم رحمه الله: كنت عند مالك أقرأ عليه العلم فدخل الظهر فجمعت الكتب لأصلي فقال: يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت النية. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: من رأى أن الغدو إلى طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله.
فضيلة التعليم
أما الآيات فقوله عز وجل: "ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" والمراد هوالتعليم والإرشاد. وقوله تعالى "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه" وهو إيجاب للتعليم. وقوله تعالى "وإن فريقاً ليكتمون الحق وهم يعلمون" وهو تحريم للكتمان كما قال تعالى في الشهادة "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" وقال ﷺ "ما آتى الله عالماً علماً إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينوه للناس ولا يكتموه" وقال تعالى "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً" وقال تعالى "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" وقال تعالى "ويعلمهم الكتاب والحكمة" وأما الأخبار فقوله ﷺ لما بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها" وقال ﷺ "من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب سبعين صديقاً" وقال عيسى ﷺ: من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السموات. وقال رسول الله ﷺ "إذا كان يوم القيامة يقول الله سبحانه للعابدين والمجاهدين: ادخلوا الجنة، فيقول العلماء بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوا، فيقول الله عز وجل: أنتم عندي كبعض ملائكتي اشفعوا تشفعوا فيشفعون ثم يدخلون الجنة" وهذا إنما يكون بالعلم المتعدى بالتعليم لا العلم اللازم الذي لا يتعدى. وقال ﷺ "إن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعاً من الناس بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهب بذهاب العلماء، فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم، حتى إذا لم يبق إلا رؤساء جهالاً إن سئلوا أفتوا بغير علم فيضلون ويضلون وقال ﷺ "من علم علماً فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" وقال ﷺ "نعم العطية ونعم الهدية كلمة حكمة تسمعها فتطوي عليها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلمه إياها تعدل عبادة سنة" وقال ﷺ "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله سبحانه وما والاه أو معلماً أو متعلماً" وقال ﷺ "إن الله سبحانه وملائكته وأهل سمواته وأرضه حتى النملة في جحرها حتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير" وقال ﷺ "ما أفاد المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه" وقال ﷺ "كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعلمها ويعمل بها خير له من عبادة سنة" وخرج رسول الله ﷺ ذات يوم فرأى مجلسين أحدهما يدعون الله عز وجل ويرغبون إليه والثاني يعلمون الناس، فقال "أما هؤلاء فيسألون الله تعالى فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيعلمون الناس وإنما بعثت معلماً ثم عدل إليهم وجلس معهم" وقال ﷺ "مثل ما بعثني الله عز وجل به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها بقعة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت الماء فنفع الله عز وجل بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ".
فالأول ذكره مثلاً للمنتفع بعلمه، والثاني ذكره مثلاً للنافع، والثالث للمحروم منهما وقال ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به الحديث" وقال ﷺ "الدال على الخير كفاعله" وقال ﷺ "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله عز وجل حكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الخير" وقال ﷺ "على خلفائي رحمة الله" قيل: ومن خلفاؤك? قال "الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله" وأما الآثار فقد قال عمر رضي الله عنه: من حدث حديثاً فعمل به فله مثل أجر من عمل ذلك العمل. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر. وقال بعض العلماء: العالم يدخلفيما بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل. وروي أن سفيان الثوري رحمه الله قدم عسقلان فمكث لا يسأله إنسان، فقال: اكروا لي لأخرج من هذا البلد، هذا بلد يموت فيه العلم. وإنما قال ذلك حرصاً على فضيلة التعليم واستقباء العلم به وقال عطاء رضي الله عنه: دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك? قال: ليس أحد يسألني عن شيء. وقال بعضهم: العلماء سرج الأزمنة، كل واحد مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره. وقال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم: أي أنهم بالتعليم يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية. وقال عكرمة: إن لهذا العلم ثمناً. قيل وما هو? قال: أن تضعه فيمن يحسن حمله ولا يضيعه. وقال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد ﷺ من آبائهم وأمهاتهم. قيل: وكيف ذلك? قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهم يحفظونهم من نار الآخرة. وقيل: أول العلم الصمت ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل ثم نشره.
وقيل: علم علمك من يجهل وتعلم ممن يعلم ما تجهل؛ فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت وحفظت ما علمت. وقال معاذ بن جبل في التعليم والتعلم ورأيته أيضاً مرفوعاً "تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والمصبر على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الغرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة، يقتدي بهم، أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق أفعالهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، وكل رطب ويابس لهم يستغفر حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها، لأن العلم حياة القلوب من العمى. ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأبرار والدرجات العلى، والتفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الله عز وجل وبه يعبد، وبه يوحد وبه يمجد، وبه يتورع، وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء. نسأل الله تعالى حسن التوفيق.
في الشواهد العقلية
اعلم أن المطلوب من هذا الباب معرفة فضيلة العلم ونفاسته، وما لم تفهم الفضيلة في نفسها ولم يتحقق المراد منها لم يمكن أن تعلم وجودها صفة للعلم أو لغيره من الخصال، فلقد ضل عن الطريق من طمع أن يعرف أن زيداً حكيم أم لا، وهو بعد لم يفهم معنى الحكمة وحقيقتها. والفضيلة مأخوذة من الفضل وهي الزيادة؛ فإذا تشارك شيئان في أمر واختص أحدهما بمزيد يقال فضله وله الفضل عليه مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك الشيء كما يقال: الفرس أفضل من الحمار بمعنى أنه يشاركه في قوة الحمل ويزيد عليه بقوة الكر والفر وشدة العدو وحسن الصورة، فلو فرض حمار اختص بسلعة زائدة لم يقل إنه أفضل؛ لأن تلك زيادة في الجسم ونقصان في المعنى وليست من الكمال في شيء، والحيوان مطلوب لمعناه وصفاته لا لجسمه؛ فإذا فهمت هذا لم يخف عليك أن العلم فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الأوصاف، كما أن للفرس فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الحيوانات؛ بل شدة العدو فضيلة في الفرس وليست فضيلة على الإطلاق، والعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة؛ فإنه وصف كمال الله سبحانه وبه شرف الملائكة والأنبياء، بل الكيس من الخيل خير من البليد فهي فضيلة على الإطلاق من غير إضافة. واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لغيره، وإلى ما يطلب لذاته، وإلى ما يطلب لغيره ولذاته جميعاً فما يطلب لذاته أشرف وأفضل مما يطلب لغيره، والمطلوب لغيره: الدراهم والدنانير فإنهما حجران لا منفعة لهما، ولولا أن الله سبحانه وتعالى يسر قضاء الحاجات بهما لكانا والحصباء بمثابة واحدة. والذي يطلب لذاته: فالسعادة في الآخرة ولذة النظر لوجه الله تعالى. والذي يطلب لذاته ولغيره فكسلامة البدن، فإن سلامة الرجل مثلاً مطلوبة من حيث إنها سلامة للبدن عن الألم ومطلوبة للشيء بها والتوصل إلى المآرب والحاجات، وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذاً في نفسه فيكون مطلوباً لذاته، ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها وذريعة إلى القرب من الله تعالى ولا يتوصل إليه إلا به، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة الأبدية وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل ولا يتوصل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل، فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال، وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشيء أيضاً بشرف ثمرته! وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى، هذا في الآخرة وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم الاحترام في الطباع حتى إن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة بل البهيمة بطبعها توقر الإنسان لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها: هذه فضيلة العلم مطلقاً ثم تختلف العلوم كما سيأتي بيانه وتتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها. وأما فضيلة التعليم والتعلم فظاهرة مما ذكرناه، فإن العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلمه طلباً للأفضل فكان تعليمه إفادة للأفضل، وبيانه أن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة وهي الآلة الموصلة إلى الله عز وجل لم اتخذها آلة ومنزلاً لمن يتخذها مستقراً ووطناً؛ وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين. وأعمالهم وحرفهم وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام: أحدها أصول لا قوا للعالم دونها، وهي أربعة: الزراعة، وهي للمطعم. والحياكة، وهي للملبس. والبناء، وهو للمسكن. والسياسة، وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها.
الثاني ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها: كالحدادة فإنها تخدم الزراعة وجملة من الصناعات بإعداد آلاتها كالحلاجة والغزل فإنها تخدم الحياكة بإعداد عملها.
الثالث ما هي متممة للأصول ومزينة، كالطحن والخبز للزراعة؛ وكالقصارة والخياطة للحياكة؛ وذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل أجزاء الشخص بالإضافة إلى جملته فإنها ثلاثة أضرب أيضاً: إما أصول كالقلب والكبد والدماغ؛ وإما خادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب والأوردة، وإما مكملة لها ومزينة كالأظفار والأصابع والحاجبين، وأشرف هذه الصناعات أصولها، وأشرف أصولها السياسة بالتأليف والاستصلاح ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفل بها ما لا يستدعيه سائر الصناعات، ولذلك يستخدم لا محالة صاحب هذه الصناعة سائر الصناع والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة على أربع مراتب: الأولى - وهي العليا: سياسة الأنبياء عليهم السلام وحكمهم على الخاصة والعامة جميعاً في ظاهرهم وباطنهم. والثانية: الخلفاء والملوك والسلاطين وحكمهم على الخاصة والعامة جميعاً ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم. والثالثة: العلماء بالله عز وجل وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء، وحكمهم على باطن الخاصة فقط، ولا يرتفع فهم العامة على الاستفادة منهم ولا تنتهي قوتهم إلى التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع والشرع.
والرابعة: الوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط؛ فأشرف هذه الصناعات الأربع بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعليم؛ وإنما قلنا إن هذا أفضل من سائر الحرف والصناعات لأن شرف الصناعات يعرف بثلاثة أمور: إما بالالتفات إلى الغريرزة التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل العقول العقلية على اللغوية: إذ تدرك الحكمة بالعقل، واللغة بالسمع، والعقل أشرف من السمع؛ وإما بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة، وإما بملاحظة المحل الذي فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة: إذ محل أحدهما الذهب ومحل الآخر جلد الميتة؛ وليس يخفي أن العلوم الدينية وهي فقه طريق الآخرة إنما تدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء، والعقل أشرف صفات الإنسان كما سيأتي بيانه؛ إذ به تقبل أمانة الله، وبه يتوصل إلى جوار الله سبحانه. وأما عموم النفع فلا يستراب فيه فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة. وأما شرف المحل فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه، والمعلم مشتغل بتكميله وتجليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل، فتعليم العلم من وجه: عبادة لله تعالى، ومن وجه خلافة لله تعالى، وهو من أجل خلافة الله؛ فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته. فهو كالخازن لأنفس خز ائنه؛ ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه؛ فأي رتبة أجل من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى وسياقتهم إلى جنة المأوى، جعلنا الله منهم بكرمه؛ وصلى الله على كل عبد مصطفى.
====
إحياء علوم الدين/كتاب العلم/الباب الثاني
الباب الثاني
في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما
وفيه بيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، وبيان أن موقع الكلام والفقه من علم الدين إلى أي حد هو وتفضيل علم الآخرة.
بيان العلم الذي هو فرض عين
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "طلب العلم فريضة على كل مسلم" وقال أيضاً ﷺ "اطلبوا العلم ولو بالصين" واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على كل مسلم، فتفرقوا فيه أكثر من عشرين فرقة، ولا نطيل بنقل التفصيل، ولكن حاصله أن كل فريق نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده، فقال المتكلمون: هو علم الكلام، إذ به يدرك التوحيد ويعلم به ذات الله سبحانه وصفاته، وقال الفقهاء: هو علم الفقهاء: هو علم الفقه إذ به تعرف العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل، وعنوا به ما يحتاج إليه الآحاد دون الوقائع النادرة، وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة، إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها. وقال المتصوفة: المراد به هذا العلم، فقال بعضهم: هو علم العبد بحاله ومقامه من الله عز وجل. وقال بعضهم: هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس وتمييز لمة الملك من لمة الشيطان. وقال بعضهم: هو علم الباطن، وذلك يجب على أقوام مخصوصين هم أهل ذلك وصرفوا اللفظ عن عمومه. وقال أبو طالب المكي: هو العلم بما يتضمنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام، وهوقوله ﷺ "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله" إلى آخر الحديث، لأن الواجب هذه الخمس فيجب العلم بكيفية العمل فيها وبكيفية الوجوب. والذي ينبغي أن يقطع به المحصل ولا يستريب فيه ما سنذكره: وهو أن العلم كما قدمناه في خطبة الكتاب ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إلا علم المعاملة. والمعاملة التي كلف العبد العاقل البالغ العمل بها ثلاثة: اعتقاد، وفعل، وترك؛ فإذا بلغ الرجل العاقل بالاحتلام أو السن ضحوة نهار مثلاً فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وهو قول "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وليس يجب عليه أن يحصل كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة، بل يكفيه أن يصدق به ويعتقده جزماً من غير اختلاج ريب واضطراب نفس، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث ولا برهان؛ إذ اكتفى رسول الله ﷺ من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل. فإذا فعل ذلك فقد أدى واجب الوقت وكان العلم الذي هو فرض عين عليه في الوقت تعلم الكلمتين وفهمهما، وليس يلزمه أمر وراء هذا في الوقت، بدليل أنه لو مات عقيب ذلك مات مطيعاً لله عز وجل غير عاص له، وإنما يجب غير ذلك بعوارض تعرض وليس ذلك ضرورياً في حق كل شخص بل يتصور الانفكاك وتلك العوارض إما أن تكون في الفعل وإما في الترك وإما في الاعتقاد.
أما الفعل: فبأن يعيش من ضحوة نهاره إلى وقت الظهر فيتجدد عليه بدخول وقت الظهر تعلم الطهارة والصلاة، فإن كان صحيحاً وكان بحيث لو صبر إلى وقت زوال الشمس لم يتمكن من تمام التعلم والعمل في الوقت بل يخرج الوقت لو اشتغل بالتعلم، فلا يبعد أن يقال: الظاهر بقاؤه فيجب عليه تقديم التعلم على الوقت. ويحتمل أن يقال: وجوب العلم الذي هو شرط العمل بعد وجوب العمل فلا يجب قبل الزوال، وهكذا في بقية الصلوات فإن عاش إلى رمضان تجدد بسببه وجوب تعلم الصوم: وهو أن وقته من الصبح إلى غروب الشمس؛ وأن الواجب فيه النية والإمساك عن الأكل والشرب والوقاع، وأن ذلك يتمادى إلى رؤية الهلال أو شاهدين؛ فإن تجدد له مال أو كان له مال عند بلوغه لزمه تعلم ما يجب عليه من الزكاة، ولكن لا يلزمه في الحال إنما يلزمه عند تمام الحول من وقت الإسلام؛ فإن لم يملك إلا الإبل لم يلزمه إلا تعلم زكاة الإبل، وكذلك في سائر الأصناف، فإذا دخل في أشهر الحج فلا يلزمه المبادرة إلى علم الحج مع أن فعله على التراخي فلا يكون تعلمه على الفور، ولكن ينبغي لعلماء الإسلام أن ينبهوه على أن الحج فرض على التراخي على كل من ملك الزاد والراحلة إذا كان هو مالكاً حتى ربما يرى الحزم لنفسه في المبادرة فعند ذلك إذا عزم عليه لزمه تعلم كيفية الحج ولم يلزمه إلا تعلم أركانه وواجباته دون نوافله، فإن فعل ذلك نفل فعلمه أيضاً نفل فعلمه أيضاً نفل فلا يكون تعلمه فرض عين وفي تحريم السكوت عن التنبيه على وجوب أصل الحج في الحال نظر يليق بالفقه، وهكذا التدريج في علم سائر الأفعال التي هي فرض عين. وأما التروك فيجب تعلم علم ذلك بحسب ما يتجدد من الحال، وذلك يختلف بحال الشخص إذ لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، ولا على الأعمى تعلم ما يحرم من النظر، ولا على البدوي تعلم ما يحرم الجلوس فيه من المساكن، فذلك أيضاً واجب بحسب ما يقتضيه الحال، فما يعلم أنه ينفك عنه لا يجب تعلمه وما هو ملابس له يجب تنبيهه عليه كما لو كان عند الإسلام لابساً للحرير، أو جالساً في الغصب، أو ناظراً إلى غير ذي محرم، فيجب تعريفه بذلك وما ليس ملابساً له ولكنه بصدد التعرض له على القرب كالأكل والشرب فيجب تعليمه، حتى إذا كان في بلد يتعاطى فيه شرب الخمر وأكل لحم الخنزير فيجب تعليمه ذلك وتنبيهه عليه، وما وجب تعليمه وجب عليه تعلمه. وأما الاعتقادات وأعمال القلوب فيجب علمها بحسب الخواطر، فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة فيجب عليه تعلم ما يتوصل به إلى إزالة الشك. فإن لم يخطر له ذلك ومات قبل أن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم وأنه مرئي وأنه ليس محلاً للحوادث إلى غير ذلك مما يذكر في المعتقدات، فقد مات على الإسلام إجماعاً، ولكن هذه الخواطر الموجبة للاعتقادات بعضها يحظر بالطبع وبعضها يحظر بالسماع من أهل البلد، فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغي أن يصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق، فإنه لو ألقى إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجراً وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا، وهذا هو الحق في العلم الذي هو فرض عين ومعناه العلم بكيفية العمل الواجب، فمن علم العلم الواجب ووقت وجوبه فقد علم العلم الذي هو فرض عين، وما ذكره الصوفية من فهم خواطر العدو ولمة الملك حق أيضاً ولكن في حق من يتصدى له، فإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفك عن دواعي الشر والرياء والحسد فيلزمه أن يتعلم من علم ربع المهلكات ما يرى نفسه محتاجاً إليه، وكيف لا يجب عليه وقد قال رسول الله ﷺ "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" ولا ينفك عنها بشر، وبقية ما سنذكره من مذمومات أحوال القلب كالكبر والعجب وأخواتها تتبع هذه الثلاث المهلكات، وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إزالتها إلا بمعرةف حدودها ومعرفة أسبابها ومعرةف علاماتها ومعرفة علاجها؛ فإن من لا يعرف الشر يقع فيه، والعلاج هو مقابلة السبب بضده، وكيف يمكن دون معرفة السبب والمسبب، وأكثر ما ذكرناه في ربع المهلكات من فروض الأعيان، وقد تركها الناس كافة اشتغالاً بما لا يعني. ومما ينبغي أن يبادر في إلقائه إليه إذا لم يكن قد انتقل عن ملة إلى ملة أخرى:
الإيمان بالجنة والنار والحشر والنشر حتى يؤمن به ويصدق، وهو من تتمة كلمتي الشهادة، فإنه بعد التصديق بكونه عليه السلام رسولاً ينبغي أن يفهم الرسالة التي هو مبلغها: وهو أن من أطاع الله ورسوله فله الجنة، ومن عصاهما فله النار، فإذا انتبهت لهذا التدريج علمت أن المذهب الحق هو هذا، وتحققت أن كل عبد هو في مجاري أحواله في يومه وليلته لا يخلو من وقائع في عبادته ومعاملاته عن تجدد لوازم عليه فيلزمه السؤال عن كل ما يقع له من النوادر ويلزمه المبادرة إلى تعلم ما يتوقع وقوعه على القرب غالباً؛ فإذا تبين أنه عليه الصلاة والسلام إنما أراد بالعلم المعرف بالألف واللام في قوله ﷺ؛ طلب العلم فريضة على كل مسلم؛ علم العمل الذي هو مشهور الوجوب على المسلمين لا غير؛ فقد اتضح وجه التدريج ووقت وجوبه، والله أعلم.
بيان العلم الذي هو فرض كفاية
اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم والعلوم بالإضافة إلى الغرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية؛ وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب، ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل اللغة: فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم وإلى ما هو مباح، فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة: أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان. وكالحساب؛ فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما. وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد. وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة. فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك. فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه. فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله. وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه. ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه. وأما المذموم فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعبذة والتلبيسات. وأما المباح منه فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها. وتواريخ الأخبار وما يجري مجراه.
أما العلوم الشرعية وهي المقصود بالبيان: فهي محمودة كلها ولكن قد يلتبس بها ما يظن أنها شرعية وتكون مذمومة فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة. أما المحمودة فلها أصول وفروع ومقدمات ومتممات وهي أربعة أضرب الضرب الأول الأصول: وهي أربعة كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله عليه السلام وإجماع الأمة وآثار الصحابة والإجماع أصل من حيث إنه يدل على السنة فهو أصل في الدرجة الثالثة. وكذا الأثر فإنه أيضاً يدل على السنة. لأن الصحابة رضي الله عنهم قد شاهدوا الوحي والتنزيل وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه وربما لا تحيط العبارات بما أدرك بالقرائن. فمن هذا الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم وذلك بشرط مخصوص على وجه مخصوص عند م يراه ولا يليق بيانه بهذا الفن الضرب الثاني الفروع: وهو ما فهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها بل بمعان تنبه لها العقول فاتسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره كما فهم من قوله عليه السلام "لا يقضي القاضي وهو غضبان" أنه لا يقضي إذا كان خائفاً أو جائعاً أو متألماً بمرض. وهذا على ضربين: أحدهما: يتعلق بمصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه والمتكفل به الفقهاء وهم علماء الدنيا. والثاني: ما يتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة وما هو مرضي عند الله تعالى، وما هو مكروه وهو الذي يحويه الشطر الأخير من هذا الكتاب، أعني جملة كتاب إحياء علوم الدين، ومنه العلم بما يترشح من القلب على الجوارح في عباداتها وعاداتها، وهو الذي يحويه الشطر الأول من هذا الكتاب. والضرب الثالث المقدمات؛ وهي التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو؛ فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية في أنفسهما، ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة فيصير تعلم تلك اللغة آلة ومن الآلات علم كتابة الخط إلا أن ذلك ليس ضرورياً إذ كان رسول الله ﷺ أمياً. ولو تصور استقلال الحفظ بجميع ما يسمع لاستغنى عن الكتابة، ولكنه صار بحكم العجز في الغالب ضرورياً الضرب الرابع المتممات: وذلك في علم القرآن؛ فإنه ينقسم إلى ما يتعلق باللفظ كتعلم القراءات ومخارج الحروف وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير؛ فإن اعتماده أيضاً على النقل، إذ اللغة بمجردها لا تستقل به وإلى ما يتعلق بأحكامه كمعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنص والظاهر. وكيفية استعمال البعض منه مع البعض، وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه ويتناول السنة أيضاً. وأما المتممات في الآثار والأخبار فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم وأسماء الصحابة وصفاتهم، والعلم بالعدالة في الرواة، والعلم بأحوالهم ليميز الضعيف عن القوي، والعلم بأعمارهم ليميز المرسل عن المسند وكذلك ما يتعلق به؛ فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها من فروض الكفايات. فإن قلت. لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا?
فاعلم أن الله عز وجل أخرج آدم عليه السلام من التراب وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى العرض ثم إلى الجنة أو إلى النار؛ فهذا مبدؤهم وهذا غايتهم وهذه منازلهم. وخلق الدينا زاداً للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود؛ فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولدت منها الخصومات فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به؛ فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات؛ فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا، ولعمري إنه متعلق أيضاً بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنياح فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا. والملك والدين توأمان؛ فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه. وكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى؛ بل هو معين على ما لا يتم الدين إلا به، فكذلك معرفة طريق السياسة فمعلوم أن الحج لا يتم إلا ببذرقة تحرس من العرب في الطريق ولكن الحج شيء وسلوك الطريق إلى الحج شيء ثان، والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج إلا بها شيء ثالث، ومعرفعة طرق الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع، وحاصل فن الفقه معرفة طرق السياسة والحراسة ويدل على ذلك ما روي مسنداً "لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف" فالأمير هو الإمام وقد كانوا هم المفتون، والمأمور نائبه، والمتكلف غيرهما: وهو الذي يتقلد تلك العهدة من غير حاجة. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحترزون عن الفتوى، حتى كان يحيل كل منهم على صاحبه، وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة. وفي بعض الروايات بدل المتكلف: المرائي؛ فإن من تقلد خطر الفتوى وهو غير متعين للحاجة فلا يقصد به إلا طلب الجاه والمال. فإن قلت: هذا إن استقام لك في أحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل الخومات، فلا يستقيم فيما يشتمل عليه ربع العبادات من الصيام والصلا ولا فيما يشتمل عليه ربع العادات من المعاملات من بيان الحلال والحرام؛ فإذا تأملت منتهى نظر الفقيه فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام والصلاة والزكاة والحلال والحرام؛ فإذا تأملت منتهى نظر الفقيه فيها علمت أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر. أما الإسلام فيتكلم الفقيه فيما يصح منه وفيما يفسد وفي شروطه وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان. وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه لعزل رسول الله ﷺ أرباب السيوف والسلطنة عنه حيث قال "هلا شققت عن قلبه?" للذي قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذراً بأنه قال ذلك من خوف السيف، بل يحكم الفقيه بصحة الإسلام تحت ظلال السيوف، مع أنه يعلم أن السيف لم يكشف له عن نيته ولم يدفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة، ولكنه مثير على صاحب السيف فإن السيف ممتد إلى رقبته واليد ممتدة إلى ماله وهذه الكلمة باللسان تعصم رقبته وماله ما دام له رقبة ومال، وذلك في الدنيا، ولذلك قال ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم" وجعل أثر ذلك في الدم والمال. وأما الآخرة فلا تنفع فيها الأموال بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها، وليس ذلك من الفقه، وإن خاض الفقيه فيه كان كما لو خاض في الكلام والطب وكان خارجاً عن فنه. وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان غافلاً في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولاً بالتفكير في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير، وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة، كما أن القول باللسان في الإسلام لا ينفع، ولكن الفقيه يفتي بالصحة أي أن ما فعله حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزير، فأما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر لا يتعرض له الفقيه ولو تعرض له لكان خارجاً عن فنه، وأما الزكاة فالفقيه ينظر إلى
ما يقطع به مطالبة السلطان حتى إنه إذا امتنع عن أدائها فأخذها السلطان قهراً حكم بأنه برئت ذمته. وحكى أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ويستوهب مالها إسقاطاً للزكاة، فحكى ذلك لأبي حنيفة رحمه الله فقال ذلك من فقهه. وصدق فإن ذلك من فقه الدنيا ولكن مضرته في الآخرة أعظم من كل جناية، ومثل هذا هو العلم الضار. وأما الحلال والحرام فالورع عن الحرام من الدين، ولكن الورع له أربع مراتب الأولى الورع الذي يشترط في عدالة الشهادة: وهو الذي يخرج بتركه الإنسان عن أهلية الشهادة والقضاء والولاية وهو الاحتراز عن الحرام الظاهر الثانية ورع الصالحين: وهو التوقي من الشبهات التي يتقابل فيها الاحتمالات. قال ﷺ "دع ما يريبك إلى ما يريبك" وقال ﷺ "الإثم حزاز القلوب" الثالثة ورع المتقين وهو ترك الحلال المحض الذي يخاف مه أداؤه إلى الحرام. قال ﷺ "لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة مما به بأس" وذلك مثل التورع عن التحدث بأحوال الناس خيفة م الانجرار إلى الغيبة، والتورع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط والبطر المؤدي إلى مقارفة المحظورات الرابعة ورع الصديقين وهو الإعراض عما سوى الله تعالى خوفاً من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله عز وجل وإن كان يعلم ويتحقق أنه لا يفضي إلى حرام، فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الدرجة الأولى: وهو ورع الشهود والقضاء وما يقدح في العدالة والقيام بذلك لا ينفي الإثم في الآخرة، قال رسول الله ﷺ لوابصة "استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك" والفقيه لا يتكلم في حزازات القلوب وكيفية العمل بها بل فيما يقدح في العدالة فقط، فإن جميع نظر الفقيه مرتبط بالدنيا التي بها صلاح طريق الآخرة، فإن تكلم في شيء من صفات القلب وأحكام الآخرة فذلك يدخل في كلامه على سبيل التطفل كما قد يدخل في كلامه شيء من الطب والحساب والنجوم وعلم الكلام، وكما تدخل الحكمة في النحو والشعر. وكان سفيان الثوري وهو إمام في علم الظاهر يقول: إن طلب هذا ليس من زاد الآخرة، كيف وقد اتفقوا على أن الشرف في العلم العمل به فكيف يظن أنه علم الظهار واللعان والسلم والإجارة والصرف، ومن تعلم هذه الأمور ليتقرب بها إلى الله تعالى فهو مجنون، وإنما العمل بالقلب والجوارح في الطاعات، والشرف هو تلك الأعمال. فإن قلت: لم سويت بين الفقه والطب إذ الطب أيضاً يتعلق بالدنيا وهو صحة الجسد وذلك يتعلق به أيضاً صلاح الدين، وهذه التسوية تخالف إجماع المسلمين? فاعلم أن التسوية غير لازمة بل بينهما فرق، وأن الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه أحدها أنه علم شرعي إذ هو مستفاد من النبوة، بخلاف الطب فإنه ليس من علم الشرع والثاني أنه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة ألبتة لا الصحيح ولا المريض. وأما الطب فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلون والثالث أن علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة لأنه نظر في أعمال الجوارح، ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب، فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة، والمذموم يصدر من المذموم، وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب. وأما الصحة والمرض فمنشؤهما صفاء في المزاج والأخلاط وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب، فمهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه، وإذا أضيف علم طريق الآخرة إلى الفقه ظهر أيضاً شرف علم طريق الآخرة. فإن قلت: فصل لي علم طريق الآخرة تفصيلاً يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله. فاعلم أنه قسمان: علم مكاشفة وعلم معاملة، فالقسم الأول علم المكاشفة وهو علم الباطن وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله. وقال آخر: من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم: بدعة، أو كبر. وقيل: من كان محباً للدنيا أو مصراً على هوى لم يتحقق به وقد يتحقق بسائر العلوم، وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئاً وينشد على قوله:
وارض لمن غاب عنك غيبته
فذاك ذنب عـقـابـه فـيه
وهو علم الصديقين والمقربين، أعني علم المكاشفة فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله، وبحكمة في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض، ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب، ومعنى قوله تعالى "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً" ومعنى قوله تعالى "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" ومعنى لقاء الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم ومعنى القرب منه والنزول في جواره، ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى ومقارنة الملائكة والنبيين، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم البعض كما يرى الوكب الدري في جوف السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله، إذ للناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى، فبعضه يرى أن جميع ذلك أمثلة وأن الذي أعده الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الصفات والأسماء. وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها، وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله عز وجل الاعتراف بالعجز عن معرفته، وبعضهم يدعي أموراً عظيمة في المعرفة بالله عز وجل، وبعضهم يقول حد معرفة الله عز وجل ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام: وهو أنه موجود عالم قادر سميع بصير متكلم، فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تنضج له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحاً يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا، وإنما نعني بعلم طريق الآخرة: العلم بكيفية تصقيل هذه المرأة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات والافتداء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه، ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها في موضعها، وبالعلم والتعليم، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة، وبطريق الأسرار، وهذا هو العلم الخفي الذي أراده ﷺ بقوله "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى فلا تحقروا عالماً آتاه الله تعالى علماً منه، فإن الله عز وجل لم يحقره إذ آتاه إياه" وأما القسم الثاني: وهو علم المعاملة، فهو علم أحوال القلب: أما ما يحمد منها فكالصبر، والشكر، والخوف؛ والرجاء، والرضا، والزهد، والتقوى، والقناعة، والسخاء، ومعرفة المنة لله تعالى في جميع الأحوال، والإحسان، وحسن الظن، وحسن الخلق، وحسن المعاشرة، والصدق، والإخلاص، فمعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي بها تكتسب وثمرتها وعلامتها ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى ومازال حتى يعود من علم الآخرة، وأما ما يذم، فخوف الفقر، وسخط المقدور، والغل، والحقد، والحسد، والغش، وطلب العلو، وحب الثناء، وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع، والكبر، والرياء، والغضب، والأنفة، والعداوة، والبغضاء والطمع، والبخل، والرغبة، والبذخ، والأشر، والبطر، وتعظيم الأغنياء، والاستهانة بالفقراء، والفخر، والخيلاء، والتنافس، والمباهاة والاستكبار عن الحق، والخوض فيما لا يعني، وحب كثرة الكلام، والصلف، والتزين للخلق، والمداهنة، والعجب، والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس، وزوال الحزن من القلب، وخروج الخشية منه، وشدة الانتصار للنفس إذا نالها الذل، وضعف الانتصار
للحق، واتخاذ إخوان العلانية على عداوة السر، والأمن من مكر الله سبحانه وتعالى في سلب ما أعطى، والاتكال على الطاعة، والمكر، والخيانة، والمخادعة وطول الأمل، والقسوة، والفظاظة، والفرح بالدنيا والأسف على فواتها، والأنس بالمخلوقين والوحشة لفراقهم والجفاء، والطيش، والعجلة، وقلة الحياء، وقلة الرحمة، فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ومنابت الأعمال المحظورة. وأضدادها - وهي الأخلاق المحمودة - منبع الطاعات والقربات، فالعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة، وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا، وهذا بالإضافة إلى صلاح الآخرة.
ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلاً أو عن التوكل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلالكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم تخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها، فلا يزال يتعب فيها ليلاً ونهاراً وفي حفظه ودرسه يغفل عما هو مهم في نفسه في الدين، وإذا روجع فيه قال: اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض الكفاية ويلبس على نفسه وعلى غيره في تعلمه، والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء حق الأمر في فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين، بل قدم عليه كثيراً من فروض الكفايات؛ فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحداً يشتغل به، ويتهاترون على علم الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع؛ فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به? هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء? هيهات هيهات، قد اندرس علم الدين بتلبيس العلماء السوء؛ فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان، وقد كان أهل الورع من علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب: كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب ويسأله: كيف يفعل في كذا وكذا? فيقال له: مثلك يسأل هذا البدوي? فيقول: إن هذا وفق لما أغفلناه. وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما وكانا يسألانه، وكيف وقد قال رسول الله ﷺ، لما قيل له كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب ولا سنة? فقال ﷺ "سلوا الصالحين واجعلوه شورى بينهم" ولذلك قيل: علماء الظاهر زينة الأرض والملك، وعلماء الباطن زينة السماء والملكوت. وقال الجنيد رحمه الله قال لي السري شيخي يوماً: إذا قمت من عندي فمن تجالس? قلت: المحاسبي، فقال: نعم خذ من علمه وأدنه، ودع عنك تشقيقه الكلام ورده على المتكلمين، ثم لما وليت سمعته يقول: جعلك الله صاحب حديث صوفياً ولا جعلك صوفياً صاحب حديث: أشار إلى أن من حصل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه. فإن قلت: فلم لم تورد في أقسام العلوم: الكلام والفلسفة، وتبين أنهما مذمومان أو محمودان? فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من لادلة التي ينتفع بها، فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع كما سيأتي بيانه، وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق لها، وتطويل بنقل لمقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيء منه مألوفاً في العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع، ولكن تغير الآن حكمه إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونجت جماعة لفقهوا لها شبهاً ورتبوا فيها كلاماً مؤلفاً، فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذوناً فيه، بل صار من فروض الكفايات وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة، وذلك إلى حد محدود - سنذكره في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى - وأما الفلسفة فليست علماً برأسها بل هي أربعة أجزاء أحدها الهندسة والحساب، وهما مباحان كما سبق ولا يمنع عنهما إلا من يخاف عليه أن يتجاوز بهما إلى علوم مذمومة؛ فإن أكثر الممارسين لهما قد خرجوا منهما إلى البدع، فيصان الضعيف عنهما - لا لعينهما - كما يصان عصبى عن شاطىء النهر خيفة عليه من الوقوع في النهر وكما يصان حديث العهد بالإسلام عن مخالطة الكفار خوفاً عليه، مع أن القوي لا يندب إلى مخالطتتهم الثاني المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه، ووجه لحد وشروطه، وهما داخلان في علم الكلام أيضاً، والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من
العلم، بل انفردوا بمذاهب: بعضها كفر وبعضها بدعة، وكما أن الاعتزال ليس علماً برأسه بل أصحابه طائفة من المتكلمين وأهل البحث والنظر انفردوا بمذاهب باطلة، فكذلك الفلاسفة والرابع الطبيعيات، وبعضها مخالف للشرع والدين والحق، فهو جهل وليس بعلم حتى نورده في أقسام العلوم، وبعضها بحث عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها، وهو شبيه بنظر الأطباء؛ إلا أن الطبيب ينظر في بدن الإنسان على الخصوص من حيث يمرض ويصح، وهم ينظرون في جميع الأجسام من حيث تتغير وتتحرك؛ ولكن للطب فضل عليه وهو أنه محتاج إليه. وأما علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها فإذن الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدع كما حدثت حاجة الإنسان إلى استئجار البذرقة في طريق الحج بحدوث ظلم العرب وقطعهم الطريق؛ ولو ترك العرب عدوانهم لم يكن استئجار الحراس من شروط طريق الحج؛ فلذلك لو ترك المبتدع هذيانه لما افتقر إلى الزيادة على ما عهد في عصر الصحابة رضي الله عنهم؛ فليعلم المتكلم حده من الدين وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج؛ فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج، والمتكلم إذا تجرد للمناظرة والمدافعة ولم يسلك طريق الآخرة ولم يشتغل بتعهد القلب وصلاحه لم يكن من جملة علماء الدين أصلاً، وليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي شاركه فيها سائر العوام وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللسان، وإنما يتميز عن العامي بصنعة المجادلة والحراسة، فأما معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة فلا يحصل من علم الكلام، بل يكاد أن يكون الكلام حجاباً عليه ومانعاً عنه، وإنما الوصول إليه المجاهدة التي جعلها الله سبحانه مقدمة للهداية حيث قال تعالى "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" فإن قلت: فقد رددت حد المتكلم إلى حراسة عقيدة العوام عن تشويش المبتدعة، كما أن حد البذرقة حراسة أقمشة الحجيج عن نهب العرب، ورددت حد الفقيه إلى حفظ القانون الذي به يكف السلطان شر بعض أهل العدوان عن بعض، وهاتان رتبتان نازلتان بالإضافة إلى علم الدين، وعلماء الأمة المشهورون بالفضل هم الفقهاء والمتكلمون وهم أفضل الخلق عند الله تعالى، فكيف تنزل درجاتهم إلى هذه المنزلة السافلة بالإضافة إلى علم الدين? فاعلم أن من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال، فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكاً طريق الحق، وإن قنعت بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم، فقد أجمع الذين عرضت بذكرهم على تقدمهم وأنهم لا يدرك في الدين شأوهم ولا يشق غبارهم ولم يكن تقدمهم بالكلام والفقه بل بعلم الآخرة وسلوك طريقها، وما فضل أبو بكر رضي الله عنه الناس بكثر صيام ولا صلاة ولا بكثرة رواية ولا فتوى ولا كلام، ولكن بشيء وقر في صدره كما شهد له سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فليكن حرصك في طلب ذلك السر فهو الجوهر النفيس والدر المكنون، ودع عنك ما تطابق أكثر الناس عليه وعلى تفخيمه وتعظيمه لأسباب ودواع يطول تفصيلها، فلقد قبض رسول اله ﷺ عن آلاف من الصحابة رضي الله عنهم كلهم علماء بالله، أثنى عليهم رسول الله ﷺ، ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام، ولا نصب نفسه للفتيا منهم أحد إلا بضعة عشر رجلاً، ولقد كان ابن عمر رضي الله عنهما منهم، وكان إذا سئل عن الفتيا يقول للسائل: اذهب إلى فلان الأمير الذي تقلد أمور الناس، وضعها في عنقه إشارة إلى أن الفتيا في القضايا والأحكام م توابع الولاية والسلطنة، ولما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود: مات تسعة أعشار العلم، فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة? فقال: لم أرد علم الفتيا والاحكام إنما أريد العلم بالله تعالى، أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل، فما بالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر تسعة أعشاره، وهو الذي سد باب الكلام والجدل وضرب ضبيعاً بالدرة لما أورد عليه سؤالاً في تعارض آيتين في كتاب الله، وهجره وأمر الناس بهجره وأما قولك إن المشهورين من العلماء هم الفقهاء والمتكلمون، فاعلم أن ما ينال به الفضل عند الله شيء وما ينال به
الشهرة عند الناس شيء آخر؛ فلقد كان شهرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة وكان فضله بالسر الذي وقر في قلبه وكان شهرة عمر رضي الله عنه بالسياسة وكان فضله بالعلم الذي مات تسعة أعشاره بموته، وبقصده التقرب إلى الله عز وجل في ولايته وعدله وشفقته على خلقه، وهو أمر باطن في سره، فأما سائر أفعاله الظاهرة فيتصور صدورها من طالب الجاه والاسم والسمعة والراغب في الشهرة، فتكون الشهرة فيما هو المهلك، والفضل فيما هو سر لا يطلع عليه أحد، فالفقهاء والمتكلمون مثل الخلفاء والقضاة والعلماء، وقد انقسموا، فمنهم من أراد الله سبحانه بعلمه وفتواه وذبه عن سنة نبيه ولم يطلب به رياء ولا سمعة، فأولئك أهل رضوان الله تعالى وفضلهم عند الله لعملهم بعلمهم ولإرادتهم وجه الله سبحانه بفتواهم ونظرهم، فإن كل علم عمل فإنه فعل مكتسب، وليس كل عمل علماً، والطبيب يقدر على التقرب إلى الله تعالى بعلمه فيكون مثاباً على علمه من حيث إنه عامل لله سبحانه وتعالى به، والسلطان يتوسط بين الخلق لله فيكون مرضياً عند الله سبحانه ومثاباً، لا من حيث إنه متكفل بعلم الدين، بل من حيث هو متقلد بعمل يقصد به التقرب إلى الله عز وجل بعلمه. وأقسام ما يتقرب به إلى الله تعالى ثلاثة: علم مجرد وهو علم المكاشفة، وعمل مجرد وهو كعدل السلطان مثلاً وضبطه للناس، ومركب من عمل وعلم وهو علم طريق الآخرة فإن صاحبه من العلماء والعمال جميعاً، فانظر إلى نفسك أتكون يوم القيامة في حزب علماء الله، وأعمال الله تعالى، أوفى حزبهما فتضرب بسهمك مع كل فريق منهما، فهذا أهم عليك من التقليد لمجرد الاشتهار كما قيل: خذ ما تراه ودع شيئاً سمـعـت بـه في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
على أنا سننقل من سيرة فقهاء السلف ما تعلم به أن الذين انتحلوا مذاهبهم ظلموهم وأنهم من أشد خصمائهم يوم القيامة فإنهم ما قصدوا بالعلم إلا وجه الله تعالى، وقد شوهد من أحوالهم ما هو من علامات علماء الآخرة كما سيأتي بيانه في باب علامات علماء الآخرة، فإنهم ما كانوا متجردين لعلم الفقه، بل كانوا مشتغلين بعلم القلوب ومراقبين لها، ولكن صرفهم عن التدريس والتصنيف فيه ما صرف الصحابة عن التصنيف والتدريس في الفقه، مع أنهم كانوا فقهاء مستقلين بعلم الفتوى والصوارف والدواعي متيقنة، ولا حاجة إلى ذكرها.
ونحن الآن نذكر من أحوال فقهاء الإسلام ما تعلم به أن ما ذكرناه ليس طعناً فيهم بل هو طعن فيمن أظهر الاقتداء بهم منتحلاً مذاهبهم وهو مخالف لهم في أعمالهم وسيرهم، فالفقهاء الذين هم زعماء الفقه وقادة الخلق - أعني الذين كثر أتباعهم في المذاهب خمسة: الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري رحمهم الله تعالى. وكل واحد منهم كان عابداً وزاهداً وعالماً بعلوم الآخرة وفقيهاً في مصالح الخلق في الدنيا ومربداً بفقهه وجه الله تعالى، فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء العصر من جملتها على خصلة واحدة وهي التسمير والمبالغة في تفاريع الفقه، لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة، وهذه الخصلة الواحدة تصلح الدنيا والآخرة، إن أريد بها الآخرة قل صلاحها للدنيا شمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة، وهيهات أن تقاس الملائكة بالحدادين، فلنورد الآن من أحوالهم ما يدل على هذه الخصال الأربع، فإن معرفتهم بالفقه ظاهرة.
أما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيدل على أنه كان عابداً: ما روي أنه كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلثا العلم، وثلثاً للعبادة. وثلثاً للنوم. قال الربيع: كان الشافعي رحمه الله يختم القرآن في رمضان ستين مرة كل ذلك في الصلاة. وكان البويطي أحد أصحابه يختم القرآن في رمضان في كل يوم مرة. وقال الحسن الكرابيسي: بت مع الشافعي غير ليلة فكان يصلي نحواً من ثلث الليل فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة آية، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله لنفسه ولجميع المسلمين والمؤمنين، ولا يمر بآية عذاب غلا تعوذ فيها وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين، وكأنما جمع له الرجاء والخوف معاً، فانظر كيف يدل اقتصاره على خمسين آية على تبحره في أسرار القرآن وتدبره فيها وقال الشافعي رحمه الله: ما شبعت منذ ست عشرة سنة لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة، فانظر إلى حكمته في ذكر آفات الشبع، ثم في جده في العبادة، إذ طرح الشبع لأجلها، ورأس التعبد تقليل الطعام. وقال الشافعي رحمه الله: ما حلفت بالله تعالى لا صادقاً ولا كاذباً قط، فانظر إلى حرمته وتوقيره لله تعالى، ودلالة ذلك على علمه بجلال الله سبحانه. وسئل الشافعي رضي الله عنه عن مسئلة فكست، فقيل له: ألا تجيب رحمك الله? فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في جوابي? فانظر في مراقبته للسانه مع أنه أشد الأعضاء تسلطاً على الفقهاء وأعصاها على الضبط والقهر، وبه يستبين أنه كان لا يتكلم ولا يسكت لا لنيل الفضل وطلب الثواب. وقال أحمد بن يحيى بن الوزير: خرج الشافعي رحمه الله تعالى يوماً من سوق القناديل فتبعناه فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم، فالتفت الشافعي إلينا وقال: نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه لينظر إلى أخبث شيء في إنائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم ولو ردت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقي بها قائلها. وقال الشافعي رضي الله عنه: كتب حكيم إلى حكيم: قد أوتيت علماً فلا تدنس علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم. وأما زهده رضي الله عنه فقد قال الشافعي رحمه الله: من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب. وقال الحميدي: خرج الشافعي رحمه الله إلى اليمن مع بعض الولاة فانصرف إلى مكة بعشرة آلاف درهم فضرب له خباء في موضع خارجاً عن مكة فكان الناس يأتونه، فما برح من موضعه ذلك حتى فرقها كلها. وخرج من الحمام مرة فأعطى الحمامي مالاً كثيراً. وسقط سوطه من يده مرة فرفعه إنسان إليه فأعطاه جزاء عليه خمسين ديناراً. وسخاوة الشافعي رحمه الله أشهر من أن تحكى ورأس الزهد السخاء، لأن من أحب شيئاً أمسكه ولم يفارق المال إلا من صغرت الدنيا في عينه وهو معنى الزهد. ويدل على قوة زهده وشدة خوفه من الله تعالى واشتغال همته بالآخرة: ما روي أنه روى سفيان بن عيينة حديثاً في الرقائق فغشي على الشافعي فقيل له: قد مات، فقال: إن مات فقد مات أفضل زمانه. وما روى عبد الله بن محمد البلوي قال: كنت أنا وعمر بن نباتة جلوساً نتذاكر العباد والزهاد فقال لي عمر: ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصفا وكان الحارث تلميذ الصالح المري فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت، فقرأ هذه الآية عليه "هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون" فرأيت الشافعي رحمه الله وقد تغير لونه واقشعر جلده واضطرب اضطراباً شديداً وخر مغشياً عليه فلما أفاق جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكاذبين وإعراض الغافلين، اللهم لك خضعت قلوب العارفين وذلت لك رقاب المشتاقين، إلهي هب لي جودك وجللني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك. قال: ثم مشى وانصرفنا فلما دخلت بغداد وكان هو بالعراق فقعدت على الشط أتوضأ للصلاة إذ مر بي رجل فقال لي: يا غلام أحسن وضوءك أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة، فالتفت فإذا أنا برجل يتبعه جماعة، فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو أثره، فالتفت إلي فقال: هل لك من حاجة? فقلت: نعم، تعلمني مما علمك الله شيئاً، فقال لي اعلم أن من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرت عيناه مما يراه من ثواب الله
تعالى غداً، أفلا أزيدك? قلت: نعم. قال من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: من أمر بالمعروف وائتمر ونهى عن المنكر وانتهى،، وحافظ على حدود الله تعالى، ألا أزيدك? قلت بلى، فقال: كن في الدنيا زاهداً وفي الآخرة راغباً واصدق الله تعالى في جميع أمورك تنج مع الناجين، ثم مضى، فسألت: من هذا? فقالوا: هو الشافعي فانظر إلى سقطوطه مغشياً عليه ثم إلى وعظه كيف يدل ذلك على زهده وغاية خوفه! ولا يحصل هذا الخوف والزهد إلا من معرفة الله عز وجل فإنه "إنما يخشى الله من عباده العلماء" ولم يستفد الشافعي رحمه الله هذا الخوف والزهد من علم كتاب السلم والإجارة وسائر كتب الفقه، بل هو من علوم الآخرة المستخرجة من القرآن والأخبار إذ حكم الأولين والآخرين مودعة فيهما. وأما كونه عالماً بأسرار القلب وعلوم الآخرة فتعرفه من الحكم المأثورة عنه، روي أنه سئل عن الرياء فقال على البديهة: الرياء فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا أنت خفت على عملك العجب فانظر رضا من تطلب? وفي أي ثواب ترغب? ومن أي عقاب ترهب? وأي عافية تشكر? وأي بلاء تذكر? فإنك إذا تفكرت في واحد من هذه الخصال صغر في عينك عملك، فانظر كيف ذكر حقيقة الرياء وعلاج العجب وهما من كبار آفات القلب! وقال الشافعي رضي الله عنه: من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. وقال رحمه الله: من أطاع الله تعالى بالعلم نفعه سره. وقال: ما من أحد إلا له محب ومبغض، فإذا كان كذلك فكن مع أهل طاعة الله عز وجل، وروي أن عبد القاهر بن عبد العزيز كان رجلاً صالحاً ورعاً وكان يسأل الشافعي رضي الله عنه عن مسائل في الورع والشافعي رحمه الله يقبل عليه لورعه، وقال للشافعي يوماً: أيما أفضل الصبر أو المحنة أو التمكين، فقال الشافعي رحمه الله: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر وإذا صبر مكن؛ ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه، وامتحن موسى عليه السلام ثم مكنه، وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكنه، وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكاً، والتمكين أفضل الدرجات، قال الله عز وجل "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض" وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مكن، قال الله تعالى "وآتيناه أهله ومثلهم معهم - الآية" فهذا الكلام من الشافعي رحمه الله يدل على تبحره في أسرار القرآن واطلاعه على مقامات السائرين إلى الله تعالى من الأنبياء والأولياء، وكل ذلك من علوم الآخرة. وقيل للشافعي رحمه الله: متى يكون الرجل عالماً? قال: إذا تحقق في علم الدين فعلمه وتعرض لسائر العلوم فنظر فيما فاته فعند ذلك يكون عالماً، فإنه قيل لجالينوس إنك تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثيرة المجمعة! فقال: إنما المقصود منها واحد وإنما يجعل معه غيره لتسكن حدته لأن الإفراد قاتل، فهذا وأمثاله مما لا يحصى يدل على علو رتبته في معرفة الله تعالى وعلوم الآخرة. وأما إرادته بالفقه والمناظرة فيه وجه الله تعالى: فيدل عليه ما روي عنه قال: وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إلى شيء منه، فانظر كيف اطلع على آفة العلم وطلب الاسم له وكيف الاسم له وكيف كان منزه القلب عن الالتفات إليه مجرد النية فيه لوجه الله تعالى.وقال الشافعي رضي الله عنه. ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطىء. وقال: ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحظف، وما كلمت أحداً قط وأنا أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه: وقال: ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته واعتقدت محبته، ولا كابرني أحد على الحق ودافع الحجة إلا سقط من عيني ورفضته، فهذه العلامات هي التي تدل على إرادة الله تعالى بالفقه والمناظرة، فانظر كيف تابعه الناس من جملة هذه الخصال الخمس على خصلة واحدة فقط، ثم كيف خالفوه فيها أيضاً، ولهذا قال أبو ثور رحمه الله: ما رأيت ولا رأى الراءون مثل الشافعي رحمه الله تعالى.
وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي رحمه الله تعالى، فانظر إلى إنصاف الداعي وإلى درجة المدعو له وقس به الأقران والأمثال من العلماء في هذه الأعصار وما بينهم من المشاحنة والبغضاء لتعلم تقصيرهم في دعوى الاقتداء بهؤلاء، ولكثرة دعائه له قال له ابنه: أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء? فقال أحمد: يا بني كان الشافعي رحمه الله تعالى كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف وكان أحمد رحمه الله يقول: ما مس أحد بيده محبرة إلا وللشافعي رحمه الله في عنقه منة. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي لما فتح الله عز وجل عليه من العلم ووفقه للسداد فيه. ولنقتصر على هذه النبذة من أحواله فإن ذلك خارج عن الحصر، وأكثر هذه المناقب نقلناه من الكتاب الذي صنفه الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي رحمه الله تعالى في مناقب الشافعي رضي الله عنه وعن جميع المسلمين.
وأما الإمام مالك رضي الله عنه فإنه كان أيضاً متحلياً بهذه الخصال الخمس، فإنه قيل له: ما تقول يا مالك في طلب العلم? فقال: حسن جميل ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه، وكان رحمه الله تعالى في تعظيم علم الدين مبالغاً، حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ. وقال مالك: العلم نور يجعله الله حيث يشاء وليس بكثرة الرواية، وهذا الاحترام والتوقير يدل على قوة معرفته بجلال الله تعالى. وأما إرادته وجه الله تعالى بالعلم فيدل عليه قوله: الجدال في الدين ليس بشيء. ويدل عليه قول الشافعي رحمه الله: إني شهدت مالكاً وقد سئل عن ثمان وأربعين مسئلة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. ومن يرد غير وجه الله تعالى بعلمه فلا تسمح نفسه بأن يقر على نفسه بأنه لا يدري، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب، وما أحد أمن علي من مالك. وروي أن أبا جعفر المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره ثم دس عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس: ليس على مستكره طلاق، فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث. وقال مالك رحمه الله: ما كان رجل صادقاً في حديثه ولا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه مع الهرم آفة ولا خرف. وأما زهده في الدنيا فيدل عليه ما روي أن المهدي أمير المؤمنين سأله فقال له: هل لك من دار? فقال: لا ولكن أحدثك "سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: نسب المرء داره" وسأله الرشيد: هل لك دار? فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وقال: اشتر بها داراً فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص قال لمالك رحمه الله: ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان رضي الله عنه الناس على القرآن، فقال له: أما حمل الناس على اموطأ فليس إليه سبيل، لأن أصحاب رسول الله ﷺ افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم وقد قال ﷺ "اختلاف أمتي رحمة" وأما الخروج معك فلا سبيل إليه قال رسول الله ﷺ "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" وقال عليه الصلاة والسلام "المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد" وهذه دنانيركم كما هي إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها، يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إلي فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ، فهكذا كان زهد مالك في الدنيا. ولما حملت إليه الأموال الكثيرة من أطراف الدنيا لانتشار علمه وأصحابه كان يفرقها في وجوه الخير ودل سخاؤه على زهده وقلة حبه للدنيا وليس الزهد فقد المال: وإنما الزهد فراغ القلب عنه ولقد كان سليمان عليه السلام في ملكه من الزهاد. ويدل على احتقاره للدنيا ما روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: رأيت على باب مالك كراعاً من أفراس خراسان ويقال مصر ما رأيت أحسن منه فقلت لمالك رحمه الله: ما أحسنه فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها فقال: إني أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها نبي الله ﷺ بحافر دابة فانظر إلى سخائه إذ وهب جميع ذلك دفعة واحدة وإلى توقيره لتربة المدينة. ويدل على إرادته بالعلم وجه الله تعالى واستحقار للدنيا: ما روي أنه قال دخلت على هرون الرشيد فقال لي: يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبيانك منك الموطأ. قال: فقلت أعز الله مولانا الأمير، إن هذا العلم منكم خرج فإن أنتم أعززتموه عز وإن أنتم أذللتموه ذل والعلم يؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس.
وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فلقد كان أيضاً عابداً زاهداً، بالله تعالى، خائفاً منه، مريداً وجه الله تعالى بعلمه، فأما كونه عابداً فيعرف بما روي عن ابن المبارك أنه قال: كان أبو حنيفة رحمه الله له مروءة وكثرة صلاة. وروى حماد بن أبي سليمان أنه كان يحيي الليل كله. وروي أنه كان يحيي نصف الليل فمر يوماً في طريق فأشار إليه إنسان وهو يمشي فقال لآخر: هذا هو الذي يحي الليل كله، فلم يزل بعد ذلك يحيي الليل كله وقال: أنا أستحيي من الله سبحانه أن أوصف بما ليس في من عبادته. وأما زهده فقد روي عن الربيع بن عاصم قال: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده أن يكون حاكماً على بيت المال فأبى، فضربه عشرين سوطاً. فانظر كيف هرب من الولاية واحتمل العذاب! قال الحكم بن هشام الثقفي: حدثت بالشام حديثاً في أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس أمانة وأراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره فاختار عذابهم له على عذاب الله تعالى. وروي أنه ذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك، فقال: أتذكرون رجلاً عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر منها. وروي عن محمد بن شجاع عن بعض أصحابه أنه قيل لأبي حنيفة: قد أمر لك أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور بعشرة آلاف درهم. قال: فما رضي أبو حنيفة، قال: فلما كان اليوم الذي توقع أن يؤتى بالمال فيه صلى الصبح ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم، فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال، فدخل عليه، فلم يكلمه، فقال بعض من حضر: ما يكلمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة، أي هذه عادته. فقال: ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت، ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته وقال لابنه: إذا مت ودفنتموني فخذ هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن ابن قحطبة فقل له خذ وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة. قال ابنه: ففعلت ذلك، فقال الحسن: رحمة الله على أبيك فلقد كان شحيحاً على دينه. وروي أنه دعي إلى ولاية القضاء فقال: أنا لا أصلح لهذا، فقيل له: لم? فقال: إن كنت صادقاً فما أصلح لها، وإن كنت كاذباً فالكاذب لا يصلح للقضاء. وأما علمه بطريق الآخرة وطريق أمور الدين ومعرفته بالله عز وجلفيدل عليه شدة خوفه من الله تعالى وزهده في الدنيا، وقد قال ابن جريج: قد بلغني عن كوفيكم هذا النعمان بن ثابت أنه شديد الخوف لله تعالى. وقال شريك النخعي: كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة، فهذا من أوضح الأمارات على العلم الباطني والاشتغال بمهمات الدين، فمن أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله، فهذه نبذة من أحوال الأئمة الثلاثة.
وأما الإمام أحمد بن حنبل وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى فأتباعهما أقل من أتباع هؤلاء، وسفيان أقل أتباعاً من أحمد، ولكن اشتهارهما بالورع والزهد أظهر، وجميع هذا الكتاب مشحون بحكايات أفعالهما وأقوالهما فلا حاجة إلى التفصيل الآن، فانظر الآن في غير هؤلاء الأئمة الثلاثة وتأمل أن هذه الأحوال والأقوال والأفعال في الإعراض عن الدنيا والتجرد لله عز وجل هل يثمرها مجرد العلم بفروع الفقه من معرفة السلم والإجارة والظهار والإيلاء واللعان، أو يثمرها علم آخر أعلى وأشرف منه، وانظر إلى الذين ادعوا الاقتداء بهؤلاء أصدقوا في دعواهم أم لا. ==============
إحياء علوم الدين/كتاب العلم/الباب الثالث
الباب الثالث
فيما يعده العامة من العلوم المحمودة وليس منها
وفيها بيان الوجه الذي قد يكون به بعض العلوم مذموماً وبيان تبديل أسامي العلوم وهو الفقه والعلم والتوحيد والتذكير والحكمة وبيان القدر المحمود من العلوم الشرعية والقدر المذموم منها.
بيان علة ذم العلم المذموم لعلك تقول: العلم هو معرفة الشيء على ما هو به وهو من صفات الله تعالى فكيف يكون الشيء علماً ويكون مع كونه علماً مذموماً? فاعلم أن العلم لا يذم لعينه وإنما يذم في حق العباد لأحد أسباب ثلاثة الأول أن يكون مؤدياً إلى ضرر ما إما لصاحبه أو لغيره، كما يذم علم السحر والطلسمات وهو حق، إذ شهد القرآن له وأنه سبب يتوصل به إلى التفرقة بين الزوجين، وقد سحر رسول الله ﷺ ومرض بسببه حتى أخبره جبريل عليه السلام بذلك وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر، وهو نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الجواهر هيكل على صورة الشخص المسحور ويرصد به وقت مخصوص من المطالع وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله تعالى العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور، ومعرفة هذه الأسباب من حيث إنها معرفة ليست بمذمومة ولكنها ليست تصلح إلا للإضرار بالخلق والوسيلة إلى الشر شر، فكان ذلك هو السبب في كونه علماً مذموماً، بل من اتبع ولياً من أولياء الله ليقتله وقد اختفى منه في موضع حريز إذا سأل الظالم عن محله لم يجز تنبيهه عليه؛ بل وجب الكذب فيه؛ وذكر موضعه إرشاد وإفادة علم بالشيء على ما هو عليه، ولكنه مذموم لأدائه إلى الضرر الثاني أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر، كعلم النجوم، فإنه في نفسه غير مذموم لذاته، إذ هو قسمان: قسم حسابي، وقد نطق القرآن بأن مسير الشمس والقمر محسوب، إذ قال عز وجل "الشمس والقمر بحسبان" وقال عز وجل "والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم". والثاني: الأحكام، وحاصله يرجع إلى الاستدلال على الحوادث بالأسباب وهو يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما سيحدث من المرض، وهو معرفة لمجاري سنة الله تعالى وعادته في خلقه ولكن قد ذمه الشرع. قال ﷺ "إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا". وقال ﷺ "أخاف على أمتي بعدي ثلاثاً: حيف الأئمة، والإيمان بالنجوم، والتكذيب بالقدر". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر والبحر ثم أمسكوا، وإنما زجر عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مضر بأكثر الخلق، فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقيب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، وأنها الآلهة المدبرة لأنها جواهر شريفة سماوية، ويعظم وقعها في القلوب فيبقى القلب ملتفتاً إليها، ويرى الخير والشر محذوراً أو مرجواً من جهتها، ويمنحي ذكر الله سبحانه عن القلب، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط، والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه وتعالى، ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس، مثال النملة لو خلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس وهي تنظر إلى سواد الخط يتجدد، فتعتقد أنه فعل القلم ولا تترقى في نظرها إلى مشاهدة الأصابع، ثم منها إلى اليد، ثم منها إلى الإرادة المحركة اليد، ثم منها إلى الكاتب القادر المريد، ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة؛ فأكثر نظر الخلق مقصور على الأسباب القريبة السافلة. مقطوع من الترقي إلى مسبب الأسباب؛ فهذا أحد أسباب النهي عن النجوم.
وثانيها: أن أحكام النجوم تخمين محض ليس يدرك في حق آحاد الأشخاص لا يقيناً ولا ظناً، فالحكم به حكم بجهل، فيكون ذمه على هذا من حيث إنه جهل لا من حيث إنه علم، فلقد كان ذلك معجزة لإدريس عليه السلام فيما يحكى وقد اندرس وانمحى ذلك العلم وانمحق، وما يتفق من إصابة المنجم على ندور فهو اتفاق لأنه قد يطلع على بعض الأسباب ولا يحصل المسبب عقيبها غلا بعد شروط كثيرة ليس في قدرة البشر الاطلاع على حقائقها، فإن اتفق أن قدر الله تعالى بقية الأسباب وقعت الإصابة، وإن لم يقدر أخطأ، ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم مهما رأى الغيم يجتمع وينبعث من الجبال فيتحرك ظنه بذلك، وربما يحمى النهار بالشمس ويذهب الغيم، وربما يكون بخلافه، ومجرد الغيم ليس كافياً في مجيء المطر وبقية الأسباب لا تدرى، وكذلك تخمين الملاح أن السفينة تسلم اعتماداً على ما ألفه من العادة في الرياح ولتلك الرياح أسباب خفية هو لا يطلع عليها، فتارة يصيب في تخمينه وتارة يخطىء، ولهذه العلة يمنع القول عن النجوم أيضاً. وثانيها: أنه لا فائدة فيه، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يغني وتضييع العمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان في غير فائدة وذلك غاية الخسران؛ فقد مر رسول الله ﷺ برجل والناس مجتمعون عليه فقال "ما هذا? فقالوا: رجل علامة. فقال: بماذا? قالوا بالشعر وأنساب العرب. فقال: علم لا ينفع وجهل لا يضر" وقال ﷺ "إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة" فإذن الخوض في النجوم وما يشبهه اقتحام خطر وخوض في جهالة من غير فائدة، فإن ما قدر كائن، والاحتراز منه غير ممكن، بخلاف الطب فإن الحاجة ماسة إليه وأكثر أدلته بما يطلع عليه، وبخلاف التعبير وإن كان تخميناً لأنه جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ولا خطر فيه السبب الثالث الخوض في علم لا يستفيد الخائض فيه فائدة علم، فهو مذموم في حقه كتعلم دقيق العلوم قبل جليلها، وخفيها قبل جليها، وكالبحث عن الأسرار الإلهية، إذ يطلع الفلاسفة والمتكلمون إليها ولم يستقلوا بها، ولم يستقل بها وبالوقوف على طرق بعضها إلا الأنبياء والأولياء، فيجب كف الناس عن البحث عنها وردهم إلى ما نطق به الشرع، ففي ذلك مقنع للموفق، فكم من شخص خاض في العلوم واستضر بها ولو لم يخض فيها لكان حاله أحسن في الدين مما صار إليه ولا ينكر كون العلم ضاراً لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلوى اللطيفة بالصبي الرضيع، بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور، فلقد حكي أن بعض الناس شكا إلى طبيب عقم امرأته وأنها لا تلد، فجس الطبيب نبضها وقال: لا حاجة لك إلى دواء الولادة فإنك ستموتين إلى أربعين يوماً، وقد دل النبض عليه، فاستشعرت المرأة الخوف العظيم وتنغص عليها عيشها، وأخرجت أموالها وفرقتها، وأوصت، وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة فلم تمت، فجاء زوجها إلى الطبيب وقال له: لم تمت، فقال الطبيب: قد علمت ذلك فجامعها الآن فإنها تلد؛ فقال: كيف ذاك? قال: رأيتها سمينة وقد انعقد الشحم على فم رحمها، فعلمت أنها لا تهزل إلا بخوف الموت، فخوفتها بذلك حتى هزلت وزال المانع من الولادة: فهذا ينبهك على استشعار خطر بعض العلوم ويفهمك معنى قوله ﷺ "نعوذ بالله من علم لا ينفع" فاعتبر بهذه الحكاية ولا تكن بحاثاً عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها، ولازم الاقتداء بالصحابة رضي الله عنهم، واقتصر على اتباع السنة، فالسلامة في الاتباع، والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال، ولا تكثر اللجج برأيك ومعقولك ودليلك وبرهانك وزعمك أني أبحث عن الأشياء لأعرفها على ما هي عليه، فأي ضرر في التفكر في العلم فإن ما يعود عليك من ضرره أكثر، وكم من شيء تطلع عليه فيضرك اطلاعك عليه ضرراً يكاد يهلكك في الآخرة إن لم يتداركك الله برحمته. واعلم أنه كان يطلع الطبيب الحاذق على أسرار في المعالجات يستبعدها من لا يعرفها فكذلك الأنبياء أطباء القلوب والعلماء بأسباب الحياة الأخروية، فلا تتحكم على سننهم بمعقولك فتهلك، فكم من شخص يصيبه عارض في أصبعه فيقتضي عقله أن يطليه، حتى ينبهه الطبيب الحاذق أن علاجه أن بطلى الكف من الجانب الآخر من البدن فيستبعد ذلك غاية الاستبعاد من حيث لا يعلم كيفية انشعاب الأعصاب ومنابتها ووجه
التفافها على البدن? فهكذا الأمر في طريق الآخرة، وفي دقائق سنن الشرع وآدابه، وفي عقائده التي تعبد الناس بها أسرار ولطائف ليست في سعة العقل وقوته الإحاطة بها، كما أن في خواص الأحجار أموراً عجائب غاب عن أهل الصنعة علمها حتى لم يقدر أحد على أن يعرف السبب الذي به يجذب المغناطيس الحديد؛ فالعجائب والغرائب في العقائد والأعمال، وإفادتها لصفاء القلوب ونقائها وطهارتها وتزكيتها وإصلاحها للترقي إلى جوار الله تعالى وتعرضها لنفحات فضله أكثر وأعظم مما في الأدوية والعقاقير، وكما أن العقول تقصر عن إدراك منافع الأدوية مع أن التجربة سبيل إليها؛ فالعقول تقصر عن إدراك ما ينفع في حياة الآخرة مع أن التجربة غير متطرقة إليها، وإنما كانت التجربة تتطرق إليها لو رجع إلينا بعض الأموات فأخبرنا عن الأعمال المقبولة النافعة المقربة إلى الله تعالى زلفى وعن الأعمال المبعدة عنه، وكذا عن العقائد، وذلك مما لا يطمع فيه فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي ﷺ ويفهمك موارد إرشاراته، فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الاتباع فلا تسلم غلا به والسلام؛ ولذلك قال ﷺ "إن من العلم جهلاً وإن من القول عياً" ومعلوم أن العلم لا يكون جهلاً ولكنه يؤثر تأثير الجهل في الإضرار. وقال أيضاً ﷺ "قليل من التوفيق خير من كثير من العلم" وقال عيسى عليه السلام: ما أكثر الشجر وليس كلها بمثمر وليس كلها بطيب، وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع!
بيان ما بدل من ألفاظ العلوم
اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي المحمودة وتبديلها ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول، وهي خمسة ألفاظ: الفقه، والعلم، والتوحيد، والتذكير، والحكمة؛ فهذه أسام محمودة، والمتصفون بها أرباب المناصب في الدين، ولكنها نقلت الآن إلى معان مذمومة، فصارت القلوب تنفر عن مذمة من يتصف بمعانيها لشيوع إطلاق هذه الأسامي عليهم اللفظ الأول الفقه؛ فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل؛ إذا خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوي والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها؛ فمن كان أشد تعمقاً فيها وأكثر اشتغالاً بها يقال هو الأفقه، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقاً على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب؛ ويدلك عليه قوله عز وجل "ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم" وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة؛ فذلك لا يحصل به الإنذار والتخويف، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له. وقال تعالى "لهم قلوب لا يفقهون بها" وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى؛ ولعمري إن الفقه والفهم في اللغة اسمان بمعنى واحد، وإنما يتكلم في عادة الاستعمال به قديماً وحديثاً. قال تعالى "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله" الآية؛ فأحال قلة خوفهم من الله واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه؛ فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى، أو هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم. وقال ﷺ "ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه? قالوا بلى، قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه" ولما روى أنس بن مالك قوله ﷺ "لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أعتق أربع رقاب" قال: فالتفت إلى زيد الرقاشي وزياد النميري، وقال: لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم وعظه على أصحابه ويسرد الحديث سرداً، إنما كنا نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ونتفقه في الدين ونعد نعم الله علينا تفقهاً، فسمي تدبر القرآن وعد النعيم تفقهاً. قال ﷺ "لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، وحتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة" وروى أيضاً موقوفاً على أبي الدرداء رضي الله عنه مع قوله " ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتاً" وقد سأل فرقد السبخي الحسن عن الشيء فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك؛ فقال الحسن رحمه الله: ثكلتك أمك فريقد، وهل رأيت فقيهاً بعينك? إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم؛ ولم يقل في جميع في ذلك: الحافظ لفروع التفاوى، ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولاً للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم والشمول أو بطريق الاستنابع؛ فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر، فبان من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلوب، ووجدوا على ذلك معيناً من الطبع، فإن علم الباطن غامض والعمل به عسير، والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر، فوجد الشيطان مجالاً لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع اللفظ الثاني العلم: وقد كان يطلق ذلك على العلم بالله تعالى وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه، حتى أنه لما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود رحمه الله، لقد مات تسعة أعشار العلم فعرفه بالألف واللام ثم فسره العلم بالله سبحانه وتعالى، وقد تصرفوا فيه أيضاً بالتخصيص حتى شهروه في الأكثر بمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها؛ فيقال: هو العالم على الحقيقة، وهو الفحل في العلم، ومن لا يمارس ذلك ولا يشتغل به يعد من جملة الضعفاء ولا يعدونه في زمرة أهل العلم. وهذا أيضاً تصرف بالتخصص، ولكن ما ورد من فضائل العلم والعلماء أكثره في العلماء بالله تعالى وبأحكامه وبأفعاله وصفاته.
وقد صار الآن مطلقاً على من لا يحيط من علوم الشرع بشيء سوى رسوم جدلية في مسائل خلافية، فيعد بذلك من فحول العلماء مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب وغيره، وصار ذلك سبباً مهلكاً لخلق كثير من أهل الطلب للعلم اللفظ الثالث التوحيد: وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد وسمى المتكلمون العلماء بالتوحيد، مع أن جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح باباً من الجدل والمماراة؛ فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع فلقد كان ذلك معلوماً للكل، وكان العلم بالقرآن هو العلم كله، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين، وإن فهموه لم يتصفوا به: وهو أن يرى الأمور كلها من الله عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط، فلا يرى الخير والشر كله غلا منه جل جلاله؛ فهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل كما سيأتي بيانه في كتاب التوكل. ومن ثمراته أيضاً ترك شكاية الخلق، وترك الغضب عليهم، والرضا والتسليم لحكم الله تعالى. وكانت إحدى ثمراته قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما قيل له في مرضه أنطلب لك طبيباً فقال: الطبيب أمرضني، وقول آخر لما مرض فقيل له ماذا قال لك الطبيب في مرضك? فقال: قال لي إني فعال لما أريد. وسيأتي في كتاب التوكل وكتاب التوحيد شواهد ذلك. والتوحيد جوهر نفيس وله قشران: أحدهما أبعد عن اللب من الآخر، فخصص الناس الاسم بالقشر وبضعة الحراسة للقشر وأهملوا اللب بالكلية؛ فالقشر الأول: هو أن تقول بلسانك لا إله إلا الله، وهذا يسمى توحيداً مناقضاً للتثليث الذي صرح به النصارى، ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره. والقشر الثاني: أن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده وكذلك التصديق به وهو توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة. والثالث: وهو اللباب - أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط، وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره، ويخرج عن هذا التوحيد اتباع الهوى، فكل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوده. قال الله تعالى "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" وقال ﷺ "أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى هو الهوى" وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم وإنما يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل، وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى، ويخرج من هذا التوحيد التسخط على الخلق والالتفات إليهم، فإن من يرى الكل من الله عز وجل كيف يتسخط على غيره، فلقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام وهو مقام الصديقين، فانظر إلى ماذا حول وبأي قشر قنع منه، وكيف اتخذوا هذا معتصماً في التمدح والتفاخر بما اسمه محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحق الحمد الحقيقي، وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً" وهو أول كذب يفاتح الله به كل يوم إن لم يكن وجه قلبه متوجهاً إلى الله تعالى على الخصوص: فإنه إن أراد بالوجه وه الظاهر فما وجهه إلا إلى الكعبة وما صرفه إلا عن سائر الجهات، والكعبة ليست جهة للذي فطر السموات والأرض، حتى يكون المتوجه إليها متوجهاً غليه، تعالى عن أن تحده الجهات والأقطار. وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب المتعبد به فكيف يصدق في قوله وقلبه متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه واستكثار الأسباب، ومتوجه بالكلية إليها، فمتى وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد، فالموحد هو الذي لا يرى إلا الواحد ولا يوجه وجهه إلا إليه، وهو امتثال قوله تعالى "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" وليس المراد به القول باللسان، فإنما اللسان ترجمان يصدق مرة ويكذب أخرى. وإنما موقع نظر الله تعالى المترجم عنه هو القلب، وهو معدن التوحيد ومنبعه اللفظ
الرابع الذكر والتذكير، فقد قال الله تعالى "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين" وقد ورد في الثناء على مجالس الذكر أخبار كثيرة كقوله ﷺ "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قيل: وما رياض الجنة? قال. مجالس الذكر" فنقل ذلك إلى ما ترى أكثر الوعاظ في هذا الزمان يواظبون عليه وهو القصص والأشعار والشطح والطامات، أما القصص فهي بدعة، وقد ورد نهي السلف عن الجلوس إلى القصاص وقالوا لم يكن ذلك في زمن رسول الله ﷺ ولا في زمن أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما، حتى ظهرت الفتنة وظهر القصاص وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما خرج من المسجد فقال: ما أخرجني إلا القاص ولولاه لما خرجت. وقال ضمرة: قلت لسفيان الثوري نستقبل القاص بوجوهنا? فقال ولوا البدع ظهوركم، وقال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر? فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا. فقال: وفق للصواب. ودخل الأعمش جامع البصرة فرأى قاصاً يقص ويقول: حدثنا الأعمش، فتوسط الحلقة وجعل ينتف شعر إبطهﷺ، فقال القاص، يا شيخ، ألا تستحي! فقال: لم? أنا في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش وما حدثتك وقال أحمد، أكثر الناس كذباً القصاص والسؤال. وأخرج علي رضي الله عنه القصاص من مسجد جامع البصرة، فلما سمع كلام الحسن البصري لم يخرجه إذا كان يتكلم في علم الآخرة والتفكير بالموت والتنبيه على عيوب النفس وآفات الأعمال وخواطر الشيطان ووجه الحذر منها ويذكر بآلاء الله ونعمائه وتقصير العبد في شكره ويعرف حقارة الدنيا وعيوبها وتصرمها ونكث عهدها وخطر الآخرة وأهوالها، فهذا هو التذكير المحمود شرعاً الذي روى الحث عليه في حديث أبي ذر رضي الله عنه حيث قال "حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة. وحضور مجلس علم أفضل من عيادة ألف مريض، وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة، فقيل: يا رسول الله، ومن قراءة القرآن? قال: وهل تنفع قراءة القرآن إلا بالعلم" وقال عطاء رحمه الله: مجلس ذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللهو، فقد اتخذ المزخرفون هذه الأحاديث حجة على تزكية أنفسهم، ونقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم: وذهلوا عن طريق الذكر المحمود، واشتغلوا بالقصص التي تتطرق إليها الاختلافات والزيادة والنقص وتخرج عن القصص الواردة في القرآن وتزيد عليها، فإن من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر وإن كان صدقاً. ومن فتح ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار، فمن هذا نهي عنه، ولذلك قال أحمد بن حنبل رحمه الله: ما أحوج الناس إلى قاص صادق، فإن كانت القصة من قصص الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق بأمور دينهم وكان القاص صادقاً صحيح الرواية فلست أرى بها بأساً، فليحذر الكذب وحكايات أحوال تومىء إلى هفوات أو مساهلات يقصر فهم العوام عن درك معانيها أو عن كونها هفوة نادرة مردفة بتفكيرات متداركة بحسنات تغطي عليها، فإن العامي يعتصم بذلك في مساهلاته وهفواته، ويمهد لنفسه عذراً فيه، ويحتج بأنه حكى كيت وكيت عن بعض المشايخ وبعض الأكابر، فكلنا بصدد المعاصي، فلا غرو إن عصيت الله تعالى فقد عصاه من هو أكبر مني، ويفيده ذلك جراءة على الله تعالى من حيث لا يدري، فبعد الاحتراز عن هذين المحذورين فلا بأس به، وعند ذلك يرجع إلى القصص المحمودة وإلى ما يشتمل عليه القرآن، ويصح في الكتب الصحيحة من الأخبار، ومن الناس من يستجيز وضع الحكايات المرغبة في الطاعات ويزعم أن قصده فيها دعوة الخلق إلى الحق، فهذه من نزعات الشيطان، فإن في الصدق مندوحة عن الكذب، وفيما ذكر الله تعالى ورسوله ﷺ غنية عن الاختراع في الوعظ، كيف وقد كره تكلف السجع وعد ذلك من التصنع. قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه عمر - وقد سمعه يسجع -: هذا الذي يبغضك إلا لاقضيت حاجتك أبداً حتى تتوب - وقد كان جاءه في حاجة - وقد قال ﷺ لعبد الله بن رواحة في سجع من ثلاث كلمات "إياك والسجع يا ابن رواحة" فكأن السجع المحذور المتكلف ما زاد على كلمتين: ولذلك لما قال الرجل في دية الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل. فقال النبي ﷺ "أسجع كسجع الأعراب" وأما الأشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم. قال الله تعالى "والشعراء يتبعهم الغاوون
ألم تر أنهم في كل واد يهيمون" وقال تعالى "وما علمناه الشعر وما ينبغي له" وأكثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار: ما يتعلق بالتواصف في العشق وجمال المعشوق وروح الوصال وألم الفراق، والمجلس لا يحوي إلا أجلاف العوام، وبواطنهم مشحونة بالشهوات، وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات إلى الصور المليحة؛ فلا تحرك الأشعار من قلوبهم إلا ما هو مستكن فيها فتشتعل فيها نيران الشهوات، فيزعقون ويتواجدون؛ وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى نوع فساد، فلا ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة أو حكمة على سبيل استشهاد واستئناس.
وقد قال ﷺ "إن من الشعر لحكمة" ولو حوى المجلس الخواص الذين وقع الاطلاع على استغراق قلوبهم بحب الله تعالى ولم يكن معهم غيرهم، فإن أولئك لا يضر معهم الشعر الذي يشير ظاهره إلى الخلق، فإن المستمع ينزل كل ما يسمعه على ما يستولي على قلبه، كما سيأتي تحقيق ذلك في كتاب السماع، ولذلك كان الجنيد رحمه الله يتكلم على بضعة عشر رجلاً، فإن كثروا لم يتكلم، وما تم أهل مجلسه قط عشرين. وحضر جماعة باب دار ابن سالم، فقيل له: تكلم فقد حضر أصحابك، فقال: لا، ما هؤلاء أصحابي، إنما هم أصحاب المجلس، إن أصحابي هم الخواص: وأما الشطح: فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية أحدهما الدعاوي الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا، ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله أنا الحق، وبما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال سبحاني سبحاني، وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوي، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة، ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدال، والعلم حجاب، والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق، فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة، وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردده في نفسه، كما لو سمع وهو يقول "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني" فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية الصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل، إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر. وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره، لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة، ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان، أو يحمل على أن يفهم منها معاني ما أريدت بها ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه. وقد قال ﷺ "ما حدث أحدكم قوماً بحديث لا يفقهونه إلا كان فتنة عليهم" وقال ﷺ "كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله" وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع، فكيف فيما لا يفهمه قائله. فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره. وقال عيسى عليه السلام: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء. وفي لفظ آخر من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل، ومن منعها أهلها فقد ظلم؛ إن للحكمة حقاً وإن لها أهلاً، فأعط كل ذي حق حقه. وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح؛ وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة، كدأب الباطنية في التأويلات؛ فهذا أيضاً حرام وضرره عظيم؛ فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؛ فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له، بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى؛ وهذا أيضاً من البدع الشائعة العظيمة الضرر. وإنما قصد أصحابها الإغراب؛ لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة له؛ وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم
كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهر المصنف في الرد على الباطنية. ومثال تأويل أهل الطامات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى "اذهب إلى فرعون إنه طغى" أنه إشارة إلى قلبه وقال هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان. وفي قوله تعالى "وأن ألق عصاك" أي ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه. وفي قوله ﷺ "تسحروا فإن في السحور بركة" أراد به الاستغفار في الأسحار وأمثال ذلك حتى يحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره، وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعاً، كتنزيل فرعون على القلب؛ فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده ودعوة موسى له وكأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار وليس من جنس الشياطين والملائكة مما لم يدرك بالحس حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظه، وكذا حمل السحور على الاستغفار" فإنه كان ﷺ يتناول الطعام ويقول: تسحروا" وهلموا إلى الغذاء المبارك" فهذه أمور يدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلاً، وبعضها يعلم بغالب الظن، وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس؛ فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق، ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ووعظهم، فلا يظهر لقوله ﷺ "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" معنى إلا هذا النمط: وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه، فيستجر شهادة القرآن إليه، ويحمله عليه، من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية، ولا ينبغي أن يفهم منه أنه يجب أن لا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر، فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة وسبعة.
ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي ﷺ، فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع، فيكون ذلك مستنبطاً بحسن الفهم وطول الفكر، ولهذا قال ﷺ لابن عباس رضي الله عنه "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله ﷺ لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع، كمن يضع في كل مسئلة يراها حقاً حديثاً عن النبي ﷺ فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله ﷺ "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم، لأنها مبدلة للثقة بالألفاظ، وقاطعة طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق عن العلوم المحمودة إلى المذمومة، فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامي فإن اتبعت هؤلاء اعتماداً على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عرف في العصر الأول كنت كمن طلب الشرف بالحكمة باتباع من يسمى حكيماً، فإن اسم الحكيم، صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر، وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ اللفظ الخامس وهو الحكمة، فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم حتى على الذي يدحرج القرعة على أكف السوادية في شوارع الطرق. والحكمة هي التي أثنى الله عز وجل عليها فقال تعالى "يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً" وقال ﷺ "كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها" فانظر ما الذي كانت الحكمة عبارة عنه، وإلى ماذا نقل، وقس به بقية الألفاظ واحترز عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء، فإن شرهم على الدين أعظم من شر الشياطين، إذ الشيطان بواسطتهم بتدرج إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق، ولهذا لما سئل رسول الله ﷺ عن شر الخلق أبى وقال "اللهم اغفر" حتى كرروا عليه فقال "هم علماء السوء" فقد عرفت العلم المحمود والمذموم ومثار الالتباس وإليك الخيرة في أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف. أو تتدلى بحبل الغرور وتتشبه بالخلف، فكل ما ارتضاه السلف من العلوم قد اندرس، وما أكب الناس عليه فأكثره مبتدع ومحدث، وقد صح قول رسول الله ﷺ "بدأ الإسلام غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء" فقيل: ومن الغرباء? قال "الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذين يحيون ما أماتوه من سنتي" وفي آخر "هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم" وفي حديث آخر "الغرباء ناس قليل صالحون بين ناس كثير، من يبغضهم في الخلق أكثر ممن يحبهم" وقد صارت تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذاكرها، ولذلك قال الثوري رحمه الله: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط، لأنه إن نطق بالحق أبغضوه.
بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة
اعلم أن العلم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام: قسم هو مذموم قليله وكثيره وقسم هو محمود قليله وكثيره، وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل وقسم يحمد منه مقدار الكفاية ولا يحمد الفاضل عليه والاستقضاء فيه، وهو مثل أحوال البدن، فإن منها ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال، ومنها ما يذم قليله وكثيره كالقبح وسوء الخلق، ومنها ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال فإن التبذير لا يحمد فيه وهو بذل، وكالشجاعة فإن التهور لا يحمد فيها، وإن كان من جنس الشجاعة فكذلك العلم. فالقسم المذموم منه قليله وكثيره هو ما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا، إذ فيه ضرر يغلب نفعه كعلم السحر والطلمسات والنجوم، فبعضه لا فائدة فيه أصلاً، وصرف العمر الذي هو أنفس ما يملكه الإنسان إليه إضاعة، وإضاعة النفيس مذمومة. ومنه ما فيه ضرر يزيد على ما يظن أنه يحصل به من قضاء وطر في الدنيا، فإن ذلك لا يعتد به بالإضافة إلى الضرر الحاصل عنه. وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء فهو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله، وسنته في خلقه. وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا، فإن هذا علم مطلوب لذاته وللتوصل به إلى سعادة الآخرة، وبذل المقدور فيه إلى أقصى الجهد قصور عن حد الواجب، فإنه البحر الذي لا يدرك غوره وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يسر لهم، وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قوتهم وتفاوت تقدير الله تعالى في حقهم، وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب، ويعين على التنبه له التعلم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة، كما سيأتي علامتهم، هذا في أول الأمر ويعين عليه في الآخرة المجاهدة والرياضة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا والتشبه فيها بالأنبياء والأولياء، ليتضح منه لكل ساع إلى طلبه بقدر الرزق لا بقدر الجهد ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد، فالمجاهدة مفتاح الهداية لا مفتاح لها سواها وأما العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص فهي العلوم التي أوردناها في فروض الكفايات، فإن في كل علم منها اقتصاراً وهو الأقل، واقتصاداً وهو الوسط، واستقصاء وراء ذلك الاقتصاد لا مرد له إلى آخر العمر، فكن أحد رجلين: إما مشغولاً بنفسك، وإما متفرغاً لغيرك بعد الفراغ من نفسك، وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك، فإن كنت المشغول بنفسك فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك، وما يتعلق منه بالأعمال الظاهرة من تعلم الصلاة والطهارة والصوم، وإنما الأهم الذي أهمله الكل علم صفات القلب وما يحمد منها وما يذم، إذ لا ينفك بشر عن الصفات المذمومة مثل الحرص والحسد والرياء والكبر والعجب وأخواتها وجميع ذلك مهلكات، وإهمالها من الواجب، مع أن الاشتغال بالأعمال الظاهرة يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب والدماميل والتهاون بإخراج المادة بالفصد والإسهال، وحشوية العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة كما يشير الطرقية من الأطباء بطلاء ظاهر البدن، وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير الباطن وقطع مواد الشر بإفساد منابتها وقلع مغارسها من القلب، وإنما فزع الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح واستصعاب أعمال القلوب، كما يفزع إلى طلاء الظاهر من يستصعب شرب الأدوية المرة، فلا يزال يتعب في الطلاء ويزيد في المواد وتتضاعف به الأمراض، فإن كنت مريداً للآخرة وطالباً للنجاة وهارباً من الهلاك الأبدي فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها على ما فصلناه في ربع المهلكات، ثم ينجق بك ذلك إلى المقامات المحمودة المذكورة في ربع المنجيات لا محالة، فإن القلب إذا فرغ من المذموم امتلأ بالمحمود؛ والأر إذا نقبت من الحشيش نبت فيها أصناف الزرع والرياحين، وإن لم تفرغ من ذلك لم تنبت ذاك، فلا تشتغل بفروض الكفاية لاسيما وفي زمرة الخلق من قد قام بها فإن ملك نفسه فيما به صلاح غيره سفيه، فما أشد حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب تحت ثيابه وهمت بقتله وهو يطلب مذبة يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا يغنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات والعقارب إذا همت به.
وإن تفرغت من نفسك وتطهيرها وقدرت على ترك ظاهر الإثم وباطنه وصار ذلك ديدناً لك وعادة متيسرة فيك - وما أبعد ذلك منك - فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فيها؛ فابتدىء، بكتاب الله تعالى ثم بسنة رسول الله ﷺ، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن من علم الناسخ والمنسوخ والمفصول والموصول والمحكم والمتشابه وكذلك في السنة، ثم اشتغل بالفروع وهو علم المذهب من علم الفقه دون الخلاف، ثم بأصول الفقه؛ وهكذا إلى بقية العلوم على ما يتسع له العمر ويساعد فيه الوقت؛ ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلباً للاستقصاء؛ فإن العلم كثير والعمر قصير، وهذه العلوم آلات ومقدمات وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها، وكل ما يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ويستكثر منه؛ فاقتصر من شائع علم اللغة على ما تفهم منه كلام العرب وتنطق به، ومن غريب القرآن وغريب الحديث ودع التعمق فيه، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة فما من علم إلا وله اقتصار واقتصاد واستقصاء. ونحن نشير إليها في الحديث والتفسير والفقه والكلام لتقيس بها غيرها، فالاقتصار في التفسير ما يبلغ ضعف القرآن في المقدار كما صنفه علي الواحدي النيسابوري وهو الوجيز؛ والاقتصاد ما يبلغ ثلاثة أضعاف القرآن كما صنفه من الوسيط فيه وما وراء ذلك استقصاء مستغنى عنه فلا مرد له إلى انتهاء العمر. وأما الحديث فالاقتصار فيه تحصيل ما في الصحيحين بتصحيح نسخة على رجل خبير بعلم متن الحديث. وأما حفظ أسامي الرجال فقد كفيت فيه بما تحمله عنك من قبلك؛ ولك أن تعول على كتبهم، وليس يلزمك حفظ متون الصحيحين ولكن تحصله تحصيلاً تقدر منه على طلب ما تحتاج إليه عند الحاجة؛ وأما الاقتصاد فيه فأن تضيف إليهما ما خرج عنهما مما ورد في المسندات الصحيحة. وأما الاستقصاء فما وراء ذلك إلى استيعاب كل ما نقل من الضعيف والقوي والصحيح والسقيم مع معرفة الطرق الكثيرة في النقل ومعرفة أحوال الرجال وأسمائهم وأوصافهم. وأما الفقه فالاقتصار فيه على ما يحويه مختصر المزني رحمه الله وهو الذي رتبناه في خلاصة المختصر، والاقتصاد فيه ما يبلغ ثلاثة أمثاله وهو القدر الذي أوردناه في الوسيط من المذهب، والاستقصاء ما أوردناه في البسيط إلى ما وراء ذلك من المطولات. وأما الكلام فمقصوده حماية المعتقدات التي نقلها أهل السنة من السلف الصالح لاغير؛ وما وراء ذلك طلب لكشف حقائق الأمور من غير طريقتها، ومقصود حفظ السنة تحصيل رتبة الاقتصار منه بمعتقد مختصر وهو القدر الذي أوردناه في كتاب قواعد العقائد من جملة هذا الكتاب، والاقتصاد فيه ما يبلغ منه بمعتقد مختصر؛ وهو القدر الذي أوردناه في كتاب قواعد العقائد من جملة هذا الكتاب، والاقتصاد فيه ما يبلغ قدر مائة ورقة وهو الذي أوردناه في كتاب الاقصتاد في الاعتقاد، ويحتاج إليه لمناظرة مبتدع ومعارضة بدعته بما يفسدها وينزعها عن قلب العامي، وذلك لا ينفع إلا مع العوام قبل اشتداد تعصبهم، وأما المبتدع بعد أن يعلم من الجدل ولو شيئاً يسيراً فقلما ينفع معه الكلام؛ فإنك إن أفحمته لم يترك مذهبه وأحال بالقصور على نفسه وقدر أن عند غيره جواباً ما وهو عاجز عنه، وإنما أنت ملبس عليه بقوة المجادلة. وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل يمكن أن يرد إليه بمثله قبل أن يشتد التعصب للأهواء؛ فإذا اشتد تعصبهم وقع اليأس منهم؛ إذ التعصب سبب يرسخ العقائد في النفوس وهو من آفات علماء السوء؛ فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة - لا في معرض التعصب والتحقير - لانجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا باستتباع ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم، وسموه ذباً عن الدين ونضالاً عن المسلمين، وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس. وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف فإياك وأن تحوم حولها، واجتنبها اجتناب السم القاتل فإنها الداء العضال وهو الذي رد الفقهاء كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة على ما سيأتيك تفصيل غوائلها وآفاتها. وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال: الناس أعداء ما جهلوا فلا تظن ذلك، فعلى الخبير سقطت.
فاقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زماناً، وزاد فيه على الأولين تصنيفاً وتحقيقاً وجدلاً وبياناً، ثم ألهمه الله رشده وأطلعه على عيبه فهجره واشتغل بنفسه: فلا يغرنك قول من يقول الفتوى عماد الشرع ولا يعرف علله إلا بعلم الخلاف، فإن علل المذهب مذكورة في المذهب، والزيادة عليها مجادلات لم يعرفها الأولون ولا الصحابة وكانوا أعلم بعلل الفتاوى من غيرهم، بل هي مع أنها غير مفيدة في علم المذهب ضارة مفسدة لذوق الفقه، فإن الذي يشهد له حدس المفتي إذا صح ذوقه في الفقه لا يمكن تمشيته على شروط الجدل في أكثر الأمر، فمن ألف طبعه رسوم الجدل أذعن ذهنه لمقتضيات الجدل وجبن عن الإذعان لذوق الفقه، وإنما يشتغل به من يشتغل لطلب الصيت والجاه ويتعلل بأنه يطلب علل المذهب، وقد ينقضي عليه العمر ولا تنصرف همته إلى علم المذهب، فكن من شياطين الجن في أمان، واحترز من شياطين الإنس فإنهم أراحوا شياطين الجن من التعب في الإغواء والإضلال، وبالجملة فالمرضي عند العقلاء أن تقدر نفسك في العالم وحدك مع الله وبين يديك الموت والعرض والحساب والجنة والنار، وتأمل فيما يعنيك مما بين يديك، ودع عنك ما سواه والسلام. وقد رأى بعض الشيوخ بعض العلماء في المنام فقال له: ما خبر تلك العلوم التي كنت تجادل فيها وتناظر عليها فبسط يده ونفخ فيها وقال: طاحت كلها هباء منثوراً وما انتفعت إلا بركعتين خلصتا لي في جوف الليل. وفي الحديث "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" ثم قرأ "ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون" وفي الحديث في معنى قوله تعالى "فأما الذين في قلوبهم زيغ" الآية: "هم أهل الجدل الذين عناهم الله بقوله تعالى: فاحذرهم" وقال بعض السلف: يكون في آخر الزمان قوم يغلق عليهم باب العمل ويفتح لهم باب الجدل. وفي بعض الأخبار إنكم في زمان ألهمتم فيه العمل وسيأتي قوم يلهمون الجدل وفي الخبر المشهور "أبغض الخلق إلى الله تعالى الألد الخصم" وفي الخبر "ما أتى قوم المنطق إلا منعوا العمل" والله أعلم. =======
إحياء علوم الدين/كتاب العلم/الباب الرابع
الباب الرابع
في سبب إقبال الخلق على علم الخلاف
وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشروط إباحتها
اعلم أن الخلافة بعد رسول الله ﷺ تولاها الخلفاء الراشدون المهديون وكانوا أئمة علماء بالله تعالى فقهاء في أحكامه وكانوا مستقلين بالفتاوى في الأقضية، فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادراً في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا، وأقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم، فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفو الدين ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا؛ فاضطر الخلفاء إلى الإلحح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عن العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم، فاشرأبوا لطلب العلم توصلاً إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة؛ فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح الفقاء - بعد أن كانوا مطلوبين - طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دين الله، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها: فعلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن السنة وقمع المبتدعة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدين وتقلد أحكام المسلمين، إشفاقاً على خلق الله ونصيحة لهم. ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه. لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على الخصوص، فترك الناس الكلام وفنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد رحمهم الله تعالى وغيرهم، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل المذهب وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن، ولسنا ندري ما الذي يحدث الله فيما بعدنا من الأعصار? فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضاً معهم، ولم يسكنوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين وأن لا مطلب لهم سوى التقرب إلى رب العالمين
باب التلبيس في تشبيه هذه المناظرات بمشاورات الصحابة ومفاوضات السلف
أعلم أن هؤلاء قد يستدرجون الناس إلى ذلك بأن غرضنا من المناظرات المباحثة عن الحق ليتضح، فإن الحق مطلوب والتعاون على النظر في العلم وتوارد الخواطر مفيد ومؤثر، هكذا كان عادة الصحابة رضي الله عنهم في مشاوراتهم كتشاورهم في مسألة الجد والأخوة وحد شرب الخمر ووجوب الغرم على الإمام إذا أخطأ، كما تقل من إجهاض المرأة جنينها خوفاً من عمر رضي الله عنه؛ وكما نقل من مسائل الفرائض وغيرها وما نقل عن الشافعي وأحمد ومحمد بن الحسن ومالك وأبي يوسف وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى. ويطلعك على هذا التلبيس ما أذكره وهو أن التعاون على طلب الحق من الدين ولكن له شروط وعلامات ثمان، الأول: أن لا يشتغل به وهو من فروض الكفايات من لم يتفرغ من فروض الأعيان، ومن عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصده الحق فهو كذاب. ومثاله من يترك الصلاة في نفسه ويتجرد في تحصيل الثياب ونسجها ويقول عرضي أستر عورة من يصلي عرياناً ولا يجد ثوباً؛ فإن ذلك ربما يتفق ووقوعه ممكن كما يزعم الفقيه أن وقوع النوادر التي عنها البحث في الخلاف ممكن. والمشتغلون بالمناظرة مهملون لأمور هي فرض عين بالاتفاق ومن توجه عليه رد وديعة في الحال فقام وأحرم بالصلاة التي هي أقرب القربات إلى الله تعالى عصى به، فلا يكفي في كون الشخص مطيعاً كون فعله من جنس الطاعات ما لم يراع فيه الوقت والشروط والترتيب. الثاني: أن لا يرى فرض كفاية أهم من المناظرة فإن رأى ما هو أهم وفعل غيره عصى بفعله وكان مثاله من يرى جماعة من العطاش أشرفوا على الهلاك وقد أهملهم الناس وهو قادر على إحيائهم بأن يسقيهم الماء فاشتغل بتعلم الحجامة، وزعم أنه من فروض الكفايات ولو خلا البلد عنها لهلك الناس وإذا قيل له في البلد جماعة من الحجامين وفيهم غنية فيقول هذا لا يخرج هذا الفعل عن كونه فرض كفاية. فحال من يفعل هذا ويهمل الاشتغال بالواقعة الملة بجماعة العطاش من المسلمين كحال المشتغل بالمناظرة وفي البلد فروض كفايات مهملة لا قائم بها فأما الفتوى فقد قام بها جماعة ولا يخلو بلد من جملة الفروض المهملة ولا يلتفت الفقهاء إليها وأقربها الطب؛ إذ لا يوجد في أكثر البلاد طبيب مسلم يجوز اعتماد شهادته فيما يعول فيه على قول الطبيب شرعاً ولا يرغب أحد من الفقهاء في الاشتغال به، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من فروض الكفايات وربما يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهداً للحرير ملبوساً ومفروشاً وهو ساكت ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها قط وإن وقعت قام بها جماعة من الفقهاء، ثم يزعم أنه يريد أن يتقرب إلى الله تعالى بفروض الكفايات. وقد روى أنس رضي الله عنه أنه "قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر? فقال عليه السلام: إذا ظهرت المداهنة في خياركم والفاحشة في شراركم وتحول الملك في صغاركم والفقه في أراذلكم" الثالث: أن يكون المناظر مجتهداً يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له كما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم والأئمة. فأما من ليس له رتبة الاجتهاد وهو حكم كل أهل العصر وإنما يفتي فيما يسأل عنه ناقلاً عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه، فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم وليس له الفتوى بغيره? وما يشكل عليه يلزمه أن يقول: لعل عند صاحب مذهبي جواباً عن هذا فإني لست مستقلاً بالاجتهاد في أصل الشرع: ولو كانت مباحثته عن المسائل التي فيها وجهان أو قولان لصاحبه لكان أشبه، فإنه ربما يفتي بأحدهما فيستفيد من البحث ميلاً إلى أحد الجانبين ولا يرى المناظرات جارية فيها قط، بل ربما ترك المسألة التي فيها وجهان أو قولان وطلب مسألة يكون الخلاف فيها مبتوتاً. الرابع: أن لا يناظر إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالباً فإن الصحابة رضي الله عنهم ما تشاوروا إلا فيما تجدد من الوقائع أو ما يغلب وقوعه كالفرائض، ولا نرى المناظرين يهتمون بانتقاد المسائل التي تعم البلوى بالفتوى فيها بل يطلبون الطبوليات التي تسمع فيتسع مجال الجدل فيها كيفما كان الأمر، وربما يتركون ما يكثر وقوعه ويقولون هذه مسألة خيرية أو هي من الزوايا وليست من الطبوليات، فمن العجائب أن يكون المطلب هو
الحق ثم يتركون المسألة لأنها خبرية ومدرك الحق فيها هو الإخبار! أو لأنها ليست م الطبول فلا نطول فيها الكلام. والمقصود في الحق أن يقصر الكلام ويبلغ الغاية على القرب لا أن يطول. الخامس: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر والسلاطين فإن الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن والفكر ودرك الحق، وفي حضور الجمع ما يحرك دواعي الرياء ويوجب الحرص على نصرة كل واحد نفسه محقاً كان أو مبطلاً، وأنت تعلم أن حرصهم على المحافل والمجامع ليس لله وأن الواحد منهم يخلو بصاحبه مدة طويلة فلا يكلمه وربما يقترح عليه فلا يجيب وإذا ظهر مقدم أو انتظم مجمع لم يغادر في قوس الاحتيال منزعاً حتى يكون هو المتخصص بالكلام. السادس: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق، كما لو أخذ طريقاً في طلب ضالته فنبهه صاحبه على ضالته في طريق آخر فإنه كان يشكره ولا يذمه ويكرمه ويفرح به؛ فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم حتى أن امرأة ردت على عمر رضي الله عنه ونبهته على الحق وهو في خطبته على ملإ من الناس فقال: أصابت امرأة وأخطأ رجل. وسأل رجل علياً رضي الله عنه فأجابه فقال: ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا كذا فقال: أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم. واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما فقال أبو موسى؛ لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم. وذلك لما سئل أبو موسى عن رجل قاتل في سبيل الله فقتل فقال: هو في الجنة. وكان أمير الكوفة فقام ابن مسعود فقال: أعده على الأمير فلعله لم يفهم? فأعادوا عليه فأعاد الجواب فقال ابن مسعود. وأنا أقول إن قتل فأصاب الحق فهو في الجنة. فقال أبو موسى: الحق ما قال. وهكذا يكون إنصاف طالب الحق? ولو ذكر مثل هذا الآن لأقل فقيه لأنكره واستبعده وقال: لا يحتاج إلى أن يقال أصاب الحق فإن ذلك معلوم لكل أحد. فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته وكيف يذم من أفحمه طول عمره ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهمم في تعاونهم على النظر في الحق? السابع: أن لا يمنع معينه في النظر من الانتقال من دليل إلى دليل ومن إشكال إلى إشكال، فهكذا كانت مناظرات السلف: ويخرج م كلامه جميع دقائق الجدل المبتدعة فيما له وعليه كقوله: هذا لا يلزمني ذكره، وهذا يناقض كلامك الأول فلا يقبل منك: فإن الرجوع إلى الحق مناقض للباطل ويجب قبوله. وأنت ترى أن جميع المجالس تنقضي في المدافعات والمجادلات حتى يقيس المستدل على أصل بعلة يظنها فيقال له: ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة? فيقول: هذا ما ظهر لي؛ فإن ظهر لك ما هو أوضح منه وأولى فاذكره حتى أنظر فيه. فيصر المعترض ويقول فيه معان سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها إذ لا يلزمني ذكرها، ويقول المستدل عليك إيراد ما تدعيه وراء هذا ويصر المعترض على أنه لا يلزمه ويتوخى مجالس المناظرة بهذا الجنس من السؤال وأمثاله ولا يعرف هذا المسكين أن قوله: إني أعرفه ولا أذكره إذ لا يلزمني، كذب على الشرع: فإنه إن كان لا يعرف معناه وإنما يدعيه ليعجز خصمه فهو فاسق كذاب عصى الله تعالى وتعرض لسخطه بدعواه معرفة هو خال عنها وإن كان صادقاً فقد فسق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع. وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه فإن كان قوياً رجع إليه وإن كان ضعيفاً أظهر له ضعفه وأخرجه عن ظلمة الجهل إلى نور العلم. ولا خلاف أن إظهار ما علم من علوم الدين بعد السؤال عنه واجب لازم فمعنى قوله: لا يلزمني؛ أي في شرع الجدل الذي أبدعناه بحكم التشهي والرغبة في طريق الاحتيال والمصارعة بالكلام لا يلزمني وإلا فهو لازم بالشرع، فإنه بامتناعه عن الذكر إما كاذب وإما فاسق فتفحص عن مشاورات الصحابة ومفاوضات السلف رضي الله عنهم هل سمعت فيها ما يضاهي هذا الجنس وهل منع أحد من الانتقال من دليل إلى دليل ومن قياس إلى أثر ومن خبر إلى آية? بل جميع مناظراتهم من هذا الجنس إذ كانوا يذكرون كل ما يطر لهم كما يخطر وكانوا ينظرون فيه. الثامن: أن يناظر من يتوقع الاستفادة منه
ممن هو مشتغل بالعلم. والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول والأكابر خوفاً من ظهور الحق على ألسنتهم فيرغبون فيمن دونهم طمعاً في ترويج الباطل عليهم ووراء هذه شروط دقيقة كثيرة ولكن في هذه الشروط الثمانية ما يهديك إلى من يناظر لله ومن يناظر لعلة. واعلم بالجملة أن من لا يناظر الشيطان وهو مستول على قلبه وهو أعدى عدو له ولا يزال يدعوه إلى هلاكه ثم يشتغل بمناظرة غيره في المسائل التي المجتهد فيها مصيب أو مساهم للمصيب في الأجر فهو ضحكة الشيطان وعبرة للمخلصين ولذلك شمت الشيطان به لما غمسه فيه من ظلمات الآفات التي نعددها ونذكر تفاصيلها؛ فنسأل الله حسن العون والتوفيق.
بيان آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق
اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهات والمماراة واستمالة وجوه الناس هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدو الله إبليس. ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيرها كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة. وكما أن الذي خير بين الشرب والفواحش وسائر الفواحش استصغر الشرب فأقدم عليه فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمابهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة. وهذه الأخلاق ستأتي أدلة مذمتها من الأخبار والآيات في ربع المهلكات. ولكنا نشير الآن إلى مجامع ما تهيجه المناظرة فمنها الحسد؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" ولا ينفك المناظر عن الحسد فإنه تارة يغلب وتارة يغلب وتارة يحمد كلامه وأخرى يحمد كلام غيره. فما دام يبقى في الدنيا واحد يذكره بقوة العلم والنظر أو يظن أنه أحسن منه كلاماً وأقوى نظراً فلا بد أن يحسده ويحب زوال النعم عنه وانصراف القلوب والوجوه عنه إليه. والجسد نار محرقة فمن بلي به فهو في العذاب في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأعظم؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: خذوا العلم حيث وجدتموه ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة. ومنها التكبر والترفع على الناس فقد قال ﷺ "من تكبر وضعه الله ومن تواضع رفعه الله" وقال ﷺ حكاية عن الله تعالى "العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته" ولا ينفك المناظر عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع إلى فوق قدره حتى إنهم ليتقاتلون على مجلس من المجالس يتنافسون فيه في الارتفاع والانخفاض والقرب من وسادة الصدر والبعد منها والتقدم في الدخول عند مضايق الطرق، وربما يتعلل الغبي والمكار الخداع منهم بأنه يبغي صيانة عز العلم، "وأن المؤمن منهي عن الإذلال لنفسه" فتعبر عن التواضع الذي أثنى الله عليه وسائر أنبيائه بالذل وعن التكبر الممقوت عند الله بعز الدين تحريفاً للاسم وإضلالاً للخلق به كما فعل في اسم الحكمة والعلم وغيرهما. ومنها الحقد فلا يكاد المناظر يخلو عنه. وقد قال ﷺ "المؤمن ليس بحقود" وورد في ذم الحقد ما لا يخفى. ولا ترى مناظراً يقدر على أن لا يضمر حقداً على من يحرك رأسه من كلام خصمه ويتوقف في كلامه فلا يقابله بحسن الإصغاء بل يضطر إذا شاهد ذلك إلى إضمار الحقد وتربيته في نفسه وغاية تماسكه الإخفاء بالنافق ويترشح منه إلى الظاهر لا محالة في غالب الأمر. وكيف ينفك عن هذا ولا يتصور اتفاق جميع المستمعين على ترجيح كلامه واستحسان جميع أحواله في إيراده وإصداره? بل لو صدر من خصمه أدنى سبب فيه قلة مبالاة بكلامه انغرس في صدره حقد لا يقله مدى الدهر إلى آخر العمر. ومنها الغيبة وقد شبهها الله بأكل الميتة ولا يزال المناظر مثابراً على أكل الميتة فإنه لا ينفك عن حكاية كلام خصمه ومذمته، وغاية تحفظه أن يصدق فيما يحكيه عليه ولا يكذب في الحكاية عنه فيحكي عنه لا محالة ما يدل على قصور كلامه وعجزه ونقصان فضله وهو الغيبة، فأما الكذب فبهتان وكذلك لا يقدر على أن يحفظ لسانه عن التعرض لعرض من يعرض عن كلامه ويصغي إلى خصمه ويقبل عليه حتى ينسبه إلى الجهل والحماقة وقلة الفهم والبلادة. ومنها تزكية النفس، قال الله سبحانه وتعالى "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" وقيل لحكيم؛ ما الصدق القبيح? فقال: ثناء المرء على نفسه. ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه بالقوة والغلبة والتقدم على الأقران ولا ينفك في أثناء المناظرة على قوله: لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور وأنا المتفنن في العلوم والمستقل بالأصول وحفظ الأحاديث وغير ذلك مما يتمدح به تارة على سبيل الصلف وتارة للحاجة إلى ترويج كلامه.
ومعلوم أن الصلف والتمدح مذمومان شرعاً وعقلاً ومنها التجسس وتتبع عورات الناس، وقد قال تعالى "ولا تجسسوا" والمناظر لا ينفك عن طلب عثرات أقرانه وتتبع عورات خصومه حتى إنه ليخبر بورود مناظر إلى بلده فيطلب من يخبر بواطن أحواله ويستخرج بالسؤال مقابحه حتى يعدها ذخيرة لنفسه في إفضاحه وتخجيله إذا مست إليه حاجة حتى إنه ليستكشف عن أحوال صباه وعن عيوب بدنه فعساه يعثر على هفوة أو على عيب به من قرع أو غيره، ثم إذا أحس بأدنى غلبة من جهته عرض به إن كان متماسكاً ويستحسن ذلك منه ويعد من لطائف التسبب ولا يمتنع عن الإفصاح به إن كان متبجحاً بالسفاهة والاستهزاء، كما حكى عن قوم من أكابر المناظرين المعدودين من فحولهم. ومنها الفرح لمساءة الناس والغم لمسارهم ومن لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه فهو بعيد من أخلاق المؤمنين، فكل من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسره لا محالة ما يسوء أقرانه واشكاله الذين يسامونه في الفضل ويكون التباغض بينهم كما بين الضرائر فكما أن إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ارتعدت فرائصها واصفر لونها فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظراً تغير لونه واضطرب عليه فكره فكأنه يشاهد شيطاناً مارداً أو سبعاً ضارياً، فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء وما نقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء والضراء حتى قال الشافعي رضي الله عنه: العلم بين أهل الفضل والعقل رحم متصل? فلا أدري كيف يدعي الاقتداء بمذهبه جماعة صار العلم بينهم عداوة قاطعة! فهل يتصور أن ينسب الأنس بينهم مع طلب الغلبة والمباهاة هيهات هيهات وناهيك بالشر شراً أن يلزمك أخلاق المنافقين ويبرئك عن أخلاق المؤمنين والمتقين. ومنها النفاق فلا يحتاج إلى ذكر الشواهد في ذمه وهم مضطرون إليه فإنهم يلقون الخصوم ومحبيهم وأشياعهم ولا يجدون بداً من التودد إليهم باللسان وإظهار الشوق والاعتداد بمكانهم وأحوالهم، ويعلم ذلك المخاطب والمخاطب وكل من يسمع منهم أن ذلك كذب وزور ونفاق وفجور فإنهم متوددون بالألسنة متباغضون بالقلوب نعوذ بالله العظيم منه؛ فقد قال ﷺ "إذا تعلم الناس العلم وتركوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الأرحام لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم" رواه الحسن وقد صح ذلك بمشاهدة هذه الحالة. ومنها الاستكبار عن الحق وكراهته والحرص على المماراة فيه حتى إن أبغض شيء إلى المناظر أن يظهر على لسان خصمه الحق ومنهما ظهر تشمر لجحده وإنكاره بأقصى جهده وبذل غاية إمكانه في المخادعة والمكر والحيلة لدفعه حتى تصير المماراة فيه عادة طبيعية فلا يسمع كلاماً إلا وينبعث من طبعه داعية الاعتراض عليه حتى يغلب ذلك على قلبه في أدلة القرآن وألفاظ الشرع فيضرب البعض منها بالبعض، والمراء في مقابلة الباطل محذور إذ ندب رسول الله ﷺ إلى ترك المراء بالحق على الباطل. قال ﷺ "من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتاً في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة" وقد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذباً وبين من كذب بالحق فقال تعالى "ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه" وقال تعالى "فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه" ومنها الرياء وملاحظة الخلق والجهد في استمالة قلوبهم وصرف وجهوههم. والرياء هو الداء العضال الذي يدعو إلى أكبر الكبائر - كما سيأتي في كتاب الرياء - والمناظر لا يقصد إلا الظهور عند الخلق وانطلاق ألسنتهم بالثناء عليه؛ فهذه عشر خصال من أمهات الفواحش الباطنة سوى ما يتفق لغير المتماسكين منهم من الخصام المؤدي إلى الضرب واللكم واللطم وتمزيق الثياب والأخذ باللحى وسب الوالدين وشتم الأستاذين والقذف الصريح فإن أولئك ليسوا معدودين في زمرة الناس المعتبرين وإنما الأكابر والعقلاء منهم هم الذين لا ينفكون عن هذه الخصال العشر، نعم قد يسلم بعضهم من بعضها مع من هو ظاهر الانحطاط عنه أو ظاهر الارتفاع عليه أو هو بعيد عن بلده وأسباب معيشته، ولا ينفك أحد مهم عنه مع أشكاله المقارنين له في الدرجة. ثم يتشعب من كل واحدة من هذه الخصال العشر عشر أخرى من الرذائل لم نطول بذكرها وتفصيل آحادها مثل:
الأنفة، والغضب والبغضاء، والطمع، وحب طلب المال، والجاه للتمكن من الغلبة، والمباهاة، والأشر، والبطر، وتعظيم الأغنياء والسلاطين والتردد إليهم والأخذ من حرامهم، والتجمل بالخيول والمراكب والثياب المحظورة، والاستحقار للناس بالفخر والخيلاء، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام، وخروج الخشبة والخوف والرحمة من القلب، واستيلاء الغفلة عليه حتى لا يدري المصلي منهم في صلاته ما صلى وما الذي يقرأ ومن الذي يناجيه? ولا يحس بالخشوع من قلبه مع استغراق العمر في العلوم التي تعين في المناظرة مع أنها لا تنفع في الآخرة: من تحسين العبارة وتسجيع اللفظ وحفظ النوادار إلى غير ذلك من أمور لا تحصى. والمناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم ولهم درجات شتى ولا ينفك أعظمهم ديناً وأكثرهم عقلاً عن جمل من مواد هذه الأخلاق وإنما غايته إخفاؤها ومجاهدة النفس بها. واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل بالتذكير والوعظ أيضاً إذا كان قصده طلب القبول وإقامة الجاه ونيل الثروة والعزة وهي لازمة لكل من يطلب بالعلم غير ثواب الله تعالى في الآخرة فالعلم لا يهمل العالم بل يهلكه هلاك الأبد أو يحييه حياة الأبد، ولذلك قال ﷺ "أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه" فلقد ضره مع أنه لم ينفعه؛ وليته نجا منه رأساً برأس؛ وهيهات هيهات فخطر العلم عظيم؛ وطالبه طلب الملك المؤبد، والنعيم السرمد، فلا ينفك عن الملك أو الهلك؛ وهو كطالب الملك في الدنيا، فإن لم يتفق له الإصابة في الأموال لم يطمع في السلامة من الإذلال بل لابد من لزوم أفضح الأحوال. فإن قلت: في الرخصة في المناظرة فائدة وهي ترغيب الناس في طلب العلم إذ لولا حب الرياسة لاندرست العلوم؛ فقد صدقت فيما ذكرته من وجه ولكنه غير مفيد إذ لولا الوعد بالكرة والصولجان واللعب بالعصافير ما رغب الصبيان في المكتب وذلك لا يدل على أن الرغبة فيه محمودة، ولولا حب الرياسة لاندرس العلم، ولا يدل ذلك على أن طالب الرياسة ناج بل هو من الذين قال صلى الله عليه وآله وسلم فيهم "إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم" وقال ﷺ "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" فطالب الرياسة في نفسه هالك وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا وذلك فيمن كان ظاهر حاله في ظاهر الأمر ظاهر حال علماء السلف ولكنه يضمر قصد الجاه، فمثاله مثال الشمع الذي يحترق في نفسه ويستضيء به غيره فصلاح غيره في هلاكه فأما إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النار المحرقة التي تأكل نفسها وغيرها. فالعلماء ثلاثة: إما مهلك نفسه وغيره وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون عليها، وإما مسعد نفسه وغيره وهم الداعون الخالق إلى الله سبحانه ظاهراً وباطناً، وإما مهلك نفسه مسعد غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقصده في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه، فانظر من أي الأقسام أنت ومن الذي اشتغلت بالاعتداد له? فلا تظنن أن الله تعالى يقبل غير الخالص لوجهه تعالى من العلم والعمل. وسيأتيك في كتاب الرياء بل في جميع ربع المهلكات ما ينفي عنك الريبة فيه إن شاء الله تعالى. ==============
إحياء علوم الدين/كتاب العلم/الباب الخامس
الباب الخامس
في آداب المتعلم والمعلم
أما المتعلم فآدابه ووظائفه الظاهرة كثيرة ولكن تنظم تفاريقها عشر جمل: الوظيفة الأولى: تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف إذ العلم عبادة القلب وصلاة السر وقربة الباطن إلى الله تعالى؛ وكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث فكذلك لا تصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف. قال ﷺ "بنى الدين على النظافة" وهو كذلك باطناً وظاهراً قال الله تعالى "إنما المشركون نجس" تنبيهاً للعقول على الطهارة والنجاسة غير مقصورة على الظواهر بالحس فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه نجس الجوهر أي باطنه ملطخ بالخبائث. والنجاسة عبارة عما يجتنب ويطلب البعد منه وخبائث صفات الباطن أهم بالاجتناب فإنها مع خبثها في الحال مهلكات في المآل. ولذلك قال ﷺ "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب" والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم ومحل استقرارهم؛ والصفات الرديئة مثل والغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب إلا بواسطة الملائكة "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء" وهكذا ما يرسل من رحمة العلوم إلى القلوب إنما تتولاها الملائكة الموكلون بها وهم المقدسون المطهرون المبرءون عن الصفات المذمومات فلا يلحظون إلا طيباً ولا يعمرون بما عندهم من خزائن رحمة الله إلا طيباً طاهراً. ولست أقول المراد بلفظ البيت هو القلب و بالكلب هو الغضب والصفات المذمومة ولكني أقول هو تنبيه عليه، وفرق بين تعبير الظواهر إلى البواطن وبين التنبيه للبواطن من ذكر الظواهر مع تقرير الظواهر، ففارق الباطنية بهذه الدقيقة، فإن هذه طريق الاعتبار وهو مسلك العلماء والأبرار إذ معنى الاعتبار أن يعبر ما ذكر إلى غيره فلا يقتصر عليه كما عليه كما يرى العاقل مصيبة لغيره فيكون فيها له عبرة بأن يعبر منها إلى التنبيه لكونه أيضاً عرضة للمصائب وكون الدنيا بصدد الانقلاب، فعبوره من غيره إلى نفسه ومن نفسه إلى أصل الدنيا عبرة محمودة فاعبر أنت أيضاً من البيت الذي هو بناء الخلق إلى القلب الذي هو بيت من بناء الله تعالى ومن الكلب الذي ذم لصفته - لا لصورته - وهو ما فيه من سبعية ونجاسة إلى الروح الكلبية وهي السبعية. واعلم أن القلب المشحون بالغضب والشره إلى الدنيا والتكلب عليها والحرص على التمزيق لأعراض الناس كلب في المعنى وقلب في الصورة، فنور البصيرة يلاحظ المعاني لا الصور. والصور في هذا العالم غالبة على المعاني والمعاني باطنة فيها. وفي الآخرة تتبع الصور المعاني وتغلب المعاني. فلذلك يحشر كل شخص على صورته المعنوية فيحشر الممزق لأعراض الناس كلباً ضارياً.
والشره إلى أموالهم ذئباً عادياً، والمتكبر عليهم في صورة نمر، وطالب الرياسة في صورة أسد وقد وردت بذلك الأخبار وشهد به الاعتبار عند ذوي البصائر والأبصار. فإن قلت: كم من طالب رديء الأخلاق حصل العلوم فهيهات ما بعده عن العلم الحقيقي النافع في الآخرة الجالب للسعادة فإن من أوائل ذلك العلم أن يظهر له أن المعاصي سموم قاتلة مهلكة وهل رأيت من يتناول سماً مع علمه بكونه سماً قاتلاً? إنما الذي تسمعه من المترسمين حديث يلفقونه بألسنتهم مرة ويرددونه بقلوبهم أخرى وليس ذلك من العلم في شيء. قال ابن مسعود رضي الله عنه ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم نور يقذف في القلب. وقال بعضهم: إنما العلم الخشية لقوله تعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وكأنه أشار إلى أخص ثمرات العلم. ولذلك قال بعض المحققين: معنى قولهم تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله أن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه. فإن قلت: أرى جماعة من العلماء والفقهاء المحققين برزوا في الفروع والأصول وعدوا من جملة الفحول وأخلاقهم ذميمة لم يتطهروا منها? فيقال: إذا عرفت مراتب العلوم وعرفت علم الآخرة استبان لك أن ما اشتغلوا به قليل الغناء من حيث كونه علماً وإنما غناؤه من حيث كونه عملاً لله تعالى إذا قصد به التقرب إلى الله تعالى وقد سبقت إلى هذا إشارة. وسيأتيك فيه مزيد بيان وإيضاح إن شاء الله تعالى. الوظيفة الثانية: أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا ويبعد عن الأهل والوطن فإن العلائق شاغلة وصارفة "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه" ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق ولذلك قيل "العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر" والفكرة المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه فنشفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزدرع. الوظيفة الثالثة: أن لا يتكبر على العلم ولا يتامر في العلم بل يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل تفصيل ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق. وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويطلب الثواب والشرف بخدمته. قال الشعبي "صلى زيد بن ثابت على جنازة فقربت إليه بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء فقبل زيد بن ثابت يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ" وقال ﷺ "ليس من أخلاق المؤمن التملق إلا في طلب العلم" فلا ينبغي لطالب العلم أن يتكبر على المعلم ومن تكبره على المعلم أن يستنكف عن الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين وهو عين الحماقة فإن العلم سبب النجاة والسعادة، ومن يطلب مهرباً من سبع ضار يفترسه لم يفرق بين أن يرشده إلى الهرب مشهور أو خامل، وضراوة سباع النار بالجهال بالله تعالى أشد من ضراوة كل سبع فالحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها ويتقلد المنة لمن ساقها إليه كائناً من كان؛ فلذلك قيل: العلم حرب للفتى المتعالـي كالسيل حرب للمكان العالي
فلا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع قال الله تعالى "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" ومعنى كونه ذا قلب أن يكون قابلاً للعلم فهماً، ثم لا تعينه القدرة على الفهم حتى يلقي السمع وهو شهيد حاضر القلب ليستقيل كل ما ألقى إليه بحسن الإصغاء والضراعة والشكر والفرح وقبول المنة. فليكن المتعلم لمعلمه كأرض دمثة نالت مطراً غزيراً فتشربت جميع أجزائها وأذعنت بالكلية لقبوله. ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها مع أنه يعظم نفعها، فكم من مريض محرور يعالجة الطبيب في بعض أوقاته بالحرارة ليزيد في قوته إلى حد يحتمل صدمة العلاج فيعجب منه من لا خبرة له به، وقد نبه الله تعالى بقصة الخضر وموسى عليهما السلام حيث قال الخضر "إنك لن تسطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً" ثم شرط عليه السكوت والتسليم فقال "فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً" ثم لم يصبر ولم يزل في مراودته إلى أن كان ذلك سبب الفراق بينهما. وبالجملة كل متعلم استبقى لنفسه رأياً واختياراً دون اختيار المعلم فاحكم عليه بالإخفاق والخسران.
فإن قلت: فقد قال الله تعالى "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" فالسؤال مأمور به? فاعلم أنه كذلك ولكن فيما يأذن المعلم في السؤال عنه فإن السؤال عما لم تبلغ مرتبتك إلى فهمه مذموم، ولذلك منع الخضر موسى عليه السلام من السؤال: أي دع السؤال قبل أوانه فالمعلم أعلم بما أنت أهل له وبأوان الكشف. وما لم يدخل أوان الكشف في كل درجة من مراقي الدرجات لا يدخل أو أن السؤال عنه. وقد قال علي رضي الله عنه: إن من حق العالم أن لا تكثر عليه بالسؤال ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشي له سراً ولا تغتابن أحداً عنده ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه لله تعالى مادام يحفظ أمر الله تعالى، ولا تجلس أمامه، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته.
الوظيفة الرابعة؛ أن يحترز الخائض في العلم في مبدإ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة: فإن ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه ويفتر رأيه ويؤيسه عن الإدراك والاطلاع، بل يبنغي أن يتقن أولاً الطريق الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه، ثم بعد ذلك يصغي إلى المذاهب والشبه. وإن لم يكن أستاذه مستقلاً باختيار رأي واحد وإنما عادته نقل المذاهب وما قيل فيها فليحذر منه فإن إضلاله أكثر من إرشاده فلا يصلح الأعمى لقود العميان وإرشادهم، ومن هذا حاله يعد في عمى الحيرة وتيه الجهل، ومنع المبتدىء عن الشبه يضاهي منع الحديث العهد بالإسلام عن مخالطة الكفار، وندب القوى إلى النظر في الاختلافات يضاهي حث القوى على مخالطة الكفار؛ ولهذا يمنع الجبان عن التهجم على صف الكفار ويندب الشجاع له. ومن الغفلة عن هذه الدقيقة ظن بعض الضعفاء أن الاقتداء بالأقوياء فيما ينقل عنهم من المساهلات جائز، ولم يدر أن وظائف الأقوياء تخالف وظائف الضعفاء. وفي ذلك قال بعضهم: من رآني من البداية صار صديقاً، ومن رآني في النهاية صار زنديقاً، إذ النهاية ترد الأعمال إلى الباطن وتسكن الجوارح إلا عن رواتب الفرائض؛ فيتراءى للناظرين أنها بطالة وكسل وإهمال، وهيهات فذلك مرابطة القلب في عين الشهود والحضور وملازمة الذكر الذي هو أفضل الأعمال على الدوام؛ وتشبه الضعيف بالقوي فيما يرى من ظاهره أنه هفوة يضاهي اعتذار من يلقى نجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل بأن أضعاف هذه النجاسة قد يلقى في البحر والبحر أعظم من الكوز فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز. ولا يدري المسكين أن البحر بقوته يحيل النجاسة ماء فتنقلب عين النجاسة باستيلائه إلى صفته، والقليل من النجاسة يغلب على الكوز ويحيله إلى صفته، ولمثل هذا جوز للنبي ﷺ ما لم يجوز لغيره حتى أبيح له تسع نسوة إذ كان له من القوة ما يتعدى منه صفة العدل إلى نسائه وإن كثرن، وأما غيره فلا يقدر على بعض العدل بل يتعدى ما بينهن من الضرار إليه حتى ينجر إلى معصية الله تعالى في طلبه رضاهن. فما أفلح من قاس الملائكة بالحدادين
الوظيفة الخامسة: أن لا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة ولا نوعاً من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطلع به على مقصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه وإلا اشتغل بالأهم منه واستوفاه وتطرف من البقية؛ فإن العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض، ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله؛ فإن الناس أعداء ما جهلوا قال تعالى "وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم". قال الشاعر: ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا
فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى، أو معينة على السلوك نوعاً من الإعانة، ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود، والقوام بها حفظة كحفاظ الرباطات والثغور، ولكل واحد رتبة وله بحسب درجته أجر في الآخرة إذا قصد به وجه الله تعالى.
الوظيفة السادسة: أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة بل يراعي الترتيب ويبتدىء بالأهم. فإن العمر إذا كان لا يستع لجميع العلوم غالباً فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ويكتفي منه بشمه ويصرف جمام قوته في الميسور المكاشفة. وغاية المكاشفة معرفة الله تعالى؛ ولست أعني به الاعتقاد الذي يتلقفه العامي ورائه أو تلقفاً؛ ولا طريق تحرير الكلام والمجادلة في تحصين الكلام عن مرواغات الخصوم كما غاية المتكلم، بل ذلك نوع يقين هو ثمرة نور يقذفه الله تعالى في قلب عبد طهر بالمجاهدة باطنه عن الخبائث حتى ينتهي إلى رتبة إيمان أبي بكر رضي الله عنه الذي لو وزن بإيمان العالمين لرجح كما شهد له به سيد البشر ﷺ، فما عندي أن ما يعتقده العامي ويرتبه المتكلم الذي لا يزيد على العامي إلا في صنعة الكلام ولأجله سميت صناعته كلاماً وكان يعجز عنه عمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم، حتى كان يفضلهم أبو بكر بالسر الذي وقر في صدره. والعجب ممن يسمع مثل هذه الأقوال من صاحب الشرع - صلوات الله وسلامه عليه - ثم يزدري ما يسمعه على وفقه ويزعم أنه من ترهات الصوفية وأن ذلك غير معقول؛ فينبغي أن تتئد في هذا فعنده ضيعت رأس المال، فكن حريصاً على معرفة ذلك السر الخارج عن بضاعة الفقهاء والمتكلمين ولا يرشدك إليه إلا حرصك في الطلب.
وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل وهو بحر لا يدرك منتهى غوره، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ثم الأولياء ثم الذين يلونهم. وقد روي أنه رؤي صورة حكيمين من الحكماء المتقدمين في مسجد وفي يد أحدهما رقعة فيها: إن أحسنت كل شيء فلا تظنن أنك أحسنت شيئاً حتى تعرف الله تعالى وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء. وفي يد الآخر كنت قبل أن أعرف الله تعالى أشرب وأظمأ، حتى إذا عرفته رويت بلا شرب الوظيفة السابعة: أن لا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله؛ فإن العلوم مرتبة ترتيباً ضرورياً وبعضها طريق إلى بعض، والموفق من راعى ذلك الترتيب والتدريج. قال الله تعالى "الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته" أي لا يجاوزون فناً حتى يحكموه علماً وعملاً، وليكن قصده في كل علم يتحراه الترقي إلى ما هو فوقه؛ فينبغي ألا يحكم على علم بالفساد لوقوع الخلف بين أصحابه فيه، ولا بخطأ واحد أو آحاد فيه، ولا بمخالفتهم موجب علمهم بالعمل؛ فترى جماعة تركوا النظر في العقليات والفقهيات، متعللين فيها بأنها لو كان لها أصل لأذركه أربابها؛ وقد مضى كشف هذه الشبه في كتاب معيار العلم وترى طائفة يعتقدون بطلان الطب لخطأ شاهدوه من طبيب، وطائفة اعتقدوا صحة النجوم لصواب اتفق لواحد، وطائفة اعتقدوا بطلانه لخطأ اتفق لآخر. والكل خطأ، بل ينبغي أن يعرف الشيء في نفسه، فلا كل علم يستقل بالإحاطة به كل شخص ولذلك قال علي رضي الله عنه: لا تعرف الحق بالرجال. اعرف الحق تعرف أهله
الوظيفة الثامنة: أن يعرف السبب الذي به يدرك أشرف العلوم، وأن ذلك يراد به شيئان: أحدهما: شرف الثمرة والثاني: وثاقة الدليل وقوته، وذلك كعلم الدين وعلم الطب فإن ثمرة أحدهما الحياة الأبدية وثمرة الآخر الحياة الفانية فيكون علم الدين أشرف. ومثل علم الحساب وعلم النجوم فإن علم الحساب أشرف لوثاقة أدلته وقوتها وإن نسب الحساب إلى الطب كان الب أشرف باعتبار ثمرته والحساب أشرف باعتبار أدلته وملاحظة الثمرة أولى: ولذلك كان الطب أشرف وإن كان أكثره بالتخمين. وبهذا تبين أن أشرف العلوم العلم بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم فإياك أن ترغب إلا فيه وأن تحرص إلا عليه.
الوظيفة التاسعة: أن يكون قصد المتعلم في الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة وفي المآل لقرب من الله سبحانه والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من الملائكة والمقربين، ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ومباهاة الأقران وإن كان هذا مقصده طلب لا محالة الأقرب إلى مقصوده وهو علم الآخرة: ومع هذا فلا ينبغي له أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم أعني علم الفتاوى وعلم النحو واللغة المتعلقين بالكتاب والسنة وغير ذلك مما أوردناه في المقدمات والمتممات من ضروب العلوم التي هي فرض كفاية، ولا تفهمن من غلونا في الثناء على علم الآخرة تهجين هذه العلوم فالمتكلفون بالعلوم كالمتكلفين بالثغور والمرابطين بها والغزاة المجاهدين في سبيل الله فمنهم المقاتل ومنهم الرد. ومنهم الذي يسقيهم الماء ومنهم الذي يحفظ دوابهم ويتعهدهم ولا ينفك أحد منهم عن أجر إذا كان قصده إعلاء كلمة الله تعالى دون حيازة الغنائم فكذلك العلماء قال الله تعالى "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" وقال تعالى "هم درجات عند الله" والفضيلة نسبية. واستحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك لا يدل على حقارتهم إذا قيسوا بالكناسين فلا تظن أن ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر بل الرتبة العليا للأنبياء ثم الأولياء ثم العلماء الراسخين في العلم ثم للصالحين على تفاوت درجاتهم وبالجملة "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" ومن قصد الله تعالى بالعلم أي علم كان نفعه ورفعه لا محالة. الوظيفة العاشرة: أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد كيما يؤثر الرفيع القريب على البعيد والمهم على غيره - ومعنى المهم ما يهمك - ولا يهمك إلا شأنك في الدنيا والآخرة. وإذا لم يمكنك الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة كما نطق به القرآن وشهد له من نور البصائر ما يجري مجرى العيان فالأهم ما يبقى أبد الآباد وعند ذلك تصير الدنيا منزلاً والبدن مركباً والأعمال سعياً إلى المقصد ولا مقصد إلا لقاء الله تعالى ففيه النعيم كله وإن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلون.
والعلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء الله سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم - أعني النظر الذي طلبه الأنبياء وفهموه دون ما سبق إلى فهم العوام والمتكلمين - على ثلاث مراتب تفهمها بالموازنة بمثال وهو أن العبد الذي علق عتقه وتمكينه من الملك بالحج وقيل له إن حججت وأتممت وصلت إلى العتق والملك جميعاً وإن ابتدأت بطريق الحج والاستعداد له وعاقك في الطريق مانع ضروري فلك العتق والخلاص من شقاء الرق فقط دون سعادة الملك فله ثلاثة أصناف من الشغل، الأول. تهيئة الأسباب بشراء الناقة وخرز الراوية وإعداد الزاد والراحلة والثاني السلوك ومفارقة الوطن بالتوجه إلى الكعبة منزلاً بعد منزل. والثالث: الاشتغال بأعمال الحج ركناً بعد ركن ثم بعد الفراغ والنزوع عن هيئة الإحرام وطواف الوداع استحق التعرض للملك والسلطنة، وله في كل مقام منازل من أول إعداد الأسباب إلى آخره، من أول سلوك البوادي إلى آخره، ومن أول أركان الحج إلى آخره. وليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من السعادة كقرب من هو بعد في إعداد الزاد والراحلة ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك بل هو أقرب منه، فالعلوم أيضاً ثلاثة أقسام: قسم يجري مجرى إعداد الزاد والراحلة وشراء الناقة وهو علم الطب والفقه وما يتعلق بمصالح البدن في الدنيا. وقسم يجري مجرى سلوك البادي وقطع العقبات وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات وطلوع تلك العقبات الشامخة التي عجز عنها الأولون والآخرون إلا الموفقين فهذا سلوك الطريق وتحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق ومنازله وكما لا يغني علم المنازل وطرق البوادي دون سلوكها كذلك لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب ولكن المباشرة دون العلم غير ممكن. وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه وهو العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وأفعاله وجميع ما ذكرناه في تراجم المكاشفة وههنا نجاة وفوز بالسعادة فلا يناله إلا العارفون بالله تعالى وهم المقربون المنعمون في جوار الله تعالى بالروح والريحان وجنة النعيم وأما الممنوعون دون ذروة الكمال فلهم النجاة والسلامة كما قال الله عز وجل "فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين" وكل من لم يتوجه إلى المقصد ولم ينتهض له أو انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال والعبودية بل لغرض عاجل فهو من أصحاب الشمال ومن الضالين فله نزل من حميم وتصلية جحيم.
واعلم أن هذا هو حق اليقين عند العلماء الراسخين أعني أنهم أدركوه بمشاهدة من الباطن هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار وترقوا فيه عن حد التقليد لمجرد السماع، وحالهم حال من أخبر فصدق ثم شاهد فحقق وحال غيرهم حال من قبل بحسن التصديق والإيمان ولم يحظ بالمشاهدة والعيان. فالسعادة وراء علم المكاشفة وعلم المكاشفة وراء علم المعاملة التي هي سلوك طريق الآخرة وقطع عقبات الصفات. وسلوك طريق محو الصفات المذمومة وراء علم الصفات وعلم طريق المعالجة وكيفية السلوك في ذلك وراء علم سلامة البدن ومساعدة أسباب الصحة. وسلامة البدن بالاجتماع والتظاهر والتعاون الذي يتوصل به إلى الملبس والمطعم والمسكن وهو منوط بالسلطان وقانونه في ضبط الناس على منهج العدل والسياسة في ناصية الفقيه. وأما أسباب الصحة ففي ناصية الطبيب ومن قال العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان وأشار به إلى الفقه أراد به العلوم الظاهرة الشائعة لا للعلوم العزيزة الباطنة. فإن قلت: لم شبهت علم الطب والفقه بإعداد الزاد والراحلة? فاعلم أن الساعي إلى الله تعالى لينال قربه هو القلب دون البدن ولست أعني بالقلب اللحم المحسوس بل هو من أسرار الله عز وجل لا يدركه الحس ولطيفة من لطائفه تارة يعبر عنه بالروح وتارة بالنفس المطمئنة، والشرع يعبر عنه بالقلب لأنه المطية الأولى لذلك السر وبواسطته صار جميع البدن مطية وآلة لتلك اللطيفة، وكشف الغطاء عن ذلك السر من علم المكاشفة وهو مضنون به بل لا رخصة في ذكره، وغاية المأذون فيه أن يقال هو جوهر نفيس ودر عزيز اشرف من هذه الأجرام المرئية وإنما هو أمر إلهي كما قال تعالى "ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" وكل المخلوقات منسوبة إلى الله تعالى ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء البدن فلله الخلق والأمر جميعاً، والأمر أعلى من الخلق. وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة الله تعالى المتقدمة بهذه الرتبة على السموات والأرضين والجبال إذ أبين أن يحملنها وأشفقن منها من عالم الأمر: ولا يفهم من هذا أنه تعريض بقدمها فإن القائل بقدم الأرواح مغرور جاهل لا يدري ما يقول فلنقبض عنان البيان عن هذا الفن فهو وراء ما نحن بصدده. والمقصود أن هذه اللطيفة هي الساعية إلى قرب الرب لأنها من أمر الرب فمنه مصدرها وإليه مرجعها، وأما البدن فمطيتها التي تركبها وتسعى بواسطتها، فالبدن لها في طريق الله تعالى كالناقة للبدن في طريق الحج وكالراوية الخازنة للماء الذي يفتقر إليه البدن فكل علم مقصده مصلحة البدن فهو من جملة مصالح المطية. ولا يخفى أن الطب كذلك فإنه قد يحتاج إليه في حفظ الصحة على البدن ولو كان الإنسان وحده لاحتاج إليه: والفقه يفارقه في أنه لو كان الإنسان وحده ربما كان يستغني عنه ولكنه خلق على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده إذ لا يستقل بالسعي وحده في تحصيل طعامه بالحراثة والزرع والخبز والطبخ وفي تحصيل الملبس والمسكن وفي إعداد آلات ذلك كله فاضطر إلى المخالطة والاستعانة. ومهما اختلط الناس وثارت شهواتهم تجاذبوا أسباب الشهوات وتنازعوا وتقاتلوا وحصل من قتالهم هلاكهم بسبب التنافس من خارج كما يحصل هلاكهم بسبب تضاد الأخلاط من داخل، وبالطب يحفظ الاعتدال في الأخلاط طب، وعلم طريق اعتدال أحوال الناس في المعاملات والأفعال فقه.
وكل ذلك لحفظ البدن الذي هو مطية فالمتجرد لعلم الفقه أو الطب إذا لم يجاهد نفسه ولا يصلح قلبه كالمتجرد لشراء الناقة وعلفها وشراء الراوية وخرزها إذا لم يسك بادية الحج. والمستغرق عمره في دقائق الكلمات التي تجري في مجادلات الفقه كالمستغرق عمره في دقائق الأسباب التي بها تستحكم الخيوط التي تخرز بها الراوية للحج. ونسبة هؤلاء من السالكين لطريق إصلاح القلب الموصل إلى علم المكاشفة كنسبة أولئك إلى سالكي طريق الحج أو ملابسي أركانه: فتأمل هذا أولاً واقبل النصيحة مجاناً ممن قام عليه ذلك غالباً ولم يصل إليه إلا بعد جهد جهيد وجراءة تامة على مباينة الخلق العامة والخاصة في النزوع من تقليدهم بمجرد الشهوة، فهذا القدر كاف في وظائف المتعلم.
بيان وظائف المرشد المعلم
اعلم أن للإنسان في علمه أربعة أحوال كحالة في اقتناء الأموال: إذ لصاحب المال حال استفادة فيكون مكتسباً، وحال ادخار لما اكتسبه فيكون به غنياً عن السؤال. وحال إنفاق على نفسه فيكون منتفعاً، وحال بذل لغيره فيكون به سخياً متفضلاً وهو أشرف أحواله. فكذلك العلم يقتنى كما بقتنى المال فله حال طلب واكتساب وحال تحصيل يغني عن السؤال وحال استبصار وهو التفكر في المحصل والتمتع به وحال تبصير وهو أشرف الأحوال: فمن علم وعمل وعلم فهو الذي يدعى عظيماً في ملكوت السموات فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب. والذي يعلم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال عن العلم وكالمسن الذي يشحذ غيره ولا يقطع والإبرة التي تكسو غيرها وهي عارية وذبالة المصباح تضيء لغيرها وهي تحترق كما قيل: ما هـو إلا ذبـالة وقـدت تضيء للناس وهي تحترق
ومهما اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمراً عظيماً وخطراً جسيماً فليحفظ آدابه ووظائفه (الوظيفة الأولى) الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه قال رسول الله ﷺ "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده" بأن يقصد إنقاذهم من نار الآخرة وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا: ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية والمعلم سبب الحياة الباقية. ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة أعني معلم علوم الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك ونعوذ بالله منه. وكما أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد كلها فكذلك حق تلامذة الرجل الواحد التحاب والتوادد ولا يكون إلا كذلك إن كان مقصدهم الآخرة ولا يكون إلا التحاسد والتباغض إن كان مقصدهم الدنيا. فإن العلماء وأبناء الآخرة مسافرون إلى الله تعالى وسالكون إليه الطريق من الدنيا، وسنوها وشهورها منازل الطريق والترافق في الطريق بين المسافرين إلى الأمصار سبب التواد والتحاب فكيف السفر إلى الفردوس الأعلى والترافق في طريقه? ولا ضيق في سعادة الآخرة فلذلك لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع ولا سعة في سعادات الدنيا فلذلك لا ينفك عن ضيق التزاحم. والعادلون إلى طلب الرياسة بالعلوم خارجون عن موجب قوله تعالى "إنما المؤمنون إخوة" وداخلون في مقتضى قوله تعالى "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين" الوظيفة الثانية أن يقتدى بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فلا يطلب على إفادة العلم أجراً ولا يقصد به جزاء ولا شكراً بل يعلم لوجه الله تعالى وطلباً للتقرب إليه ولا يرى لنفسه منة عليهم وإن كانت المنة لازمة عليهم بل يرى الفضل لهم إذ هذبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها، كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك زراعة فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض فكيف تقلده منه وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى? ولولا المتعلم ما نلت هذا الثواب فلا تطلب الأجر إلا من الله تعالى كما قال عز وجل "ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله" فإن المال وما في الدنيا خادم البدن والبدن مركب النفس ومطيتها والمخدوم هو العلم إذ به شرف النفس. فمن طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل مداسه بوجهه لينظفه فجعل المخدوم خادماً والخادم مخدوماً وذلك هو الانتكاس على أم الرأس، ومثله هو الذي يقوم في العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رءوسهم عند ربهم. وعلى الجملة فالفضل والمنة للمعلم فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى الله تعالى بما هم فيه من علم الفقه والكلام والتدريس فيهما وفي غيرهما? فإنهم يبذلون المال والجاه ويتحملون أصناف الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات ولو تركوا ذلك لتركوا ولم يختلف إليهم ثم يتوقع المعلم من المتعلم أن يقوم له في كل نائبة وينصر وليه ويعادي عدوه وينتهض جهاراً له في حاجاته ومسخراً بين يديه في أوطاره: فإن قصر في حقه ثار عليه وصار من أعدى أعدائه. فأخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة ثم يفرح بها ثم لا يستحيي من أن يقول غرضي من التدريس نشر العلم تقرباً إلى الله تعالى ونصرة لدينه!
فانظر إلى الأمارات حتى ترى ضروب الاغترارات الوظيفة الثالثة أن لا يدع من نصح المتعلم شيئاً وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي ثم ينبهه على أن الغرض بطلب العلوم القرب إلى الله تعالى دون الرياسة والمباهاة والمنافسة، ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده: فإن علم من باطنه أنه لا يطلب العلم إلا للدنيا نظر إلى العلم الذي يطلبه فإن كان هو علم الخلاف في الفقه والجدل في الكلام والفتاوى في الخصومات والأحكام فيمنعه من ذلك فإن هذه العلوم ليست من علوم الآخرة ولا من العلوم التي قيل فيها "تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله" وإنما ذلك علم التفسي وعلم الحديث وما كان الأولون يشتغلون به من علم الآخرة ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها فإذا تعلمه الطالب وقصد به الدنيا فلا بأس أن يتركه فإنه يثمر له طمعاً في الوعظ والاستتباع ولكن قد يتنبه في أثناء الأمر أو آخره إذ فيه العلوم المخوفة من الله تعالى المحقرة للدنيا المعظمة للآخرة، وذلك يوشك أن يؤدي إلى الصواب في الآخرة حتى يتعظ بما يعظ به غيره. ويجري حب القبول والجاه مجرى الحب الذي ينثر حوالي الفخ ليقتنص به الطير وقد فعل الله ذلك بعباده إذ جعل الشهوة ليصل الخلق بها إلى بقاء النسل. وخلق أيضاً حب الجاه ليكون سبباً لإحياء العلوم وهذا متوقع في هذه العلوم فأما الخلافيات المحضة ومجادلات الكلام ومعرفة التفاريع الغريبة فلا يزيد التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة القلب وغفلة عن الله تعالى وتمادياً في الضلال وطلباً للجاه إلا من تداركه الله تعالى برحمته أو مزج به غيره من العلوم الدينية. ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة فانظر واعتبر واستبصر لتشاهد تحقيق ذلك في العباد والبلاد والله المستعان. وقد رؤي سفيان الثوري رحمه الله حزيناً فقيل له: مالك? فقال: صرنا متجراً لأبناء الدنيا يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل قاضياً أو عاملاً أو قهرماناً الوظيفة الرابعة وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح. وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ فإن التصريح يهتك حجاب الهيئة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار إذ قال ﷺ وهو مرشد كل معلم "لو منع الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء" وينبهك على هذا قصة آدم وحواء عليهما السلام وما نهيا عنه؛ فما ذكرت القصة معك لتكون سمراً بل لتتنبه بها على سبيل العبرة ولأن التعريص أيضاً يميل النفوس الفاضلة والأذكان الذكية إلى استنباط معانيه فيفيد فرح التفطن لمعناه رغبة في العلم به ليعلم أن ذلك مما لا يعزب عن فطنته الوظيفة الخامسة أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه. ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير وأن ذلك نقل محض وسماع وهو شأن العجائز ولا نظر للعقل فيه، ومعلم الكلام ينفر عن الفقه ويقول: ذلك فروع وهو كلام في حيض النسوان فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن? فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعلم في غيره وإن كان متكفلاً بعلوم فينبغي أن يراعي التدريج في ترقية المتعلم من ربتة إلى رتبة الوظيفة السادسة أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله اقتداء في ذلك بسيد البشر ﷺ حيث قال "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم" فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها وقال ﷺ "ما أحد يحدث قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على بعضهم" وقال علي رضي الله عنه - وأشار إلى صدره - "إن ههنا لعلوماً جمة لو وجدت لها حملة، وصدق رضي الله عنه فقلوب الأبرار قبور الأسرار. فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد؛ هذا إذا كان يفهمه المتعلم ولم يكن أهلاً للانتفاع به فكيف فيما لا يفهمه?
وقال عيسى عليه السلام: لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير فإن الحكمة خير من الجوهر ومن كرهها فهو شر من الخنازير ولذلك قيل: كل لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار: وسئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب فقال السائل: أما سمعت رسول الله ﷺ قال "من كتم علماً نافعاً جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار"? فقال: اترك اللجام واذهب فإن جاء من يفقهه وكتمته فليلجمني فقد قال الله تعالى "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" تنبيهاً على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى، وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق:
أأنثر دراً بين سارحة النـعـم
فأصبح مخزوناً براعية الغنـم
لأنهم أمسوا بجهـل لـقـدره
فلا أنا أضحى أن أطوقه البهم
فإن لطف الله اللطيف بلطفـه
وصادفت أهلاً للعلوم وللحكم
نشرت مفيداً واستفدت مـودة
وإلا فمخزون لدي ومكتـتـم
فمن منهج الجهال علماً أضاعه
ومن منع المستوجبين فقد ظلم
الوظيفة السابعة أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلى اللائق به ولا يذكر له وراء هذا تدقيقاً وهو يدخره عنه فإن ذلك يفتر رغبته في الجلى ويشوش عليه قلبه ويوهم إليه البخل به عنه إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق. فما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلاً هو أفرحهم بكمال عقله. وبهذا يعلم أن من تقيد من العوام بقيد الشرع ورسخ في نفسه العقائد المأثورة عن السلف من غير تشبيه ومن غير تأويل وحسن مع ذلك سريرته ولم يحتمل عقله أكثر من ذلك فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده بل ينبغي أن يخلى وحرفته، فإنه لو ذكر له تأويلات الظاهر اتحل عنه قيد العوام ولم يتيسر قيده بقيد الخوض فيرتفع عنه السد الذي بينه وبين المعاصي وينقلب شيطاناً مريداً بهلك نفسه وغيره؛ بل لا ينبغي أن يخاض مع العوام في حقائق العلوم الدقيقة بل يقتصر معهم على تعليم العبادات وتعليم الأمانة في الصناعات التي هم بصددها ويملأ قلوبهم من الرغبة والرهبة في الجنة والنار كما نطق به القرآن ولا يحرك عليهم شبهة فإنه ربما تعلقت الشبهة بقلبه ويعسر عليه حلها فيشقى ويهلك. وبالجملة لا ينبغي أن يفتح للعوام باب البحث فإنه يعطل عليهم صناعاتهم التي بها قوام الخلق ودوام عيش الخواص الوظيفة الثامنة أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يكذب قوله فعله لأن العلم يدرك بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر. فإذا خالف العمل العلم منع الرشد وكل من تناول شيئاً وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه فيقولون لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به. ومثل المعلم المرشد من المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود فكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه ومتى استوى الظل والعود أعوج? ولذلك قيل في المعنى: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال الله تعالى "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم" ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر الجاهل إذ يزل بزلته علام كثير ويقتدون به. ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها. ولذلك قال علي رضي الله عنه قصم ظهري رجلان؛ عالم متهتك وجاهل متنسك؛ فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم يغرهم بتهتكه. والله أعلم.
=======================
إحياء علوم الدين/كتاب العلم/الباب السادس سادس
في آفات العلم
وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء
قد ذكرنا ما ورد من فضائل العلم والعلماء، وقد ورد في العلماء السوء تشديدات عظيمة دلت على أنهم أشد الخلق عذاباً يوم القيامة. فمن المهمات العظيمة معرفة العلامات الفارقة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة ونعني بعلماء الدنيا علماء السوء الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها قال ﷺ "إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وعنه ﷺ أنه قال "لا يكون المرء عالماً حتى يكون بعلمه عاملاً" وقال ﷺ "العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وعلم في القلب فذلك العلم النافع" وقال ﷺ "يكون في آخر الزمان عباد جهال وعلماء فساق" وقال ﷺ "لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار" وقال ﷺ "من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار" وقال ﷺ "لأنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال. قيل: وما ذلك? فقال: من الأئمة المضلين" وقال ﷺ "من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً" وقال عيسى عليه السلام: إلى متى تصفون الطريق للمدلجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين، فهذا وغيره من الأخبار يدل على عظيم خطر العلم فإن العالم إما متعرض لهلاك الأبد أو لسعادة الأبد وإنه بالخوض في العلم قد حرم السلامة وإن لم يدرك السعادة. وأما الآثار فقد قال عمر رضي الله عنه: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً? قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل. وقال الحسن رحمه الله: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء. وقال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه فقال: كفى بترك العلم إضاعة له. وقيل لإبراهيم بن عيينة: أي الناس أطول ندماً? قال:أما في عاجل الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره وأما عند الموت فعالم مفوط. وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة، رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه. وقال سفيان الثوري رحمه الله: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. وقال ابن المبارك: لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قط علم فقد جهل. وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله: إني لأرحم ثلاثة: عزيز قوم ذلك وغني قوم افتقر وعالماً تلعب به الدنيا. وقال الحسن: عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة وأنشدوا:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهـدى
ومن يشتري دنياه بالدين أعجب
واعجب من هذين من باع دينه
بدنيا سواه فهو من ذين أعجب
وقال ﷺ "إن العالم ليعذب عذاباً يطيف به أهل النار استعظاماً لشدة عذابه" أراد به العالم الفاجر. وقال أسامة بن زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول "يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيطيف به أهل النار فيقولون مالك فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه" وإنما يضاعف عذاب العالم في معصيته لأنه عصى عن علم ولذلك قال الله عز وجل "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار" لأنهم جحدوا بعد العلم، وجعل اليهود شراً من النصارى مع أنهم ما جعلوا لله سبحانه ولداً ولا قالوا: إنه ثالث ثلاثة، إلا أنهم أنكروا بعد المعرفة إذ قال الله "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" وقال تعالى "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين" وقال تعالى - في قصة بلعام بن باعوراء - "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين" حتى قال "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" فكذلك العالم الفاجر فإن بلعام أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات فشبه بالكلب أي سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت فهو يلهث إلى الشهوات. وقال عيسى عليه السلام: مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع ومثل علماء السوء مثل قناة الحش ظاهرها جص وباطنها نتن، ومثل القبور ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى: فهذه الأخبار والآثار تبين أن العالم الذي هو من أبناء الدنيا أخس حالاً وأشد عذاباً من الجاهل. وأن الفائزين المقربين هم علماء الآخرة ولهم علامات: فمنها أن لا يطلب الدنيا بعلمه فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها ويعلم أنهما متضادتان وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى وأنهما ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلىء يفرغ الآخر. فإن من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذاتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل. فإن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك فكيف يكون من العلماء من لا عقل له? ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر مسلوب الإيمان فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة وأن الجمع بينهما طمع في غيرم مطمع? فهو جاهل بشرائع الأننبياء كلهم بل هو كافر بالقرآن كله من أوله إلى آخر فكيف يعد من زمرة العلماء? ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير الشيطان قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته فكيف يعد من حزب العلماء من هذه درجته? وفي أخبار داود عليه السلام حكاية عن الله تعالى "إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي، يا داود لا تأسل عني عالماً قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي، يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً؛ يا داود من رد إلي هارباً كتبته جهبذاً ومن كتبته جهبذاً لم أعذبه أبداً" ولذلك قال الحسن رحمه الله: عقوبة العلماء موت القلب وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة. ولذلك قال يحيى بن معاذ: إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا. وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فهو لص، وقال عمر رضي الله عنه: إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم فإن كل محب يخوض فيما أحب وقال مالك بن دينار رحمه الله: قرأت في بعض الكتب السالفة إن الله تعالى يقول إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه. وكتب رجل إلى أخ له: إنك قد أوتيت علماً فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور عملهم، وكان يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسروية واثوابكم ظاهرية وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية وأوانيكم فرعونية ومآثمكم جاهلية ومذاهبكم شيطانية فأين الشريعة المحمدية? قال الشاعر:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها
فكيف إذا الرعاة لهـا ذئاب?
وقال الآخر:
يا معشر القراء يا ملح البلد
ما يصلح الملح إذا الملح فسد?
وقيل لبعض العارفين: أترى أن من تكون المعاصي قرة عينه لا يعرف الله? قال لاشك أن من تكون الدنيا عنده آثر من الآخرة أنه لا يعرف الله تعالى. وهذا دون ذلك بكثير ولا تظنن أن ترك المال يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة فإن الجاه أضر من المال. ولذلك قال بشر حدثنا باب من أبواب الدنيا فإذا سمعت الرجل يقول حدثنا فإنما يقول: أوسعوا لي. ودفن بشر بن الحرث بضعة عشر ما بين قمطرة وقوصرة من الكتب وكان يقول: أنا أشتهي أن أحدث، ولو ذهبت عني شهوة الحديث لحدثت، وقال هو وغيره: إذا اشتهيت أن تحدث فاسكت فإذا لم تشته فحدث. وهذا لأن التلذذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشادة أعظم لذة من كل تنعم في الدنيا فمن أجاب شهوته فيه فهو من أبناء الدنيا. ولذلك قال الثوري: فتنة الحديث أشد من فتنة الأهل والمال والولد وكيف لا تخاف فتنه وقد قيل لسيد المرسلين ﷺ "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً" وقال سهل رحمه الله: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به والعمل طله هباء إلا الإخلاص. وقال: الناس كلهم موتى إلا العلماء والعلماء سكارى إلا العاملين والعاملون كلهم مغرورون إلا المخلصين والمخلص على وجل حتى يدري ماذا يختم له به. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا وإنما أراد به طلب الأسانيد العالية أو طلب الحديث أو تزوج أو سافر في طلب الآخرة، وقال عيسى عليه السلام: كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على طريق دنياه وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به لا ليعمل به? وقال صالح بن كيسان البصري: أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر العالم بالسنة. وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "من طلب علماً مما يبتغي به وجه الله تعالى ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" وقد وصف الله علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم ووصف علماء الآخرة بالخشوع والزهد. فقال عز وجل في علماء الدنيا "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً" وقال تعالى في علماء الآخرة "وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم"
وقال بعض السلف: العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين. وفي معنى القضاة كل فقيه قصده طلب الدنيا بعلمه. وروى أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال "أوحى الله عز وجل إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس مسوك الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأفتحن لهم فتنة تذر الحليم حيران" وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ "علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علماً فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعاً ولم يشتر به ثمناً فذلك يصلي عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام الكاتبون يقدم على الله عز وجل يوم القيامة سيداً شريفاً حتى يوافق المرسلين، ورجل آتاه الله علماً في الدنيا فضن به على عباد الله وأخذ عليه طمعاً واشترى به ثمناً فذلك يأتي يوم القيامة ملجماً بلجام من نار ينادي مناد على رءوس الخلائق هذا فلان بن فلان آتاه الله علماً في الدنيا فضن به على عباده وأخ به طمعاً واشترى به ثمناً فيعذب حتى يفرغ من حساب الناس" واشد من هذا ما روي "أن رجلاً كان يخدم موسى عليه السلام فجعل يقول حدثني موسى صفي الله حدثني موسى نجي الله حدثني موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى عليه السلام فجعل يسأل عنه ولا يحس له خبراً حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى عليه السلام: أتعرف فلاناً? قال: نعم قال هو هذا الخنزير، فقال موسى: يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله بم أصابه هذا? فأوحى الله عز وجل إليه: لو دعوتني بالذي دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكن أخبرك لم صنعت هذا به? لأنه كان يطلب الدنيا بالدين" وأغلظ من هذا ما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه موقوفاً ومرفوعاً في رواية عن النبي ﷺ قال "من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع" وفي الكلام تنميق وزيادة ولا يؤمن على صاحبه الخطأ وفي الصمت سلامة وعلم. ومن العلماء من يخزن علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأول من النار. ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان إن رد عليه شيء من علمه أو تهوون بشيء من حقه غضب فذلك في الدرك الثاني من النار. ومن العلماء من يجعل علمه وغرائب حديثه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلاً فذلك في الدرك الثالث من النار. ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطأ والله تعالى يبغض المتكلفين بذلك في الدرك الرابع من النار. ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغرز به علمه فذلك في الدرك الخامس من النار. ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلاً وذكراً في الناس فذلك في الدرك السادس من النار. ومن العلماء من يستفزه الزهو والعجب فإن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذلك في الدرك السابع من النار. فعليك يا أخي بالصمت فبه تغلب الشيطان. وإياك أن تضحك من غير عجب أو تمشي في غير أرب. وفي خبر آخر "إن العبد لينشر له من الثناء ما يملأ ما بين المشرق والمغرب وما يزن عند الله جناح بعوضة" وروى أن الحسن حمل إليه رجل من خراسان كيساً بعد انصرافه من مجلسه فيه خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب من رقيق البز وقال. يا أبا سعيد هذه نفقة وهذه كسوة؛
فقال الحسن. عافاك الله تعالى، ضم إليك نفقتك وكسوتك فلا حاجة لنا بذلك إنه من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله تعالى يوم القيامة ولا خلاق له. وعن جابر رضي الله عنه موقوفاً ومرفوعاً: قال: قال رسول الله ﷺ "لا تجلسوا عند كل عالم إلا إلى عالم يدعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الرغبة إلى الزهد، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة" وقال تعالى "فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن" الآية، فعرف أهل العلم بإيثار الآخرة على الدنيا. ومنها أن لا يخالف فعله قوله بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أول عامل به. قال الله تعالى "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم" وقال تعالى "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" وقال تعالى "واتقوا الله واعلموا - واتقوا الله واسمعوا" وقال تعالى لعيسى عليه السلام "يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني" وقال رسول الله ﷺ "مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: من أنتم? فقالوا: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر ونأتيه" وقال ﷺ "هلاك أمتي عالم فاجر وعابد جاهل، وشر الشرار شرار العلماء، وخير الخيار خيار العلماء" وقال الأوزاعي رحمه الله: شكت النواويس ما تجد من نتن جيف الكفار فأوحى الله إليها: بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان. وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات. وقال الشعبي: يطلع يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم: ما أدخلكم النار وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم? فيقولون إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله وننهى عن الشر ونفعله. وقال حاتم الأصم رحمه الله ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علماً فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسبب وهلك هو. وقال مالك ابن دينار: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا. وأنشدوا:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً
إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها
أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهداً
فالموبقات لعمري أنت جانيها
تعيب ديناً وناساً راغبين لها
وأنت أكثر منهم رغبة فيها
وقال آخر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: مررت بحجر بمكة مكتوب عليه اقلبني تعتبر فقلبته فإذا عليه مكتوب أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب علم ما لم تعلم? وقال ابن السماك رحمه الله: كم من مذكر بالله ناس لله! وكم من مخوف بالله جريء على الله: وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله! وكم من داع إلى الله فار من الله! وكم من تال كتاب كتاب الله منسلخ عن آيات الله! وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: لقد أعربنا في كلامنا فلم نلحن ولحنا في أعمالنا فلم نعرب. وقال الأوزاعي: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع. وروى مكححول عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا، كنا ندرس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال "تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا" وقال عيسى عليه السلام: مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر فحملتفظهر حملها فافتضحت فكذلك من لا يعمل بعلمه يفضحه الله تعالى يوم القيامة على رءوس الأشهاد. وقال معاذ رحمه الله: احذروا زلة العالم لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه على زلته. وقال عمر رضي الله عنه: إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق، وقال عمر رضي الله عنه: ثلاث بهن ينهدم الزمان إحداهن زلة العالم. وقال ابن مسعود: سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع بالعلم يومئذ عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة، وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة ويطفىء مصابيح الهدى من قلوبهم فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله بلسانه والفجور ظاهر في عمله، فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب! فوا الله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله تعالى والمتعلمين تعلموا لغير الله تعالى. وفي التوراة والإنجيل مكتوب: لا تطلبوا علم ما لم تعلموا حتى تعملوا بما علمتم. وقال حذيفة رضي الله عنه: إنكم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك، وسيأتي زمان من عمل فيه بعشر ما يعلم نجا وذلك لكثرة البطالين. واعلم أن مثل العالم مثل القاضي وقد قال ﷺ "القضاة ثلاثة: قاض قضى بالحق وهو يعلم فذلك في الجنة وقاض قضى بالجور وهو يعلم أو لا يعلم فهو في النار وقاض قضى بغير ما أمر الله به فهو في النار" وقال كعب رحمه الله: يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، ويخوفون الناس ولا يخافون، وينهون عن غشيان الولاة ويأتونهم، ويؤثرون الدنيا على الآخرة يأكلون بألسنتهم، يقربون الأغنياء دون الفقراء، يتغايرون على العلم كما تتغاير النساء على الرجال؛ يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره، أولئك الجبارون أعداء الرحمن. وقال ﷺ "إن الشيطان ربما يسوفكم بالعلم، فقيل: يا رسول الله وكيف ذلك? قال ﷺ "يقول اطلب العلم ولا تعمل حتى تعلم فلا يزال للعلم قائلاً وللعمل مسوفاً حتى يموت وما عمل" وقال سرى السقطي اعتزل رجل للتعبد كان حريصاً على طلب علم الظاهر فسألته فقال: رأيت في النوم قائلاً يقول لي "إلى كم تضيع العلم ضيعك الله" فقلت: إني لأحفظه فقال "حفظ العلم العمل به" فتركت الطلب وأقبلت على العمل. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية" وقال الحسن: تعلموا ما شئتم أن تعلموا فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا فإن السفهاء همتهم الرواية والعلماء همتهم الرعاية: وقال مالك رحمه الله: إن طلب العلم لحسن وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فلا تؤثرون عليه شيئاً. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملاً وسيأتي قوم يثقفونه مثل القناة ليسوا بخياركم والعالم الذي لا يعمل كالمريض الذي يصف الدواء وكالجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة ولا يجدها. وفي مثله قوله تعالى "ولكم الويل مما تصفون" وفي الخبر "إنما أخاف على أمتي زلة عالم وجدال منافق في القرآن" ومنها أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات مجتنباً للعلوم التي يقل نفعها ويكثر في الجدال والقيل والقال. فمثال من يعرض عن علم الأعمال ويشتغل بالجدال مثل رجل مريض به علل كثيرة وقد صادف طبيباً حاذقاً في وقت ضيق يخشى فواته فاشتغل بالسؤال عن خاصية العقاقير والأدوية وغرائب الطب وترك مهمه الذي هو مؤاخذ به، وذلك محض السفه.
وقد روي "أن رجلاً جاء رسول الله ﷺ فقال: علمني من غرائب العلم، فقال له: ما صنعت في رأس العلم? فقال: وما رأس العلم? فقال ﷺ، هل عرفت الرب تعالى? قال: نعم، قال: فما صنعت في حقه? قال: ما شاء الله، فقال ﷺ: هل عرفت الموت? قال نعم، قال: فما أعددت له? قال: ما شاء الله، قال ﷺ: إذهب فأحكم ما هناك ثم تعال نعلمك من غرائب العلم" بل ينبغي أن يكون المتعلم من جنس ما روي عن حاتم الأصم - تلميذ شقيق البلخي رضي الله عنهما - أنه قال له: شقيق منذ كم صحبتني? قال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة، قال: فما تعلمت مني في هذه المدة? قال: ثمان مسائل، قال شقيق له: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل? قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها وإني لا أحب أن أكذب، فقال هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها، قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوباً فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل إلى القبر فارقه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي. فقال: أحسنت يا حاتم فما الثانية? فقال: نظرت في قول الله عز وجل "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى" فعلمت أن قوله سبحانه وتعالى هو الحق فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى. الثالثة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله عز وجل "ما عندكم ينفذ وما عند الله باق" فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظاً. الرابعة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قول الله تعالى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً. الخامسة: أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضاً وأصل هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قول الله عز وجل "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا" فتركت الجسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة من عند الله سبحانه وتعالى فتركت عداوة الخلق عني. السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضاً فرجعت إلى قول الله عز وجل "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً" فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو لي فتركت عداوة الخلق غيره. السابعة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل فيها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركت ما لي عنده. الثامنة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق - هذا على ضيعته وهذا على صحة بدنه - وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله فرجعت إلى قوله تعالى "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي، قال شقيق: يا حاتم وفقك الله تعالى فإني نظرت في علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم فوجدت جميع أنواع الخير والديانة وهي تدور على هذه الثمان مسائل فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة فهذا الفن من العلم لا يهتم بإدراكه والتفطن له إلا علماء الآخرة فأما علماء الدنيا فيشتغلو بما يتسير به اكتساب المال والجاه ويهملون أمثال هذه العلوم التي بعث الله بها الأنبياء كلهم عليهم السلام وقال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع وهم اليوم ما يتعلمون إلا الكلام. ومنها أن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم والمشرب والتنعم في الملبس والتجمل في الأثاث والمسكن بل يؤثر الاقتصاد في جميع ذلك ويتشبه فيه بالسلف رحمهم الله تعالى ويميل إلى الاكتفاء بالأقل في جميع ذلك وكلما زاد إلى طرف القلة ميله ازداد من الله قربه وارتفع في علماء الآخرة حزبه. ويشهد لذلك ما حكى عن أبي عبد الله الخواص - وكان من أصحاب حاتم الأصم - قال: دخلت مع حاتم إلى الري ومعنا ثلثمائة وعشرون رجلاً يريد الحج وعليهم الزرمانقات وليس معهم جراب ولا طعام فدخلنا على رجل من التجار متقشف يحب المساكين فأضافنا تلك الليلة فلما
كان من الغد قال لحاتم: ألك حاجة فإني أريد أن أعود فقيهاً لنا هو عليل? قال حاتم عيادة المريض فيها فضل والنظر إلى الفقيه عبادة وأنا أيضاً أجيء معك. وكان العليل محمد بن مقاتل - قاضي الري - فلما جئنا إلى الباب فإذا قصر مشرف حسن فبقي حاتم متفكراً يقول: باب علام على هذه الحالة? ثم أذن لهم فدخلوا فإذا دار حسناء فوراه واسعة نزهة وإذا بزة وستور فبقي حاتم متفكراً ثم دخلوا إلى المجلس الذي هو فيه وإذا بفرش وطيئة وهو راقد عليها وعند رأسه غلام وبيده مذبة فقعد الزائر عند رأسه وسأل عن حاله وحاتم قائم فأومأ إليه ابن مقاتل أن اجلس فقال لا أجلس فقال لعل لك حاجة فقال: نعم، قال: وما هي? قال: مسئلة أسألك عنها قال: سل، قال: قم فاستو جالساً حتى أسألك. فاستوى جالساً قال حاتم: علمك هذا من أين أخذته? فقال: من الثقات حدثوني به، قال: عمن? قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ، قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عمن? قال: عن رسول الله ﷺ، قال: ورسول الله ﷺ عمن? قال: عن جبرائيل عليه السلام عن الله عز وجل. قال حاتم ففيما أداه جبرائيل عليه السلام عن الله عز وجل إلى رسول الله ﷺ وأداه رسول الله ﷺ إلى أصحابه وأصحابه إلى الثقات إليك هل سمعت فيه من كان في داره إشراف وكانت سعتها أكثر كان له عند الله عز وجل المنزلة أكبر: قال: لا. قال: فكيف سمعت? قال: سمعت أنه من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كانت له عند الله المنزلة، قال له حاتم: فأنت بمن اقتديت أبالنبيﷺ وأضحابه رضي الله عنهم والصالحين رحمهم الله أم بفرعون ونمروذ أول من بنى بالجص والآجر? يا علماء السوء مثلكم يراه الجاهل المتكالب على الدنيا الراغب فيها فيقول: العالم على هذه الحالة: أفلا أكون أنا شراً منه? وخرج من عنده فازداد ابن مقاتل عرضاً وبلغ أهل الري ما جرى بينه وبين ابن مقاتل فقالوا له: إن الطنافسي بقزوين أكثر توسعاً منه. فسار حاتم متعمداً فدخل عليه فقال. رحمك الله أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني مبتدأ ديني ومفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة? قال: نعم وكرامة يا غلام هات إناء فيه ماء.
فأتى به فقعد الطنافسي فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: هكذا فتوضأ. فقال حاتم: مكانك حتى أتوضأ بين يديك فيكون أوكد لما أريد، فقام الطنافسي وقعد حاتم فتوضأ ثم غسل ذراعيه أربعاً أربعاً فقال الطنافسي: يا هذا أسرفت. قال له حاتم: فبماذا? قال غسلت ذراعيك أربعاً. فقال حاتم: يا سبحان الله العظيم أنا في كف من ماء أسرفت وأنت في جميع هذا كله لم تسرف? فعلم الطنافسي أنه قصد ذلك دون التعلم فدخل منزله فلم يخرج إلى الناس أربعين يوماً فلما دخل حاتم بغداد اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا: يا أبا عبد الرحمن أنت رجل ولكن أعجمي وليس يكلمك أحد إلا قطعته، قال: معي ثلاث خصال أظهر بهن على خصمي أفرح إذا أصاب خصمي وأحزن إذا أخطأ وأحفظ نفسي أن لا أجهل عليه. فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل فقال: سبحان الله ما أعقله قوموا بنا إليه. فلما دخلوا عليه قال له: يا أبا عبد الرحمن ما السلامة من الدنيا? قال: يا أبا عبد الله لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال: تغفر للقوم لاجهلهم وتمنع جهلك منهم وتبذل لهم شيئك وتكون من شيئهم آيساً، فإذا كنت هكذا سلمت، ثم سار إلى المدينة فاستقبله أهل المدينة فقال: يا قوم أية مدينة هذه? قالوا: مدينة رسول الله ﷺ، قال: فأين قصر رسول الله ﷺ حتى أصلي فيه? قالوا: ما كان له قصر إنما كان له بيت لاطىء بالأرض، قال: فأين قصور أصحابه رضي الله عنهم? قالوا: ما كان لهم قصور إنما كان لهم بيوت لاطئة بالأرض؛ قال حاتم: يا قوم فهذه مدينة فرعون، فأخذوه وذهبوا به إلى السلطان وقالوا. هذا العجمي يقول هذه مدينة فرعون، قال الوالي: ولم ذلك? قال حاتم: لا تعجل علي أنا رجل أعجمي غريب دخلت البلد فقلت مدينة من هذه فقالوا مدينة رسول الله ﷺ فقلت فأين قصر... وقص القصة، ثم قال: وقد قال الله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فأنتم بمن تأسيتم أبرسول الله ﷺ أم بفرعون أول من بنى بالجص والآجر? فخلوا عنه وتركوه. فهذه حكاية حاتم الأصم رحمه الله تعالى. وسيأتي من سيرة السلف في البذاذة وترك التجمل ما يشهد لذلك في مواضعه. والتحقيق فيه أن التزين بالمباح ليس بحرام ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق تركه، واستدامة الزينة لا تمكن إلا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعاتها ارتكاب المعاصي من المداهنة ومراعاة الخلق ومراءاتهم وأمور أخر هي محظورة والحزم اجتناب ذلك لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها ألبتة ولو كانت السلامة مبذولة مع الخوض فيها لكان ﷺ لا يبالغ في ترك الدنيا حتى نزع القميص المطرز بالعلم ونزع حاتم الذهب في أثناء الخطبة إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه. وقد حكي أن يحيى بن زيد النوفلي كتب إلى مالك ابن أنس رضي الله عنهما "بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على رسوله محمد في الأولين والآخرين، من يحيى ابن يزيد بن عبد الملك إلى مالك بن أنس، أما بعد فقد بلغني أنك تليس الدقاق وتأكل الرقاق وتجلس على الوطىء وتجعل على بابك حاجباً وقد جلست مجلس العلم وقد ضربت إليك المطى وارتحل إليك الناس واتخذوك إماماً ورضوا بقولك؛ فاتق الله تعالى يا مالك وعليك بالتواضع. كتبت إليك بالنصيحة مني كتاباً ما اطلع عليه غير الله سبحانه وتعالى والسلام" فكتب إليه مالك "بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. من مالك ابن أنس إلى يحيى بن يزيد سلام الله عليك، أما بعد: فقد وصل إلي كتابك فوقع مني موقع النصيحة والشفقة والأدب أمتعك الله بالتقوى وجزاك بالنصيحة خيراً وأسأل الله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأما ما ذكرت لي أني آكل الرقاق وألبس الدقاق وأحتجب وأجلس على الواطىء فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى فقد قال الله تعالى "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق" وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه.
ولا تدعنا من كتابك فلسنا ندعك من كتابنا والسلام" فانظر إلى إنصاف مالك إذ اعترف أن ترك ذلك خير من الدخول فيه وأفتى أنه مباح وقد صدق فيهما جميعاً ومثل مالك في منصبه إذا سمحت نفسه بالإنصاف والاعتراف في مثل هذه النصيحة فتقوى أيضاً نفسه على الوقوف على حدود المباح حتى لا يحمله ذلك على المراءاة والمداهنة والتجاوز إلى المكروهات وأما غيره فلا يقدر عليه فالتعريج على التنعم بالمباح خطر عظيم وهو بعيد من الخوف والخشية وخاصية علماء الله تعالى الخشية وخاصية الخشية التباعد من مظان الخطر. ومنها أن يكون مستقصياً على السلاطين فلا يدخل عليهم ألبتة ما دام يجد إلى الفرار عنهم سبيلاً بل ينبغي أن يحترز عن مخالطتهم وإن جاءوا إليه فإن الدنيا حلوة خضرة وزمامها بأيدي السلاطين. والمخالط لا يخلو عن تكلف في طيب مرضاتهم واستمالة قلوبهم مع أنهم ظلمة. ويجب على كل متدين الإنكار عليهم وتضييق صدرهم بإظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم فالداخل عليهم إما أن يلتفت إلى تجملهم فيزدري نعمة الله عليه أو يسكت عن الإنكار عليهم فيكون مداهناً لهم أو يتكلف في كلامه كلاماً لمرضاتهم وتحسين حالهم وذلك هو البهت الصريح أو أن يطمع في أن ينال من دنياهم وذلك هو السحت وسيأتي في كتاب الحلال والحرام ما يجوز أن يؤخذ من أموال السلاطين وما لا يجوز من الإدرار والجوائز وغيرها. وعلى الجملة فمخالطتهم مفتاح للشرور وعلماء الآخرة طريقهم الاحتياط وقال ﷺ "بدا جفا - يعني من سكن البادية جفا - ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن" وقال ﷺ "سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون فمن أنكر فقد برىء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع أبعده الله تعالى. قيل: أفلا نقاتلهم? قال ﷺ: لا ما صلوا" وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. وقال حذيفة: إياكم ومواقف الفتن، قيل وما هي? قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول فيه ما ليس فيه.
وقال رسول الله ﷺ "العلماء أمناء الرسل على عباد الله تعالى ما لم يخالطوا السلاطين فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم" روا أنس. وقيل للأعمش: ولقد أحييت العلم لكثرة من يأخذه عنك فقال: لا تعجلوا ثلث! يموتون قبل الإدراك وثلث يلزمون أبواب السلاطين فهم شر الخلق والثلث الباقي لا يفلح منه إلا القليل. ولذلك قال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحترزوا منه فإنه لص، وقال الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملاً. وقال رسول الله ﷺ "شرار العلماء الذين يأتون الأمراء وخيار الأمراء الذين يأتون العلماء" وقال مكحول الدمشقي رحمه الله، من تعلم القرآن وتفقه في الدين ثم صحب السلطان تملقاً إليه وطمعاً فيما لديه خاض في بحر من نار جهنم بعدد خطاه. وقال سمنون: ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسئل عنه فيقال هو عند الأمير! قال: وكنت أسمع أنه يقال إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى جربت ذلك؛ إذ ما دخلت قط على هذا السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج فأرى عليها الدرك وأنتم ترون ما ألقاه به من الغلظة والفظاظة وكثرة المخالفة لهواه ولوددت أن أنجو من الدخول عليه كفافاً مع أني لا أخذ منه شيئاً ولا أشرب له شربة ماء.
ثم قال: وعلماء زماننا شر من علماء بني إسرائيل يخبرون السلطان بالرخص وبما يوافق هواه ولو أخبروه بالذي عليه وفيه نجاته لاستثقلهم وكره دخولهم عليه وكان ذلك نجاة لهم عند ربهم. وقال الحسن: كان فيمن كان قبلكم رجل له قدم في الإسلام وصحبة لرسول الله ﷺ - قال عبد الله بن المبارك عنى به سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - قال وكان لا يغشى السلاطين وينفر عنهم. فقال له بنوه: يأتي هؤلاء من ليس هو مثلك في الصحبة والقدم في الإسلام فلو أتيتهم، فقال: يا بني آتي جيفة قد أحاط بها قوم والله لئن استطعت لا أشاركهم فيها؛ قالوا يا أبانا إذن نهلك هزالاً قال، يا بني لأن أموت مؤمناً مهزولاً أحب إلي من أن أموت منافقاً سميناً قال الحسن: خصمهم والله إذ علم أن التراب يأكل اللحم والسمن دون الإيمان. وفي هذا إشارة إلى أن الداخل على السلطان لا يسلم من النفاق ألبتة وهو مضاد للإيمان. وقال أبو ذر لسلمة: يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب شيئاً من دنياهم إلا أصابوا من دينك أفضل منه. وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم لاسيما من له لهجة مقبولة وكلام حلو، إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه: أن في وعظك لهم ودخولك عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعائر الشرع إلى أن يخيل إليه أن الدخول عليهم من الدين، ثم إذا دخل لم يلبث أن يتلطف في الكلام ويداهن ويخوض في الثناء والإطراء وفيه هلاك الدين.
وكان يقال: العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا: وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الحسن: أما بعد فأشر علي بأقوام أستعين بهم على أمر الله تعالى. فكتب إليه: أما أهل الدين فلا يريدونك وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة. هذا في عمر بن عبد العزيز رحمه الله وكان أزهد أهل زمانه! فإذا كان شرط أهل الدين الهرب منه فكيف يستنسب طلب غيرهم ومخالطتهم? ولم يزل السلف العلماء مثل الحسن والثوري وابن المبارك والفضيل وإبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط يتكلمون في علماء الدنيا من أهل مكة والشام وغيرهم إما لميلهم إلى الدنيا وإما لمخالطتهم السلاطين منها أن لا يكون مسارعاً إلى الفتيا بل يكون متوقفاً ومحترزاً ما وجد إلى الخلاص سبيلاً. فإن سئل عما يعلمه تحقيقاً بنص كتاب الله أو بنص حديث أو إجماع أو قياس جلي أفتى، وإن سئل عما يشك فيه قال: لا أدري! وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره إن كان في غيره غنية هذا هو الحزم لأن تقلد خطر الاجتهاد عظيم وفي الخبر "العلم ثلاثة: كتاب ناطق وسنة قائمة ولا أدري" قال الشعبي: "لا أدري" نصف العلم. ومن سكت حيث لا يدري لله تعالى فليس بأقل أجراً ممن نطق لأن الاعتراف بالجهل أشد على النفس فهكذا كانت عادة الصحابة والسلف رضي الله عنهم. كان ابن عمر إذا سئل عن الفتيا قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس فضمها في عنقه؛ وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون، وقال: جنة العالم "لا أدري" فإن أخطأها فقد أصيبت مقاتله. وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: ليس شيء أشد على الشيطان من عالم يتكلم بعلم ويسكت بعلم، يقول: انظروا إلى هذا سكوته أشد علي من كلامه.
ووصف بعضهم الأبدال فقال: أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة؛ أي لا يتكلمون حتى يسألوا وإذا سئلوا ووجدوا من يكفيهم سكتوا فإن اضطروا أجابوا وكانوا يعدون الابتداء قبل السؤال من الشهوة الخفية للكلام. ومر علي وعبد الله رضي الله عنهما برجل يتكلم على الناس فقال: هذا يقول اعرفوني. وقال بعضهم: إنما العالم الذي إذا سئل عن المسئلة فكأنما يقلع ضرسه. وكان ابن عمر يقول: تريدون أن تجعلونا جسراً تعبرون علينا إلى جهنم. وقال أبو حفص النيسابوري: العالم هو الذي يخاف عند السؤال أن يقال له يوم القيامة من أين أجبت? وكان إبراهيم التيمي إذا سئل عن مسئلة يبكي ويقول: لم تجدوا غيري حتى احتجتم إلي. وكان أبو العالية الرياحي وإبراهيم بن أدهم والثوري يتكلمون على الاثنين والثلاثة والنفر اليسير فإذا كثروا انصرفوا. وقال ﷺ "ما أدري أعزيز نبي أم لا? وما أدري أتبع ملعون أم لا? وما أدري ذو القرنين نبي أم لا?" ولما سئل رسول الله ﷺ عن خير البقاع في الأرض وشرها قال "لا أدري" حتى نزل عليه جبريل عليه السلام فسأله فقال "لا أدري" إلى أن أعلمه الله عز وجل أن خير البقاع المساجد وشرها الأسواق" وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسئل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويسكت عن تسع. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يجيب عن تسع ويسكت عن واحدة. وكان في الفقهاء من يقول "لا أدري" أكثر مما يقول "أدري" منهم سفيان الثوري ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفضيل ابن عياض وبشر بن الحرث. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم أحد يسئل عن حديث أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك. وفي لفظ آخر: كانت المسئلة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر ويردها الآخر إلى الآخر حتى تعود إلى الأول وروي أن أصحاب الصفة أهدى إلى واحد منهم رأس مشوي وهو في غاية الضر فأهداه إلى الآخر وأهداه الآخر إلى الآخر؛ هكذا دار بينهم حتى رجع إلى الأول. فانظر الآن كيف انعكس أمر العلماء فصار المهروب منه مطلوباً والمطلوب مهروباً عنه? ويشهد لحسن الاحتراز من تقلد الفتاوي ما روي مسنداً عن بعضهم. أنه قال: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف. وقال بعضهم: كان الصحابة يتدافعون أربعة أشياء؛ الإمامة والوصية والوديعة والفتيا. وقال بعضهم: كان أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علماً وأشدهم دفعاً لها أورعهم. وكان شغل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في خمسة أشياء: قراءة القرآن وعمارة المساجد وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذلك لما سمعوه من قوله ﷺ "كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثة: أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله تعالى" وقال تعالى "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" الآية. ورأى بعض العلماء بعض أصحاب الرأي من أهل الكوفة في المنام فقال: ما رأيت فيما كنت عليه من الفتيا والرأي? فكره وجهه وأعرض عنه وقال: ما وجدناه شيئاً وما حمدنا عاقبته. وقال ابن حصين: إن أحدهم ليفتي في مسئلة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر. فلم يزل السكوت دأب أهل العلم إلا عند الضرورة.
وفي الحديث "إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتاً وزهداً فاقتربوا منه فإنه يلقن الحكمة" وقيل العالم إما عالم عامة وهو المفتي وهم أصحاب السلاطين أو عالم خاصة وهو العالم بالتوحيد وأعمال القلوب، وهم أصحاب الزوايا المتفرقون المنفردون. وكان يقال: مثل أحمد بن حنبل مثل أجلة كل أحد يغترف مها، ومثل بشر بن الحرث مثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد. وكانوا يقولون: فلان عالم وفلان متكلم وفلان أكثر كلاماً وفلان أكثر عملاً، وقال أبو سليمان: المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام وقيل: إذا كثر العلم قل الكلام وإذا كثر الكلام قل العلم وكتب سلمان إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما - وكان قد آخى بينهما رسول الله ﷺ. يا أخي بلغني أنك قعدت طبيباً تداوي المرضى، فانظر فإن كنت طبيباً فتكلم فإن كلامك شفاء وإن كنت متطبباً فالله الله لا تقتل مسلماً. فكان أبو الدرداء يتوقف بعد ذلك إذا سئل وكان أنس رضي الله عنه إذا سئل يقول: سلوا مولانا الحسن. وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سئل يقول: سلوا حارثة ابن زيد وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: سلوا سعيد بن المسيب. وحكي أنه روى صحابي في حضرة الحسن عشرين حديثاً فسئل عن تفسيرها فقال: ما عندي إلا ما رويت، فأخذ الحسن في تفسيرها حديثااً حديثاً، فتعجبوا من حسن تفسيره وحفظه! فأخذ الصحابي كفاً من حصى ورماهم به وقال: تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم ومنها أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، ودقائق علوم القلب تنفجر بها ينابيع الحكمة من القلب، وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله تعالى عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف، فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب، ولذلك قال ﷺ "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم" وفي بعض الكتب السالفة: يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به إلى الأرض ولا في تخوم الأرض من يصعد به ولا من وراء البحار من يعبر به، العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا لي بأخلاق الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم.
وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: خرج العلماء والعباد والزهاد من الدنيا وقلوبهم مقفلة ولم تفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء. ثم تلا قوله تعالى "وعنده مافتح الغيب لا يعلمها إلا هو" الآية ولولا أن إدراك قلب من له قلب بالنور الباطن حاكم على علم الظاهر لما قال ﷺ "استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك" وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى "لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به... الحديث" فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجردين للذكر والفكر تخلو عنها كتب التفاسير ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين وإذا انكشف ذلك للمربد المراقب وعرض على المفسرين استحسنوه وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكية وألطاف الله تعالى بالهمم العالية المتوجهة إليه. وكذلك في علوم المكاشفة وأسرار علوم المعاملة ودقائق خواطر القلوب فإن كل علم من هذه العلوم بجر لا يدرك عمقه وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رزق منه وبحسب ماوفق له من حسن العمل وفي وصف هؤلاء العلماء قال علي رضي الله عنه في حديث طويل. القلوب أوعية وخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع اتباع لكل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم يزكو على الإنفاق والمال ينقصه الإنفاق، والعلم دين يدان به تكتسب به الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته؛ العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومنفعة المال تزول بزواله مات، خزان الأموال وهم أحياء والعلماء أحياء باقون ما بقي الدهر، ثم تنفس الصعداء وقال: هاه إن ههنا علماً جماً لو وجدت له حملة "بل أجد طالباً غير مأمون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا ويستطيل بنعم الله على أوليائه ويستظهر بحجته على خلقه، أو منقاداً لأهل الحق لكن ينزرع الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا بصيرة له لا ذا ولا ذاك؛ أو منهوماً باللذات سلس القياد في طلب الشهوات، أو مغرى بجميع الأموال والادخار منقاداً لهواه أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة؛ اللهم هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه ثم لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهر مكشوف وإما خائف مقهور لكيلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته وكم وأين أولئك? هم الأقلون عدداً الأعظمون قدراً أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة يحفظ الله تعالى بهم حججه حتى يودعوها من وراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم: هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين فاستلانوا ما ساتوعر منه المترفو وأنسوا بما استوحش منه الغافلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك أولياء الله عز وجل من خلقه وأمناؤه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه ثم بكى وقال: واشوقاه إلى رؤيتهم فهذا الذي ذكره أخيراً هو وصف علماء الآخرة وهو العلم الذي يستفاد أكثره من العمل والمواظبة على المجاهدة.
ومنها أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين فإن اليقين هو رأس مال الدين قال رسول الله ﷺ "اليقين الإيمان كله" فلابد من تعلم علم اليقين أعني أوائله ثم ينفتح للقلب طريقه، ولذلك قال ﷺ "تعلموا اليقين" ومعناه جالسوا الموقنين واستمعوا منهم علم اليقين وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم وقليل من اليقين خير من كثير من العمل. واقل ﷺ "ما من آدمي إلا وله ذنوب ولكن من كان غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب لأنه كلما أذنب تاب واستغفر وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة" ولذلك قال ﷺ "إن من أقل ما أوتيتم: اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار" وفي وصية لقمان لابنه يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ولا يقصر عامل حتى ينقص يقينه، وقال يحيى بن معاذ إن للتوحيد نوراً وللشرك ناراً، وإن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين من نار الشرك لحسنات المشركين، وأراد به اليقين، وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى ذكر الموقنين في مواضع دل بها على أن اليقين هو الرابطة للخيرات والسعادات. فإن قلت: فما معنى اليقين وما معنى قوته وضعفه فلابد من فهمه أولاً ثم الاشتغال بطلبه وتعلمه فإن ما لا تفهم صورته لا يمكن طلبه? فاعلم أن اليقين لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين أما النظار والمتكلمون فيعبرون به عن عدم الشك إذ ميل النفس إلى التصديق بالشيء له أربع مقامات، الأول: أن يعتدل التصديق والتكذيب ويعبر عنه بالشك، كما إذا سئلت عن شخص معين، أن الله تعالى يعاقبه أم لا? وهو مجهول الحال عندك فإن نفسك لا تميل إلى الحم فيه بإثبات ولا نفى بل يستوي عندك إمكان الأمرين فيسمى هذا شكاً. الثاني. أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين مع الشعور بإمكان نقيضه ولكنه إمكان لا يمنع ترجيح الأول، كما إذا سئلت عن رجل تعرفه بالصلاح والتقوى أنه بعينه لو مات على هذه الحالة هل يعاقب? فإن نفسك تميل إلى أنه لا يعاقب أكثر من ميلها إلى العقاب وذلك لظهور علامات الصلاح. ومع هذا فأنت تجوز اختفاء أمر موجب للعقاب في باطنه وسريرته فهذا التجويز مساو لذلك الميل ولكنه غير دافع رجحانه فهذه الحالة تسمى ظناً. الثالث: أن تميل النفس إلى التصديق بشيء بحيث يغلب عليها ولا يخطر بالبال غيره ولو خطر بالبال تأبى النفس عن قبوله ولكن ليس ذلك من معرفة محققة إذ لو أحس صاحب هذا المقام التأمل والإصغاء إلى التشكيك والتجويز اتسعت نفسه للتجويز، وهذا يسمى اعتقاداً مقارباً لليقين وهو اعتقاد العوام في الشرعيات كلها إذ رسخ في نفوسهم بمجرد السماع حتى إن كل فرقة تثق بصحة مذهبها وإصابة إمامها ومتبوعها، ولو ذكر لأحدهم إمكان خطأ إمامه نفر عن قبوله. الرابع. المعرفة الحقيقية الحاصلة بطريق البرهان الذي لا يشك فيه ولا يتصور الشك فيه فإذا امتنع وجود الشك وإمكانه يسمى يقيناً عند هؤلاء، ومثاله أنه إذا قيل للعاقل هل في الوجود شيء هو قديم? فلا يمكنه التصديق به بالبديهة لأن القديم غير محسوس لا كالشمس والقمر فإنه يصدق بوجودهما بالحس واليس العلم بوجوده شيء قديم أزلي ضرورياً مثل العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد ومثل العلم بأن حدوث حادث بلا سبب محال، فإن هذا أيضاً ضروري فحق غريزة العقل أن تتوقف عن التصديق بوجود القديم على الارتجال والبديهة، ثم من الناس من يسمع ذلك ويصدق بالسماع تصديقاً جزماً ويستمر عليه وذلك هو الاعتقاد وهو حال جميع العوام. ومن الناس من يصدق به بالبرهان وهو أن يقال له. إن لم يكن في الوجود قديم فالموجودات كلها حادثة فإن كانت كلها حادثة فهي حادثة بلا سبب أو فيها حادث بلا سبب وذلك محال، فالمؤدى إلى المحال محال، فيلزم في العقل التصديق بوجود شيء قديم بالضرورة لأن الأقسام ثلاثة. وهي أن تكون الموجودات كلها قديمة أو كلها حادثة أو بعضها قديمة وبعضها حادثة فإن كانت كلها قديمة فقد حصل المطلوب إذ ثبت على الجملة قديم، وإن كان الكل حادثاً فهو محال إذ يؤدي إلى حدوث بغير سبب فيثبت القسم الثالث أو الأول. وكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقيناً عند هؤلاء سواء حصل بنظر مثل ما ذكرناه أو حصل بحس أو بغريزة العقل كالعلم باستحالة حادث بلا سبب أو بتواتر، كالعلم بوجود مكة أو بتجربة كالعلم بأن السقمونيا المطبوخ مسهل أو بدليل كما ذكرنا فشرط إطلاق هذا الاسم عندهم عدم الشك فكل علم لاشك فيه يسمى يقيناً عند هؤلاء وعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف إذ لا تفاوت في نفي الشك. الاصطلاح الثاني اصطلاح الفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء وهو أن لا يلتفت فيه إلى اعبتار التجويز والشك بل إلى استيلائه وغلبته على العقل: حتى يقال. فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لاشك فيه؛ ويقال: فلان قوي اليقين في إتيان الرزق مع أنه قد يجوز أنه لا يأتيه، فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى حتى صار هو المتحكم والمتصرف في النفس بالتجويز والمع سمي ذلك يقيناً ولا شك في أن الناس يشتركون في القطع الموت والانفكاك عن الشك فيه، ولكن فيهم من لا يلتفت إليه ولا إلى الاستعداد له وكأنه غير موقن به. ومنهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق جميع همه بالاستعداد له ولم يغادر فيه متسعاً لغيره فيعبر عن مثل هذه الحالة بقوة اليقين، ولذلك قال بعضهم. ما رأيت يقيناً لاشك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت، وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالضعف والقوة ونحن إنما أردنا بقولنا "من شاء علماء الآخرة صرف العناية إلى تقوية اليقين" بالمعنيين جميعاً وهو نفي الشك ثم تسليط اليقين على النفس حتى يكون هو الغالب المتحكم عليها المتصرف فيها. فإذا فهمت هذا علمت أن المراد من قولنا إن اليقين ينقسم ثلاثة أقسام" بالقوة والضعف والكثرة والقلة والخفاء والجلاء، في الاصطلاح الأول فلا ينكر أيضاً، أما فيما يتطرق إليه التجويز فلا ينكر - أعني الاصطلاح الثاني - وفيما انتفى الشك أيضاً عنه لا سبيل إلى إنكاره فإنك تدرك تفرقة بين تصديقك بوجود مكة ووجود فدك مثلاً وبين تصديقك بوجود موسى ووجود يوشع عليهما السلام مع أنك لا تشك في الآمرين جميعاً فمستندهما جميعاً التواتر، ولكن ترى أحدهما أجلى وأوضح في قلبك من الثاني لأن السبب في أحدهما أقوى وهو كثرة المخبرين، وكذلك يدرك الناظر هذا في النظريات المعروفة بالأدلة فإنه ليس وضوح مالاح له بدليل واحد كوضوح مالاح له بالأدلة الكثيرة مع تساويهما في نفي الشك، وهذا قد ينكره المتكلم الذي يأخذ العلم من الكتب والسماع ولا يراجع نفسه فيما يدركه من تفاوت الأحوال. وأما القلة والكثرة فذلك بكثرة متعلقات اليقين، كما يقال: فلان أكثر علماً من فلان، أي معلوماته أكثر. ولذلك قد يكون العالم قوى اليقين في جميع ما ورد الشرع به وقد يكون قوى اليقين في بعضه. فإن قلت: قد فهمت اليقين وقوته وضعفه وكثرته وقلته وجلاءه وخفاءه بمعنى نفي الشك أو بمعنى الاستيلاء على القلب فما معنى متعلقات اليقين ومجاريه وفيماذا يطلب اليقين فإني ما لم أعرف ما يطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه? فاعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من أوله إلى آخره هو من مجاري اليقين فإن اليقين عبارة عن معرفة مخصوصة ومتعلقة المعلومات التي وردت بها الشرائع فلا مطمع في إحصائها ولكني أشير إلى بعضها وهي أمهاتها. فمن ذلك: التوحيد. وهو أن يرى الأشياء كلها من مسبب الأسباب ولا يلتفت إلى الوسائط بل يرى الوسائط مسخرة لا حكم لها فالمصدق بهذا موقن، فإن انتفى عن قلبه مع الإيمان إمكان الشك فهو مرقن بأحد المعنيين، فإن غلب على قلبه مع الإيمان غلبة أزالت عنه الغضب على الوسائط والرضا عنهم والشكر لهم ونزل الوسائط في قلبه منزلة القلم واليد في حق المنعم بالتوقيع فإنه لا يشكر القلم ولا اليد ولا يغضب عليهما بل يراهما آلتين مسخرتين وواسطتين فقد صار موقناً بالمعنى الثاني وهو الإشراف، وهو ثمرة اليقين الأول وروحه وفائدته. ومهما تحقق أن الشمس والنجوم والجمادات والنبات والحيوان وكل مخلوق فهي مسخرات بأمره حسب تسخير القلم في يد الكاتب وأن القدرة الأزلية هي المصدر للكل استولى على قلبه غلبة التوكل والرضا والتسليم وصار موقناً بريئاً من الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق، فهذا أحدد أبواب اليقين. ومن ذلك: الثقة بضمان الله سبحانه بالرزق في قوله تعالى "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" واليقين بان ذلك يأتيه وأن ما قدر له سيساق إليه ومهما غلب ذلك على قلبه كان مجملاً في الطلب ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ما فاته، وأثمر هذا اليقين أيضاً جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة. ومن ذلك: أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وهو اليقين بالثواب والعقاب حتى يرى نسبة الطاعات إلى الثواب كنسبة الخبز إلى الشبع، ونسبة العاصي إلى العقاب كنسبة السموم والأفاعي إلى الهلاك فكما يحرص على التحصيل للخبز طلباً للشبع فيحفظ قليله وكثيره فكذلك يحرص على الطاعات كلها قليلها وكثيرها، وكما يجتنب قليل السموم وكثيرها فكذلك يجتنبالمعاصي قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها؛ فاليقين بالمعنى الأول قد يوجد لعموم المؤمنين أما بالمعنى الثاني فيختص به المقربون، وثمرة هذا اليقين صدق المراقبة في الحركات والسكنات الخطرات والمبالغة في التقوى والتحرز عن كل السيئات وكلما كان اليقين أغلب كان الاحتراز أشد والتشمير أبلغ. ومن ذلك؛ اليقين بأن الله تعالى مطلع عليك في كل حال ومشاهد لهواجس ضميرك وخفايا خواطرك وفكرك فهذا متيقن عند كل مؤمن بالمعنى الأول وهو عدم الشك وأما بالمعنى الثاني وهو المقصود فهو عزيز يختص به الصديقون، وثمرته أن يكون الإنسان في خلوته متأدباً في جميع أحواله كالجالس بمشهد ملك معظم ينظر إليه فإنه لا يزال مطرقاً متأدباً في جميع أعماله متماسكاً محترزاً عن كل حركة تخالف هيئة الأدب ويكون في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة إذ يتحقق أن الله تعالى مطلع على سريرته كما يطلع الخلق على ظاهره فتكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه بعين الله تعالى الكائنة أشد من مبالغته في تزيين ظاهره لسائر الناس، وهذا المقام في اليقين يورث الحياء والخوف والانكسار والذل والاستكانة والخضوع وجملة من الأخلاق المحمودة، وهذه الأخلاق تورث أنواعاً من الطاعات رفيعة فاليقين في كل باب من هذه الأبواب مثل الشجرة وهذه الأخلاق في القلب مثل الأغصان المتفرعة منها وهذه الأعمال والطاعات الصادرة من الأخلاق كالثمار وكالأنوار المتفرعة من الأغصان فاليقين هو الأصل والأساس وله مجار وأبواب أكثر مما عددناه، وسيأتي ذلك في ربع المنجيات إن شاء الله تعالى. وهذا القدر كاف في معنى اللفظ الآن. ومنها أن يكون حزيناً منكسراً مطرقاً صامتاً يظهر أثر الخشية على هيئته وكسوته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره مذكراً الله تعالى وكان صورته دليلاً على عمله فالجواد عينه مرآته وعلماء الآخرة يعرفون بسيماهم في السكينة والذلة والتواضع، وقد قيل ما ألبس الله عبداً لبسة أحسن من خشوع في سكينة فهي لبسة الأنبياء وسيما الصالحين والصديقين والعلماء وأما التهافت في الكلام والتشدق والاستغراق في الضحك والحدة في الحركة والنطق فكل ذلك من آثار البطر والأمن والغفلة عن عظيم عقاب الله تعالى وشديد سخطه وهو دأب أبناء الدنيا الغافلين عن الله دون العلماء به، وهذا لأن العلماء ثلاثة كما قال سهل التستري رحمه الله: عالم بأمر الله تعالى لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام وهذا العلم لا يورث الخشية، وعالم بالله تعالى لا بأمر الله ولا بأمر الله وهم عموم المؤمنين، وعالم بالله تعالى وبأمر الله تعالى وبأيام الله تعالى وهم الصديقون، والخشية والخشوع إنما تغلب عليهم، وأراد بأيام الله أنواع عقوباته الغامضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه وظهر خشوعه.
وقال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم وتواضعوا لمن تتعلمون منه وليتواضع لكم من يتعلم منكم ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم. ويقال ما آتى الله عبداً علماً إلا آتاه معه حلماً وتواضعاً وحسن خلق ورفقاً فذلك هو العلم النافع. وفي الأثر: من آتاه الله علماً وزاهداً وتواضعاً وحسن خلق فهو إمام المتقين. وفي الخبر "إن من خيار أمتي قوماً يضحكون جهراً من سعة رحمة الله ويبكون سراً من خوف عذابه، أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة، يتمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة" وقال الحسن: الحلم وزير العلم والرفق أبوه والتواضع سرباله. وقال بشر بن الحارث من طلب الرياسة بالعلم فتقرب إلى الله تعالى ببغضه فإنه ممقوت في السماء والأرض. ويروى في الإسرائيليات أن حكيماً صنف ثلثمائة وستين مصنفاً في الحكمة حتى وصف بالحكيم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم. قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقاً ولم تردني من ذلك بشيء وإني لا أقبل من نفاقك شيئاً. فندم الرجل وترك ذلك وخالط العامة في الأسواق وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: قل له الآن وفقت لرضاي. وحكى الأوزاعي رحمه الله عن بلال بن سعد: أنه كان يقول ينظر أحدكم إلى الشرطي فيستعيذ بالله منه وينظر إلى علما الدنيا المتصنعين للخلق المتشوفين إلى الرياسة فلا يمقتهم وهم أحق بالمقت من ذلك الشرطي. وروى أنه قيل "يا رسول الله أي الأعمال أفضل? قال اجتناب المحارم ولا يزال فوك رطباً من ذكر الله تعالى، قيل: فأي الأصحاب خير? قال ﷺ صاحب إن ذكرت الله أعانك وإن نسيته ذكرك، قيل: فأي الأصحاب شر? قال ﷺ: صاحب إن نسيت لم يذكرك وإن ذكرت لم يعنك، قيل: فأي الناس أعلم? قال: أشدهم لله خشية، قيل: فأخبرنا بخيارنا نجالسهم، قال ﷺ: الذين إذا رؤوا ذكر الله، قيل: فأي الناس شر? قال: اللهم غفراً، قالوا: أخبرنا يا رسول الله قال: العلماء إذا فسدوا" وقال ﷺ "إن أكثر الناس أماناً يوم القيامة أكثرهم فكراً في الدنيا وأكثر الناس ضحكاً في الآخرة أكثرهم بكاء في الدنيا وأشد الناس فرحاً في الآخرة أطولهم حزناً في الدنيا" وقال علي رضي الله عنه في خطبة له: ذمتي رهينة وأنا به زعيم إنه لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على الهدى سنخ أصل، وإن أجهل الناس من لا يعرف قدره، وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل قمش علماً أغار به في أغباش الفتنة سماه أشباه له من الناس وأراذلهم عالماً ولم يعش في العلم يوماً سالماً، تكثر واستكثر فما قل منه وكفى خير مما كثر وألهى حتى إذا ارتوى من ماء آجن وأكثر من غير طائل جلس للناس معلماً لتخليص ما التبس على غيره، فإن نزلت به إحدى المهمات هيأ لها من رأيه حشو الرأي فهو ومن قطع الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري أخطأ أم أصاب? ركاب جهالات خباط عشوات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولا بعض على العلم بضرس قاطع فيغنم، تبكي منه الدماء وتستحل بقضائه الفروج الحرام لا ملىء والله بإصدار ما ورد عليه ولا هو أهل لما فوض إليه أولئك الذين حلت عليهم المثلات وحقت عليهم النياحة والبكاء أيام حياة الدنيا. وقال علي رضي الله عنه: إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب. وقال بعض السلف: العالم إذا ضحك ضحكة مج من العلم مجة. وقيل: إذا جمع المعلم ثلاثاً تمت النعمة بها على المتعلم: الصبر والتواضع وحسن الخلق. وإذا جمع المتعلم ثلاثاً تمت النعمة بها على المعلم: العقل والأدب وحسن الفهم. وعلى الجملة فالأخلاق التي ورد بها القرآن لا ينفك عنها علماء الآخرة لأنهم يتعلمون القرآن للعمل لا للرياسة. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وأوامرها وزواجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره وما زاجره وما ينبغي أن يقف عنده ينثره الدقل. وفي خبر آخر بمثل معناه: كنا أصحاب رسول الله ﷺ أوتينا الإيمان قبل القرآن وستأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه ويضيعون حدوده وحقوقه يقولون قرأنا فمن أقرأ منا وعلمنا فمن أعلم منا? فذلك حظهم. وفي لفظ أولئك شرار هذه الأمة. وقيل خمس من الأخلاق هي من علامات علماء الآخرة مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عز وجل: الخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق وإيثار الآخرة على الدنيا وهو الزهد، فأما الخشية فمن قوله تعالى "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وأما الخشوع فمن قوله تعالى "خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً" وأما التواضع فمن قوله تعالى "واخفض جناحك للمؤمنين" وأما حسن الخلق فمن قوله تعالى "فبما رحمة من الله لنت لهم" وأما الزهد فمن قوله تعالى "وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً" ولما تلا رسول الله ﷺ قوله تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام" فقيل له ما هذا الشرح? فقال "إن النور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر وانفسح" قيل: فهل لذلك من علامة? قال ﷺ "نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" ومنها أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش القلوب ويهيج الوسواس ويثير الشر فإن أصل الدين التوقي من الشر ولذلك قيل:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه
ولأن الأعمال الفعلية قريبة وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذكر الله تعالى بالقلب واللسان وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها وهذا مما تكثر شعبه ويطول تفريعه، وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه وتعم به البلوى في سلوك طريق الآخرة، وأما علماء الدنيا فإنهم يتبعون غرائب التفريعات في الحكومات والأقضية ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع أبداً، وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم، وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم، وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم يمهم غيره النادر إيثاراً للتقرب والقبول من الخلق على التقرب من الله سبحانه. وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلاً محققاً عالماً بالدقائق وجزاؤه من الله أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق بل يتكدر عليه صفوه بنوائب الزمان ثم يرد القيامة مفلساً متحسراً على ما يشاهده من ربح العاملين وفوز المقربين وذلك هو الخسران المبين، ولقد كان الحسن البصري رحمه الله أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأقربهم هدياً من الصحابة رضي الله عنهم اتفقت الكلمة في حقه على ذلك وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب وفساد الأعمال ووساس النفوس والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس؛ وقد قيل له؛ يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك فمن أين أخذته? قال: من حذيفة بن اليمان. وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته? قال: خصني به رسول الله ﷺ، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير لا يسبقني علمه وقال مرة: فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير. وفي لفظ آخر: كانوا يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا? يسألونه عن فضائل الأعمال وكنت أقول يا رسول الله ما يفسد كذا وكذا? فلما رآني أسأله عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم. وكان حذيفة رضي الله عنه أيضاً قد خص بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه ودقائق الفتن، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضي الله عنهم يسألونه عن الفتن العامة والخاصة، وكان يسأل عن المنافقين فيخبر بعدد من بقي منهم ولا يخبر بأسمائهم، وكان عمر رضي الله عنه يسأل عن نفسه هل يعلم فيه شيئاً من النفاق? فبرأه من ذلك، وكان عمر رضي الله عنه إذا دعى إلى جنازة ليصلي عليها نظر فإن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك، وكان يسمى صاحب السر. فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة لأن القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى وقد صار هذا الفن غريباً مندرساً وإذا تعرض العالم لشيء منه استغرب واستبعد وقيل هذا تزويق المذكرين فأين التحقيق? ويرون أن التحقيق في دقائق المجادلات ولقد صدق من قال:
الطرق شتى وطرق الحق مفردة
والسالكون طريق الحق أفراد
لا يعرفون ولا تدري مقاصدهم
فهم على مهل يمشون قصاد
والناس في غفلة عما يراد بهم
فجلهم عن سبيل الحق رقاد
وعلى الجملة فلا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم فإن الحق مر والوقوف عليه صعب وإدراكه شديد وطريقه مستوعر ولاسيما معرفة صفات القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة فإن ذلك نزع للروح على الدوام، وصاحبه ينزل منزلة الشارب للدواء يصبر على مرارته رجاء الشفاء وينزل منزلة من جعل مدة العمر صومه فهو يقاسي الشدائد ليكون فطره عند الموت، ومتى تكثر الرغبة في هذا الطريق? ولذلك قيل: إنه كان في البصرة مائة وعشرين متكلماً في الوعظ والتذكير ولم يكن من يتكلم من علم اليقين وأحوال القلوب وصفات الباطن إلا ثلاثة منهم - سهل التستري والصبيحي وعبد الرحيم - وكان يجلس إلى أولئك الخلق الكثير الذي لا يحصى وإلى هؤلاء عدد يسير قلما يجاوز العشرة، لأن النفيس العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص وما يبذل للعموم فأمره قريب. ومنها أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره وإنما المقلد صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فيما أمر به وقاله وإنما يقلد الصحابة رضي الله عنهم من حيث إن فعلهم يدل على سماعهم من رسول الله ﷺ. ثم إذا قلد صاحب الشرع ﷺ في تلقي أقواله وأفعاله بالقبول فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره فإن المقلد إنما يفعل الفعل لأن صاحب الشرع ﷺ فعله، وفعله لابد وأن يكون لسر فيه فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم ولا يكون عالماً. ولذلك كان يقال: فلان من أوعية العلم؛ فلا يسمى عالماً إذا كان من شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحكم والأسرار. ومن كشف عن قلبه الغطاء واستنار بنور الهداية صار في نفسه متبوعاً مقلداً فلا ينبغي أن يقلد غيره. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا رسول الله ﷺ وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه وقرأ على أبي بن كعب ثم خالفهما في الفقه والقراءة جميعاً.
وقال بعض السلف: ما جاءنا عن رسول الله ﷺ قبلناه على الرأس والعين وما جاءنا عن الصحابة رضي الله عنهم فنأخذ منه ونترك وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال: وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله ﷺ واعتلاق قلوبهم أموراً أدركت بالقرائن فسددهم ذلك إلى الصواب من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة إذ فاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطأ. وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليداً غير مرضي فالاعتماد على الكتب والتصانيف أبعد. بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منها في زمن الصحابة وصدر التابعين وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجملة التابعين رضي الله عنهم وبعد وفاة سعيد بن المسيب والحسن وخيار التابعين؛ بل كان الأولون يكرهون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر وقالوا: احفظوا كما كنا نحفظ. ولذلك كره أبو بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم تصحيف القرآن في مصحف وقالوا: كيف نفعل شيئاً ما فعله رسول الله ﷺ? وخافوا اتكال الناس على المصاحف وقالوا: نترك القرآن يتلقاه بعضهم من بعض بالتلقين والإقراء ليكون هذا شغلهم وهمهم، حتى أشار عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة بكتب القرآن خوفاً من تخاذل الناس وتكاسلهم وحذراً من أن يقع نزاع فلا يوجد أصل يرجع إليه في كلمة أو قراءة من المتشابهات فانشرح صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك فجمع القرآن في مصحف واحد.
وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك في تصنيفه الموطأ ويقول: ابتدع ما لم تفعله الصحابة رضي الله عنهم وقيل: أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في الآثار وحروف التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس رضي الله عنهم بمكة. ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سنناً مأثورة نبوية، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس، ثم جامع سفيان الثوري. ثم في القر، الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض في الجدال والغوص في إبطال المقالات، ثم مال الناس إليه وإلى القصص والوعظ بها فأخذ علم اليقين في الاندراس من ذلك الزمان فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكايد الشيطان وأعرض عن ذلك إلا الأقلون، فصار يسمى المجادل المتكلم عالماً والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالماً، وهذا لأن العوام هم المستمعون إليهم فكان لا يتميز لهم حقيقة العلم من غيره، ولم تكن سيرة الصحابة رضي الله عنهم وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون بها مباينة هؤلاء لهم فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث اللقب خلف عن سلف وأصبح علم الآخرة مطوياً، وغاب عنهم الفرق بين العلم والكلام إلا عن الخواص منهم كانوا إذا قيل لهم؛ فلان أعلم أم فلان? يقولون: فلان أكثر علماً وفلان أكثر كلاماً. فكان الخواص يدركون الفرق بين العلم وبين القدرة على الكلام. هكذا ضعف الدين في قرون سالفة فكيف الظن بزمانك هذا? وقد انتهى الأمر إلى أن مظهر الإنكار يستهدف لنسبته إلى الجنون فالأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه ويسكت. ومنها أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور وإن اتفق عليها الجمهور فلا يغرنه إطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم وليكن حريصاً على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم وما كان فيه أكثر همهم أكان في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولى الأوقاف والوصايا وأكل مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة? أم كان في الخوف والحزن والتفكر المجاهدة ومراقبة الظاهر والباطن واجتناب دقيق الإثم وجليله والحرص على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان إلى غير ذلك من علوم الباطن? واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف فمنهم أخذ الدين. ولذلك قال علي رضي الله عنه "خيرنا أتبعنا لهذا الدين" لما قيل له: خالفت فلاناً. فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر في موافقة أهل عصر رسول الله ﷺ فإن الناس رأوا رأياً فيما هم فيه لميل طباعهم إليه ولم تسمح نفوسهم بالاعتراف بأن ذلك سبب الحرمان من الجنة فادعوا أنه لا سبيل إلى الجنة سواه. ولذلك قال الحسن: محدثان أحدثا في الإسلام: رجل ذو رأي سيء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا لهم يغضب ولها يرضى وإياها يطلب فارفضوهما إلى النار. وإن رجلاً أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعوه إلى دنياه وصاحب هوى يدعوه إلى هواه وقد عصمه الله تعالى منهما يحن إلى السلف الصالح يسأل عن أفعالهم ويقتفي آثارهم متعرض لأجر عظيم فكذلك كونوا. وقد روي عن ابن مسعود موقوفاً ومسنداً أنه قال: "إنما هما اثنتان الكلام والهدى، فأحسن الكلام كلام الله تعالى، وأحسن الهدى هدى رسول الله تعالى صلى الله عليه وآله وسلم، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم، ألا كل ما هو آت قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآت" وفي خطبة رسول الله ﷺ "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط أهل الفقه والحكم وجانب أهل الزلل والمعصية، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره، طوبى لم عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة" وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: حسن الهدى في آخر الزمان خير من كثير من العمل، وقال: أنتم في زمان خيركم فيه المسارع في الأمور وسيأتي بعدكم زمان يكون خيرهم فيه المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات. وقد صدق فيمن لم يتوقف في هذا الزمان ووافق الجماهير فيما هم عليه وخاض فيما خاضوا فيه هلك كما هلوا. وقال حذيفة رضي الله عنه: أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى وأن منكركم اليوم معروف زمان قد أتى وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق وكان العالم فيكم غير مستخف به. ولقد كان يعد فرش البواري في المسجد بدعة، وقيل إنه من محدثات الحجاج. فقد كان الأولون قلما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزاً. وكذلك الاشتغال بدقائق الجدل والماظرة من أجل علوم أهل الزمان ويزعمون أنه من أعظم القربات، وقد كان من المنكرات. ومن ذلك التلحين في القرآن والأذان. ومن ذلك التعسف في النظافة والوسوسة في الطهارة وتقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها إلى نظائر ذلك. ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعاً للهوى. وقد كان أحمد بن حنبل يقول: تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب ما أقل العلم فيهم والله المستعان. وقال مالك بن أنس رحمه الله: لم تكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم ولم يكن العلماء يقولون حرام ولا حلال ولكن أدركتهم يقولون مستحب ومكروه ومعناه أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهة والاستحباب فأما الحرام فكان فحشه ظاهراً وكان هشام بن عروة يقول: لاتسألوهم اليوم عما أحدثوه بأنفسهم فإنهم قد أعدوا له جواباً ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها. وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله يقول: لا ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به حتى يسمع به في الأثر فيحمد الله تعالى إذا وافق ما في نفسه، وإنما قال هذا لأن ما قد أبدع من الآراء قد قرع الأسماع وعلق بالقلوب وربما يشوش صفاء القلب فيتخيل بسببه الباطل حقاً فيحتاط فيه بالاستظهار بشهادة الآثار. ولهذا لما أحدث مروان المنبر في صلاة العيد عند المصلى قام إليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: يا مروان ما هذه البدعة? فقال: إنها ليست ببدعة إنها خير مما تعلم إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت، فقال أبو سعيد: والله لا تأتون بخير مما أعلم أبداً ووالله لا صليت وراءك اليوم! وإنما أنكر ذلك عليه "لأن رسول الله ﷺ كان يتوكأ في خطبة العيد والاستسقاء على قوس أو عصا لا على المنبر" وفي الحديث المشهور "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد" وفي خبر آخر "من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قيل: يا رسول الله وما غش أمتك? قال: أن يبتدع بدعة يحمل الناس عليها" وقال رسول الله ﷺ "إن لله عز وجل ملكاً ينادي كل يوم من خالف سنة رسول الله ﷺ لم تنله شفاعته" ومثال الجاني على الدين بإبداع ما يخالف السنة بالنسبة إلى من يذنب ذنباً مثال من عصى الملك في قلب دولته بالنسبة إلى من خالف أمره في خدمة معينة، وذلك قد يغفر له فأما في قلب الدولة فلا. وقال بعض العلماء: ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء وما سكت عنه السلف فالكلام فيه تكلف. وقال غيره: الحق ثقيل من جاوزه ظلم ومن قصر عنه عجز ومن وقف معه اكتفى. وقال ﷺ "عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه العالي ويرتفع إليه التالي" وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها قال الله تعالى "وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً" وقال تعالى "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً" فكل ما أحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم مما جاوز قدر الضرورة والحاجة فهو من اللعب واللهو. وحكي عن إبليس لعنه الله أنه بث جنوده في وقت الصحابة رضي الله عنهم فرجعوا إليه محسورين فقال: ما شأنكم? قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء ما نصيب منهم شيئاً وقد أتعبونا! فقال: إنكم لا تقدرون عليهم قد صحبوا نبيهم وشهدوا تنزيل ربهم ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم. فلما جاء التابعون بث جنوده فرجعوا إليه منكسين فقالوا: ما رأينا أعجب من هؤلاء نصيب منهم الشيء بعد الشيء من الذنوب فإذا كان آخر النهار أخذوا في الاستغفار فيبدل الله سيئاتهم حسنات! فقال: إنكم لن تنالوا من هؤلاء شيئاً لصحة توحيدهم واتباعهم لسنة نبيهم ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقر أعينكم بهم تلعبون بهم لعباً وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم إن استغفروا لم يغفر لهم ولا يتوبون فيبدل الله سيئاتهم حسنات، قال: فجاء قوم بعد القرن الأول فبث فيهم الأهواء وزين لهم البدع فاستحلوها واتخذوها ديناً لا يستغفرون الله منها ولا يتوبون عنها فسلط عليهم الأعداء وقادوهم أين شاءوا. فإن قلت: من أين عرف قائل هذا ما قاله إبليس ولم يشاهد إبليس ولا حدثه بذلك? فاعلم أن أرباب القلوب يكاشفون بأسرار الملكوت تارة على سبيل الإلهام بأن يخطر لهم على سبيل الورود عليهم من حيث لا يعلمون وتارة على سبيل الرؤيا الصادققة وتارة في اليقظة على سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة - كما يكون في المنام - وهذا أعلى الدرجات وهي من درجات النبوة العالية كما أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. فإياك أن يكون حظك من هذا العلم إنكار ما جاوز حد قصورك ففيه هلك المتحذلقون من العلماء الزاعمون أنهم أحاطوا بعلوم العقول، فالجهل خير من عقل يدعو إلى إنكار مثل هذه الأمور لأولياء الله تعالى، ومن أنكر ذلك للأولياء لزمه إنكار الأنبياء وكان خارجاً عن الدين بالكلية. قال بعض العارفين: إنما انقطع الأبدال في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء الوقت لأنهم عندهم جهال بالله تعالى وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء. قال سهل التستري رضي الله عنه: إن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل والنظر إلى العامة واستماع كلام أهل الغفلة. وكل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغى إلى قوله بل ينبغي أن يتهم في كل ما يقول لأن كل إنسان يخوض فيما أحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه، ولذلك قال الله عز وجل "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً" والعوام العصاة أسعد حالاً من الجهال بطريق الدين المعتقدين أنهم من العلماء؛ لأن العامي العاصي معترف بتقصيره فيستغفر ويتوب وهذا الجاهل الظان أنه عالم وأن ما هو مشتغل به من العلوم التي هي وسائله إلى الدنيا عن سلوك طريق الدين فلا يتوب ولا يستغفر؛ بل لا يزال مستمراً عليه إلى الموت. وإذ غلب هذا على أكثر الناس إلا من عصمه الله تعالى وانقطع الطمع من إصلاحهم فالأسلم لذي الدين المحتاط العزلة والانفراد عنهم - كما سيأتي في كتاب العزلة بيانه إن شاء الله تعالى - ولذلك كتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي: ما ظنك بمن بقي لا يجد أحداً يذكر الله تعالى معه إلا كان آثماً أو كانت مذاكرته معصية وذلك أنه لا يجد أهله? ولقد صدق فإن مخالطة الناس لا تنفك عن غيبة أو سماع غيبة أو سكوت على منكر وأن أحسن أحواله أن يفيد علماً أو يستفيده ولو تأمل هذا المسكين وعلم أن إفادته لا تخلو عن شوائب الرياء وطلب الجمع والرياسة علم أن المستفيد إنما يريد أن يجعل ذلك آلة إلى طلب الدنيا ووسيلة إلى الشر فيكون هو معيناً له على ذلك وردءاً وظهيراً ومهيئاً لأسبابه كالذي يبيع السيف من قطاع الطريق. فالعلم كالسيف وصلاحه للخير كصلاح السيف للغزو، ولذلك لا يرخص له في البيع ممن يعلم بقرائن أحواله أنه يريد به الاستعانة على قطع الطريق. فهذه اثنتا عشرة علامة من علامات علماء الآخرة تجمع كل واحدة منها جملة من أخلاق علماء السلف؛ فكن أحد رجلين إما متصفاً بهذه الصفات أو معترفاً بالتقصير مع الإقرار به وإياك أن تكون الثالث فتلبس على نفسك بأن تبدل آلة الدنيا بالدين وتشبه سيرة البطالين بسيرة العلماء الراسخين وتلتحق بجهلك وإنكارك بزمرة الهالكين الآيسين. نعوذ بالله من خدع الشيطان، فبها هلك الجمهور. فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن لا تغره الحياة الدنيا ولا يغره بالله الغرور.
===
إحياء علوم الدين/كتاب العلم/الباب السابع
الباب السابع
في العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه
بيان شرف العقل
اعلم أن هذا مما لا يحتاج إلى تكلف في إظهاره لاسيما وقد ظهر شرف العلم من قبل العقل والعقل منبع العلم ومطلعه وأساسه والعلم يجري منه مجرى الثمرة من الشجرة والنور من الشمس والرؤية من العين فكيف لا يشرف ما هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة? أو كيف يستراب فيه والبهيمة مع قصور تمييزها تحتشم العقل حتى إن أعظم البهائم بدناً وأشدها ضراوة وأقواها سطوة إذا رأى صورة الإنسان احتشمه وهابه لشعوره باستيلائه عليه لما خص به من إدراك الحيل. ولذلك قال ﷺ "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" وليس ذلك لكثرة ماله ولا لكبر شخصه ولا لزيادة قوته بل لزيادة تجربته التي هي ثمرة عقله. ولذلك ترى الأتراك والأكراد وأجلاف العرب وسائر الخلق مع قرب منزلتهم من رتبة البهائم يوقرون المشايخ بالطبع. ولذلك حين قصد كثير من المعاندين قتل رسول الله ﷺ فلما وقعت أعينهم عليه واكتحلوا بغرته الكريمة هابوه وتراءى لهم ما كان يتلألأ على ديباجة وجهه من نور النبوة وإن كان ذلك باطناً في نفسه بطون العقل فشرف العقل ما يدرك بالضرورة؛ وإنما القصد أن نورد ما وردت به الأخبار والآيات في ذكر شرفه وقد سماه الله نوراً في قوله تعالى "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة" وسمى العلم المستفاد منه روحاً ووحياً وحياة فقال تعالى "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا" وقال سبحانه "أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس" وحيث ذكر النور والظلمة أراد به العلم والجهل كقوله "يخرجهم من الظلمات إلى النور" وقال ﷺ "يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه واعلموا أنه ينجدكم عند ربكم واعلموا أن العاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر حقير الخطر دنيء المنزلة رث الهيئة، وأن الجاهل من عصى الله تعالى وإن كان جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة فصيحاً نطوقاً فالقردة والخنازير أعقل عند الله تعالى ممن عصاه، ولا تغتر بتعظيم أهل الدنيا إياهم فإنهم من الخاسرين". وقال ﷺ "أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال الله عز وجل وعزتي وجلالي ما خلقت أكرم منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب". فإن قلت: فهذا العقل إن كان عرضاً فكيف خلق قبل الأجسام? وإن كان جوهراً فكيف يكون جوهر قائم بنفسه ولا يتحيز? فأعلم أن هذا من علم المكاشفة فلا يليق ذكره بعلم المعاملة، وغرضنا الآن ذكر علوم المعاملة. وعن أنس رضي الله عنه قال "أثنى قوم على رجل عند النبي ﷺ حتى بالغوا فقال ﷺ كيف عقل الرجل? فقالوا: نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله? فقال ﷺ: "إن الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور الفاجر وإنما يرتفع العباد غداً في الدرجات الزلفى من ربهم على قدر عقولهم". وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله" وقال ﷺ "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه وأطاع ربه وعصى عدوه إبليس" وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار في النار "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لتميم الداري "ما السودد فيكم? فقال: العقل" وعن البراء ابن عازب رضي الله عنه قال: كثرت المسائل يوماً على رسول الله ﷺ فقال "يا أيها الناس إن لكل شيء مطية ومطية المرء العقل وأحسنكم دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم عقلاً" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال "لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة أحد سمع الناس يقولون: فلان أشجع من فلان وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فلا علم لكم به، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله? فقال ﷺ: إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل وكانت نصرتهم ونيتهم على قدر عقولهم" وعن البراء بن عازب أنه ﷺ قال "جد الملائكة واجتهدوا في طاعة الله سبحانه وتعالى بالعقل وجد المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم فأعملهم بطاعة الله عز وجل أوفرهم عقلاً" وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "قلت يا رسول الله بما يتفاضل الناس في الدنيا? قال: بالعقل، قلت: وفي الآخرة? قال: بالعقل، قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم? فقال ﷺ: يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم عز وجل من العقل? فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما عملوا يجزون" وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ "لكل شيء آلة وعدة وإن آلة المؤمن العقل ولكل شيء مطية ومطية المرء العقل ولكل شيء دعامة ودعامة الدين العقل ولكل قوم غاية وغاية العباد العقل ولكل قوم داع وداعي العابدين العقل ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين العقل ولكل أهل بيت قيم وقيم بيوت الصديقين العقل ولكل خراب عمارة وعمارة الآخرة العقل، ولكل امرىء عقب ينسب إليه ويذكر به وعقب الصديقين الذي ينسبون إليه ويذكرون به العقل ولكل سفر فسطاط وفسطاط المؤمنين العقل" وقال ﷺ "إن أحب المؤمنين إلى الله عز وجل من نصب في طاعة الله عز وجل ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه فأبصر وعمل به أيام حياته فأفلح ونجح" وقال ﷺ "أتمكم عقلاً أشدكم لله خوفاً وأحسنكم فيما أمركم به ونهى عنه نظراً وإن كان أقلكم تطوعاً".
بيان حقيقة العقل وأقسامه
اعلم أن الناس اختلفوا في حد العقل وحقيقته وذهل الأكثرون عن كون هذا الاسم مطلقاً على معان مختلفة فصار ذلك سبب اختلافهم. والحق الكاشف للغطاء فيه أن العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان - كما يطلق اسم العين مثلاً على معان عدة وما يجري هذا المجرى فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حد واحد بل يفرد كل قسم بالكشف عنه - فالأول: الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية وهو الذي أراده الحارث بن أسد المحاسبي حيث قال في حد العقل: إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية وكأنه نور يقذف في القلب به يستعد لإدراك الأشياء ولم ينصف من أنكر هذا ورد العقل إلى مجرد العلوم الضرورية فإن الغافل عن العلوم والنائم يسميان عاقلين باعتبار وجود هذه الغريزة فيهما مع فقد العلوم. وكما أن الحياة غريزة بها يتهيأ الجسم للحركات الاختيارية والإدراكات الحسية فكذلك العقل غريزة بها تتهيأ بعض الحيوانات للعلوم النظرية ولو جاز أن يستوي بين الإنسان والحمار في الغريزة والإدراكات الحسية. فيقال لا فرق بينهما إلا أن الله تعالى بحكم إجراء العادة يخلق في الإنسان علوماً وليس يخلقها في الحمار والبهائم لجاز أن يسوي بين الحمار والجماد في الحياة، ويقال لا فرق إلا أن الله عز وجل يخلق في الحمار حركات مخصوصة بحكم إجراء العادة. فإنه لو قدر الحمار جماداً ميتاً لوجب القول بأن كل حركة تشاهد منه فالله سبحانه وتعالى قادر على خلقها فيه على الترتيب المشاهد. وكما وجب أن يقال لم يكن مفارقته للجماد في الحركات إلا بغريزة اختصت به عبر عنها بالحياة فكذا مفارقة الإنسان البهيمة في إدراك العلوم النظرية بغريزة يعبر عنها بالعقل وهو كالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصور والألوان بصفة اختصت بها وهي الصقالة. وكذلك العين تفارق الجبهة في صفات وهيئات بها استعدت للرؤية فنسبة هذه الغريزة إلى العلوم كنسبة العين إلى الرؤية ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها كنسبة نور الشمس إلى البصر فهكذا ينبغي أن تفهم هذه الغريزة. الثاني: هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد، وهو الذي عناه بعض المتكلمين حيث قال في حد العقل: إنه بعض العلوم الضرورية كالعلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات وهو أيضاً صحيح في نفسه لأن هذه العلوم موجودة وتسميتها عقلاً ظاهر وإنما الفاسد أن تنكر تلك الغريزة ويقال لا موجود إلا هذه العلوم. الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال فإن من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال إنه عاقل في العادة ومن لا يتصف بهذه الصفة فيقال إنه غبي غمر جاهل، فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلاً. الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها فإذا حصلت هذه القوة سمى صاحبها عاقلاً من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة وهذه أيضاً من خواص الإنسان التي بها يتميز عن سائر الحيوان، فالأول: هو الأس والسنخ والمنبع. والثاني: هو الفرع الأقرب إليه. والثالث: فرع الأول والثاني؛ إذ بقوة الغريزة والعلوم الضرورية تستفاد علوم التجارب والرابع: هو الثمرة الأخيرة وهي الغاية القصوى، فالأولان بالطبع والأخيران بالاكتساب. ولذلك قال علي كرم الله وجهه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع كما لاتنفع الشمس وضوء العين ممنوع والأول هو المراد بقوله ﷺ "ما خلق الله عز وجل خلقاً أكرم عليه من العقل" والأخير هو المراد بقوله ﷺ "إذا تقرب الناس بأبواب البر والأعمال الصالحة فتقرب أنت بعقلك" وهو المراد بقول رسول الله ﷺ لأبي الدرداء رضي الله عنه "ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً، فقال: بأبي أنت وأمي! وكيف لي بذلك? فقال: اجتنب محارم الله تعالى وأد فرائض الله سبحانه تكن عاقلاً واعمل بالصالحات من الأعمال تزدد في عاجل الدنيا رفعة وكرامة وتنل في آجل العقبى بها من ربك عز وجل القرب والعز" وعن سعيد بن المسيب "أن عمر وأبي بن كعب وأبا هريرة رضي الله عنهم دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله من أعلم الناس? قال العاقل قالوا: اليس العاقل من تمت مروءته وظهرت فصاحته وجادت كفه وعظمت منزلته? فقال ﷺ "وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين" إن العاقل هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيساً ذليلاً" قال ﷺ في حديث آخر "إنما العاقل من آمن بالله وصدق رسله وعمل بطاعته" ويشبه أن يكون أصل الاسم في أصل اللغة لتلك الغريزة وكذلك في الاستعمال وإنما أطلق على العلوم من حيث إنها ثمرتها كما يعرف الشيء بثمرته فيقال: العلم هو الخشية والعالم من يخشى الله تعالى. فإن الخشية ثمرة العلم فتكون كالمجاز لغير تلك الغريزة ولكن ليس الغرض البحث عن اللغة. والمقصود أن هذه الأقسام الأربعة موجودة والاسم يطلق على جميعها ولا خلاف في وجود جميعها إلا في القسم الأول، والصحيح وجودها بل هي الأصل. وهذه العلوم كأنه مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة ولكن تظهر في الوجود إذا جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من خارج وكأنها كانت مستكنة فيها فظهرت، ومثاله الماء في الأرض فإنه يظهر بحفر البئر ويجتمع ويتميز بالحس لا بأن يساق إليها شيء جديد، وكذلك الدهن في اللوز، وماء الورد في الورد ولذلك قال تعالى "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" فالمراد به إقرار نفوسهم لا إقرار الألسنة فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص إلى مقر وإلى جاحد ولذلك قال تعالى "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" معناه إن اعتبرت أحوالهم شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم "فطرة الله التي فطر الناس عليها" أي كل آدمي فطر على الإيمان بالله عز وجل بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه أعني أنها كالمضمنة فيها لقرب استعدادها للإدراك. ثم لما كان الإيمان مركزاً في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى قسمين: إلى من أعرض فنسي وهم الكفار، وإلى من أجال خاطره فتذكر فكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها. ولذلك قال عز وجل "لعلهم يتذكرون - وليتذكر أولوا الألباب - واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به - ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" وتسمية هذا النمط تذكراً ليس ببعيد فكأن التذكر ضربان؛ أحدهما: أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه لكن غابت بعد الوجود. والآخر: أن يذكر صورة كانت مضمنة فيه بالفطرة. وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة ثقيلة على من يستر وجه السماع والتقليد دون الكشف والعيان. ولذلك تراه يتخبط في مثل هذه الآيات ويتسعف وفي تأويل التذكر بإقرار النفوس أنواعاً من التعسفات ويتخايل إليه في الأخبار والآيات ضروب من المناقضات وربما يغلب ذلك عليه حتى ينظر إليها بعين الاستحقار ويعتقد فيها التهافت. ومثاله مثال الأعمى الذي يدخل داراً فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في الدار فيقول: ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وترد إلى مواضعها? فيقال له: إنها في مواضعها وإنما الخلل في بصرك. فكذلك خلل البصيرة يجري مجراه وأطم منه وأعظم إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس وعمى الفارس أضر من عمى الفرس ولمشابهة بصيرة البان لبصيرة الظاهر قال الله تعالى "ما كذب الفؤاد ما رأى" وقال تعالى "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض" الآية وسمي ضده عمى فقال تعالى "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً" وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء بعضها كان بالبصر وبعضها كان بالبصيرة وسمي الكل رؤية. وبالجملة من لم تكن بصيرته الباطنة ثاقبة لم يعلق به من الدين إلا قشوره وأمثلته دون لبابه وحقائقه. فهذه أقسام ما ينطلق اسم العقل عليها.
بيان تفاوت النفوس في العقل
قد اختلف الناس في تفاوت العقل ولا معنى للاشتغال بنقل كلام من قل تحصيله بل الأولى والأهم المبادرة إلى التصريح بالحق. والحق الصريح فيه أن يقال إن التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة سوى القسم الثاني: وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. فإن من عرف أن الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضاً استحالة كون الجسم في مكانين وكون الشيء الواحد قديماً حادثاً وكذا سائر النظائر وكل ما يدركه إدراكاً محققاً من غير شك، وأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرق إليها، أما القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات فلا يخفى تفاوت الناس فيه بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد فيه، وهذا التفاوت يكون تارة لتفاوت الشهوة إذ قد يقدر العاقل ترك بعض الشهوات دون بعض ولكن غير مقصور عليه. فإن الشاب قد يعجز عن ترك الزنا وغذا كبر وتم عقله قدر عليه وشهوة الرياء والرياسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفاً، وقد يكون سببه التفاوت في العلم المعرف لغائلة تلك الشهوةن ولهذا يقدر البيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة وقدم من يساويه في العقل على ذلك إذا لم يكن طبيباً وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرة لكن إذا كان علم الطبيب أتم كان خوفه أشد فيكون الخوف جنداً للعقل وعدة له في قمع الشهوات وكسرها وكذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من الجاهل لقوة علمه بضرر المعاصي وأعني به العالم الحقيقي دون أرباب الطيالسة وأصحاب الهذيان. فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل وإن كان من جهة العلم فقد سمينا هذا الضرب من العلم عقلاً أيضاً فإنه يقوي غريزة العقل فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه وقد يكون بمجرد التفاوت في غريزة العقل فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشد. وأما القسم الثالث وهو علوم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر فإنهم يتفاوتون بكثرة الإصابة وسرعة الإدراك ويكون سببه إما تفاوتاً في الغريزة وإما تفاوتاً في الممارسة، فأما الأول وهو الأصل أعني الغريزة فالتفاوت فيه لا سبيل إلى حجده فإنه مثل نور يشرق على النفس ويطلع صبحه ومبادي إشراقه عند سن التمييز ثم لا يزال ينمو ويزداد نمواً خفي التدريج إلى أن يتكامل بقرب الأربعين سنة؛ ومثاله نور الصبح فإن أوائله تخفى خفاء يشق إدراكه ثم يتدرج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس. وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور البصر والفرق مدرك بين الأعمش وبين حاد البصر بل سنة الله عز وجل جارية في جميع خلقه بالتدريج في الإيجاد حتى إن غريزة الشهوة لا تظهر في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة بل تظهر شيئاً فشيئاً على التدريج وكذلك جميع القوى والصفات، ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنه منخلع عن ربقة العقل، ومن ظن أن عقل النبي ﷺ مثل عقل آحاد السوادية وأجلاف البوادي فهو أخس في نفسه من آحاد السوادية وكيف ينكر تفاوت الغريزة ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم بالتفهيم إلا بعد تعب طويل من المعلم وإلى ذكي يفهم بأدنى رمز وإشارة وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور بدون التعليم? كما قال تعالى "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور" وذلك مثل الأنبياء عليهم السلام إذ يتضح لهم في بواطنهم أمور غامضة من غير تعلم وسماع ويعبر عن ذلك بالإلهام، وعن مثله عبر النبي ﷺ حيث قال "إن روح القدس نفث في روعي: أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزي به" وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء يخالف الوحي الصريح الذي هو سماع الصوت بحاسة الأذن ومشاهدة الملك بحاسة البصر ولذلك أخبر عن هذا بالنفث في الروع، ودرجات الوحي كثيرة والخوض فيها لا يليق بعلم المعاملة بل هو من علم المكاشفة. ولا تظنن أن معرفة درجات الوحي تستدعي منصب الوحي إذ لا يبعد أن يعرف الطبيب المريض درجات الصحة ويعلم العالم الفاسق درجات العدالة وإن كان خالياً عنها فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر فلا كل من عرف النبوة والولاية كان نبياً ولا ولياً ولا كل من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقياً. وانقسام الناس إلى من يتنبه من نفسه ويفهم وإلى من لا يفهم إلا بتنبيه وتعليم وإلى من لا ينفعه التعليم أيضاً ولا التنبيه كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء فيقوى فيتفجر بنفسه عيوناً وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج إلى القنوات وإلى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس وذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها فكذلك اختلاف النفوس في غريزة العقل. ويدل على تفاوت العقل من جهة النقل: ما روي أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل النبي ﷺ في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش وأن الملائكة قالت "يا ربنا هل خلقت شيئاً أعظم من العرش? قال: نعم: العقل، قالوا: وما بلغ من قدره? قال: هيهات لا يحاط بعلمه هل لكم علم بعدد الرمل? قالوا: لا، قال الله عز وجل: فإني خلقت العقل أصنافاً شتى كعدد الرمل فمن الناس من أعطي حبة ومنهم من أعطي حبتين ومنهم من أعطي الثلاث والأربع ومنهم من أعطي فرقاً ومنهم من أعطي وسقاً ومنهم من أعطي أكثر من ذلك" فإن قلت: فما بال أقوام المتصولة يذمون العقل والمعقول? فاعلم أن السبب فيه أن الناس نقلوا اسم العقل المعقول إلى المجادلة والمناظرة بالمناقضات والإلزامات وهو صنعة الكلام فلم يقرروا عندهم أنكم أخطأتم في التسمية إذ كان لا ينمحي عن قلوبهم بعد تداول الألسنة به ورسوخه في القلوب فذموا العقل والمعقول وهو المسمى به عندهم. فأما نور البصيرة التي بها يعرف الله تعالى ويعرف صدق رسله فكيف يتصور ذمه وقد أثنى الله تعالى عليه وإن ذم فما الذي بعده يحمد? فإن كان المحمود هو الشرع فبم علم صحة الشرع? فإن علم بالعقل المذموم الذي لا يوثق به فيكون الشرع أيضاً مذموماً ولا يلتفت إلى من يقول: إنه يدرك بعين اليقين ونور الإيمان لا بالعقل. فإنا نريد بالعقل: ما يريده بعين اليقين ونور الإيمان، وهي الصفة الباطنة التي يتميز بها الآدمي عن البهائم حتى أدرك بها حقائق الأمور: وأكثر ههذ التخبيطات إنما ثارت من جهل أقوام طلبوا الحقائق من الألفاظ فتخبطوا فيها لتخبط اصطلاحات الناس في الألفاظ؛ فهذا القدر كاف في بيان العقل والله أعلم.
تم كتاب العلم بحمد الله تعالى ومنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء. يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب قواعد العقائد والحمد لله وحده أولاً وآخراً.
===============
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب قواعد العقائد
وفيه أربعة فصول
========
إحياء علوم الدين/كتاب قواعد العقائد/الفصل الأول
< إحياء علوم الدين | كتاب قواعد العقائداذهب إلى التنقلاذهب إلى البحث
→ كتاب قواعد العقائدإحياء علوم الدين
المؤلف: أبو حامد الغزاليالفصل الثاني ←
الفصل الأول
في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة
التي هي أحد مباني الإسلام
فنقول وبالله التوفيق: الحمد لله المبدىء المعيد الفعال لما يريد ذي العرش المجيد والبطش الشديد الهادي صفوة العبيد إلى المنهج الرشيد والمسلك السديد المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد المعرف إياهم أنه في ذاته واحد لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم".
التنزيه: وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل والأجسام ولا التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجوداً ولا يماثله موجود "ليس كمثله شيء" ولا هو مثل شيء. وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات. وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته. وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعداً عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى. وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد "وهو على كل شيء شهيد" إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان. وأنه بائن عن خلقه بصفاته ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته وأنه مقدس عن التغير والانتقال لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في نعوت جلاله منزهاً عن الزوال وفي صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال. وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار وإتماماً منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم.
الحياة والقدرة: وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا يعارضه فناء ولا موت وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت له السلطان والقهر والخلق والأمر والسموات مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في قبضته. وأنه المنفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا يشذ عن قبضته مقدور ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته ولا تتباهى معلوماته.
العلم: وأنه عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخوطر وخفيات السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال.
الإرادة: وأنه تعالى مريد للكائنات مدبر للحادثات فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير صغير أو كبير خير أو شر نفع أو ضر إيمان أو كفر عرفان أو نكر فوز أو خسران زيادة أو نقصان طاعة أو عصيان إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر بل هو المبدىء المعيد الفعال لما يريد لا راد لأمره ولا معقب لقضائه ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته. ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته فلو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك، وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته لم يزل كذلك موصوفاً بها مريداً في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدل ولا تغير. دبر الأمور لا بترتيب أفكار ولا تربص زمان فلذلك لم يشغله شأن عن شأن.
السمع والبصر: وأنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى ولا يعرب عن سمعه مسموع وإن خفي. ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق. ولا يحجب سمعه بعد ولا يدفع رؤيته ظلام. يرى من غير حدقة وأجفان ويسمع من غير أصمخة وآذان كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق.
الكلام: وأنه تعالى متكلم آمر ناه واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق فليس بصوت يحدث من انسلال هواه أو اصطكاك أجرام ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان. وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام. وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى ﷺ سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما يرى الأبرار ذات الله تعالى في الآخرة من غير جوهر ولا عرض. وغذا كانت له هذه الصفات كان حياً عالماً قادراً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً بالحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام لا بمجرد الذات.
الأفعال: وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته لا يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره. ولا يتصور الظلم من الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، فكل ما سواه من إنس وجن وملك وشيطان وسماء وارض وحيوان ونبات وجماد وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعاً وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئاً إذ كان موجوداً وحده ولم يكن معه غيره فأحدث الخلق بعد ذلك إظهاراً لقدرته وتحقيقاً لما سبق من إرادته ولما حق في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته. وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن منه قبيحاً ولا ظلماً. وأنه عز وجل يثبت عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم له إذ لا يجب عليه لأحد فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب لأحد عليه حق. وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام لا بمجرد العقل ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به.
معنى الكلمة الثانية وهي الشهادة للرسل بالرسالة وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمداً ﷺ برسالته إلى كافة العرب والعجم والجن والإنس فنسخ بشريعته الشرائع إلا ما قرره منها. وفضله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر. ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد وهو قول لا إله إلا الله ما لم تقترن بها شهادة الرسول وهو قولك "محمد رسول الله" وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة. وأنه لا يتقبل إيمان عبد يؤمن بما أخبر به بعد الموت وأوله: سؤال منكر ونكير وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سوياً ذا روح وجسد فيسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك? وهما فتانا القبر وسؤالهما أول فتنة بعد الموت. وأن يؤمن بعذاب القبر وأنه حق وحكمه عدل على الجسم والروح على ما يشاء. وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان وصفته في العظم أنه مثل طبقات السموات والأرض توزن الأعمال بقدرة الله تعالى، والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقاً لتمام العدل، وتوضع صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند الله بفضل الله وتطرح صحائف السيئات في صورة قبيحة في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله. وأن يؤمن بأن الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة تزل عليه أقدام الكافرين بحكم الله سبحانه فتهوي بهم إلى النار وتثبت عليه أقدام المؤمنين بفضل الله فيساقون إلى دار القرار. وأن يؤمن بالحوض المورود حوض محمد ﷺ يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً عرضه مسيرة شهر ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل حوله أباريق عددها بعدد نجوم السماء فيه ميزابان يصبان فيه من الكوثر. وأن يؤمن بالحساب وتفاوت الناس فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه وغلى من يدخل الجنة بغير حساب وهم المقربون فيسأل الله تعالى من يشاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين ويسأل المبتدعة عن السنة ويسأل المسلمين عن الأعمال. وأن يؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله تعالى فلا يخلد في النار موحد. وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين على حسب جاهه ومنزلته عند الله تعالى ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج بفضل الله عز وجل فلا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. وأن يعتقد فضل الصحابة رضي الله عنهم وترتيبهم وأن أفضل الناس بعد النبي ﷺ: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم. وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى الله عز وجل ورسوله ﷺ عليهم أجمعين فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك موقناً به كان من أهل الحق وعصابة السنة وفارق رهط الضلال وحزب البدعة. فنسأل الله كمال اليقين وحسن الثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى.
=============
إحياء علوم الدين/كتاب قواعد العقائد/الفصل الثاني
الفصل الثاني
في وجه التدريج إلى الإرشاد وترتيب درجات الاعتقاد
اعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه ليحفظه حفظاً ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئاً فشيئاً؛ فابتداؤه الحفظ ثم الفهم ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان. فمن فضل الله سبحانه على قلب الإنسان أن شرحه في أول نشوه للإيمان من غير حاجة إلى حجة وبرهان، وكيف ينكر ذلك وجميع عقائد العوام مباديها التلقين المجرد والتقليد المحض? نعم يكون الاعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقي إليه فلابد من تقويته وإثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترسخ ولا يتزلزل. وليس الطريق في تقويته وإثباته إن يعلم صنعة الجدل والكلام بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه. ويشتغل بوظائف العبادات فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخاً بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعههم وهيآتهم في الخضوع لله عز وجل والخوف منه والاستكانة له فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر، وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر يقوى ويرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء. وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة فإن ما يشوشه الجدل أكثر مما يمهده وما يفسده أكثر مما يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها وربما يفتتها ذلك ويفسدها وهو الأغلب. والمشاهدة تكفيك في هذا بياناً فناهيك بالعيان برهاناً. فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الرياح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليداً كما تلقف نفس الاعتقاد تقليداً؛ إذ لا فرق في التقليد بين تعليم الدليل أو تعلم المدلول فتلقين الدليل شيء والاستدلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه. ثم الصبي إذا وقع نشوه على هذه العقيدة إن اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له غيرها ولكنه يسلم في الآخرة باعتقاد أهل الحق، إذ لم يكلف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد، فأما البحث والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوه أصلاً. وإن أراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة وساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل ولازم التقوى ونهى النفس عن الهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت له أبواب من الهداية تكشف عن حقائق هذه العقيدة بنور إلهي يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقاً لوعده عز وجل إذ قال "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية إيمان الصديقين والمقربين، وإليه الإشارة بالسر الذي وقر في صدر أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث فضل به الخلق. وانكشاف ذلك السر بل تلك الأسرار له درجات بحسب درجات المجاهدة ودرجات الباطن في النظافة والطهارة عما سوى الله تعالى وفي الاستضاءة بنور اليقين وذلك كتفاوت الخلق في اسرار الطب والفقه وسائر العلوم إذ يختلف ذلك باختلاف الاجتهاد واختلاف الفطرة في الذكاء والفطنة وكما لا تنحصر تلك الدرجات فكذلك هذه مسألة فإن قلت: تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه? فاعلم أن الناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف فمن قائل إنه بدعة أو حرام وأن العبد إن لقي الله عز وجل بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه واجب وفرض إما على الكفاية أو على الأعيان وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله تعالى. وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف.
قال ابن عبد الأعلى رحمه الله سمعت الشافعي رضي الله عنه يوم ناظر حفصاً الفرد - وكان من متكلمي المعتزلة - يقول: لأن يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام ولقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه، وقال أيضاً: قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام. وحكى الكرابيسي "أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن شيء من الكلام فغضب، وقال: سل عن هذا حفصاً الفرد وأصحابه، أخزاهم الله، ولما مرض الشافعي رضي الله عنه دخل عليه حفص الفرد فقال له: من أنا? فقال: حفص الفرد، لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت فيه. وقال أيضاً لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد? وقال أيضاً إذا سمعت الرجل يقول الاسم هو المسمى أو غير المسمى? فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له. قال الزعفراني: قال الشافعي حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام? وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبداًن ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل، وبالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتاباً في الرد على المبتدعة وقال له: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولاً ثم ترد عليهم ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث! وقال أحمد رحمه الله: علماء الكلام زنادقة. وقال مالك رحمه الله: أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد? يعني أن أقوال المتجادلين تتفاوت. وقال مالك رحمه الله أيضاً: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء؛ فقال بعض أصحابه - في تأويله - أنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا. وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. وقال الحسن: لا تجادلوا أهل الأهواء ولا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم، وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا. ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه الصحابة - مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم - إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر.
ولذلك قال النبي ﷺ "هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون" أي المتعقمون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كان من الدين لكان ذلك أهم ما يأمر به رسول الله ﷺ ويعلم طريقه ويثني عليه وعلى أربابه، فقد علمهم الاستنجاء" وندبهم إلى علم الفرائض وأثنى عليهم ونهاهم عن الكلام في القدر وقال أمسكوا عن القدر. وعلى هذا استمر الصحابة رضي الله عنهم فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم. وهم الأستاذون والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة. وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن قالوا: إن المحذور من الكلام إن كان هو لفظ الجوهر والعرض وهذه الاصطلاحات الغريبة التي تعهدها الصحابة رضي الله عنهم فالأمر فيه قريب، إذا ما من علم غلا وقد أحدث فيه اصطلاحات لأجل التفهيم كالحديث والتفسير ولو عرض عليهم عبارة النقض والكسر والتركيب والتعدية وفساد الوضع إلى جميع الأسئلة التي تورد على القياس لما كانوا يفقهونه. فإحداث عبارة للدلالة بها على مقصود صحيح كإحداث آنية على هيئة جديدة لاستعمالها في مباح، وإن كان المحذور هو المعنى فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث العالم ووحدانية الخالق وصفاته كما جاء في الشرع فمن أين تحرم معرفة الله تعالى بالدليل، وإن كان المحذور هو التشعب والتعصب والعداوة والبغضاء وما يفضي إليه الكلام فذلك محرم ويجب الاحتراز عنه كما أن الكبر والعجب والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه علم الحديث والتفسير والفقه وهو محرم يجب الاحتراز عنه ولكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه إليه وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة بها والبحث عنها محظوراً وقد قال الله تعالى "قل هاتوا برهانكم" وقال عز وجل "ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة" وقال تعالى "هل عندكم من سلطان بهذا" أي حجة وبرهان وقال تعالى "قل فالله الحجة البالغة" وقال تعالى "ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه - إلى قوله - فبهت الذي كفر" إذ ذكر سبحانه احتجاج إبراهيم ومجادلته وإفحامه خصمه في معرض الثناء عليه وقال عز وجل "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه" وقال تعالى "قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا" وقال تعالى في قصة فرعون "وما رب العالمين - إلى قوله - أولوا جئتك بشيء مبين" وعلى الجملة فالقرآن من أوله إلى آخره محاجة مع الكفار فعمدة أدلة المتكلمين في التوحيد قوله تعالى "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" وفي النبوة "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله" وفي البعث "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة" إلى غير ذلك من الآيات والأدلة.
ولم تزل الرسل صلوات الله عليهم يحاجون المنكرين ويجادلونهم قال تعالى "وجادلهم بالتي هي أحسن" فالصحابة رضي الله عنهم أيضاً كانوا يحاجون المنكرين ويجادلون ولكن عند الحاجة. وكانت الحاجة إليه قليلة في زمانهم وأول من سن دعوة المبتدعة بالمجادلة إلى الحق: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ بعث ابن عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج فكلمهم فقال: ما تنقمون على إمامكم? قالوا: قاتل ولم يسب ولم يغنم، فقال: ذلك في قتال الكفار! أرأيتم لو سببت عائشة رضي الله عنها في سهم أحدكم أكنتم تستحلون منها ما تستحلون من ملككم وهي أمكم في نص الكتاب? فقالوا: لا، فرجع منهم إلى الطاعة بمجادلته ألفان. وروي أن الحسن ناظر قدرياً فرجع عن القدر. وناظر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه رجلاً من القدرية. وناظر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يزيد بن عميرة في الإيمان، قال عبد الله: لو قلت إني مؤمن لقلت إني في الجنة? فقال له يزيد بن عميرة: يا صاحب رسول الله هذه زلة منك وهل الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والميزان وتقيم الصلاة والصوم والزكاة? ولنا ذنوب لو نعلم أنها تغفر لنا لعلمنا أننا من أهل الجنة، فمن أجل ذلك نقول إنا مؤمنون ولا نقول إنا من أهل الجنة. فقال ابن مسعود صدقت والله إنها مني زلة، فينبغي أن يقال كان خوضهم فيه قليلاً لا كثيراً وقصيراً لا طويلاً وعند الحاجة لا بطريق التصنيف والتدريس واتخاذه صناعة، فيقال أما قلة خوضهم فيه فإنه كان لقلة الحاجة إذا لم تكن البدعة تظهر في ذلك الزمان، وأما القصر فقد كان الغاية في إفحام الخصم واعترافه وانكشاف الحق وإزالة الشبهة، فلو طال إشكال الخصم أو لجاجه لطال لا محالة إلزامهم. وما كانوا يقدرون قدر الحاجة بميزان ولا مكيال بعد الشروع فيها "وأما عدم تصديهم للتدريس والتصنيف فيه فهكذا كان دأبهم في الفقه والتفسير والحديث أيضاً، فإن جاز تصنيف الفقه ووضع الصور النادرة التي لا تتفق إلا على الندور إما إدخار اليوم وقوعها وإن كان نادراً أو تشحيذاً للخواطر فنحن أيضاً نرتب طرق المجادلة لتوقع وقوع الحاجة بثوران شبهة أو هيجان مبتدع أو لتشحيذ أو لادخار الحجة حتى لا يعجز عنها عند الحاجة على البديهة والارتجال، كمن يعد السلاح قبل القتال ليوم القتال فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين. فإن قلت: فما المختار عندك فيه? فاعلم أن الحق فيه أن إطلاق القول بذمه في كل حال أو بحمده في كل حال خطأ بل لابد فيه من تفصيل. فاعلم أولاً أن الشيء قد يحرم لذاته كالخمر والميتة وأعني بقولي لذاته أن علة تحريمه وصف في ذاته وهو الإسكار والموت. وهذا إذا سئلنا عنه أطلقنا القول بأنه حرام ولا يلتفت إلا إباحة الميتة عند الاضطرار وإباحة تجرع الخمر إذا غص الإنسان بلقمة ولم يجد ما يسيغها سوى الخمر وإلى ما يحرم لغيره كالبيع على بيع أخيك المسلم في وقت الخيار والبيع وقت النداء، وكأكل الطين فإنه يحرم لما فيه من الإضرار وهذا ينقسم إلى ما يضر قليله وكثيره فيطلق القول عليه بأنه حرام كالسم الذي يقتل قليله وكثيره، وإلى ما يضر عند الكثرة فيطلق القول عليه بالإباحة كالعسل فإن كثيره يضر بالمجرور، وكأكل الطين.
وكأن إطلاق التحريم على الطين والخمر والتحليل على العسل التفات إلى أغلب الأحوال؛ فإن تصدى شيء تقابلت فيه الأحوال فالأولى والأبعد عن الالتباس أن يفصل فنعود إلى علم الكلام ونقول: إن فيه منفعة وفيه مضرة، فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام أما مضرته فإثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم فذلك مما يحصل في الابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الإشخاص، فهذا ضرره في الاعتقاد الحق. وله ضرر آخر في تأكيد اعتقاد المبدعة للبدعة وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ولكن هذا الضرر بواسطة التعب الذي يثور من الجدل ولذلك ترى المبتدع العامي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف في أسرع زمان إلا إذا كان نشؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب فإنه لو اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره بل الهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وفرقة المخالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إدراك الحق حتى لو قيل له: هل تريد أن يكشف الله تعالى لك الغطاء ويعرفك بالعيان أن الحق مع خصمك لكره ذلك خيفة من أن يفرح به خصمه? وهذا هو الداء العضال الذي استطار في البلاد والعباد وهو نوع فساد أثاره المجادلون بالتعصب فهذا ضرره. وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود. ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسداً، ومعارضة الفاسد بالفاسد تدفعه.
والناس متعبدون بهذه العقيدة التي قدمناها غذ ورد الشرع بها لما فيها من صلاح دينهم ودنياهم وأجمع السلف الصالح عليها والعلماء يتعبدون بحفظها على العوام من تلبيسات المبتدعة كما تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجمات الظلمة والغصاب وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر إذ لا يضعه إلا في موضعه وذلك في وقت الحاجة وعلى قدر الحاجة. وتفصيله أن العوام المشتغلين بالحرف والصناعات يجب أن يتركوا على سلامة عقائدهم التي اعتقدوها مهما تلقنوا الاعتقاد الحق الذي ذكرناه فإن تعليمهم الكلام ضرر محض في حقهم إذ ربما يثير لهم شكاً ويزلزل عليهم الاعتقاد ولا يمكن القيام بعد ذلك بالإصلاح. وأما العامي المعتقد للبدعة فينبغي أن يدعى إلى الحق بالتلطف لا بالتعصب وبالكلام اللطيف المقنع للنفس المؤثر في القلب القريب من سياق أدلة القرآن والحديث الممزوج بفن من الوعظ والتحذير فإن ذلك أنفع من الجدال الموضوع على شرط المتكلمين؛ إذ العامي إذا سمع ذلك اعتقد أنه نوع صنعة من الجدل تعلمها المتكلم ليستدرج الناس إلى اعتقاده فإن عجز عن اجلواب قدر أن المجادلين مع أهل مذهبه أيضاً يقدرون على دفعه. فالجدل مع هذا ومع الأول حرام وكذلك مع من وقع في شك إذ يجب إزالته باللطف والوعظ والأدلة القريبة المقبولة البعيدة عن تعمق الكلام. واستقصاء الجدل إنما ينفع في موضع واحد وهو أن يفرض عامي اعتقد البدعة بنوع جدله سمعه فيقابل ذلك الجدل بمثله فيعود إلى اعتقاد الحق وذلك فيمن ظهر له من الأنس بالمجادلة ما يمنعه عن القناعة بالمواعظ والتحذيرات العامية فقد انتهى هذا إلى حالة لا يشفيه منها إلا دواء الجدل فجار أن يلقى إليه. وأما في بلاد تقل فيها البدعة ولا تختلف فيها المذاهب فيقتصر فيها على ترجمة الاعتقاد الذي ذكرناه ولا يتعرض للأدلة ويتربص وقوع شبهة فإن وقعت ذكر بقدر الحاجة فإن كانت البدعة شائعة وكان يخاف على الصبيان أن يخدعوا فلا بأس أن يعلموا القدر الذي أودعناه كتاب الرسالة القدسية ليكون ذلك سبباً لدفع تأثير مجادلات المبتدعة إن وقعت إليهم وهذا مقدار مختصر وقد أودعناه هذا الكتاب لاختصاره فإن كان فيه ذكاء وتنبه بذكائه لموضع سؤال أو ثارت في نفسه شبهة فقد بدت العلة المحذورة وظهر الداء فلا بأس أن يرقى منه إلى القدر الذي ذكرناه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد - وهو قدر خمسين ورقة - وليس فيه خروج عن النظر في قواعد العقائد إلى غير ذلك من مباحث المتكلمين. فإن اقنعه ذلك كف عنه وإن لم يقنعه ذلك فقد صارت العلة مزمنة والداء غالباً والمرض سارياً فليتلطف به الطبيب بقدر إمكانه وينتظر قضاء الله تعالى فيه إلى أن ينكشف له الحق بتنبيه من الله سبحانه أو يستمر على الشك والشبهة إلى ما قدر له فالقدر الذي يحويه ذلك الكتاب وجنسه من المصنفات هو الذي يرجى نفعه. فأما الخارج منه فقسمان؛ أحدهما: بحث عن غير قواعد العقائد كالبحث عن الاعتمادات وعن الأكوان وعن الإدراكات وعن الخوض في الرؤية هل لها ضد يسمى المنع أو العمى? وإن كان فذلك واحد هو منع عن جميع ما لا يرى أو ثبت لكل مرئي يمكن رؤيته منع بحسب عدده إلى غير ذلك من الترهات المضلات. والقسم الثاني: زيادة تقرير لتلك الأدلة في غير تلك القواعد وزيادة أسئلة وأجوبة وذلك أيضاً استقصاء لا يزيد إلا ضلالاً وجهلاً في حق من لم يقنعه ذلك القدر فرب كلام يزيده الإطناب والتقرير غموضاً. ولو قال قائل: البحث عن حكم الإدراكات والاعتمادات فيه فائدة تشحيذ الخواطر. والخاطر آلة الدين كالسيف آل الجهاد فلا بأس بتشحيذه كان كقوله لعب الشطرنج يشحذ الخاطر فهو من الدين أيضاً وذلك هوس فإن الخاطر يتشحذ بسائر علوم الشرع ولا يخاف فيها مضرة فقد عرفت بهذا القدر المذموم والقدر المحمود من الكلام والحال التي يذم فيها والحال التي يحمد فيها والشخص الذي ينتفع به والشخص الذي لا ينتفع به.
فإن قلت: مهما اعترفت بالحاجة إليه في دفع المبتدعة والآن قد ثارت البدع وعمت البلوى وأرهقت الحاجة فلابد أن يصير القيام بهذا العلم من فروض الكفايات كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق كالقضاء والولاية وغيرهما? وما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك والتدريس فيه والبحث عنه لا يدوم ولو ترك بالكلية لاندرس وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة ما لم يتعلم فينبغي أن يكون التدريس فيه والبحث عنه أيضاً من فروض الكفايات بخلاف زمن الصحابة رضي الله عنهم فإن الحاجة ما كانت ماسة إليه. فاعلم أن الحق أنه لابد في كل بلد من قائم بهذا العلم مستقل يدفع شبه المبتدعة التي ثارت في تلك البلدة وذلك يدوم بالتعليم ولكن ليس من الصواب تدريسه على العموم كتدريس الفقه والتفسير فإن هذا مثل الدواء والفقه مثل الغذاء وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور لما ذكرنا فيه من أنواع الضرر. فالعالم الذي ينبغي أن يخصص بتعليم هذا العلم من فيه ثلاث خصال؛ إحداها: التجرد للعلم والحرص عليه، فإن المحترف يمنعه الشغل عن الاستتمام وإزالة الشكوك إذا عرضت. الثانية: الذكاء والفطنة والفصاحة فإن البليد لا ينتفع بفهمه والفدم لا ينتفع بحجاجه فيخاف عليه من ضرر الكلام ولا يرجى فيه نفعه. الثالثة: أن يكون في طبعه الصلاح والديانة والتقوى ولا تكون الشهوات غالبة عليه فإن الفاسق بأدنى شبهة ينخلع عن الدين فإن ذلك يحل عنه الحجر ويرفع للسد الذي بينه وبين الملاذ فلا يحرص على إزالة الشبهة بل يغتنمها ليتخلص من أعباء التكليف فيكون ما يفسده مثل هذا المتعلم أكثر مما يصلحه. وإذا عرفت هذه الانقسامات اتضح لك أن هذه الحجة المحمودة في الكلام إنما هي من جنس حجج القرآن من الكلمات اللطيفة المؤثرة في القلوب المقنعة للنفوس دون التغلغل في التقسيمات والتدقيقات التي لا يفهمها أكثر الناس وإذا فهموها اعتقدوا أنها شعوذة وصناعة تعلمها صاحبها للتلبيس، فإذا قابله مثله في الصنعة قاومه. وعرفت أن الشافعي وكافة السلف إنما منعوا عن الخوض فيه والتجرد له لما فيه من الضرر الذي نبهنا عليه. وأن ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما من مناظرة الخوارج وما نقل عن علي رضي الله عنه من المناظرة في القدر وغيره كان من الكلام الجلي الظاهر وفي محل الحاجة وذلك محمود في كل حال. نعم قد تختلف الأعصار في كثرة الحاجة وقلتها فلا يبعد أن يختلف الحكم لذلك فهذا حكم العقيدة التي تعبد الخلق بها حكم طريق النضال عنها وحفظها فأما إزالة الشبهة وكشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه وإدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة فلا مفتاح له إلا المجاهدة وقمع الشهوات والإقبال بالكلية على الله تعالى وملازمة الفكر الصافي عن شوائب المجادلات وهي رحمة من الله عز وجل تفيض على من يتعرض لنفحاتها بقدر الرزق وبحسب التعرض وبحسب قبول المحل وطهارة القلب وذلك البحر الذي لا يدرك غوره ولايبلغ ساحله مسألة فإن قلت: هذا الكلام يشير إلى أن هذه العلوم لها ظواهر وأسرار وبعضها جلي يبدو أولاً وبعضها خفي يتضح بالمجاهدة والرياضة والطلب الحثيث والفكر الصافي والسر الخالي عن كل شيء من أشغال الدنيا سوى المطلوب وهذا يكاد يكون مخالفاً للشرع إذ ليس للشرع ظاهر وباطن وسر وعلن بل الظاهر والباطن والسر والعلن واحد فيه? فاعلم أن انقسام هذه العلوم إلى خفية وجلية لا ينكرها ذو بصيرة وإنما ينكرها القاصرون الذي تلقفوا في أوائل الصبا شيئاً وجمدوا عليه فلم يكن لهم ترق إلى شأو العلا ومقامات العلماء والأولياء وذلك ظاهر من أدلة الشرع قال ﷺ "إن للقرآن ظاهراً وباطناً وحداً ومطلقعاً" وقال علي رضي الله عنه - وأشار إلى صدره - إن ههنا علوماً جمة لو وجدت لها حملة. وقال ﷺ "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم" وقال ﷺ "ما حدث أحد قوماً بحديث لم تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم" وقال الله تعالى "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون" وقال ﷺ "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون بالله تعالى" الحدث إلى آخره كما أوردناه في كتاب العلم. وقال ﷺ "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" فليت شعري إن لم يكن ذلك سراً منع من إفشائه لقصور الأفهام عن إدراكه أو لمعنى آخر فلم لم يذكره لهم ولاشك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم? وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل "الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن" لو ذكرت تفسيره لرجمتموني. وفي لفظ آخر: لقلتم إنه كافر، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله ﷺ "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بسر وقر في صدره" رضي الله عنه ولا شك في أن ذلك السر كان متعلقاً بقواعد الدين غير خارج منها وما كان من قواعد الدين لم يكن خافياً بظواهره على غيره، وقال سهل التستري رضي الله عنه: للعالم ثلاثة علوم: علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر وعلم باطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله وعلم هو بينه وبين الله تعالى لا يظهره لأحد. وقال بعض العارفين: إفشاء سر الربوبية كفر. وقال بعضهم: للربوبية سر لو أظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام، وهذا القائل إن لم يرد بذلك بطلان النبوة في حق الضعفاء لقصور فهمهم فما ذكره ليس بحق بل الصحيح أنه لا تناقض فيه وأن الكامل من لا يطفي نور معرفته نور ورعه، وملاك الورع النبوة مسألة فإن قلت: هذه الآيات والأخبار يتطرق إليها تأويلات فبين لنا كفيفة اختلاف الظاهر والباطن فإن الباطن إن كان مناقضاً للظاهر ففيه إبطال الشرع، وهو قول من قال: إن الحقيقة خلاف الشريعة وهو كفر لأن الشريعة عبارة عن الظاهر والحقيقة عبارة عن الباطن وإن كان لا يناقضه ولا يخالفه فهو هو فيزول به الانقسام ولا يكون للشرع سر لا يفشى بل يكون الخفي والجلي واحد? فاعلم أن هذا السؤال يحرك خطباً عظيماً وينجر إلى علوم المكاشفة ويخرج عن مقصود علم المعاملة وهو غرض هذه الكتب فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال القلوب وقد تعبدنا بتلقينها بالقبول والتصديق بعقد القلب عليها لا بأن يتوصل إلى أن ينكشف لنا حقائقها فإن ذلك لم يكلف به كافة الخلق ولولا أنه من الأعمال لما أوردناه في هذا الكتاب، ولولا أنه عمل ظاهر القلب لا عمل باطنه لما أوردناه في الشطر الأول من الكتاب وإنما الكشف الحقيقي هو صفة سر القلب وباطنه ولكن إذا انجر الكلام إلى تحريك خيال في مناقضة الظاهر للباطن فلابد من كلام وجيز في حله. فمن قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان بل الأسرار التي يختص بها المقربون بدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها ويمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام: القسم الأول: أن يكون الشيء في نفسه دقيقاً تكل أكثر الأفهام عن دركه فيختص بدركه الخواص وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله فيصير ذلك فتنة عليهم حيث تقصر أفهامهم عن الدرك. وإخفاء سر الروح وكف رسول الله ﷺ عن بيانه من هذا القسم فإن حقيقته بما تكل الأفهام عن دركه وتقصر الأوهام عن تصور كنهه. ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفاً لرسول الله ﷺ فإن من لم يعرف الروح فكأنه لم يعرف نفسه ومن لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربه سبحانه? ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفاً لبعض الأولياء والعلماء وإن لم يكونوا أنبياء ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع فيسكتون عما سكت عنه بل في صفات الله عز وجل من الخفايا ما تقصر أفهام الجماهير عن دركه ولم يذكر رسول الله ﷺ منها إلا الظواهر للأفهام من العلم والقدرة وغيرهما حتى فهمها الخلق بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم إذ كان لهم من الأوصاف ما يسمى علماً وقدرة فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة. ولو ذكر من صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء لم يفهموه، بل لذة الجماع إذا ذكرت للصبي أو العنين لم يفهمها إلا بمناسبة إلى لذة المطعوم الذي يدركه ولا يكون ذلك فهماً علىالتحقق. والمخالفة بين علم الله تعالى وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل. وبالجملة فلا يدرك الإنسان إلا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال أو مما كانت له من قبل ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره ثم قد يصدق بأن بينهما تفاوتاً في الشرف والكمال فليس في قوة البشر إلا أن يثبت لله تعالى ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق بأن ذلك أكمل وأشرف فيكون معظم تحريمه على صفات نفسه لا على ما اختص الرب تعالى به من الجلال. ولذلك قال ﷺ "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وليس المعنى أني أعجز عن التعبير عما أدركته بل هو اعتراف بالقصور عن إدراك كنه جلاله. ولذلك قال بعضهم: ما عرف الله بالحقيقة سوى الله عز وجل. وقال الصديق رضي الله عنه: الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط ولنرجع إلى الغرض وهو أن أحد الأقسام ما تكل الأفهام عن إدراكه ومن جملته الروح ومن جملته بعض صفات الله تعالى. ولعل الإشارة إلى مثله في قوله ﷺ "إن لله سبحانه وتعالى سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره" القسم الثاني: من الخفيات التي تمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه لكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر بالأنبياء والصديقين. وسر القدر الذي منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم، فلا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضراً ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش وكما تضر رياح الورد بالجعل، وكيف يبعد هذا وقولنا إن الكفر والزنا والمعاصي والشرور كله بقضاء الله تعالى وإرادته ومشيئته حق في نفسه وقد أضر سماعه بقوله إذ أوهم ذلك عندهم أنه دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح والظلم? وقد ألحد ابن الراوندي وطائفة من المخذولين بمثل ذلك. وكذلك سر القدر لو أفشي لأوهم عند أكثر الخلق عجزاً إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل ذلك الوهم عنهم، ولو قال قائل: إن القيامة لو ذكر ميقاتها وأنها بعد ألف سنة أو أكثر أو أقل لكان مفهوماً ولكن لم يذكر لمصلحة العباد وخوفاً من الضرر فلعل المدة إليها بعيدة فيطول الأمد، وإذا استبطأت النفوس وقت العقاب قل اكتراثها ولعلها كانت قريبة في علم الله سبحانه ولو ذكرت لعظم الخوف وأعرض الناس عن الأعمال وخربت الدنيا، فهذا المعنى لو اتجه وصح فيكون مثالاً لهذا القسم
القسم الثالث: أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحاً لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب وله مصلحة في أن يعظم وقت ذلك الأمر في قلبه، كما لو قال قائل؛ رأيت فلاناً يقلد الدر في أعناق الخنازير؛ فكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها فالمستمع قد يسبق إلى فهمه ظاهر اللفظ، والمحقق إذا نظر وعلم أن ذلك الإنسان لم يكن معه در ولا كان في موضعه خنزير تفطن لدرك السر والباطن فيتفاوت الناس في ذلك، ومن هذا قال الشاعر:
رجلان خياط وآخر حائك
متقابلان على السماك الأعزل
لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر
ويخيط صاحبه ثياب المقبل
فإنه عبر عن سبب سماوي في الإقبال والإدبار برجلين صانعين وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله، ومنه قوله ﷺ "إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة على النار" وأنت ترى أن ساحة المسجد لا تنقبض بالنخامة، ومعناه أن روح المسجد كونه معظماً ورمي النخامة فيه تحقير له فيضاد معنى المسجدية مضادة النار لاتصال أجزاء الجلدة، وكذلك قوله ﷺ "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول رأسه رأس حمار" وذلك من حيث الصورة لم يكن قط ولا يكون؛ ولكن من حيث المعنى هو كائن إذ رأس الحمار لم يكن بحقيقته لكونه وشكله بل بخاصيته وهي البلادة والحمق، ومن رفع رأسه قبل الإمام فقد صار رأسه رأس حمار في معنى البلادة والحمق وهو المقصود دون الشكل الذي هو قالب المعنى. إذ من غاية الحمق أن يجمع بين الاقتداء وبين التقدم فإنهما متناقضان. وإنما يعرف أن هذا السر على خلاف الظاهر إما بدليل عقلي أو شرعي، أما العقلي فأن يكون حمله على الظاهر غير ممكن كقوله ﷺ "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" إذ لو فتشنا عن قلوب المؤمنين لم نجد فيها أصابع فعلم أنها كناية عن القدرة التي هي سر الأصابع وروحها الخفي، وكنى بالأصابع عن القدرة لأن ذلك أعظم وقعاً في تفهم تمام الاقتدار. ومن هذا القبيل في كنايته عن الاقتدار قوله تعالى "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" فإن ظاهره ممتنع إذ قوله "كن" إن كان خطاباً للشيء قبل وجوده فهو محال إذا المعدوم لا يفهم الخطاب حتى يمثل وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين. ولكن لما كانت هذه الكناية أوقع في النفوس في تفهيم غاية الاقتدار عدل إليها وأما المدرك بالشرع فهو أن يكون إجراؤه على الظاهر ممكناً ولكنه يروا أنه أريد به غير الظاهر كما ورد في تفسير قوله تعالى "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها" الآية أن معنى الماء ههنا هو القرآن ومعنى الأودية هي القلوب وأن بعضها احتملت شيئاً كثيراً وبعضها قليلاً وبعضها لم يحتمل. والزبد مثل الكفر والنفاق فإنه وإن ظهر وطفا على رأس الماء فإنه لا يثبت والهداية التي تنفع الناس تمكث. وفي هذا القسم تعمق جماعة فأولوا ما ورد في الآخرة من الميزان والصراط وغيرهما وهو بدعة إذ لم ينقل ذلك بطريق الرواية وإجراؤه على الظاهر غير محال فيجب إجراؤه على الظاهر. القسم الرابع: أن يدرك الإنسان الشيء جملة ثم يدركه تفصيلاً بالتحقيق والذوق بأن يصير حالاً ملابساً له فيتفاوت العلمان ويكون الأول كالقشر والثاني كاللباب، والأول كالظاهر والثاني كالباطن. وذلك كما يتمثل للإنسان في عينه في الظلمة أو على البعد فيحصل له نوع علم فإذا رآه بالقرب أو بعد زوال الظلام أدرك تفرقة بينهما، ولا يكون الأخير ضد الأول بل هو استكمال له. فكذلك العلم والإيمان والتصديق، إذ قد يصدق الإنسان بوجود العشق والمرض والموت قبل وقوعه ولكن تحققه به عند الوقوع أكمل من تحققه قبل الوقوع بل للإنسان في الشهوة والعشق وسائر الأحوال ثلاثة أحوال متفاوتة وإدراكات متباينة، الأول: تصديقه بوجوده قبل وقوعه. والثاني. عند وقوعه. والثالث: بعد تصرمه. فإن تحققك بالجوع بعد زواله يخالف التحقيق قبل الزوال وكذلك من علوم الدين ما يصير ذوقاً فيكمل فيكون ذلك كالباطن بالإضافة إلى ما قبل ذلك، ففرق بين علم المريض بالصحة وبين علم الصحيح بها. ففي هذه الأقسام الأربعة تتفاوت الخلق وليس في شيء منها باطن يناقض الظاهر بل يتممه ويكمله كما يتمم اللب القشر والسلام. الخامس: أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال فالقاصر الفهم يقف على الظاهر ويعتقده نطقاً، والبصير بالحقائق يدرك السر فيه وهذا كقول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني? قال: سل من يدقني فلم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي? فهذا تعبير عن لسان الحال بلسان المقال، ومن هذا قوله تعالى "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فالبليد يفتقر في فهمه إلى أن يقدر لهما حياة وعقلاً وفهماً للخطاب وخطاباً هو صوت وحرف تسمعه السماء والأرض فتجيبان بحرف وصوت وتقولان "أتينا طائعين" والبصير يعلم أن ذلك لسان الحال وأنه إنباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين إلى التسخير. ومن هذا قوله تعالى "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" فالبليد يفتقر فيه إلى أن يقدر للجمادات حياة وعقلاً ونطقاً بصوت وحرف حتى يقول "سبحان الله" ليتحقق تسبيحه. والبصير يعلم أنه ما أريد به نطق اللسان بل كونه مسبحاً بوجوده ومقدساً بذاته وشاهداً بوحدانية الله سبحانه كما يقال: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد وكما يقال: هذه الصنعة المحكمة تشهد لصانعها بحسن التدبير وكمال العلم لا بمعنى أنها تقول أشهد بالقول ولكن بالذات والحال. وكذلك ما من شيء إلا وهو محتاج في نفسه إلى موجد يوجده ويبقيه ويديم أوصافه ويردده في أطواره فهو بحاجته يشهد لخالقه بالتقديس يدرك شهادته ذوو البصائر دون الجامدين على الظواهر. ولذلك قال تعالى "ولكن لا تفقهون تسبيحهم" وأما القاصرون فلا يفقهون أصلاً وأما المقربون والعلماء الراسخون فلا يفقهون كنهه وكماله إذ لكل شيء شهادات شتى على تقديس الله سبحانه وتسبيحه، ويدرك كل واحد بقدر عقله وبصيرته، وتعداد تلك الشهادات لا يليق بعلم المعاملة. فهذا الفن أيضاً مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر به مفارقة الباطن للظاهر. وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف واقتصاد فمن مسرف في رفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر والبراهين أو أكثرها حتى حملوا قوله تعالى "وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم" وقوله تعالى "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء" وكذلك المخاطبات التي يجري من منكر ونكير وفي الميزان والصراط والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة في قولهم "أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله" زعموا أن ذلك كله بلسان الحال. وغلا آخرون في حسم الباب منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه حتى منع تأويل قوله "كن فيكون" وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كون مكون حتى سمعت بعض أصحابه يقول؛ إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله ﷺ "الحجر الأسود يمين الله في أرضه" وقوله ﷺ "قلب المؤمنين بين أصبعين من أصابع الرحمن" وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر. والظن بأحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار والنزول ليس هو الانتقال ولكنه منع من التأويل حسماً للباب ورعاية لصلاح الخلق. فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج الأمر عن الضبط وجاوز حد الاقتصاد إذ حد ما جاوز الاقتصاد لا ينضبط فلا بأس بهذا الزجر ويشهد له سيرة السلف فإنهم كانوا يقولون: أمروها كما جاءت "حتى قال مالك رحمه الله لما سئل عن الاستواه: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وذهبت طائفة إلى الاقتصاد وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله سبحانه وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل فيه وهم الأشعرية. وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفاته تعالى الرؤية وأولوا كونه سميعاً بصيراً وأولوا المعراج وزعموا أنه لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان والصراط وجملة من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة، وبالنار واشتمالها على جسم محسوس يحرق بحرق الجلود ويذيب الشحوم. ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة وردوه إلى آلام عقلية وروحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدرك بالحس وهؤلاء هم المسرفون. وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قروره وما خالف أولوه. فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم ولا يتعين له موقف. والألبق بالمقتصر على السمع المجرد: مقام أحمد بن حنبل رحمه الله. والآن فكشف الغطاء عن حد الاقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة والقول فيه يطول فلا نخوض فيه؛ والغرض بيان موافقة الباطن الظاهر وأنه غير مخالف له فقد انكشف بهذه الأقسام الخمسة أمور كثيرة. وإذا رأينا أن نقتصر بكافة العوام على ترجمة العقيدة التي حررناها وأنهم لا يكلفون غير ذلك في الدرجة الأولى إلا إذا كان خوف تشويش لشيوع البدعة فيرقى في الدرجة الثانية إلى عقيدة فيها لوامع من الأدلة مختصرة من غير تعمق. فلنورد في هذا الكتاب تلك اللوامع ولنقتصر فيها على ما حررناه لأهل القدس وسميناه الرسالة القدسية في قواعد العقائد وهي مودعة في هذا الفصل الثالث من هذا الكتاب.
===
إحياء علوم الدين/كتاب قواعد العقائد/الفصل الثالث
الفصل الثالث
في لوامع الأدلة للعقيدة
التي ترجمناها بالقدس فنقول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ميز عصابة السنة بأنواراليقين وآثر رهط الحق بالهداية إلى دعائم الدين وجنبهم زيغ الزائغين وضلال الملحدين ووفقهم للاقتداء بسيد المرسلين وسددهم للتأسي بصحبة الأكرمين ويسر لهم اقتفاء آثار السلف الصالحين حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين، فجمعوا بالقول بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول، وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ليس له طائل ولا محصول إن لم تتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة من الأقطاب والأصول، وعرفوا أن كلمتي الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول، وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة ويدور كل ركن منها على عشرة أصول الركن الأول في معرفة ذات الله تعالى ومداره على عشرة أصول: وهي العلم بوجود الله تعالى وقدمه وبقائه وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وأنه سبحانه ليس مختصاً بجهة ولا مستقراً على مكان وأنه يرى وأنه واحد الركن الثاني في صفاته ويشتمل على عشرة أصول: وهو العلم بكونه حياً عالماً قادراً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً منزهاً عن حلول الحوادث وأنه قديم الكلام والعلم والإرادة الركن الثالث في أفعاله تعالى ومداره على عشرة أصول: وهي أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأنها متكتسبة للعباد وأنه مرادة لله تعالى وأنه متفضل بالخلق والاختراع وأن له تعالى تكليف ما لا يطاق، وأن له إيلام البريء ولا يجب عليه رعاية الأصلح، وأنه لا واجب إلا بالشرع وأن بعثه الأنبياء جائز وأن نبوة نبينا محمد ﷺ ثابتة مؤيدة بالمعجزة الركن الرابع في السمعيات ومداره على عشرة أصول: وهي إثبات الحشر والنشر وسؤال منكر ونكير وعذاب القبر والميزان والصراط وخلق الجنة والنار وأحكام الإمامة وأن فضل الصحابة على حسب ترتيبهم وشروط الإمامة.
فأما الركن الأول من أركان الإيمان
في معرفة ذات الله سبحانه وتعالى
وأن الله تعالى واحد ومداره على عشرة أصول
الأصل الأول معرفة وجوده تعالى وأول ما يستضاء به من الأنوار ويسلك من طريق الاعتبار ما أرشد إليه القرآن فليس بعد بيان الله سبحانه بيان وقد قال تعالى "ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وجعلنا سراجاً وهاجاً وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً لنخرج به حباً ونباتاً وجنات ألفافاً" وقال تعالى "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون" وقال تعالى "ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً" وقال تعالى "أفرأيتم ما تمنون ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون" إلى قوله "للموقين" فليس يخفى على من معه أدنى مسكة من عقل إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآيات وأدار نظره على عجائب خلق الله في الأرض والسموات وبدائع فطرة الحيوان والنبات أن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره؛ بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصرفة بمقتضى تدبيره. ولذلك قال الله تعالى "أفي الله شك فاطر السموات والأرض" ولهذا بعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا "لا إله إلا الله" وما أمروا أن يقولوا لنا إله وللعالم إله. فإن ذلك كان مجبولاً في فطرة عقولهم من مبدإ نشوهم وفي عنفوان شبابهم. ولذلك قال عز وجل "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله" وقال تعالى "فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم" فإذاً في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان. ولكنا على سبيل الاستظهار والاقتداء بالعلماء النظار نقول: من بدائة العقول أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه، والعالم حادث فإذاً لا يستغني في حدوثه عن سبب. أما قولنا "إن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب" فجلي فإن كل حادث مختص بوقت يجوز في العقل تقدير تقديمه وتأخيره فاختصاصه بوقته دون ما قبله وما بعده يفتقر بالضرورة إلى المخصص وأما قولنا "العالم حادث" فبرهانه أن أجسام العالم لا تخلو عن الحركة والكون وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ففي هذا البرهان ثلاث دعاوى؛ الأولى: قولنا إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهذه مدركة بالبديهة والاضطرار فلا يحتاج فيها إلى تأمل وافتكار فإن من عقل جسماً لا ساكناً ولا متحركاً كان لمتن الجهل راكباً وعن نهج العقل ناكباً. الثانية: قولنا إنهما حادثان ويدل على ذلك تعاقبهما ووجود البعض منهما بعد البعض وذلك مشاهدة في جميع الأجسام ما شوهد منها وما لم يشاهد فما من ساكن إلا والعقل قاض بجواز حركته وما من متحرك إلا والعقل قاض بجواز سكونه فالطارىء منهما حادث لطريانه والسابق حادث لعدمه؛ لأنه لو ثبت قدمه لاستحال عدمه - على ما سيأتي بيانه وبرهانه في إثبات بقاء الصانع تعالى وتقدس - الثالثة: قولنا ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبرهانه أنه لو لم يكن كذلك لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها ولو لم تنقض تلك الحوادث بجملتها لا تنتهي النوبة إلى وجود الحادث الحاضر في الحال وانقضاء ما لا نهاية له محال، ولأنه لو كان للفلك دورات لا نهاية لها لكان لا يخلو عددها عن أن تكون شفعاً أو وتراً أو شفعاً ووتراً جميعاً أو لا شفعاً ولا وتراً، ومحال أن يكون شفعاً ووتراً جميعاً أو لا شفعاً ولا وتراً. فإن ذلك جمع بين النفي والإثبات؛ إذ في إثبات أحدهما نفي الآخر وفي نفي أحدهما إثبات الآخر. ومحال أن يكون شفعاً لأن الشفع يصير وتراً بزيادة واحد. وكيف يعوز ما لا نهاية له: واحد? ومحال أن يكون وتراً إذ الوتر يصير شفعاً بواحد فكيف يعوزها واحد مع أنه لا نهاية لأعدادها. ومحال أن يكون لا شفعاً ولا وتراً إذ له نهاية. فتحصل من هذا أن العالم لا يخلو عن الحوادث. وما لا يخلو عن الحوادث فهو إذن حادث وإذا ثبت حدوثه كان افتقاره إلى المحدث من المدركات بالضرورة الأصل الثاني العلم بأن الله تعالى قديم لم يزل، أزلي ليس لوجوده أول بل هو أول كل شيء وقبل كل ميت وحي. وبرهانه أنه لو كان حادثاً ولم يكن قديماً لافتقر هو أيضاً إلى محدث وافتقر محدثه إلى محدث وتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية، وما تسلسل لم يتحصل أو ينتهي إلى محدث قديم هو الأول وذلك هو المطلوب الذي سميناه صانع العالم ومبدئه وبارئه ومحدثه ومبدعه الأصل الثالث العلم بأنه تعالى مع كونه أزلياً أبدياً ليس لوجوده آخر فهو الأول والآخر والظاهر والباطن لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، وبرهانه أنه لو انعدم لكان لا يخلو إما أن ينعدم بنفسه أو بمعدم يضاده ولو جاز أن ينعدم شيء يتصور دوامه لجاز أن يوجد شيء يتصور عدمه بنفسه فكما يحتاج طريان الوجود إلى سبب فكذلك يحتاج طريان العدم إلى سبب. وباطل أن ينعدم بمعدم يضاده لأن ذلك المعدم لو كان قديماً لما تصور الوجود معه. وقد ظهر بالأصلين السابقين وجوده وقدمه فكيف كان وجوده في القدم ومعه ضده? فإن كان الضد المعدم حادثاً كان محالاً؛ إذ ليس الحادث في مضادته للقديم حتى يقطع وجوده بأولى من القديم في مضادته للحادث حتى يدفع وجوده، بل الدفع أهون من القطع والقديم أقوى وأولى من الحادث الأصل الرابع العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيز بل يتعالى ويتقدس عن مناسبة الحيز. وبرهانه أن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيزه ولا يخلو من أن يكون ساكناً فيه أو متحركاً عنه، فلا يخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ولو تصور جوهر متحيز قديم لكان يعقل قدم جواهر العالم فإن سماه مسم جوهراً ولم يرد به المتحيز كان مخطئاً من حيث اللفظ لا من حيث المعنى الأصل الخامس العلم بأنه تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر. إذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر، وإذا بطل كونه جوهراً مخصوصاً بحيز بطل كونه جسماً لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار وهذه سمات الحدوث. ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الإلهية للشمس والقمر أو لشيء آخر من أقسام الأجسام. فإن تجاسر متجاسر على تسميته تعالى جسماً من غير إرادة التأليف من الجواهر كان ذلك غلطاً في الاسم مع الإصابة في نفي معنى الجسم الأصل السادس العلم بأنه تعالى ليس بعرض قائم بجسم أو حال في محل لأن العرض ما يحل في الجسم، فكل جسم حادث لا محالة ويكون محدثه موجوداً قبله. فكيف يكون حالاً في الجسم وقد كان موجوداً في الأزل وحده وما معه غيره، ثم أحدث الأجسام والأعراض بعده? ولأنه عالم قادر مريد خالق - كما سيأتي بيانه - وهذه الأوصاف تستحيل على الأعراض بل لا تعقل إلا لموجود قائم بنفسه مستقل بذاته. وقد تحصل من هذه الأصول أنه موجود قائم بنفسه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض. وأن العالم كله جواهر وأعراض وأجسام فإذا لايشبه شيئاً ولا يشبهه شيء بل هو الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء وأنى يشبه المخلوق خالقه والمقدور مقدره والمصور مصوره. والأجسام والأعراض كلها من خلقه وصنعه فاستحال القضاء عليها بمماثلته ومشابهته الأصل السابع العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلاً، والآخر يقابله ويسمى رأساً. فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرجل حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتاً وإن كان في حقنا فوقاً. وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يميناً والأخرى شمالاً، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرك إليه فحدث اسم القدام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة بل خلق مستديراً كالكرة لم يكن لهذه الجهات وجود ألبتة. فكيف كان في الأزل مختصاً بجهة والجهة حادثة? وكيف صار مختصاً بجهة بعد أن لم يكن له? أبأن خلق العالم فوقه ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس أو خلق العالم تحته فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرجل؛ وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصاً بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض وقد ظهر استحالة كونه جوهراً أو عرضاً فاستحال كونه مختصاً بالجهة؛ وإن أريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطاً في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذياً له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء. وفيه أيضاً إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء تنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء الأصل الثامن العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراد الله تعالى بالاستواء وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن "ثم استوى إلى السماء وهي دخان" وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما التأويل كما اضطر أهل الباطن إلى تأويل قوله تعالى "وهو معكم أينما كنتم" إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم، وحمل قوله ﷺ "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" على القدرة والقوة، وحمل قوله ﷺ "الحجر الأسود يمين الله في أرضه" على التشريف والإكرام لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسماً مماساً للعرش إما مثله أو أكبر منه أو أصغر وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال الأصل التاسع العلم بأنه تعالى مع كونه منزهاً عن الصورة والمقدار مقدساً عن الجهات والأقطار مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار لقوله تعالى "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" ولا يرى في الدنيا تصديقاً لقوله عز وجل "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السلام "لن تراني" وليت شعري كيف عرف المعتزل من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السلام? وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية مع كونها محالاً? ولعل الجهل بذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل بالأنبياء صلوات الله عليهم، وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال، فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة، وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق وليس في مقابلتهم جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة، وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك الأصل العاشر العلم بأن الله عز وجل واحد لا شريك له فرد لا ند له انفرد بالخلق والإبداع واستند بالإيجاد والاختراع لا مثل له يساهمه ويساويه ولا ضد له فينازعه ويناويه: وبرهانه قوله تعالى "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" وبيانه أنه لو كان اثنين وأراد أحدهما أمراً فالثاني إن كان مضطراً إلى مساعدته كان هذا الثاني مقهوراً عاجزاً ولم يكن إلهاً قادراً، وإن كان قادراً على مخالفته ومدافعته كان الثاني قوياً قاهراً والأول ضعيفاً قاصراً ولم يكن إلهاً قادراً
الركن الثاني
العلم بصفات الله تعالى
ومداره على عشرة أصول
الأصل الأول العلم بأن صانع العالم قادر وأنه تعالى في قوله "وهو على كل شيء قدير" صادق لأن العالم محكم في صنعته مرتب في خلقته ومن رأى ثوباً من ديباج حسن النسج والتأليف متناسب التطريز والتطريف ثم توهم صدور نسجه عن ميت لا استطاعة له أو عن إنسان لا قدرة له كان منخلعاً عن غريزة العقل ومنخرطاً في سلك أهل الغباوة والجهل الأصل الثاني العلم بأنه تعالى عالم بجميع الموجودات ومحيط بكل المخلوقات "لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء" صادق في قوله "وهو بكل شيء عليم" ومرشد إلى صدقه بقوله تعالى "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" أرشدك إلى الاستدلال بالخلق على العلم بأنك لا تستريب في دلالة الخلق اللطيف والصنع المزين بالترتيب ولو في الشيء الحقير الضعيف على علم الصانع بكيفية الترتيب والترصيف فما ذكره الله سبحانه هو المنتهى في الهداية والتعريف الأصل الثالث العلم بكونه عز وجل وحيا فإن من ثبت علمه وقدرته ثبت بالضرورة حياته ولو تصور قادر وعالم فاعل مدبر دون أن يكون حيا لجاز أن يشك في حياة الحيوانات عند ترددها في الحركات والسكنات بل في حياة أرباب الحرف والصناعات وذلك انغماس في غمرة الجهالات والضلالات الأصل الرابع العلم بكونه تعالى مريداً لأفعاله فلا موجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته فهو المبدىء المعيد والفعال لما يريد وكيف لا يكون مريداً وكل فعل صدر منه أمكن أن يصدر منه ضده? وما لا ضد له أمكن أن يصدر منه ذلك بعينه قبله أو بعده. والقدرة تناسب الضدين والوقتين مناسبة واحدة فلابد من إرادة صارفة للقدرة إلى أحد المقدورين. ولو أغنى العلم عن الإرادة في تخصيص المعلوم حتى يقال إنما وجد في الوقت الذي سبق بوجوده لجاز أن يغني عن القدرة حتى يقال وجد بغير قدرة لأنه سبق العلم بوجوده فيه الأصل الخامس العلم بأنه تعالى سميع بصير لا يعزب عن رؤيته هواجس الضمير وخفايا الوهم والتفكير ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء: وكيف لا يكون سميعاً بصيراً والسمع والبصر كمال لا محالة وليس بنقص? فكيف يكون المخلوق أكمل من الخالق والمصنوع أسنى وأتم من الصانع? وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته أو كيف تستقيم حجة إبراهيم ﷺ على أبيه إذ كان يعبد الأصنام جهلاً وغياً فقال له "لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً" ولو انقلب ذلك عليه في معبوده لأضحت حجته داحضة ودلالته ساقطة ولم يصدق قوله تعالى "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه" وكما عقل كونه فاعلاً بلا جارحة وعالماً بلا قلب ودماغ فليعقل كونه بصيراً بلا حدقة وسميعاً بلا اذن إذ لا فرق بينهما الأصل السادس أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره. والكلام بالحقيقة كلام النفس وإنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم: إن الكلام لفي الفؤاد وإنـمـا جعل اللسان على الفؤاد دليلا ومن لم يعقله عقله ولا نهاه نهاه عن أن يقول: لساني حادث ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم، فاقطع عن عقلة طمعك وكف عن خطابه لسانك. ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء. وأن الباء قبل السين في قولك بسم الله فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديماً فنزه عن الالتفات إليه قلبك فلله سبحانه سر في إبعاد بعض العباد "ومن يضلل الله فما له من هاد" ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون: وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر. وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات. وإن عقل كون السموات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة من غير أن تحل ذات السموات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة فليعقل كون الكلام مقروءاً بالألسنة محفوظاً في القلوب مكتوباً في المصاحف من غير حلول ذات الكلام فيها إذ لو حلت بكتاب الله ذات الكلام في الورق لحل ذات الله تعالى بكتابة اسمه في الورق وحلت ذات النار بكتابه اسمها في الورق ولاحترق الأصل السابع أن الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن يكون محلاً للحوادث داخلاً تحت التغير بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل في قدمه موصوفاً بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزهاً عن تغير الحالات لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وإنما ثبت نعت الحدوث للأجسام من حيث تعرضها للتغير وتقلب الأوصاف فكيف يكون خالقها مشاركاً لها في قبول التغير? وينبني على هذا أن كلامه قديم قائم بذاته وإنما الحادث هي الأصوات الدالة عليه، وكما عقل قيام طلب التعلم وإرادته بذات الوالد للولد قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده وعقل وخلق الله علماً متعلقاً بما في قلب أبيه من الطلب صار مأموراً بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده له فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل "اخلع نعليك" بذات الله ومصير موسى عليه السلام مخاطباً به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب وسمع لذلك الكلام القديم الأصل الثامن أن علمه قديم فلم يزل عالماً بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته. ومهما حدثت المخلوقات لم يحدث له علم بها بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي إذ لو خلق لنا علم به بقدوم زيد عند طلوع الشمس ودام ذلك العلم تقديراً حتى طلعت الشمس لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوماً لنا بذلك العلم من غير تجدد علم آخر. فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم الله تعالى الأصل التاسع أن إرادته قديمة وهي في القدم تعلقت بإحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي إذ لو كانت حادثة لصار محل الحوادث، ولو حدثت في غير ذاته لم يكن هو مريداً لها كما لا تكون أنت متحركاً بحركة ليست في ذاتك وكيفما قدرت فيفتقر حدوثها إلى إرادة أخرى، وكذلك الإرادة الأخرى تفتقر إلى أخرى ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية، ولو جاز أن يحدث إرادة بغير إرادة لجاز أن يحدث العالم بغير إرادة الأصل العاشر أن الله تعالى عالم بعلم، حي بحياة، قادر بقدرة، ومريد بإرادة، ومتكلم بكلام، وسميع بسمع، وبصير ببصر، وله هذه الأوصاف من هذه الصفات القديمة. وقول القائل: عالم بلا علم كقوله: غني بلا مال وعلم بلا عالم وعالم بلا معلوم، فإن العلم والمعلوم والعالم متلازمة كالقتل والمقتول والقاتل، وكما لا يتصور قاتل بلا قتل ولا قتيل ولا يتصور قتيل بلا قاتل ولا قتل كذلك لا يتصور عالم بلا علم ولا علم بلا معلوم ولا معلوم بلا عالم بل هذه الثلاثة متلازمة في العقل لا ينفك بعض منها عن البعض فمن جوز انفكاك العلام عن العلم فليجوز انفكاكه عن المعلوم وانفكاك العلم عن العالم إذ لا فرق بين هذه الأوصاف.
الركن الثالث
العلم بأفعال الله تعالى
ومداره على عشرة أصول
الأصل الأول العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله وخلقه واختراعه لا خالق له سواه ولا محدث له إلا إياه. خلق الخلق وصنعهم وأوجد قدرتهم وحركتهم فجميع أفعاله عبادة مخلوقة له ومتعلقة بقدرته تصديقاً له في قوله تعالى "الله خالق كل شيء" وفي قوله تعالى "والله خلقكم وما تعملون" وفي قوله تعالى "وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" أمر العباد بالحرز في أقوالهم وأفعالهم وإسرارهم وإضمارهم لعلمه بموارد أفعالهم. واستدل على العلم بالخلق، وكيف لا يكون خالقاً لفعل العبد وقدرته تامة لا قصور فيها وهي متعلقة بحركة أبدان العباد والحركات متماثلة وتعلق القدرة بها لذاتها فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها? أو كيف يكون الحيوان مستبداً بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب? هيهات هيهات! ذلت المخلوقات وتفرد بالملك والملكوت جبار الأرض والسموات الأصل الثاني أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعاً وخلق الاختيار والمختار جميعاً.
فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له. وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة فتسمى باعتبار تلك النسبة كسباً" وكيف تكون جبراً محضاً وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية? أو كيف يكون خلقاً للعبد وهو لا يحيط علماً بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها وإذا يطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعليق يعبر عنه بالاكتساب. وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط؛ إذ قدرة الله تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلاً بها وهي عند الاختراع متعلقة به نوعاً آخر من التعلق فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها الأصل الثالث أن فعل العبد وإن كان كسباً للعبد فلا يخرج عن كونه مراداً لله سبحانه. فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء الله وقدرته وبإرادته ومشيئته. ومنه الشر والخير والنفع والضر والإسلام والكفر والعرفان والنكر والفوز والخسران والغواية والرشد والطاعة والعصيان والشرك والإيمان لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه يضل من يشاء ويهدي من يشاء "لا يسئل عما يفعل وهم يسألون" ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة "ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن"وقول الله عز وجل "أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً" وقوله تعالى "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصي والجرئام إن كان الله يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله مع أنه عدو لله سبحانه، والجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى فليت شعري كيفي يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لو ردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها؛ إذ لو كان ما يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته وتبرأ عن ولايته. والمعصية هي الغالبة على الخلق وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى وهذا غاية الضعف والعجز، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علواً كبيراً. ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح أنها مرادة له. فإن قيل: فكيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد? قلنا: الأمر غير الإرادة. ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السلطان - فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه - فقال له: أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان، فهو يأمره بما لا يريد امتثاله، ولو لم يكن آمراً لما كان عذره عند السلطان ممهداً، ولو كان مريداً لامتثاله لكان مريداً لهلاك نفسه وهو محال الأصل الرابع أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع ومتطول بتكليف العباد ولم يكن الخلق والتكليف واجباً عليه. وقالت المعتزلة وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد وهو محال؛ إذ هو الموجب والآمر والناهي وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب? والمراد بالواجب أحد أمرين: إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل؛ كما يقال يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار، أو ضرر عاجل: كما يقال يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت. وإما أن يراد به الذي يؤدي عدمه إلى محال كما يقال وجود المعلوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال وهو أن يصير العلم جهلاً، فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم؛ إذ بعد سبق العلم لابد من وجود المعلوم وإن أراد به معنى ثالثاً فهو غير مفهوم. وقوله "يجب لمصلحة عباده" كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى. ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة فأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهول العرض والحساب فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب الأصل الخامس أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه - خلافاً للمعتزلة - ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" ولأن الله تعالى أخبر نبيه ﷺ بأن أبا جهل لا يصدقه، ثم أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه، فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه وهل هذا إلا محال وجوده? الأصل السادس أن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لا حق خلافاً للمعتزلة - لأنه متصرف في ملكه ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو محال على الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً: ويدل على جواز ذلك وجوده فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة. فإن قيل: إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ويجب ذلك على الله سبحانه? فقول: من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل؛ إذ يقال وصف الثواب والحشر بكونه واجباً عليه إن كان المراد به أن يتضرر بتركه فهو محال، وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذ خرج عن المعاني المذكورة للواجب الأصل السابع أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بل لا يعقل في حقه الوجوب فإنه "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله "إن الأصلح واجب عليه" في مسألة نعرضها عليه: وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة بين صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ويفضله على الصبي لأنه تعب بالإيمان والطاعات بعد البلوغ، ويجب عليه ذلك - عند المعتزلي - فلو قال الصبي: يا رب لم رفعت منزلته علي فيقول: لأنه بلغ واجتهد في الطاعات، ويقول الصبي: أنت أمتني في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد "فقد عدلت عن العدل في التفضل عليه بطول العمر له دوني فلم فضلته? فيقول الله تعالى: لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان الأصلح لك الموت في الصبا - هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل - وعند هذا ينادى الكفار من دركات لظى ويقولون: يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا فإنا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم? فبماذا يجاب عن ذلك وهل يجب عند هذا إلا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توزن بميزان أهل الاعتزال?. فإن قيل: مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبحاً لا يليق بالحكمة? قلنا: القبح ما لا يوافق الغرض حتى إنه قد يكون الشيء قبيحاً عند شخص حسناً عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر حتى يستقبح قتل الشخص أولياؤه ويستحسنه أعداؤه. فإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال إذ لا غرض له فلا يتصور منه قبح كما لا يتصور منه ظلم إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير. وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال? وهل هذا إلا مجرد تشه يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار? ثم الحكيم معناه العالم بحقائق الأشياء القادر على إحكام فعلها على وفق إرادته وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح? وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظراً لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناه وفي الآخرة ثواباً أو يدفع به عن نفسه آفة. وكل ذلك محال على الله سبحانه وتعالى الأصل الثامن أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه لا بالعقل - خلافاً للمعتزلة - لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال فإن العقل لا يوجب العبث، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محل في حقه تعالى فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد بل الكفر، والإيمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيان، وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو أيضاً محال لأنه لا غرض له في الحال بل يتعب به وينصرف عن الشهوات لسببه وليس في المآل إلا الثواب والعقاب. ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان، إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به لأحدهما اختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع، ولقد زل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يفرق بين الشكر والكفران لما له من الارتياح والاهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر. فإن قيل: فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه؛ فإذا قال المكلف للنبي: إن العقل ليس يوجب على النظر والشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر ولست أقدم على النظر، أدى ذلك إلى إفحام الرسول ﷺ? قلنا: هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع إن وراءك سبعاً ضارياً فإن لم تبرح عن المكان قتلك وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي، فيقول الواقف لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ولا ألتفت ورائي، ولا أنظر ما لم يثبت صدقك؛ فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي المرشد؛ فكذلك النبي ﷺ يقول "إن وراءكم الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفوا لي صدقي بالالتفات إلى معجزتي وإلا هلكتم، فمن التفت عرف واحترز ونجا ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا ضرر على إن هلك الناس كلهم أجمعون، وإنما على البلاغ المبين" فالشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت. والعقل يفيد فهم كلامه والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل. والطبع يستحث على الحذر من الضرر، ومعنى كون الشيء واجباً أن في تركه ضرراً، ومعنى كون الشرع موجباً أنه معرف للضرر المتوقع فإن العقل لا يهدي إلى التهدف للضرر بعد الموت عند اتباع الشهوات، فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب، ولولا خوف العقاب على ترك ما أمر به لم يكن الوجوب ثابتاً، إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة الأصل التاسع أنه ليس يستحيل بعثه الأنبياء عليهم السلام - خلافاً للبراهمة - حيث قالوا: لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم لأن العقل لا يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة، فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ويعرف صدق النبي بالمعجزة. الأصل العاشر أن الله سبحانه قد أرسل محمداً ﷺ خاتماً للنبيين وناسخاً لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين? وأيده بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وإنطاق العجماء وما تفجر من بين أصابعه من الماء. ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها - مع كافة العرب - القرآن العظيم فإنهم مع تمييزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسبه ونهيه وقتله وإخراجه - كما أخبر الله عز وجل - عنهم ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن، إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه، هذا مع ما فيه من أخبار الأولين مع كونه أمياً غير ممارس للكتب والإنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الاستقبال كقوله تعالى "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين" وكقوله "ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين" ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلاً لله تعالى. فمهما كان مقروناً بتحدي النبي ﷺ ينزل منزلة قوله "صدقت" وذلك مثل القائل بين يدي الملك المدعي على رعيته أنه رسول الملك إليهم فإنه مهما قال لذلك إن كنت صادقاً فقم على سريرك ثلاثاً واقعد - على خلاف عادتك - ففعل الملك ذلك حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله "صدقت"
الركن الرابع
في السمعيات وتصديقه ﷺ
فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول
الأصل الأول الحشر والنشر وقد ورد بهما الشرع وهو حق والتصديق بهما واجب لأنه في العقل ممكن؛ ومعناه الإعادة بعد الإفناء وذلك مقدور لله تعالى كابتدا الإنشاء قال الله تعالى "قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة" فاستدل بالابتداء على الإعادة وقال عز وجل "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة" والإعادة ابتداء ثان فهو ممكن كالابتداء الأول الأصل الثاني سؤال منكر ونكير وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به لأنه ممكن إذ ليس يستدعي إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب وذلك ممكن في نفسه ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال له، فإن النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبه، وقد كان رسول الله ﷺ يسمع كلام جبريل عليه السلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه الأصل الثالث عذاب القبر وقد ورد الشرع به قال الله تعالى "النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" واشتهر عن رسول الله ﷺ والسلف الصالح الاستعاذة من عذاب القبر وهو ممكن فيجب التصديق به ولا يمنع من التصديق به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطيور؛ فإن المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة يقدر الله تعالى على إعادة الإدراك إليها الأصل الرابع الميزان وهو حق قال الله تعالى "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة" وقال تعالى "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه" الآية ووجهها أن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزناً بحسب درجات الأعمال عند الله تعالى فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد حتى يظهر لهم العدل في العقاب أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب الأصل الخامس الصراط وهو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعرة وأحد من السيف قال الله تعالى "فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون" وهذا ممكن فيجب التصديق به فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان قال الله تعالى "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" فقوله تعالى "أعدت" دليل على أنها مخلوقة فيجب إجراؤه على الظاهر إذ لا استحالة فيه، ولا يقال لا فائدة في خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الله تعالى "لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون" الأصل السابع أن الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم ولم يكن نص رسول الله ﷺ على إمام أصلاً؛ إذ لو كن لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ولم يخف ذلك فكيف خفي هذا? وإن ظهر فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا? فلم يكن أبو بكر إماماً إلا بالاختيار والبيعة وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله ﷺ وخرق الإجماع، وذلك مما لا يستجرىء على اختراعه إلا الروافض، واعتاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ. وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنياً على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة؛ إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب، وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك. وقد قال أفاضل العلماء: كل مجتهد مصيب. وقال قائلون: المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة على ذو تحصيل أصلاً الأصل الثامن أن فضل الصحابة رضي الله عنهم على تربيتهم في الخلافة إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله عز وجل وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله ﷺ. وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة وإنما يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الأحوال ودقائق التفصيل، فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عن الحق صارف. الأصل التاسع أن شرائط الإمامة بعد الإسلام والتكليف خمسة: الذكورة والورع والعلم والكفاية ونسبة قريش؛ لقوله ﷺ "الأئمة من قريش" وإذا اجتمع عدد من الموصوفين بهذه الصفات فالإمام من انعقدت له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف للأكثر باغ يجب رده إلى الانقياد إلى الحق الأصل العاشر أنه لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته، لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقى المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها كالذي يبني قصراً ويهدم مصراً وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد الأقضية وذلك محال. ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة? فهذه الأركان الأربعة الحاوية للأصول الأربعين هي قواعد العقائد فمن اعتقدها كان موافقاً لأهل السنة ومبايناً لرهط البدعة. فالله تعالى يسددنا بتوفيقه ويهدينا إلى الحق وتحقيقه بمنه وسعة جوده وفضله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وكل عبد مصطفى.
=====
إحياء علوم الدين/كتاب قواعد العقائد/الفصل الرابع
الفصل الرابع
من قواعد العقائد
في الإيمان والإسلام وما بينهما من الاتصال
وما يتطرق إليه من الزيادة والنقصان ووجه استثناء السلف فيه وفيه ثلاث مسائل
مسألة اختلفوا في أن الإسلام هو الإيمان أو غيره وإن كان غيره فهل هو منفصل عنه يوجد دونه أو مرتبط به يلازمه? فقيل إنهما شيء واحد وقيل إنهما شيئان لا يتواصلان وقيل إنهما شيئان ولكن يرتبط أحدهما بالآخر. وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاماً شديد الاضطراب كثير التطويل فلنهجم الآن على التصريح بالحق من غير تعريج على نقل ما لا تحصيل له، فنقول في هذا ثلاثة مباحث: بحث عن موجب اللفظين في اللغة، وبحث عن المراد بهما في إطلاق الشرع، وبحث عن حكمهما في الدنيا والآخرة، والبحث الأول لغوي، والثاني تفسيري، والثالث فقهي شرعي. البحث الأول: في موجب اللغة؛ والحق فيه أن الإيمان عبارة عن التصديق؛ قال الله تعالى "وما أنت بمؤمن لنا" أي؛ بمصدق، والإسلام عبارة عن التسليم والاستسلام بالإذعان والانقياد وترك التمرد والإباء والعناد، وللتصديق محل خاص وهو القلب، واللسان ترجمان. وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح فإن كل تصديق بالقلب فهو تسليم وترك الإباء والجحود وكذلك الاعتراف باللسان وكذلك الطاعة والانقياد بالجوارح. فموجب اللغة أن الإسلام أعم والإيمان أخص فكان الإيمان عبارة عن أشرف أجزاء الإسلام؛ فإذن كل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديقاً. البحث الثاني: عن إطلاق الشرع؛ والحق فيه أن الشرع قد ورد باستعمالهما على سبيل الترادف والتوارد وورد على سبيل الاختلاف وورد على سبيل التداخل، أما الترادف ففي قوله تعالى "فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين" ولم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد وقال تعالى "يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين" وقال ﷺ "بني الإسلام على خمس" وسئل رسول الله ﷺ مرة عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس وأما الاختلاف فقوله تعالى "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" ومعناه استسلمنا في الظاهر، فأراد بالإيمان ههنا التصديق بالقلب فقط وبالإسلام الاستسلام ظاهراً باللسان والجوارح، وفي حديث جبرائيل عليه السلام لما سأله عن الإيمان فقال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشره، فقال: فما الإسلام? فأجاب بذكر الخصال الخمس" فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل. وفي الحديث عن سعد أنه ﷺ "أعطى رجلاً عطاء ولم يعط الآخر؛ فقال له سعد: يا رسول الله تركت فلاناً لم تعطه وهو مؤمن? فقال ﷺ أو مسلم فأعاد عليه فأعاد رسول الله ﷺ" وأما التداخل فما روى أيضاً أنه سئل "فقيل أي الأعمال أفضل? فقال ﷺ: الإسلام، فقال: أي الإسلام أفضل، فقال ﷺ: الإيمان" وهذا دليل على الاختلاف وعلى التداخل وهو أوفق الاستعمالات في اللغة لأن الإيمان عمل من الأعمال وهو أفضلها، والإسلام هو تسليم إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح وأفضلها الذي بالقلب وهو التصديق الذي يسمى إيماناً والاستعمال لهما على سبيل الاختلاف وعلى سبيل التداخل وعلى سبيل الترادف كله غير خارج عن طريق التجوز في اللغة.
أما الاختلاف فهو أن يجعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط وهو موافق للغة، والإسلام عبارة عن التسليم ظاهراً وهو أيضاً موافق للغة فإن التسليم ببعض محال التسليم ينطلق عليه اسم التسليم، فليس من شرط حصول الإسلام عموم المعنى لكل محل يمكن أن يوجد المعنى فيه فإن من لمس غيره ببعض بدنه يسمى لامساً وإن لم يستغرق جميع بدنه، فإطلاق اسم الإسلام على التسليم الظاهر عند عدم تسليم الباطن مطابق للسان وعلى هذا الوجه جرى قوله تعالى "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" وقوله ﷺ في حديث سعد أو مسلم لأنه فضل أحدهما على الآخر، ويريد بالاختلاف تفاضل المسميين. وأما التداخل فموافق أيضاً للغة في خصوص الإيمان وهو أن يجعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعاً، والإيمان عبارة عن بعض ما دخل في الإسلام وهو التصديق بالقلب وهو الذي عنيناه بالتداخل وهو موافق للغة في خصوص الإيمان وعموم الإسلام للكل، وعلى هذا خرج قوله الإيمان في جواب قول السائل أي الإسلام أفضل لأنه جعل الإيمان خصوصاً من الإسلام فأدخله فيه، وأما استعماله فيه على سبيل الترادف بأن يجعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والظاهر جميعاً فإن كل ذلك تسليم وكذا الإيمان ويكون التصرف في الإيمان على الخصوص بتعميمه وإدخال الظاهر في معناه وهو جائز لأن تسليم الظاهر بالقول والعمل ثمرة تصديق الباطن ونتيجته، وقد يطلق اسم الشجر ويراد به الشجر مع ثمره على سبيل التسامح فيصير بهذا القدر من التعيمم مرادفاً لاسم الإسلام ومطابقاً له فلا يزيد عليه ولا ينقص؛ وعليه خرج قوله "فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين" البحث الثالث: عن الحكم الشرعي. والإسلام والإيمان حكمان أخروي ودنيوي. أما الأخروي فهو الإخراج من النار ومنع التخليد إذ قال رسول الله ﷺ "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" وقد اختلفوا في أن هذا الحكم على ماذا يترتب? وعبروا عنه بأن الإيمان ماذا هو? فمن قائل إنه مجرد العقد ومن قائل يقول إنه عقد بالقلب وشهادة باللسان ومن قائل يزيد ثالثاً وهو العمل بالأركان، ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول من جمع بين هذه الثلاثة فلا خلاف في أن مستقره الجنة وهذه درجة. الدرجة الثانية: أن يوجد اثنان وبعض الثالث - وهو القول والعقد وبعض الأعمال - ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر؛ فعند هذا قالت المعتزلة: خرج بهذا عن الإيمان ولم يدخل في الكفر بل اسمه فاسق وهو على منزلة بين المنزلتين وهو مخلد في النار؛ وهذا باطل كما سنذكره الدرجة الثالثة: أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال بالجوارح، وقد اختلفوا في حكمه، فقال أبو طالب المكي: العمل بالجوارح من الإيمان ولا يتم دونه وادعى الإجماع فيه واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه كقوله تعالى "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" إذ هذا يدل على أن العمل وراء الإيمان لا من نفس الإيمان وإلا فيكون العمل في حكم المعاد? والعجب أنه ادعى الإجماع في هذا وهو مع ذلك ينقل قوله ﷺ "لا يكفر أحد إلا بعد جحوده لما أقر به" وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر؛ والقائل بهذا قائل بنفس مذهب المعتزلة؛ إذ يقال له من صدق بقلبه وشهد بلسانه ومات في الحال فهل هو في الجنة? فلابد أن يقول نعم، وفيه حكم بوجود الإيمان دون العمل، فنزيد ونقول لو بقي حياً حتى دخل عليه وقت صلاة واحدة فتركها ثم مات أو زنى ثم مات، فهل يخلد في النار? فإن قال نعم فهو مراد المعتزلة، وإن قال لا فهو تصريح بأن العمل ليس ركناً من نفس الإيمان ولا شرطاً في وجوده ولا في استحقاق الجنة به، وإن قال أردت به أن يعيش مدة طويلة ولا يصلي ولا يقدم على شيء من الأعمال الشرعية، فنقول فما ضبط تلك المدة وما عدد تلك الطاعات التي بتركها يبطل الإيمان وما عدد الكبائر التي بارتكابها يبطل الإيمان? وهذا لا يمكن التحكم بتقديره ولم يصر إليه صائر أصلاً. الدرجة الرابعة: أن يوجد التصديق بالقلب قبل أن ينطق باللسان أو يشتغل بالأعمال ومات فهل نقول مات مؤمناً بينه وبين الله تعالى: وهذا مما اختلف فيه ومن شرط القول لتمام الإيمان يقول هذا مات قبل الإيمان وهو فاسد إذ قال ﷺ "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" وهذا قلبه طافح بالإيمان فكيف يخلد في النار? ولم يشترط في حديث جبريل عليه السلام للإيمان إلا التصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه واليوم الآخر كما سبق. الدرجة الخامسة: أن يصدق بالقلب ويساعده من العمر مهلة النطق بكلمتي الشهادة وعلم وجوبها ولكنه لم ينطق بها فيحتمل أن يجعل امتناعه عن النطق كامتناعه عن الصلاة، ونقول هو مؤمن غير مخلد في النار، والإيمان هو التصديق المحض واللسان ترجمان الإيمان فلا بد أن يكون الإيمان موجوداً بتمامه قبل اللسان حتى يترجمه اللسان وهذا هو الأظهر؛ إذ لا مستند إلا اتباع موجب الألفاظ ووضع اللسان أن الإيمان هو عبارة عن التصديق بالقلب. وقد قال ﷺ "يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة" ولا ينعدم الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب كما لا ينعدم بالسكوت عن الفعل الواجب، وقال قائلون: القول ركن إذ ليس كلمتا الشهادة إخباراً عن القلب بل هو إنشاء عقد آخر وابتداء شهادة والتزام والأول أظهر، وقد غلا في هذا طائفة المرجئة فقالوا هذا لا يدخل النار أصلاً وقالوا إن المؤمن وإن عصى فلا يدخل النار وسنبطل ذلك عليهم. الدرجة السادسة أن يقول بلسانه "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ولكن لم يصدق بقلبه فلا نشك في أن هذا في حكم الآخرة من الكفار وأنه مخلد في النار، ولا نشك في أنه في حكم الدنيا للذي يتعلق بالأئمة والولاة من المسلمين لأن قلبه لا يطلع عليه، وعلينا أن نظن به أنه ما قاله بلسانه إلا وهو منطو عليه في قلبه وإنما نشك في أمر ثالث وهو الحكم الدنيوي فيما بينه وبين الله تعالى، وذلك بأن يموت له في الحال قريب مسلم ثم يصدق بعد ذلك بقلبه ثم يستفتي ويقول كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت والميراث الآن في يدي فهل يحل لي بيني وبين الله تعالى? أو نكح مسلمة ثم صدق بقلبه هل تلزمه إعادة النكاح? هذا محل نظر فيحتمل أن يقال أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهراً وباطناً ويحتمل أن يقال تناط بالظاهر في حق غيره لأن باطنه غير ظاهر لغيره وباطنه ظاهر له في نفسه بينه وبين الله تعالى، والأظهر والعلم عند الله تعالى أنه لا يحل له ذلك الميراث ويلزمه إعادة النكاح ولذلك كان حذيفة رضي الله عنه لا يحضر جنازة من يموت من المنافقين وعمر رضي الله عنه كان يراعي ذلك منه فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة رضي الله عنه، والصلاة فعل ظاهر في الدنيا وإن كانت من العبادات. والتوقي عن الحرام أيضاً من جملة ما يجب لله كالصلاة لقوله ﷺ "طلب الحلال فريضة بعد فريضة" وليس هذا مناقضاً لقولنا إن الإرث حكم الإسلام وهو الاستسلام بل الاستسلام التام هو ما يشمل الظاهر والباطن، وهذه مباحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الألفاظ والعمومات والأقيسة فلا ينبغي أن يظن القاصر في العلوم أن المطلوب فيه القطع من حيث جرت العادة بإيراده في فن الكلام الذي يطلب فيه القطع فما أفلح من نظر إلى العادات والمراسم في العلوم. فإن قلت: فما شبهة المعتزلة والمرجئة وما حجة بطلان قولهم? فأقول شبهتهم عمومات القرآن؛ أما المرجئة فقالوا لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل المعاصي لقوله عز وجل "فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً" ولقوله سبحانه وتعالى "والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون" الآية ولقوله تعالى "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها - إلى قوله - فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء" فقوله "كلما ألقي فيها فوج" عام فينبغي أن يكون من ألقي في النار مكذباً ولقوله تعالى "لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى" وهذا حصر وإثبات ونفي ولقوله تعالى "من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون" فالإيمان رأس الحسنات ولقوله تعالى "والله يحب المحسنين" وقال تعالى "إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً" ولا حجة لهم في ذلك فإنه حيث ذكر الإيمان في هذه الآيات أريد به الإيمان مع العمل إذ بينا أن الإيمان قد يطلق ويراد به الإسلام وهو الموافقة بالقلب والقول والعمل، ودليل هذا التأويل أخبار كثيرة في معاقبة العاصين ومقادير العقاب وقوله ﷺ "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" فكيف يخرج إذا لم يدخل? ومن القرآن قوله تعالى "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" والاستثناء بالمشيئة يدل على الانقسام وقوله تعالى "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها" وتخصيصه بالكفر تحكم وقوله تعالى "ألا إن الظالمين في عذاب مقيم" وقال تعالى "ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار" فهذه العمومات في معارضة عموماتهم ولابد من تسليط التخصص والتأويل على الجانبين لأن الأخبار مصرحة بأن العصاة يعذبون بل قوله تعالى "وإن منكم إلا واردها" كالصريح في أن ذلك لابد منه للكل إذ لا يخلو مؤمن عن ذنب يرتكبه وقوله تعالى "لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى" أراد به من جماعة مخصوصين أو أراد بالأشقى شخصاً معيناً أيضاً وقوله تعالى "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها" أي فوج من الكفار، وتخصيص العمومات قريب. ومن هذه الآية وقع للأشعري وطائفة من المتكلمين إنكار صيغ العموم وأن هذه الألفاظ يتوقف فيها إلى ظهور قرينة تدل على معناها. وأما المعتزلة فشبهتهم قوله تعالى "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى" وقوله تعالى "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقوله تعالى "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً" ثم قال "ثم ننجي الذين اتقوا" وقوله تعالى "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم" وكل آية ذكر الله عز وجل العمل الصالح فيها مقروناً بالإيمان وقوله تعالى "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها" وهذه العمومات أيضاً مخصوصة بدليل قوله تعالى "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" فينبغي فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى الشرك. وكذلك قوله عليه السلام "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" وقوله تعالى "إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً" وقوله تعالى "إن الله لا يضيع أجر المحسنين" فكيف يضيع أجر أصل الإيمان وجميع الطاعات بمعصية واحدة? وقوله تعالى "ومن يقتل مؤمناً متعمداً" أي لإيمانه وقد ورد على مثل هذا السبب. فإن قلت: فقد مال الاختيار إلى أن الإيمان حاصل دون العمل. وقد اشتهر عن السلف قولهم: الإيمان عقد وقول وعمل؛ فما معناه? قلنا. لا يبعد أن يعد العمل من الإيمان لأنه مكمل له ومتمم كما يقال الرأس واليدان من الإنسان ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنساناً بعدم الرأس ولا يخرج عنه بكونه مقطوع اليد وكذلك يقال التسبيحات والتكبيرات من الصلاة وإن كانت لا تبطل بفقدهها فالتصديق بالقلب من الإيمان كالرأس من وجود الإنسان إذ ينعدم بعدمه وبقية الطاعات. كالأطراف بعضها أعلى من بعض وقد قال ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" والصحابة رضي الله عنهم ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا ولكن معناه غير مؤمن حقاً إيماناً تاماً كاملاً كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف هذا ليس بإنسان أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية
مسألة فإن قلت: فقد اتفق السلف على أن الإيمان يزيد وينقص - يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية - فإذا كان التصديق هو الإيمان فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان? فأقول: السلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول فما ذكروه حق وإنما الشأن في فهمه، وفيه دليل على أن العمل ليس من أجزاء الإيمان وأركان وجوده بل هو مزيد عليه يزيد به والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته، فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه بل يقال يزيد بلحيته وسمنه، ولا يجوز أن يقال الصلاة تزيد بالركوع والسجود بل تزيد بالآداب والسنن فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان. فإن قلت: فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص وهو خصلة واحدة? فأقول: إذا تركنا المداهنة ولم نكترث بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء ارتفع الإشكال فنقول: الإيمان اسم مشترك يطلق من ثلاثة أوجه الأول: أنه يطلق للتصديق بالقلب على سبيل الاعتقاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدور وهو إيمان العوام بل إيمان الخلق كلهم إلا الخواص، وهذا الاعتقاد عقدة عن القلب تارة تشتد وتقوى وتارة تضعف وتسترخي كالعقدة على الخيط مثلاً. ولا تستبعد هذا واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير ولا بتخييل ووعظ ولا تحقيق وبرهان وكذلك النصراني والمبتدعة وفيهم من يمكن تشكيكه بأدنى كلام ويمكن استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف مع أنه غير شاك في عقده كالأول ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم. وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضاً والعمل يؤثر في نماء هذا التصميم وزيادته كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار ولذلك قال الله تعالى "فزادتهم إيماناً" وقال تعالى "ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم" وقال ﷺ فيما يروى في بعض الأخبار "الإيمان يزيد وينقص" وذلك بتأثير الطاعات في القلب وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في أوقات المواظبة على العبادة والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور وإدراك التفاوت في السكون إلى عقائد الإيمان في هذه الأحوال حتى يزيد عقده استعصاء على من يريد حله بالتشكيك بل من يعتقد في اليتيم معنى الرحمة إذا عمل بموجب اعتقاده فمسح رأسه وتلطف به أدرك من باطنه تأكيد الرحمة وتضاعفها بسبب العمل: وكذلك معتقد التواضع إذا عمل بموجبه عملاً مقبلاً أو ساجداً لغيره أحس من قلبه بالتواضع عند إقدامه على الخدمة. وهكذا جميع صفات القلب تصدر منها أعمال الجوارح ثم يعود أثر الأعمال عليها فيؤكدها ويزيدها، وسيأتي هذا في ربع المنجيات والمهلكات عند بيان وجه تعلق الباطن بالظاهر والأعمال بالعقائد والقلوب فإن ذلك من جنس تعلق الملك بالملكوت وأعني بالملك عالم الشهادة المدرك بالحواس وبالملكوت عالم الغيب المدرك بنور البصيرة والقلب من عالم الملكوت والأعضاء وأعمالها من عالم الملك. ولطف الارتباط ودقته بين العالمين انتهى إلى حد ظن بعض الناس اتحاد أحدهما بالآخر وظن آخرون أنه لا عالم إلا عالم الشهادة وهو هذه الأجسام المحسوسة. ومن أدرك الأمرين وأدرك تعددهما ثم ارتباطهما عبر عنه فقال:
رق الزجاج ورقت الخمر
وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
وكأنما قدح ولا خمر
ولنرجع إلى المقصود فإن هذا العلم خارج عن علم المعاملة ولكن بين العلمين أيضاً اتصال وارتباط فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق كل ساعة على علوم المعاملة إلى أن تنكشف عنها بالتكليف فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة بموجب هذا الإطلاق، ولهذا قال علي كرم الله وجهه: إن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء فإذا عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه فذلك هو الختم وتلا قوله تعالى "كلا بل ران على قلوبهم" الآية. الإطلاق الثاني: أن يراد به التصديق والعمل جميعاً كما قال ﷺ "الإيمان بضع وسبعون باباً" وقال ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وإذا دخل العمل في مقتضى لفظ الإيمان لم تخف زيادته ونقصانه وهل يؤثر ذلك في زيادة الإيمان الذي هو مجرد التصديق? هذا فيه نظر وقد أشرنا إلى أنه يؤثر فيه. الإطلاق الثالث: أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وانشراح الصدر والمشاهدة بنور البصيرة وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة ولكني أقول الأمر اليقيني الذي لا شك فيه تختلف طمأنينة النفس إليه فليس طمأنينة النفس إلى أن الاثنين أكثر من الواحد كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث وإن كان شك في واحد منهما فإن اليقينيات تختلف في درجات الإيضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها، وقد تعرضنا لهذا في فصل اليقين من كتاب العلم في باب علامات علماء الآخرة فلا حاجة إلى الإعادة. وقد ظهر في جميع الإطلاقات على ما قالوه من زيادة الإيمان ونقصانه حق وكيف وفي الأخبار "أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" وفي بعض المواضع في خبر آخر "مثقال دينار" فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت?
مسألة فإن قلت: ما وجه السلف "أنا مؤمن إن شاء الله" والاستثناء شك والشك في الإيمان كفر وقد كانوا كلهم يمتنعون عن جزم الجواب بالإيمان ويحترزون عنه. فقال سفيان الثوري رحمه الله، من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكذابين ومن قال أنا مؤمن حقاً فهو بدعة، فكيف يكون كاذباً وهو يعلم أنه مؤمن في نفسه ومن كان مؤمناً في نفسه كان مؤمناً عند الله? كما أن من كان طويلاً وسخياً في نفسه وعلم ذلك كان كذلك عند الله وكذا من كان مسروراً أو حزيناً أو سميعاً أو بصيراً، ولو قيل للإنسان هل أنت حيوان: لم يحسن أن يقول أنا حيوان إن شاء الله. ولما قال سفيان ذلك قيل له فماذا تقول? قال: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وأي فرق بين أن يقول آمنا بالله وما أنزل إلينا وبين أن يقول أنا مؤمن? وقيل للحسن: أمؤمن أنت? فقال إن شاء الله، فقيل له: لم تستثني يا أبا سعيد في الإيمان? فقال أخاف أن أقول نعم فيقول الله سبحانه كذبت يا حسن فتحق علي الكلمة. وكان يقول: ما يؤمنني أن يكون الله سبحانه قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني وقال اذهب لا قبلت لك عملاً؛ فأنا أعمل في غير معمل. وقال إبراهيم بن أدهم: إذا قيل لك أمؤمن أنت? فقل لا إله إلا الله وقال مرة: قل أنا لا أشك في الإيمان وسؤالك إياي بدعة. وقيل لعلقمة: أمؤمن أنت? قال: أرجو إن شاء الله. وقال الثوري: نحن مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ندري ما نحن عند الله تعالى? فما معنى هذه الاستثناءات? فالجواب: أن هذا الاستثناء صحيح وله أربعة أوجه؛ وجهان مستندان إلى الشك لا في أصل الإيمان ولكن في خاتمته أو كماله، ووجهان لا يستندان إلى الشك. الوجه الأول - الذي لا يستند إلى معارضة الشك: الاحتراز من الجزم خيفة ما فيه من تزكية النفس قال الله تعالى "فلا تزكوا أنفسكم" وقال "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم" وقال تعالى "انظر كيف يفترون على الله الكذب" وقيل لحكيم: ما الصدق القبيح: فقال: ثناء المرء على نفسه. والإيمان من أعلى صفات المجد والجزم تزكية مطلقة وصغية الاستثناء كأنها ثقل من عرف التزكية، كما يقال للإنسان أنت طبيب أو فقيه أو مفسر? فيقول: نعم إن شاء الله، لا في معرض التشكيك ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه فالصيغة صيغة الترديد والتضعيف لنفس الخبر ومعناه التضعيف لللازم من لوازم الخبر وهو التزكية. وبهذا التأويل لو سئل عن وصف ذم لم يحسن الاستثناء. الوجه الثاني: التأدب بذكر الله تعالى في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله سبحانه فقد أدب الله سبحانه نبيه ﷺ فقال تعالى "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله" ثم لم يقتصر على ذلك فيما لا يشك فيه بل قال تعالى "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين" وكان الله سبحانه عالماً بأنهم يدخلون لا محالة وأنه شاءه ولكن المقصود تعليمه ذلك فتأدب رسول الله ﷺ في ما كان يخبر عنه معلوماً كان أو مشكوكاً حتى قال ﷺ لما دخل المقابر "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" واللحوق بهم غير مشكوك فيه ولكن مقتضى الأدب ذكر الله تعالى وربط الأمور به. وهذه الصيغة دالة عليه حتى صار بعرف الاستعمال عبارة عن إظهار الرغبة والتمني، فإذا قيل لك إن فلاناً يموت سريعاً فتقول إن شاء الله فيفهم منه رغبتك لا تشكك، وإذا قيل لك فلان سيزول مرضه ويصح فتقول إن شاء الله بمعنى الرغبة فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة وكذلك العدول إلى معنى التأدب لذكر الله تعالى كيف كان الأمر: الوجه الثالث: مستنده الشك ومعناه أنا مؤمن حقاً إن شاء الله، إذ قال الله تعالى لقوم مخصوصين بأعيانهم "أولئك هم المؤمنون حقاً" فانقسموا إلى قسمين ويرجع هذا إلى الشك في كمال الإيمان لا في أصله، وكل إنسان شاك في كمال إيمانه وذلك ليس بكفر، والشك في كمال الإيمان حق من وجهين؛ أحدهما: من حيث إن النفاق يزيل كمال الإيمان وهو خفي لا تتحقق البراءة منه. والثاني: أنه يكمل بأعمال الطاعات ولا يدري وجودها على الكمال: أما العمل فقد قال الله تعالى "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون" فيكون الشك في هذا الصدق وكذلك قال الله تعالى "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين" فشرط عشرين وصفاً كالوفاء بالعهد والصبر على الشدائد. ثم قال تعالى "أولئك الذين صدقوا" وقد قال تعالى "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" وقال تعالى "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل" الآية وقد قال تعالى "هم درجات عند الله" وقال ﷺ "الإيمان عريان ولباسه التقوى" الحديث وقال ﷺ "الإيمان بضع وسبعون باباً أدناها إماطة الأذى عن الطريق" فهذا ما يدل على ارتباط كمال الإيمان بالأعمال وأما ارتباطه بالبراءة عن النفاق والشرك الخفي فقوله ﷺ "أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإذا خاصم فجر" وفي بعض الروايات "وإذا عاهد غدر" وفي حديث أبي سعيد الخدري "القلوب أربعة: قلب أجرد وفيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء العذب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلب عليه حكم له بها" وفي لفظ آخر "غلبت عليه ذهبت به" وقال عليه السلام "أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها" وفي حديث "الشرك أخفى في أمتى من دبيب النمل على الصفا" وقال حذيفة رضي الله عنه "كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ يصير بها منافقاً إلى أن يموت وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات" وقال بعض العلماء: أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق. وقال حذيفة: المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي ﷺ فكانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه وهذا النفاق يضاد صدق الإيمان وكماله وهو خفي وأبعد الناس منه من يتخوفه وأقربهم منه من يرى أنه بريء منه. فقد قيل للحسن البصري: يقولون أن لا نفاق اليوم فقال يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق. وقال هو أو غيره: لو نبتت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض بأقدامنها وسمع ابن عمر رضي الله عنه رجلاً يتعرض للحجاج فقال: أرأيت لو كان حاضراً يسمع أكنت تتكلم فيه? فقال: لا، فقال: كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول الله ﷺ" وقال ﷺ "من كان ذا لسانين في الدنيا جعله الله ذا لسانين في الآخرة" وقال أيضاً ﷺ "شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه" وقيل للحسن: إن قوماً ما يقولون إنا لا نخاف النفاق، فقال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من تلاع الأرض ذهباً. وقال الحسن: إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب، والسر والعلانية، والمدخل والمخرج. وقال رجل لحذيفة رضي الله عنه: إني أخاف أن أكون منافقاً، فقال: لو كنت منافقاً ما خفت النفاق إن المنافق من أمن النفاق. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثن ومائة - وفي رواية خمسين ومائة - من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخافون النفاق. وروي "أن رسول الله ﷺ كان جالساً في جماعة من أصحابه فذكروا رجلاً وأكثروا الثناء عليه فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم الرجل ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء وقد علق نعله بيده وبين عينيه أثر السجود فقالوا: يا رسول الله هو هذا الرجل الذي وصفناه، فقال ﷺ: أرى على وجهه سفعة من الشيطان، فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم فقال النبي ﷺ: نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك? فقال: اللهم نعم" فقال ﷺ في دعائه "اللهم إني أستغفرك لما علمت ولما لم أعلم، فقيل له: أتخاف يا رسول الله? فقال: وما يؤمنني والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء! وقد قال سبحانه "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون"، قيل في التفسير: عملوا أعمالاً ظنوا أنها حسنات فكانت في كفة السيئات. وقال سري السقطي: لو أن إنساناً دخل بستاناً فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة؛ فقال: السلام عليك يا ولي الله، فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيراً في يديها فهذه الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي وأنه لا يؤمن منه حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة عن نفسه وأنه هل ذكر في المنافقين? وقال أبو سليمان الداراني: سمعت من بعض الأمراء شيئاً فأردت أن أنكره فخفت أن يأمر بقتلي ولم أخف من الموت ولكن خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق عند خروج روحي فكففت. وهذا من النفاق الذي يضاد حقيقة الإيمان وصدقه وكماله وصفاءه لا أصله. فالنفاق نفاقان، أحدهما: يخرج من الدين ويلحق بالكافرين ويسلك في زمرة المخلدين في النار. والثاني: يفضي بصاحبه إلى النار مدة أو ينقص من درجات عليين ويحط من رتبة الصديقين وذلك مشكوك فيه ولذلك حسن الاستثناء فيه. وأصل هذا النفاق تفاوت بين السر والعلانية، والأمن من مكر الله، والعجب، وأمور أخر لا يخلو عنها إلا الصديقون. الوجه الرابع: وهو أيضاً مستند إلى الشك وذلك من خوف الخاتمة فإنه لا يدري أيسلم له الإيمان عند الموت أم لا? فإن ختم له بالكفر حبط عمله السابق لأنه موقوف على سلامة الآخر، ولو سئل الصائم ضحوة النهار عن صحة صومه فقال: أنا صائم قطعاً، فلو أفطر في أثناء نهاره بعد ذلك لتبين كذبه إذ كانت الصحة موقوفة على التمام إلى غروب الشمس من آخر النهار. وكما أن النهار ميقات تمام الصوم فالعمر ميقات تمام صحة الإيمان ووصفه بالصحة قبل آخره بناء على الاستصحاب وهو مشكوك فيه، والعاقبة مخوفة ولأجلها كان بكاء أكثر الخائفين لأجل أنها ثمرة القضية السابقة والمشيئة الأزلية التي لا تظهر إلا بظهور المقضي به ولا مطلع عليه لأحد من البشر، فخوف الخاتمة كخوف السابقة وربما يظهر في الحال ما سبقت الكلمة بنقيضه، فمن الذي يدري أنه من الذين سبقت لهم من الله الحسنى? وقيل في معنى قوله تعالى "وجاءت سكرة الموت بالحق" أي بالسابقة يعني أظهرتها. وقال بعض السلف: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يحلف بالله ما من أحد يأمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه. وقيل من الذنوب ذنوب عقوبتها سوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك. وقيل هي عقوبات دعوى الولاية والكرامة بالافتراء. وقال بعض العارفين: لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار والموت على التوحيد عند باب الحجرة لاخترت الموت على التوحيد عند باب الحجرة لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار? وقال بعضهم: لو عرفت واحداً بالتوحيد خمسين سنة ثم حال بيني وبينه سارية ومات لم أحكم أنه مات على التوحيد. وفي الحديث "من قال أنا مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل" وقيل في قوله تعالى "وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً" صدقاً لمن مات على الإيمان وعدلاً لمن مات على الشرك وقد قال تعالى "ولله عاقبة الأمور" فمهما كان الشك بهذه المثابة كان الاستثناء واجباً لأن الإيمان عبارة عما يفيد الجنة كما أن الصوم عبارة عما يبرىء الذمة. وما فسد قبل الغروب لا يبرىء الذمة فيخرج عن كونه صوماً فكذلك الإيمان بل لا يبعد أن يسأل عن الصوم الماضي الذي لا يشك فيه بعد الفراغ منه فيقال أصمت بالأمس? فيقول نعم إن شاء الله تعالى إذ الصوم الحقيقي هو المقبول والمقبول غائب عنه لا يطلع عليه إلا الله تعالى فمن هذا حسن الاستثناء في جميع أعمال البر ويكون ذلك شكا في القبول، إذ يمنع منا لقبول بعد جريان ظاهر شروط الصحة أسباب خفيفة لا يطلع عليها إلا رب الأرباب جل جلاله فيحسن الشك فيه. فهذه وجوه حسن الاستثناء في الجواب عن الإيمان وهي آخر ما نختم به "كتاب قواعد العقائد" تم الكتاب بحمد الله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى.
========
إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الطهارة
كتاب أسرار الطهارة
وهو الكتاب الثالث من ربع العبادات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تلطف بعباده فتعبدهم بالنظافة، وأفاض على قلوبهم تزكية لسرائرهم أنواره وألطافه، وأعد لظواهرهم تطهيراً لها الماء المخصوص بالرقة واللطافة، وصلى الله على النبي محمد المستغرق بنور الهدى أطراف العالم وأكنافه، وعلى آله الطيبين الطاهرين صلاة تنجينا بركاتها يوم المخافة، وتنتصب جنة بيننا وبين كل آفة. أما بعد. فقد قال النبي ﷺ "بني الدين على النظافة" وقال ﷺ "مفتاح الصلاة الطهور" وقال الله تعالى "فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين" وقال النبي ﷺ "الطهور نصف الإيمان" وقال الله تعالى "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم" فتفطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر إذ يبعد أن يكون المراد بقوله ﷺ "الطهور نصف الإيمان" عمارة الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه وتخريب الباطن وإبقائه مشحوناً بالأخباث والأقذار هيهات هيهات! والطهارة لها أربع مراتب المرتبة الأولى تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات المرتبة الثانية تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام المرتبة الثالثة تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة المرتبة الرابعة تطهير السر عما سوى الله تعالى وهي طهارة الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقين، والطهارة في كل رتبة نصف العمل الذي فيها فإن الغاية القصوى في عمل السر أن ينكشف له جلال الله تعالى وعظمته ولن تحل معرفة الله تعالى بالحقيقة في السر ما لم يرتحل ما سوى الله تعالى عنه. ولذلك قال الله عز وجل "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" لأنهما لا يجتمعان في قلب "وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه" وأما عمل القلب فالعناية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة والعقائد المشروعة ولن يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها من العقائد الفاسدة والرذائل الممقوتة، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني فكان الطهور شطر الإيمان بهذا المعنى، وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني، فتطهيره أحد الشطرين وهو الشرط الأول وعمارتها بالطاعات الشطر الثاني فهذه مقامات الإيمان ولكل مقام طبقة ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يجاوز الطبقة السافلة، فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات المذمومة وعمارته بالمحمودة ما لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم وعمارته بالخلق المحمود، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ عن طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها بالطاعات، وكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وطال طريقه وكثرت عقباته فلا تظن أن هذا الأمر يدرك وينال بالهوينى، نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة التي هي كالقشرة الأخيرة الظاهرة بالإضافة إلى اللب المطلوب، فصار يمعن فيها ويستقصى في مجاريها ويستوعب جميع أوقاته في الاستنجاء وغسل الثياب وتنظيف الظاهر وطلب المياه الجارية الكثيرة ظناً منه بحكم الوسوسة وتخيل العقل أن الطهارة المطلوبة الشريفة هي هذه فقط وجهالة بسيرة الأولين واستغراقهم جميع الهم والفكر في تطهير القلب وتساهلهم في أمر الظاهر، حتى إن عمر رضي الله عنه مع علو منصبه توضأ من ماء في جرة نصرانية، وحتى إنهم ما كانوا يغسلون اليد من الدسومات والأطعمة بل كانوا يمسحون أصابعهم بأخمص أقدامهم وعدوا الأشنان من البدع المحدثة، ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد ويمشون حفاة في الطرقات، ومن كان لا يجعل بينه وبين الأرض حاجزاً في مضجعه كان من أكابرهم، وكانوا يقتصرون على الجارة في الاستنجاء. وقال أبو هريرة وغيره من أهل الصفة: "كنا نأكل الشواء فتقام الصلاة فندخل أصابعنا في الحصى ثم نفركها بالتراب ونكبر" وقال عمر رضي الله عنه: "ما كنا نعرف الأشنان في عرص رسول الله ﷺ وإنما كانت مناديلنا بطون أرجلنا كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا بها" ويقال أول ما ظهر من البدع بعد رسول الله ﷺ أربع: المناخل والأشنان والموائد والشبع. فكانت عنايتهم كلها بنظافة الباطن حتى قال بعضهم: الصلاة في النعلين أفضل "لأن رسول الله ﷺ لما نزع نعليه في صلاته بإخبار جبريل عليه السلام له أن بهما نجاسة وخلع الناس نعالهم قال ﷺ لم خلعتم نعالكم"? وقال النخعي في الذين يخلعون نعالهم "وددت لو أن محتاجاً جاء إليها فأخذها" منكراً لخلع النعال. فهكذا كان تساهلهم في هذه الأمور بل كانوا يمشون في طين الشوارع حفاة ويجلسون عليها ويصلون في المساجد على الأرض، ويأكلون من دقيق البر والشعير وهو يداس بالدواب وتبول عليه، ولا يحترزون من عرق الإبل والخيل مع كثرة تمرغها في النجاسات، ولم ينقل قط عن أحد منهم سؤال في دقائق النجاسات فهكذا كان تساهلهم فيها. وقد انتهت النوبة الآن إلى طائفة يسمون الرعونة نظافة فيقولون هو مبنى الدين فأكثر أوقاتهم في تزيينهم الظواهر، كفعل الماشطة بعروسها والباطن خراب مشحون بخبائث الكبر والعجب والجهل والرياء والنفاق ولا يستنكرون ذلك ولا يتعجبون منه! ولو اقتصر مقتصر على الاستنجاء بالحجر أو مشى على الأرض حافياً أو صلى على الأرض أو على بواري المسجد من غير سجادة مفروشة أو مشى على الفرش من غير غلاف للقدم من أدم أو توضأ من آنية عجوز أو رجل غير متقشف أقاموا عليه القيامة وشدوا عليه النكير ولقيوه بالقذر وأخرجوه من زمرتهم واستنكفوا عن مؤاكلته ومخالطته. فسموا البذاذة التي هي من الإيمان قذارة والرعونة نظافة فانظر كيف صار المنكر معروفاً والمعروف منكراً! وكيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس حقيقته وعلمه. فإن قلت: أفتقول إن هذه العادات التي أحدثها الصوفية في هيئاتهم ونظافتهم من المحظورات أو المنكرات? فأقول حاش لله أن أطلق القول فيه من غير تفصيل ولكني أقول إن هذا التنظيف والتكلف وإعداد الأواني والآلات واستعمال غلاف القدم والإزار المقنع به لدفع الغبار وغير ذلك من هذه الأسباب إن وقع النظر إلى ذاتها على سبيل التجرد فهي من المباحات وقد يقترن بها أحوال ونيات تلحقها تارة بالمعروفات وتارة بالمنكرات، فأما كونها مباحة في نفسها فلا يخفى أن صاحبها متصرف بها في ماله وبدنه وثيابه فيفعل بها ما يريد إذا لم يكن فيه إضاعة وإسراف، وأما مصيرها منكراً فبأن يجعل ذلك أصل الدين ويفسر به قوله ﷺ "بني الدين على النظافة" حتى ينكر به على من يتساهل فيه الأولين أو يكون القصد به تزيين الظاهر للخلق وتحسين موقع نظرهم، فإن ذلك هو الرياء المحظور فيصير منكراً بهذين الاعتبارين، أما كونه معروفاً فبأن يكون القصد منه الخير دون التزين وأن لا ينكر على من ترك ذلك ولا يؤخر بسببه الصلاة عن أوائل الأوقات ولا يشتغل به عن عمل هو أفضل منه أو عن علم أو غيره، فإذا لم يقترن به شيء من ذلك فهو مباح يمكن أن يجعل قربة بالنية ولكن لا يتيسر ذلك إلا للبطالين الذين لم يشتغلوا بصرف الأوقات فيه لاشتغلوا بنوم أو حديث فيما لا يعني فيصير شغلهم به أولى لأن الاشتغال بالطهارات يجدد ذكر الله تعالى وذكر العبادات فلا بأس به إذا لم يخرج إلى منكر أو إسراف. وأما أهل العلم والعمل فلا ينبغي أن يصرفوا من أوقاتهم إليه إلا قدر الحاجة فالزيادة عليه منكر في حقهم وتضييع العمر الذي هو أنفس الجواهر وأعزها في حق من قدر على الانتفاع به. ولا يتعجب من ذلك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولا ينبغي للبطال أن يترك النظافة وينكر على المتصوفة ويزعم أنه يتشبه بالصحابة إذ التشبه بهم في أن لا يتفرغ إلا لما هو أهم منه، كما قيل لداود الطائي لم لا تسرح لحيتك? قال: إنذ إذن لفارغ. فلهذا لا أرى للعالم ولا للمتعلم ولا للعامل أن يضيع وقته في غسل الثياب إحترازاً من أن يلبس الثياب المقصورة وتوهماً بالقصار تقصيراً في الغسل؛ فقد كانوا في العصر الأول يصلون في الفراء المدبوغة ولم يعلم منهم من فرق بين المقصورة والمدبوغة في الطهارة والنجاسة، بل كانوا يجتنبون النجاسة إذا شاهدوها ولا يدققون نظرهم في استنباط الاحتمالات الدقيقة، بل كانوا يتأملون في دقائق الرياء والظلم حتى قال سفيان الثوري لرفيق كان يمشي معه فنظر إلى باب دار مرفوع معمور: لا تفعل ذلك فإن الناس لو لم ينظروا إليه لكان صاحبه لا يتعاطى هذا الإسراف. فالناظر إليه معين له على الإسراف. فكانوا يعدون جمام الذهن لاستنابط مثل هذه الدقائق لا في احتمالات النجاسة. فلو وجد العالم عامياً يتعاطى له غسل الثياب محتاطاً فهو أفضل فإنه بالإضافة إلى التساهل خير. وذلك العامي ينتفع بتعاطيه إذ يشغل نفسه الأمارة بالسوء بعمل المباح في نفسه فيمتنع عليه المعاصي في تلك الحال. والنفس إن لم تشغل بشيء شغلت صاحبها وإذا قصد به التقرب إلى العالم صار ذلك عنده من أفضل القربات. فوقت العالم أشرف من أن يصرفه إلى مثله فيبقى محفوظاً عليه، وأشرف وقت العامي أن يشتغل بمثله فيتوفر الخير عليه من الجوانب كلها. وليتفطن بهذا المثل لنظائره من الأعمال وترتيب فضائلها ووجه تقديم البعض منها على بعض، فتدقيق الحساب في حفظ لحظات العمر بصرفها إلى الأفضل أهم من التدقيق في أمور الدنيا بحذافيرها. وإذا عرفت هذه المقدمة واستبنت أن الطهارة لها أربع مراتب. فاعلم أنا في هذا الكتاب لسنا نتكلم إلا في المرتبة الرابعة وهي نظافة الظاهر لأنا في الشطر الأول من الكتاب لا نتعرض قصداً إلا للظواهر. فنقول طهارة الظاهر ثلاثة أقسام: طهارة عن الخبث وطهارة عن الحدث وطهارة عن فضلات البدن، وهي التي تحصل بالقلم والاستحداد واستعمال النورة والختان وغيره.
=========
إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الطهارة/القسم الأول
القسم الأول
في طهارة الخبث
والنظر فيه يتعلق بالمزال والمزال به والإزالة
الطرف الأول
في المزال
وهي النجاسة. والأعيان ثلاثة: جمادات وحيوانات وأجزاء حيوانات. أما الجمادات فطاهرة كلها إلا الخمر وكل منتبذ مسكر، والحيوانات طاهرة كلها إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما. فإذا ماتت فكلها نجسة إلا خمسة: الآدمي والسمك والجراد ودود التفاح - وفي معناه كل ما يستحل من الأطعمة - وكل ما ليس له نفس سائلة كالذباب والخنفساء وغيرهما فلا ينجس الماء بوقوع شيء منها فيه. وأما أجزاء الحيوانات فقسمان، أحدهما: ما يقطع منه وحكمه حكم الميت. والشعر لا ينجس بالجز، والموت والعظم ينجس. الثاني: الرطوبات الخارجة من باطنه فكل ما ليس مستحيلاً ولا له مقر فهو طاهر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط، وما له مقر وهو مستحي فنجس، إلا ما هو مادة الحيوان كالمني والبيض. والقيح والدم والروث والبول نجس من الحيوانات كلها. ولا يعفى عن شيء م هذه النجاسات قليلها وكثيرها إلا عن خمسة، الأول: أثر النجو بعد الاستجمار بالأحجار يعفى عنه ما لم يعد المخرج والثاني: طين الشوارع وغبار الروث في الطريق يعفى عنه مع تيقن النجاسة بقدر ما يتعذر الاحتراز عنه، وهو الذي لا ينسب المتلطلخ به إلى تفريط أو سقطة. الثالث: ما على أسفل الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عنها فيعفى عنه بعد الدلك للحاجة: الرابع: دم البراغيث ما قل منه أو كثر إلا إذا جاوز حد العادة سواء كان في ثوبك أو في ثوب غيرك فلبسته. الخامس: دم البثرات وما ينفصل منها من قيح وصديد. ودلك ابن عمر رضي الله عنه بثرة على وجهه فخرج منها الدم وصلى ولم يغتسل. وفي معناه ما يترشح من لطخات الدماميل التي تدوم غالباً وكذلك أثر الفصد إلا ما يقع نادراً من خراج أو غيره فيلحق بدم الاستحاضة، ولا يكون في معنى البثرات التي لا يخلو الإنسان عنها في أحواله. ومسامحة الشرع في هذه النجاسات الخمس تعرفك أن أمر الطهارة على التساهل وما ابتدع فيها وسوسة لا أصل لها.
الطرف الثاني
في المزال به
وهو إما جامد وإما مائع؛ فحجر الاستنجاء وهو مطهر تطهير تخفيف بشرط أن يكون صلباً طاهراً منشفاً غير محترم، وأما المائعات فلا تزال النجاسات بشيء منها إلا الماء؛ ولا كل ماء بل الطاهر الذي لم يتفاحش تغيره بمخالطة ما يستغنى عنه. ويخرج الماء عن الطهارة بأن يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه. فإن لم يتغير وكان قريباً من مائتين وخمسين منا - وهو خمسمائة رطل برطل العراق - لم ينجس لقوله ﷺ "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" وإن كان دونه صار نجساً عند الشافعي رضي الله عنه هذا في الماء الراكد. وأما الماء الجاري إذا تغير بالنجاسة فالجرية المتغيرة نجسة دون ما فوقها وما تحتها لأن جريات الماء متفاصلات. وكذا النجاسة الجارية إذا جرت بمجرى الماء فالنجس موقعها من الماء وما عن يمينها وشمالها إذا تقاصر عن قلتين. وإن كان جري الماء أقوى من جري النجاسة فما فوق النجاسة طاهر وما سفل عنها فنجس وإن تباعد وكثر إلا إذا اجتمع في حوض قدر قلتين. وإذا اجتمع قلتان من ماء نجس طهر ولا يعود نجساً بالتفريق. هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه. وكنت أود أن يكون مذهبه كمذهب مالك رضي الله عنه في أن الماء وإن قل لا ينجس إلا بالتغير إذ الحاجة ماسة إليه ومثار الوسواس اشترط القلتين. ولأجله شق على الناس ذلك: وهو لعمري سبب المشقة ويعرفه من يجربه ويتأمله. ومما لا أشك فيه أن ذلك لو كان مشروطاً لكان أولى المواضع بتعسر الطهارة: مكة والمدينة؛ إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة. ومن أول عصر رسول الله ﷺ إلى آخر عصر أصحابه لم تنقل واقعة في الطهارة ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات. وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات. وقد توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية، وهذا كالصريح في أنه لم يعول إلا على عدم تغير الماء وإلا فنجاسة النصرانية وإنائها غالبة تعلم بظن قريب، فإذا عسر القيام بهذا المذهب. وعدم وقوع السؤال في تلك الأعصار؛ دليل أول. وفعل عمر رضي الله عنه: دليل ثان. والدليل الثالث: إصغاء رسول الله ﷺ الإناء للهرة وعدم تغطية الأواني منها: بعد أن يرى أنها تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل الآبار والرابع: أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إن تغيرت، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورد عليها أو بورودها عليه? وأي معنى لقول القائل إن قوة الورود تدفع النجاسة مع ان الورود لم يمنع مخالطة النجاسة? وإن أحيل ذلك على الحاجة فالحاجة أيضاً ماسة إلى هذا فلا فرق بين طرح الماء في إجانة فيها ثوب نجس أو طرح الثوب النجس في الإجانة وفيها ماء? وكل ذلك معتاد في غسل الثياب والأواني، والخامس: أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة، ولا خلاف في مذهب الشافعي رضي الله عنه إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز التوضؤ به وإن كان قليلاً. وأي فرق بين الجاري والراكد? وليت شعري هل الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان? ثم ما حد تلك القوة أتجري في المياه من الأواني على الأبدان وهي أيضاً جارية? ثم البول أشد اختلاطاً بالماء الجاري من نجاسة جامدة ثابتة إذا قضى بأن ما يجري عليها وإن لم يتغير نجس أن يجتمع في مستنقع قلتان، فأي فرق بين الجامد والمائع والماء واحد والاختلاط أشد من المجاورة? والسادس: أنه إذا وقع رطل من البول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يغترف منه طاهر، ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل وليت شعري هل تعليل طهارته بعدم التغير أولى أو بقوة الماء بعد انقطاع الكثرة وزوالها مع تحقق بقاء أجزاء النجاسة فيها? والسابع: أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في تلك الحياض مع قلة الماء ومع العلم بأن الأيدي النجسة والطاهرة كانت تتوارد عليها. فهذه الأمور مع الحاجة الشديدة تقوى في النفس أنهم كانوا ينظرون إلى عدم التغير معولين على قوله ﷺ خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه وهذا فيه تحقيق، وهو أن طبع كل مائع أن يقلب إلى صفة نفسه كل ما يقع فيه وكان مغلوباً من جهته؛ فكما ترى الكلب يقع في المملحة فيستحيل ملحاً ويحكم بطهارته بصيرورته ملحاً وزوال صفة الكلبية عنه، فكذلك الخل يقع في الماء وكذا اللبن يقع فيه وهو قليل فتبطل صفته ويتصور بصفة الماء وينطبع بطبعه إلا إذا كثر وغلب وتعرف غلبته بغلبة طعمه أو لونه أو ريحه فهذا المعيار. وقد أشار الشرع إليه في الماء القوي على إزالة النجاسة وهو جدير بأن يعول عليه فيندفع به الحرج ويظهر به معنى كونه طهوراً إذ يغلب عليه فيطهره، كما صار كذلك فيما بعد القلتين وفي الغسالة وفي الماء الجاري وفي إصغاء الإناء للهرة ولا تظن ذلك عفواً إذ لو كان كذلك لكان كأثر الاستنجاء ودم البراغيث حتى يصير الماء الملاقي له نجساً ولا ينجس بالغسالة ولا بولوغ السنور في الماء القليل. وأما قوله ﷺ "لا يحمل خبثاً" فهو في نفسه مبهم فإنه يحمل إذا تغير. فإن قيل. أراد به إذا لم يتغير فيمكن أن يقال إنه أراد به أنه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتادة? ثم هو تمسك بالمفهوم فيما إذا يبلغ قلتين، وترك المفهوم بأقل من ألأدلة التي ذكرناها ممكن وقوله "لا يحمل خبثاً" ظاهره نفي الحمل أي يقلبه إلى صفة نفسه، كما يقال للملحة لا تحمل كلباً ولا غيره أي ينقلب، وذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة وفي الغدران ويغمسون الأواني النجسة فيها ثم يترددون في أنها تغيرت تغيراً مؤثراً أم لا? فتبين أنه إذا كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسة المعتادة. فإن قلت: فقد قال النبي ﷺ "لا يحمل خبثاً" ومهما كثرت حملها فهذا ينقلب عليك فإنها مهما كثرة حملها حكماً كما حملها حساً. فلابد من التخصيص بالنجاسات المعتادة على المذهبين جميعاً. وعلى الجملة فميلي في أمور النجاسات المعتادة إلى التساهل فهما من سيرة الأولين وحسماً لمادة الوسواس وبذلك أفتيت بالطهارة فيما وقع الخلاف فيه في مثل هذه المسائل.
الطرف الثالث
في كيفية الإزالة
والنجاسة إن كانت حكمية وهي التي لها جرم محسوس فيكفي إجراء الماء على جميع مواردها، وإن كانت عينية فلابد من إزالة العين، وبقاء الطعم يدل على بقاء العين وكذا بقاء اللون إلا فيما يلتصق به فهو معفو عنه بعد الحت والقرص. أما الرائحة فبقاؤها يدل على بقاء العين ولا يعفى عنها إلا إذا كان الشيء له رائحة فائحة بعسر إزالتها فالدلك والعصر مرات متواليات يقوم مقام الحت والقرص في اللون، والمزيل للوسواس أن يعلم أن الأشياء خلقت طاهرة بيقين فما لا يشاهد عليه نجاسة ولا يعلمها يقيناً يصلي معه، ولا ينبغي أن يتوصل بالاستنباط إلى تقدير النجاسات.
===
إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الطهارة/القسم الثاني
القسم الثاني
طهارة الأحداث ومنها الوضوء والغسل
والتيمم ويتقدمها الاستنجاء
فلنورد كيفيتها على الترتيب مع آدابها وسننها مبتدئين بسبب الوضوء وآداب قضاء الحاجة إن شاء الله تعالى.
باب آداب قضاء الحاجة
ينبغي أن يبعد عن أعين الناظرين في الصحراء وأن يستتر بشيء إن وجده وأن لا يكشف عورته قبل الانتهاء إلى موضع الجلوس وأن لا يستقبل الشمس والقمر وأن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها إلى إذا كن في بناء، والعدول أيضاً عنها في البناء أحب وإن استتر في الصحراء براحلته جاز وكذلك بذيله، وأن يتقي الجلوي في متحدث الناس وأن لا يبول في الماء الراكد ولا تحت الشجرة المثمرة ولا في الجحر، وأن يتقي الموضع الصلب ومهاب الرياح في البول استنزاهاً من رشاشه وأن يتكىء في جلوسه على الرجل اليسرى وإن كان في بنيان يقدم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج ولا يبول قائماً. قالت عائشة رضي الله عنها "من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه" وقال عمر رضي الله عنه "رآني رسول الله ﷺ وأنا أبول قائماً فقال: يا عمر لا تبل قائماً" قال عمر: فما بلت قائماً بعد، وفيه رخصة إذ روى حذيفة رضي الله عنه "أنه عليه الصلاة والسلام بال قائماً فأتيته بوضوء فتوضأ ومسح على خفيه" ولا يبول في المغتسل قال ﷺ "عامة الوسواس منه" وقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتس إذا جرى الماء عليه ذكره الترمذي وقال عليه الصلاة والسلام "لا يبولن أحدكم في مستجمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه" وقال ابن المبارك: إن كان الماء جارياً فلا باس به ولا يستصحب شيئاً عليه اسم الله تعالى أو رسوله ﷺ، ولا يدخل بيت الماء حاسر الرأس. وأن يقول عند الدخول "بسم الله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم" وعند الخروج "الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني" ويكون ذلك خارجاً عن بيت الماء وأن يعد النبل قبل الجلوس وأن لا يستنجي بالماء في موضع الحاجة وأن يستبرىء من البول بالتنحنح والنثر - ثلاثاً - وإمرار اليد على أسفل القضيب ولا يكثر التفكير في الاستبراء فيتوسوس ويشق عليه الأمر وما يحس به من بلل فليقدر أنه بقية الماء. فإن كان يؤذيه ذلك فليرش عليه الماء حتى يقوى في نفسه ذلك ولا يتسلط عليه الشيطان بالوسواس. وفي الخبر أنه ﷺ فعله أعني رش الماء وقد كان أخفهم استبراء أفقههم فتدل الوسوسة فيه على قلة الفقه. وفي حديث سلمان رضي الله عنه "علمان رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة فأمرنا أن لا تستنجى بعظم ولا روث ونهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول" وقال رجل لبعض الصحابة من الأعراب وقد خاصمه: لا أحسبك تحسن الخراء قال: بلى وأبيك إني لأحسنها وإني بها لحاذق أبعد الأثر وأعد المدر وأستقبل الشيح وأستدبر الريح وأقعي إقعاء الظبي وأجفل إجفال النعام - الشيح نبت طيب الرائحة بالبادية، والإقعاء ههنا أن يستوفز على صدور قدميه، والإجفال أن يرفع عجزه. ومن الرخصة أن يبول الإنسان قريباً من صاحبه مستتراً عنه فعل ذلك رسول الله ﷺ مع شدة حيائه ليبين للناس ذلك.
كيفية الاستنجاء
ثم يستنجي لمقعدته بثلاثة أحجار، فإن أنقى وإلا استعمل رابعاً، فإن أنقى وإلا استعمل خامساً لأن الإنقاء واجب والإيتار مستحب. قال عليه السلام "من استجمر فليوتر" ويأخذ الحجر بيساره ويضعه على مقدم المقعدة قبل موضع النجاسة ويمره بالمسح والإدارة إلى المؤخر، ويأخذ الثاني ويضعه على المؤخر كذك ويمره إلى المقدمة، ويأخذ الثالث فيديره حو المسربة إدارة فإن عسرت الإدارة ومسح من المقدمة إلى المؤخر أجزأه، ثم يأخذ حجراً كبيراً بيمينه والقضيب بيساره ويمسح الحجر بقضيبه ويحرك اليسار فيمسح ثلاثاً في ثلاثة مواضع أوفى ثلاثة أحجار أو في ثلاثة مواضع من جدار إلى أن لا يرى الرطوبة في محل المسح، فإن حصل ذلك بمرتين أتى بالثالثة، ووجب ذلك إن أراد الاقتصار على الحجر، وإن حصل بالرابعة استحب الخامسة للإيتار. ثم ينتقل من ذلك الموضع إلى موضع آخر ويستنجي بالماء بأن يفيضه باليمنى على محل النجو ويدلك باليسرى حتى لا يبقى أثر يدركه الكف بحس اللمس، ويدرك الاستقصاء فيه بالتعرض للباطن فإن ذلك منبع الوسواس، وليعلم أن كل ما لا يصل إليه الماء فهو باطن ولا يثبت حكم النجاسة للفضلات الباطنة ما لم تظهر، وكل ما هو ظاهر وثبت له حكم النجاسة فحد ظهوره أن يصل الماء إليه فيزيله ولا معنى للوسواس. ويقول عند الفراغ من الاستنجاء "اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش" ويدلك يده بحائط أو بالأرض إزالة للرائحة إن بقيت. والجمع بين الماء والحجر مستحب فقد روى "أنه لما نزل قوله تعالى "فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين" قال رسول الله ﷺ لأهل قباء: ما هذه الطهارة التي أثنى الله بها عليكم، قالوا. كنا نجمع بين الماء والحجر".
كيفية الوضوء
إذا فرغ من الاستنجاء اشتغل بالوضوء فلم ير رسول الله ﷺ قط خارجاً من الغائط إلا توضأ ويبتدىء بالسواك فقد قال رسول الله ﷺ "إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك" فينبغي أن ينوي عند السواك تطهير فمه لقراءة القرآن وذكر الله تعالى في الصلاة وقال ﷺ "صلاة على أثر سؤالاً أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك" وقال ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وقال ﷺ "مالي أراكم تدخلون علي قلحاً استاكوا" أي صفر الأسنان وكان عليه الصلاة والسلام يستاك في الليلة مراراً" وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "لم يزل ﷺ يأمرنا بالسواك حتى ظننا أنه سينزل عليه فيه شيء" وقال عليه السلام "عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب" وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: السواك يزيد في الحفظ ويذهب البلغم وكان أصحاب النبي ﷺ يروحون والسواك على آذانهم. وكيفيته: أن يستاك بخشب الأراك أو غيره من قضبان الأشجار مما يخشن ويزيل القلح ويستاك عرضاً وطولاً وإن اقتصر فعرضاً. ويستحب السواك عند كل صلاة وعند كل وضوء وإن لم يصل عقيبه وعند تغير النكهة بالنوم أو طول الأزم أو كل ما تكره رائحته، ثم عند الفراغ من السواك يجلس للوضوء مستقبل القبلة ويقول "بسم الله الرحمن الرحيم" قال ﷺ "لا وضوء لمن لم يسم الله تعالى" أي لا وضوء كامل. ويقول عند ذلك "أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك من الشؤم والهلكة" ثم ينوي رفع الحدث أو استباحة الصلاة ويستديم النية إلى غسل الوجه فإن نسيها عند الوجه لم يجزه، ثم يأخذ غرفة لفيه بيمينه فيتمضمض بها ثلاثاً ويغرغر بأن يرد الماء إلى الغلصمة إلا أن يكون صائماً فيرفق ويقول "اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك" ثم يأخذ غرفة لأنفه ويستنشق ثلاثاً ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ويستنثر ما فيها ويقول في الاستنشاق "اللهم أوجد لي رائحة الجنة وأنت عني راض" وفي الاستنثار "اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن سوء الدار" لأن الاستنشاق إيصال الاستنثار إزالة، ثم يغرف غرفة لوجهه فيغسله من مبدإ سطح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن في الطول، ومن الأذن إلى الأذن في العرض، ولا يدخل في حد الوجه النزعتان اللتان على طرفي الجبينين فهما من الرأس، ويوصل الماء إلى موضع التحذيف وهو ما يعتاد النساء تنحية الشعر عنه وهو القدر الذي يقع في جانب الوجه، مهما وضع طرف الخيط على رأس الأذن والطرف الثاني على زاوية الجبين، ويوصل الماء إلى منابت الشعور الأربعة: الحاجبان والشاربان والعذاران والأهداب: لأنها خفيفة في الغالب. والعذاران هما ما يوازيان الأذنين من مبدإ اللحية. ويجب إيصال الماء إلى منابت اللحية الخفيفة أعني ما يقبل من الوجه وأما الكثيفة فلا، وحكم العنفقة حكم اللحية في الكثافة والخفة، ثم يفعل ذلك ثلاثاً ويفيض الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية ويدخل الأصابع في محاجر العينين وموضع الرمص ومجتمع الكحل وينقيهما. فقد روي أنه عليه السلام فعل ذلك ويأمل عند ذلك خروج الخطايا من عينيه وكذلك عند كل عضو ويقول عنده "اللهم بيض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك ولا تسود وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك" ويخلل اللحية الكثيفة عند غسل الوجه فإنه مستحب، ثم يغسل يديه إلى مرفقيه ثلاثاً ويحرك الخاتم ويطيل الغرة ويرفع الماء إلى أعلى العضد فإنهم يحشرون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، كذلك ورد الخبر. قال عليه السلام "من استطاع أن يطيل غرته فليفعل" وروي أن الحلية تبلغ مواضع الوضوء ويبدأ باليمنى ويقول "اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً" ويقول عند غسل الشمال "اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري" ثم يستوعب رأسه بالمسح بأن يبل يديه ويلصق رءوس أصابع يديه اليمنى باليسرى ويضعهما على مقدمة الرأس ويمدهما إلى القفا ثم يردهما إلى المقدمة، وهذه مسحة واحدة، يفعل ذلك ثلاثاً ويقول "اللهم غثني برحمتك وأنزل علي من بركاتك وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك" ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد بأن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه ويدير إبهاميه على
ظاهر أذنيه ثم يضع الكف على الأذنين استظهاراً، ويكرره ثلاثاً ويقول "اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم اسمعني منادي الجنة مع الأبرار" ثم يمسح رقبته بماء جديد لقوله ﷺ "مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة" ويقول "اللهم فك رقبتي من النار وأعوذ بك من السلاسل والأغلال" ثم يغسل رجله اليمنى ثلاثاً ويخلل باليد اليسرى من أسفل أصابع الرجل اليمنى ويبدأ بالخنصر من الرجل اليمنى ويختم بالخنصر من الرجل اليسرى ويقول "اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام في النار" ويقول عند غسل اليسرى "أعوذ بك أن تزل قدمي عن الصراط يوم تزل فيه أقدام المنافقين" ويرفع الماء إلى أنصاف الساقين. فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي أستغفرك اللهم وأتوب إليك فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين واجعلني عبداً صبوراً شكوراً واجعلني أذكرك كثيراً وأسبحك بكرة وأصيلاً" يقال: إن من قال هذا بعد الوضوء ختم على وضوئه بخاتم ورفع له تحت العرش فلم يزل يسبح الله تعالى ويقدسه ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة. ويكره في الوضوء أمور: منها أن يزيد على الثلاث فمن زاد فقد ظلم، وأن يسرف في الماء "توضأ عليه السلام ثلاثاً وقال من زاد فقد ظلم وأساء" وقال "سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور" ويقال: من وهن علم الرجل ولوعه بالماء في الطهور وقال إبراهيم بن أدهم: يقال إن أول ما يبتدىء الوسواس من قبل الطهور، وقال الحسن: إن شيطاناً يضحك بالناس في الوضوء يقال له الولهان. ويكره أن ينفض اليد فيرش الماء وأن يتكلم في أثناء الوضوء وأن يلطم وجهه بالماء لطماً. وكره قوم التنشيف وقالوا: الوضوء يوزن، قاله سعيد بن المسيب والزهري، لكن روى معاذ رضي الله عنه "أنه عليه السلام مسح وجهه بطرف ثوبه" وروت عائشة رضي الله عنها "أنه ﷺ كانت له منشفة" ولكن طعن في هذه الرواية عن عائشة. ويكره أن يتوضأ من إناء صفر وأن يتوضأ بالماء المشمس وذلك من جهة الطب. وقد روي عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما كراهية إناء الصفر: وقال بعضهم: أخرجت لشعبة ماء في إناء صفر فأبى أن يتوضأ منه. ونقل كراهية ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما. ومهما فرغ من وضوئه وأقبل على الصلاة فينبغي أن يخطر بباله أنه طهر ظاهره وهو موضع نظر الخلق أن يستحي من مناجاة الله تعالى من غير تطهير قلبه وهو موضع نظر الرب سبحانه. وليحقق طهارة القلب بالتوبة. والخلو عن الأخلاق المذمومة والتخلق بالأخلاق الحميدة أولى. وأن من يقتصر على طهارة الظاهر كمن يدعو ملكاً إلى بيته فتركه مشحوناً بالقاذورات واشتغل بتحصيص ظاهر الباب البراني من الدار. وما أجدر مثل هذا الرجل بالتعرض للمقت والبوار! والله سبحانه وتعالى أعلم.
فضيلة الوضوء
قال رسول الله ﷺ "من توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وفي لفظ آخر "ولم يسه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه" وقال ﷺ أيضاً "ألا أنبئكم بما يكفر الله به الخطايا ويرفع به الدرجات? إسباغ الوضوء على المكاره ونقل الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط - ثلاث مرات - " "وتوضأ ﷺ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: من توضأ مرتين مرتين أتاه الله أجره مرتين، وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام" وقال ﷺ "من ذكر الله عند وضوئه طهر الله جسده كله ومن لم يذكر الله لم يطهر منه إلا ما أصاب الماء" وقال ﷺ "من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات" وقال ﷺ "الوضوء على الوضوء نور على نور" وهذا كله حث على تجديد الوضوء وقال عليه السلام "إذا توضأ العبد المسلم فتمضمض خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفاره فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه وإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له" ويروى "إن الطاهر كالصائم" قال عليه الصلاة والسلام "من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" وقال عمر رضي الله عنه: إن الوضوء الصالح يطرح عنك الشيطان. وقال مجاهد: من استطاع أن لا يبيت إلا طاهراً ذاكراً مستغفراً فليفعل فإن الأرواح تبعث على ما قبضت عليه.
كيفية الغسل
وهو أن يضع الإناء عن يمينه ثم يسمي الله تعالى ويغسل يديه ثلاثاً، ثم يستنجي كما وصفت لك ويزيل ما على بدنه من نجاسة إن كانت، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كما وصفنا إلا غسل القدمين فإنه يؤخرهما فإن غسلهما ثم وضعهما على الأرض كان إضاعة للماء، ثم يصب الماء على رأسه ثلاثاً، ثم على شقه الأيمن ثلاثاً، ثم على شقه الأيسر ثلاثاً، ثم يدلك ما أقبل من بدنه ويخلل شعر الرأس واللحية ويوصل الماء إلى منابت ما كثف منه أو خف، وليس على المرأة نقض للضفائر إلا إذا علمت أن الماء لا يصل إلى خلال الشعر، ويتعهد معاطف البدن وليتق أن يمس ذكره في أثناء ذلك فإن فعل ذلك فليعد الوضوء، وإن توضأ قبل الغسل فلا يعيده بعد الغسل. فهذه سنن الوضوء والغسل ذكرنا منها ما لا بد لسالك طريق الآخرة من علمه وعمله، وما عداه من المسائل التي يحتاج إليها في عوارض الأحوال فليرجع فيها إلى كتب الفقه. والواجب من جملة ما ذكرناه في الغسل أمران. النية واستيعاب البدن بالغسل. وفروض الوضوء. النية وغسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين ومسح ما ينطلق عليه الاسم من الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين والترتيب. وأما الموالاة فليست بواجبة. والغسل الواجب بأربعة: بخروج المني والتقاء الختانين والحيض والنفاس، وما عداه من الأغسال سنة كغسل العيدين والجمعة والأعياد والإحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة ولدخول مكة وثلاثة أغسال أيام التشريق ولطواف الوداع - على قول - والكافر إذا أسلم غير جنب والمجنون إذا أفاق لومن غسل ميتاً، فكل ذلك مستحب
كيفية التيمم
من تعذر عليه استعمال الماء - لفقده بعد الطلب أو بمانع له عن الوصول إليه من سبع أو حابس أو كان الماء الحاضر يحتاج إليه لعطشه أو لعطش رفيقه أو كان ملكاً لغيره ولم يبعه إلا بأكثر من ثم المثل أو كان به جراحة أو مرض وخاف من استعماله فساد العضو أو شدة الضنا - فينبغي أن يصبر حتى يدخل عليه وفت الفريضة، ثم يقصد صعيداً طيباً عليه تراب طاهر خالص لين بحيث يثور منه غبار، ويضرب عليه كفيه ضاماً بين أصابعه ويمسح بهما جميع وجهه مرة واحدة، وينوي عند ذلك استباحة الصلاة، ولا يكلف إيصال الغبار إلى ما تحت الشعور خفت أو كثفت، ويجتهد أن يستوعب بشرة وجهه بالغبار - ويحصل ذلك بالضربة الواحدة فإن عرض الوجه لا يزيد على عرض الكفين - ويكفي في الاستيعاب غالب الظن، ثم ينزع خاتمة ويضرب ضربة ثانية يفرج فيها بين أصابعه ثم يلصق ظهور يده اليمنى ببطون أصابع يده اليسرى - بحيث لا يجاوز أطراف الأنامل من إحدى الجهتين عرض المسبحة من الأخرى - ثم يمر يده اليسرى من حيث وضعها على ظاهر ساعده الأيمن إلى المرفق، ثم يقلب بطن كفه اليسرى على باطن ساعده الأيمن ويمرها إلى الكوع، ويمر بطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك. ثم يمسح كفيه ويخلل بين أصابعه، وغرض هذا التكليف تحصيل الاستيعاب إلى المرفقين بضربة واحدة فإن عسر عليه ذلك فلا بأس بأن يستوعب بضربتين وزيادة. وإذا صلى به الفرض فله أن ينتقل كيف شاء، فإن جمع بين فريضتين فينبغي أن يعيد التيمم للثانية. وهكذا يفرد كل فريضة بتيمم والله أعلم.
===========
إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الطهارة/القسم الثالث
القسم الثالث من النظافة
التنظيف عن الفضلات الظاهرة
وهي نوعان أوساخ وأجزاء
النوع الأول
الأوساخ والرطوبات المترشحة
وهي ثمانية
الأول: ما يجتمع في شعر الرأس من الدرن والقمل فالتنظيف عنه مستحب بالغسل والترجيل والتدهين إزالة للشعث عنه "وكان ﷺ يدهن الشعر ويرجله غباً ويأمر به" ويقول عليه الصلاة والسلام: ادهنوا غباً وقال عليه الصلاة والسلام من كان له شعرة فليكرمها أي ليصنها عن الأوساخ" ودخل عليه رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال: أما كان لهذا دهن يسكن به شعره ثم قال: يدخل أحدكم كأنه شيطان" الثاني ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، والمسح يزيل ما يظهر منه وما يجتمع في قعر الصماخ فينبغي أن ينظف برفق عند الخروج من الحمام فإن كثرة ذلك ربما تضر بالسمع. الثالث ما يجتمع في داخل الأنف من الرطوبات المنعقدة الملتصقة بجوانبه ويزيلها بالاستنشاق والاستنثار. الرابع ما يجتمع على الأسنان وطرف اللسان من القلح فيزيله السواك والمضمضة وقد ذكرناهما. الخامس ما يجتمع في اللحية من الوسخ والقمل إذا لم يتعهد ويستحب إزالة ذلك بالغسل والتسريح بالمشط. وفي الخبر المشهور أنه ﷺ "كان لا يفارقه المشط والمدرى والمرآة في سفر ولا حضر" وهي سنة العرب وفي خبر غريب "أنه ﷺ كان يسرح لحيته في اليوم مرتين"وكان ﷺ كث اللحية، وكذلك كان أبو بكر، وكان عثمان طويل اللحية رقيقها وكان على عريض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه. وفي حديث أغرب منه قالت عائشة رضي الله عنها "اجتمع قوم بباب رسول الله ﷺ فخرج إليهم فرأيته يطلع في الحب يستوي من رأسه ولحيته فقلت أو تفعل ذلك يا رسول الله? فقال: نعم إن الله يحب من عبده أن يتجمل لإخوانه إذا خرج إليهم" والجاهل ربما يظن أن ذلك من حب التزين للناس قياساً على أخلاق غيره وتشبيهاً للملائكة بالحدادين وهيهات! فقد كان رسول الله ﷺ مأموراً بالدعوة وكان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم كيلا تزدريه نفوسهم ويحسن صورته في أعينهم كيلا تستصغره أعينهم فينفرهم ذلك ويتعلق المنافقون بذلك في تنفيرهم. وهذا القصد واجب على كل عالم تصدي لدعوة الخلق إلى الله عز وجل، وهو أن يراعي من ظاهره ما لا يوجب نفرة الناس عنه. والاعتماد في مثل هذه الأمور على النية فإنها أعمال في أنفسها تكتسب الأوصاف من المقصود، فالتزين على هذا القصد محبوب وترك الشعث في اللحية إظهاراً للزهد وقلة المبالاة بالنفس محذور وتركه شغلاً بما هو أهم منه محبوب. وهذه أحوال باطنة بين العبد وبين الله عز وجل. والناقد بصير والتلبيس غير رائج عليه بحال، وكم من جاهل يتعاطى هذه الأمور التفاتاً إلى الخلق وهو يلبس على نفسه وعلى غيره ويزعم أن قصده الخير، فترى جماعة من العلماء يلبسون الثياب الفاخرة ويزعمون أن قصدهم إرغام المبتدعة والمجادلين والتقرب إلى الله تعالى به. وهذا أمر ينكشف يوم تبلى السرائر، ويوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور؛ فعند ذلك تتميز السبيكة الخالصة من البهرجة فنعوذ بالله من الخزي يوم العرض الأكبر السادس وسخ لأنها كانت لا يحضرها المقراض في كل وقت فتجتمع فيها أوساخ؛ فوقت لهم رسول الله ﷺ قلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أربعين يوماً لكنه أمر رسول الله ﷺ بتنظيف ما تحت الأظفار وجاء في الأثر "أن النبي ﷺ استبطأ الوحي فلما هبط عليه جبريل عليه السلام قال له: كيف ننزل عليكم وأنتم لا تغسلون براجمكم ولا تنظفون رواجبكم وقلحاً لا تستاكون. مر أمتك بذلك" والاف وسخ الظفر، والتف وسخ الأذن وقوله عز وجل "فلا تقل لهما أف" تعبهما أي بما تحت الظفر من الوسخ، وقيل لا تتأذ بهما كما تتأذى بما تحت الظفر الثامن الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق، وذلك يزيله الحمام ولا بأس بدخول الحمام، دخل أصحاب رسول الله ﷺ حمامات اشام وقال بعضهم: نعم البيت بيت الحمام يطهر البدن ويذكر النار: روي ذلك عن أبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما. وقال بعضهم. بئس البيت بيت الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء. فهذا تعرض لآفته وذاك تعرض لفائدته ولابأس بطلب فائدته عند الاحتراز من آفته. ولكن على داخل الحمام وظائف من السنن والواجبات، فعليه واجبان في عورته وواجبان في عورة غيره. أما الواجبان في عورته فهو أن يصونها عن نظر الغير ويصونها عن مس الغير فلا يتعاطى أمرها وإزالة وسخها إلا بيده، ويمنع الدلاك من مس الفخذ وما بين السرة إلى العانة، وفي إباحة مس ما ليس بسوءة لإزالة الوسخ احتمال، ولكن الأقيس التحريم إذ ألحق من السوأتين في التحريم بالنظر فكذلك ينبغي أن تكون بقية العورة أعني الفخذين. والواجبان في عورة الغير أن يغض بصر نفسه عنها وأن ينهى عن كشفها لأن النهي عن المنكر واجب، وعليه ذكر ذلك وليس عليه القبول ولا يسقط عنه وجوب الذكر إلا لخوف ضرب أو شتم أو ما يجري عليه مما هو حرام في نفسه، فليس عليه أن ينكر حراماً يرهق المنكر عليه إلى مباشرة حرام آخر. فأما قوله أعلم أن ذلك لا يفيد ولا يعمل به فهذا لا يكون عذراً بل لابد من الذكر، فلا يخلو قلب عن التأثر من سماع الإنكار واستشعار الاحتراز عند التعبير بالمعاصي وذلك يؤثر في تقبيح الأمر في عينه وتنفير نفسه فلا يجوز تركه، ولمثل هذا صار الحزم ترك دخول الحمام في هذه الأوقات إذ لا تخلو عن عورات مكشوفة لاسيما ما تحت السرة إلى ما فوق العانة؛ إذ الناس لا يعدونها عورة وقد ألحقها الشرع بالعورة وجعلها كالحريم لها ولهذا يستحب تخلية الحمام. وقال بشر بن الحرث: ما أعنف رجلاً لا يملك إلا درهماً دفعه ليخلي له الحمام. ورؤي ابن عمر رضي الله عنهما في الحمام ووجهه إلى الحائط وقد عصب عينيه بعصابة وقال بعضهم: لابأس بدخول الحمام ولكن بإزارين: إزار للعورة وإزار للرأس يتقنع به ويحفظ عينيه، وأما السنن فعشرة، فالأول: النية وهو أن لا يدخل لعاجل دنيا ولا عابثاً لأجل هوى بل يقصد به التنظف المحبوب تزيناً للصلاة، ثم يعطي الحمامي الأجرة قبل الدخول فإن ما يستوفيه مجهول وكذا ما ينتظره الحمامي، فتسليم الأجرة قبل الدخول دفع للجهالة من أحد العوضين وتطييب لنفسه، ثم يقدم رجله اليسرى عند الدخول ويقول بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم" ثم يدخل وقت الخلوة أو يتكلف تخلية الحمام فإنه إن لم يكن في الحمام إلا أهل الدين والمحتاطين للعورات فالنظر إلى الأبدان مكشوفة فيه شائبة من قلة الحياء وهو مذكر للنظر في العورات، ثم لا يخلو الإنسان في الحركات عن انكشاف العورات بانعطاف في أطراف الإزار فيقع البصر على العورة من حيث لا يدري، ولأجله عصب ابن عمر رضي الله عنهما عينيه، ويغسل الجناحين عند الدخول ولا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول، وأن لا يكثر صب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فإنه المأذون فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمه الحمامي لكرهه، لاسيما الماء الحار فله مئونة وفيه تعب وأن يتذكر حر النار بحرارة الحمام ويقدر نفسه محبوساً في البيت الحار ساعة ويقيسه إلى جهنم، فإنه أشبه بيت بجهنم: النار من تحت والظلام من فوق نعوذ بالله من ذلك، بل العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة فإنها مصيره ومستقره فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة وموعظة، فإن المرء ينظر بحسب همته. فإذا دخل بزاز ونجار وبناء وحائك داراً معمورة مفروشة فإذا تفقدتهم رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها والحائك ينظر إلى الثياب يتأمل نسجها والنجار ينظر إلى السقف يتأمل كيفية تركيبها والبناء ينظر إلى الحيطان يتأمل كيفية إحكامها واستقامتها. فكذلك سالك طرق الآخرة لا يرى من الأشياء شيئاً إلا ويكون له موعظة وذكرى للآخرة، بل لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح الله عز وجل له طريق عبرة فإن نظر إلى سواد تذكر ظلمة اللحد وإن نظر إلى حية تذكر أفاعي جهنم وإن نظر إلى صورة قبيحة شنيعة تذكر منكراً ونكيراً والزبانية، وإن سمع صوتاً هائلاً تذكر نفخة الصور وإن رأى شيئاً حسناً تذكر نعيم الجنة وإن سمع كلمة رد أو قبول في سوق أو دار تذكر ما ينكشف من آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول وما أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل إذ لا يصرفه عنه إلا مهمات الدنيا! فإذا نسب مدة المقام في الدنيا إلى مدة المقام في الآخرة استحقرها إن لم يكن ممن أغفل قلبه وأعميت بصيرته. ومن السنن: أن لا يسم عند الدخول وإن سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت إن أجاب غيره وإن أحب قال "عافاك الله" ولا بأس بأن يصافح الداخل ويقول "عافاك الله" لابتداء الكلام. ثم لا يكثر الكلام في الحمام ولا يقرأ القرآن إلا سراً ولا بأس بإظهار الاستعاذة من الشيطان ويكره دخول الحمام بين العشاءين وقريباً من الغروب فإن ذلك وقت انتشار الشياطين، ولابأس أن يدلكه غيره فقد نقل ذلك عن يوسف بن أسباط أوصى بأن يغسله إنسان لم يكن من أصحابه وقال: إنه دلكني في الحمام مرة فأردت أن أكافئه بما يفرح به وإنه ليفرح بذلك. ويدل على جوازه ما روى بعض الصحابة "أن رسول الله ﷺ نزل منزلاً في بعض أسفاره فنام على بطنه وعبد أسود يغمز ظهره فقلت: ما هذا يا رسول الله? فقال: إن الناقة تقحمت بي" ثم مهما فرغ من الحمام شكر الله عز وجل على هذه النعمة. فقد قيل الماء الحار في الشتاء من النعيم الذي يسأل عنه. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: الحمام من النعيم الذي أحدثوه. هذا من جهة الشرع. أما من جهة الطب فقد قيل: الحمام بعد النورة أمان من الجذام. وقيل؛ النورة في كل شهر مرة تطفىء المرة الصفراء وتنقي اللون وتزيد في الجماع. وقيل: بولة في الحمام قائماً في الشتاء أنفع من شربة دواء. وقيل: نومة في الصيف بعد الحمام تعدل شربة دواء. وغسل القدمين بماء بارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس ويكره صب الماء البارد على الرأس عند الخروج وكذا شربه، هذا حكم الرجال: وأما النساء فقد قال ﷺ "لايحل للرجل أن يدخل حليلته الحمام" وفي البيت مستحم، والمشهور أنه حرام على الرجال دخول الحمام إلا بمئزر" وحرام على المرأة دخول الحمام إلا نفساء أو مريضة. ودخلت عائشة رضي الله عنها حماماً من سقم بها. فإن دخلت لضرورة فلا تدخل إلا بمئزر سابغ، ويكره للرجل أن يعطيها أجرة الحمام فيكون معيناً لها على المكروه.
النوع الثاني
فيما يحدث في البدن من الأجزاء
وهي ثمانية
الأول شعر الرأس ولابأس بحلقه لمن أراد التنظيف ولابأس بتركه لمن يدهنه ويرجله إلا إذا تركه قزعاً، أي قطعاً وهو دأب أهل الشطارة، أو أرسل الذوائب على هيئة أهل الشرف حيث صار ذلك شعاراً لهم فإنه إذا لم يكن شريفاً كان ذلك تلبيساً الثاني شعر الشارب وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "قصوا الشارب" وفي لفظ آخر "جزوا الشوارب" وفي لفظ آخر "حفوا الشوارب وأعفوا اللحى" أي اجعلوها حفاف الشفة أي حولها، وحفاف الشيء: حوله. ومنه "وترى الملائكة حافين من حول العرش" وفي لفظ آخر "احفوا" يدل على ما دون ذلك. وقال الله عز وجل "إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا" أي يستقصى عليكم، وأما الحلق فلم يرد. والإحفاء القريب من الحلق نقل عن الصحابة: نظر بعض التابعين إلى رجل أحفى شاربه فقال: ذكرتني أصحاب رسول الله ﷺ. وقال المغيرة بن شعبة "نظر إلي رسول الله ﷺ وقد طال شاربي فقال: تعال فقصه لي على سواك" ولابأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب، فعل ذلك عمر وغيره لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه: وقوله ﷺ "اعفوا اللحى" أي كثروها وفي الخبر "إن اليهود يعفون شواربهم ويقصون لحاهم فخالفوهم" وكره بعض العلماء الحلق ورآه بدعة الثالث شعر الإبط ويستحب نتفه في كل أربعين يوماً مرة وذلك سهل على من تعود نتفه في الابتداء، فأما من تعود الحلق فيكفيه الحلق إذ في النتف تعذيب وإيلام، والمقصود النظافة وأن لا يجتمع الوسخ في خللها ويحصل ذلك بالحلق الرابع شعر العانة ويستحب إزالة ذلك إما بالحلق أو بالنورة ولا ينبغي أن تتأخر عن أربعين يوماً الخامس الأظفار وتقليمها مستحب لشناعة صورتها إذا طالت ولما يجتمع فيها من الوسخ قال رسول الله ﷺ "يا أبا هريرة أقلم أظفارك فإن الشيطان يقعد على ما طال منها" ولو كان تحت الظفر وسخ فلا يمنع ذلك صحة الوضوء لأنه لا يمنع وصول الماء ولأنه يتساهل فيه للحاجة لاسيما في أظفار الرجل وفي الأوساخ التي تجتمع على البراجم وظهور الأرجل والأيدي من العرب وأهل السواد، وكان رسول الله ﷺ يأمرهم بالقلم وينكر عليهم ما يرى تحت أظفارهم من الأوساخ ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، ولو أمر به لكان فيه فائدة أخرى وهو التغليظ والزجر عن ذلك. ولم أر في الكتب خبراً مروياً في ترتيب قلم الأظفار ولكن سمعت "أنه ﷺ بدأ بمسبحته اليمنى وختم بإبهامه اليمنى وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام" ولما تأملت في هذا خطر لي من المعنى ما يدل على أن الرواية فيه صحيحة إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداء إلا بنور النبوة، وأما العالم ذو البصيرة فغايته أن يستنبطه من العقل بعد نقل الفعل إليه. فالذي لاح لي فيه والعلم عند الله سبحانه أنه لابد من قلب أظفار اليد والرجل، واليد أشرف من الرجل فيبدأ بها، ثم اليمنى أشرف من اليسرى فيبدأ بها، ثم على اليمنى خمسة أصابع والمسبحة أشرفها إذ هي المشيرة في كلمتي الشهادة من جملة الأصابع، ثم بعدها ينبغي أن يبتدىء بما على يمينها إذ الشرع يستحب إدارة الطهور وغيره على اليمين، وإن وضعت ظهر الكف على الأرض فالإبهام هو اليمين، وإن وضعت بطن الكف فالوسطى هي اليمنى، واليد إذا تركت بطبعها كان الكف مائلاً إلى جهة الأرض إذ جهة حركة اليمين إلى اليسار واستتمام الحركة إلى اليسار يجعل ظهر الكف عالياً فما يقتضيه الطبع أولى، ثم إذا وضعت الكف على الكف صارت الأصابع في حكم حلقة دائرة، فيقتضي ترتيب الدور الذهاب عن يمين المسبحة إلى أن يعود إلى المسبحة، فتقع البداءة بخنصر اليسرى والختم بإبهامها ويبقى إبهام اليمنى فيختم به التقليم. وإنما قدرت الكف موضوعة على الكف حتى تصير الأصابع كأشخاص في حلقة ليظهر ترتيبها. وتقدير ذلك أولى من تقدير وضع الكف على ظهر الكف أو وضع ظهر الكف على ظهر الكف فإن ذلك لا يقتضيه الطبع. وأما أصابع الرجل فالأولى عندي - إن لم يثبت فيها نقل - أن يبدأ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى كما في التخليل، فإن المعاني التي ذكرها في اليد لا تتجه ههنا إذ لا مسبحة في الرجل. وهذه الأصابع في حكم صف واحد ثابت على الأرض فيبدأ من جانب اليمنى فإن تقديرها حلقة بوضع الأخمص على الأخمص يأباه الطبع بخلاف اليدين. وهذه الدقائق في الترتيب تنكشف بنور النبوة في لحظة واحدة وإنما يطول التعب علينا. ثم لو سئلنا ابتداء عن الترتيب في ذلك ربما لم يخطر لنا. وإذا ذكرنا فعله ﷺ وترتيبه ربما تيسر نا مما عاينه ﷺ بشهادة الحكم وتنبيهه على المعنى استنباط المعنى، ولا تظنن أن أفعاله ﷺ في جميع حركاته كانت خارجة عن وزن وقانون وترتيب بل جميع الأمور الاختيارية التي ذكرناها يتردد فيها الفاعل بين قسمين أو أقسام كان لا يقدم على واحد معين بالاتفاق بل بمعنى يقتضي الإقدام والتقديم، فإن الاسترسال مهملاً - كما يتفق - سجية البهائم، وضبط الحركات بموازين المعاني سجية أولياء الله تعالى. وكلما كانت حركات الإنسان وخطراته إلى الضبط أقرب وعن الإهمال وتركه مدى أبعد: كانت مرتبته إلى رتبة الأنبياء والأولياء أكثر وكان قربه من الله عز وجل أظهر؛ إذ القريب من النبي ﷺ هو القريب من الله عز وجل والقريب من الله لابد أن يكون قريباً فالقريب من القريب قريب بالإضافة إلى غيره فنعوذ بالله أن يكون زمام حركاتنا وسكناتنا في يد الشيطان بواسطة الهوى. واعتبر في ضبط الحركات باكتحاله ﷺ "فإنه يكتحل في عينه اليمنى ثلاثاً وفي اليسرى اثنتين" فيبدأ باليمنى لشرفها. وتفاوته بين العينين لتكون الجملة وتراً، فإن للوتر فضلاً عن الزوج فإن الله سبحانه وتر يحب الوتر فلا ينبغي أن يخلو فعل العبد من مناسبة لوصف من أوصاف الله تعالى. ولذلك استحب الإيتار في الاستجمار. وإنما لم يقتصر على الثلاث وهو وتر لأن اليسرى لا يخصها إلا واحدة والغالب أن الواحدة لا تستوعب أصول الأجفان بالكحل، وإنما خصص اليمين بالثلاث لأن التفضيل لابد منه للإيتار واليمين أفضل فهي بالزيادة أحق. فإن قلت: فلم اقتصر على اثنين لليسرى وهي زوج? فالجواب أن ذلك ضرورة إذ لو جعل لكل واحدة وتر لكان المجموع زوجاً إذ الوتر مع الوتر زوج، ورعايته الإيتار في مجموع الفعل وهو في حكم الخصلة الواحدة أحب من رعايته في الآحاد. ولذلك أيضاً وجه وهو أن يكتحل في كل واحدة ثلاثاً على قياس الوضوء وقد نقل ذلك في الصحيح وهو الأولى. ولو ذهبت أستقصي دقائق ما راعاه ﷺ في حركاته لطال الأمر فقس بما سمعته ما لم تسمعه. واعلم أن العالم لا يكون وارثاً للنبي ﷺ إلا إذا اطلع على جميع معاني الشريعة حتى لا يكون بينه وبين النبي ﷺ إلا درجة واحدة وهي درجة النبوة، وهي الدرجة الفارقة بين الوارث والموروث، إذ الموروث هو الذي حصل المال له واشتغل بتحصيله واقتدر عليه والوارث هو الذي لم يحصل ولم يقدر عليه ولكن انتقل إليه وتلقاه منه بعد حصوله له، فأمثال هذه المعاني مع سهولة أمرها بالإضافة إلى الأغوار والأسرار لا يستقل بدركها ابتداء إلا الأنبياء ولا يستقل باستنباطها تلقياً بعد تنبيه الأنبياء عليها إلا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء عليهم السلام السادس والسابع زيادة السرة وقلفة الحشفة؛ أما السرة فتقطع في أول الولادة وأما التطهير بالختان فعادة اليهود في اليوم السابع من الولادة ومخالفتهم بالتأخير إلى أن يثغر الولد أحب وأبعد عن الخطر قال ﷺ "الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء" وينبغي أن لا يبالغ في خفض المرأة قال ﷺ لأم عطية وكانت تخفض "يا أم عطية أشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج" أي أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها فانظر إلى جزالة لفظه ﷺ في الكتابة وإلى إشراق نور النبوة من مصالح الآخرة التي هي أهم مقاصد النبوة إلى مصالح الدنيا حتى انكشف له وهو أمي من هذا الأمر النازل قدره ما لو وقعت الغفلة عنه خيف ضرره فسبحان من أرسله رحمة للعالمين ليجمع لهم بيمن بعثته مصالح الدنيا والدين ﷺ الثامنة ما طال من اللحية وإنما أخرناها لنلحق بها ما في اللحية من السنن والبدع إذ هذا أقرب موضع يليق به ذكرها وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وقالا تركها عافية أحب لقوله ﷺ "اعفوا اللحا" والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبذ إليه فلابأس بالاحتراز عنه على هذه النية. وقال النخعي عجبت لرجل عاقل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته ويجعها بين لحيتين فإن التوسط في كل شيء حسن، ولذلك قيل كلما طالت اللحية تشمر العقل.
فصل
وفي اللحية عشر خصال مكروهة وبعضها أشد كراهة من بعض؛ خضابها بالسواد وتبيضها بالكبريت ونتفها ونتف الشيب منها والنقصان منها والزياد وتسريحها تصنعاً لأجل الرياء وتركها شعثة إظهاراً للزهد والنظر إلى سوادها عجباً بالشباب وإلى بياضها تكبراً بعلو السن وخضابها بالحمرة والصفرة من غير نية تشبهاً بالصالحين. أما الأول وهو الخضاب بالسواد فهو منهي عنه لقوله ﷺ "خير شبابكم من تشبه بشيوخكم وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم" والمراد بالتشبه بالشيوخ في الوقار لا في تبييض الشعر و "نهى عن الخضاب بالسواد وقال هو خضاب أهل النار" وفي لفظ آخر "الخضاب بالسواد خضاب الكفار" وتزوج رجل على عهد عمر رضي الله عنه وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته فرفعه أهل المرأة إلى عمر رضي الله عنه فرد نكاحه وأوجعه ضرباً وقال: غررت القوم بالشباب ولبست عليهم شيبتك ويقال أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال "يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحو رائحة الجنة" الثاني: الخضاب بالصفرة والحمرة وهو جائز تلبيساً للشيب على الكفار وفي الغزو والجهاد فإن لم يكن على هذه النية بل للتشبه بأهل الدين فهو مذموم وقد قال رسول الله ﷺ "الصفرة خضاب المسلمين والحمرة خضاب المؤمنين" وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة وبالخلوق والكتم للصفرة، وخضب بعض العلماء بالسواد لأجل الغزو وذلك لابأس به إذا صحت النية ولم يكن فيه هوى وشهوة. الثالث: تبييضها بالكبريت استعجالاً لإظهار علو السن توصلاً إلى التوقير وقبول الشهادة والتصديق بالرواية عن الشيوخ وترفعاً عن الشباب وإظهاراً لكثرة العلم ظناً بأن كثرة الأيام تعطيه فضلاً وهيهات فلا يزيد كبر السن الجاهل إلا جهلاً فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها ومن كانت غريزته الحمق فطول المدة يؤكد حماقته وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب بالعلم. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم ابن عباس وهو حديث السن على أكابر الصحابة ويسأله دونهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما آتى الله عز وجل عبداً علماً إلا شاباً والخير كله في الشباب ثم تلا قوله عز وجل "قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم" وقوله تعالى "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى" وقوله تعالى "وآتيناه الحكم صبياً" وكان أنس رضي الله عنه يقول "قبض رسول الله ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل له يا أبا حمزة فقد أسن فقال لم يشنه الله بالشيب فقيل أهو شين فقال كلكم يكرهه" ويقال إن يحيى بن أكثم ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل في مجلسه يريد أن يخجله بصغر سنه كم سن القاضي أيده الله فقال مثل سن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله ﷺ إمارة مكة وقضاءها فأفحمه وروي عن مالك رحمه الله أنه قال قرأت في بعض الكتب لا تغرنكم اللحى فإن التيس له لحية وقال أبو عمرو بن العلاء إذا رأيت الرجل طويل القامة صغير الهامة عريض اللحية فاقض عليه بالحمق ولو كان أمية ابن عبد شمس وقال أيوب السختياني أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه. وقال علي بن الحسين من سبق فيه العلم قبلك فهو إمامك فيه وإن كان أصغر سناً منك، وقيل لأبي عمرو بن العلاء أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير فقال إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي يا أبا عبد الله تركت حديث سفيان بعلوه وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه فقال له أحمد لو عرفت لكنت تمشي من الجانب الآخر إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلو ولا نزول الرابع نتف بياضها استنكافاً من الشيب "وقد نهى عليه السلام عن نتف الشيب وقال هو نور المؤمن" وهو في معنى الخضاب بالسواد وعلة الكراهية ما سبق والشيب نور الله تعالى والرغبة عنه رغبة عن النور الخامس نتفها أو نتف بعضها بحكم العبث والهوس وذلك مكروه ومشوه للخلقة ونتف الفنيكين بدعة وهما جانبا العنفقة. شهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته ورد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته وأما نتفها في أول النبات تشبهاً بالمرد فمن المنكرات الكبار فإن اللحية زينة الرجال فإن لله ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحى وهو من تمام الخلق وبها يتميز الرجال عن النساء وقيل في غريب التأويل اللحية هي المراد بقوله تعالى "يزيد في الخلق ما يشاء" قال أصحاب الأحنف بن قيس وددنا أن نشتري للأحنف لحية ولو بعشرين ألفاً وقال شريح القاضي وددت أن لي لحية لو بعشرة آلاف وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار والرفع في المجالس وإقبال الوجوه إليه والتقديم على الجماعة ووقاية العرض? فإن من يشتم يعرض باللحية إن كان للمشتوم لحية وقد قيل إن أهل الجنة مرد إلا هرون أخا موسى صلى الله عليهما وسلم فإن له لحية إلى سرته تخصيصاً له وتفضيلاً السادس تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة للتزين للنساء والتصنع قال كعب: يكون في آخر الزمان أقوام يقصون لحاهم كذنب الحمامة ويعرقبون نعالهم كالمناجل أولئك لا خلاق لهم السابع الزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغين وهو من شعر الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وينتهي إلى نصف الخد وذلك يباين هيئة أهل الصلاح. الثامن تسريحها لأجل الناس قال بشر: في اللحية شركان: تسريحها لأجل الناس وتركها متفتلة لإظهار الزهد. التاسع والعاشر النظر في سوادها أو في بياضها بعين العجب وذلك مذموم في جميع أجزاء البدن بل في جميع الأخلاق والأفعال على ما سيأتي بيانه فهذا ما أردنا أن نذكره من أنواع التزين والنظافة وقد حصل من ثلاثة أحاديث من سنن الجسد اثنتا عشرة خصلة خمس منها في الرأس وهي فرق شعر الرأس والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وثلاثة في اليد والرجل وهي القلم وغسل البراجم وتنظيف الرواجب وأربعة في الجسد هي نتف الإبط والاستحداد والختان والاستنجاء بالماء فقد وردت الأخبار بمجموع ذلك وإذا كان غرض هذا الكتاب التعرض للطهارة الظاهرة دون الباطنة فلنقتصر على هذا وليتحقق أن فضلات الباطن وأوساخه التي يجب التنظيف منها أكثر من أن تحصى وسيأتي تفصيلها في ربع المهلكات مع تعريف الطرق في إزالتها وتطهير القلب منها إن شاء الله عز وجل.
تم كتاب أسرار الطهارة بحمد الله تعالى وعونه. ويتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أسرار الصلاة والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى.
====
إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الصلاة ومهماتها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه، وعمر قلوبهم بأنوار الدين ووظائفه التي تنزل عن عرش الجلال إلى السماء الدنيا من درجات الرحمة إحدى عواطفه فارق الملوك مع التفرد بالجلال والكبرياء بترغيب الخلق في السؤال والدعاء فقال: هل من داع فأستجيب له وهل من مستغفر فأغفر له? وباين السلاطين بفتح الباب، ورفع الحجاب فرخص للعباد في المناجاة بالصلوات كيفما تقلبت بهم الحالات في الجماعات والخلوات ولم يقتصر على الرخصة بل تلطف بالترغيب والدعوة وغيره من ضعفاء الملوك لا يسمح بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية والرشوة فسبحانه ما أعظم شأنه وأقوى سلطانه، وأتم لطفه، وأعم إحسانه؛ والصلاة على محمد نبيه المصطفى ووليه المجتبى وعلى آله وأصحابه مفاتيح الهدى ومصابيح الدجى وسلم تسليماً. أما بعد: فإن الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات، وغرة الطاعات؛ وقد استقصينا في فن الفقه - في بسيط المذهب ووسيطه ووجيزه - أصولها وفروعها، صارفين جمام العناية إلى تفاريعها النادرة. ووقائعها الشاذة لتكون خزانة للمفتي منها يستمد ومعولاً له إليها يفزع ويرجع. ونحن الآن في هذا الكتاب نقتصر على ما لابد للمريد منه من أعمالها الظاهرة وأسرارها اباطنة، وكاشفون من دقائق معانيها الخفية في معاني الخشوع والإخلاص والنية ما لم تجر العادة بذكره في فن الفقه؛ ومرتبون الكتاب على سبعة أبواب. الباب الأول: في فضائل الصلاة. الباب الثاني: في تفضيل الأعمال الظاهرة من الصلاة. الباب الثالث: في تفضيل الأعمال الباطنة منها. الباب الرابع: في الإمامة والقدوة. الباب الخامس: في صلاة الجمعة وأدابها. الباب السادس: في مسائل متفرقة تعم بها البلوى يحتاج المريد إلى معرفتها. الباب السابع: في التطوعات وغيرها.
====
إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الصلاة ومهماتها/الباب الأول
الباب الأول
في فضائل صلاة السجود والجماعة والأذان
وغيرها
فضيلة الأذان
قال ﷺ "ثلاثة يوم القيامة على كثيب من مسك أسود لا يهولهم حساب ولا ينالهم فزع حتى يفرغ مما بين الناس: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله عز وجل وأم بقوم وهم به راضون؛ ورجل أذن في مسجد ودعا إلى الله عز وجل ابتغاء وجه الله؛ ورجل ابتلي بالرزق في الدنيا فلم يشغله ذلك عن عمل الآخرة" وقال ﷺ "لا يسمع نداء المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" وقال ﷺ "يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه" وقيل في تفسير قوله عز وجل "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً" نزلت في المؤذنين، وقال ﷺ "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" وذلك مستحب إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ وفي قوله قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض وفي التثويب صدقت وبررت ونصحت؛ وعند الفراغ يقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد. وقال سعيد بن المسيب من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك فإن أذن وأقام صلى وراء أمثال الجبال من الملائكة.
فضيلة المكتوبة
قال الله تعالى "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً" وقال ﷺ "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" وقال ﷺ "مثلي الصلوات الخمس كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فما ترون ذلك يبقي من درنه قالوا لا شيء قال ﷺ فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن" وقال ﷺ "إن الصلوات كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" وقال ﷺ "بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما" وقال ﷺ "من لقي الله وهو مضيع للصلاة لم يعبأ الله بشيء من حسناته" وقال ﷺ "الصلاة عماد الدين فمن تركها فقدم هدم الدين" وسئل ﷺ "أي الأعمال أفضل فقال الصلاة لمواقيتها" وقال ﷺ "من حافظ على الخمس بإكمال طهورها ومواقيتها كانت له نوراً وبرهاناً يوم القيامة ومن ضيعها حشر مع فرعون وهامان" وقال ﷺ "مفتاح الجنة الصلاة" وقال "ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد أحب إليه من الصلاة ولو كان شيء أحب إليه منها لتعبد به ملائكته فمنهم راكع ومنهم ساجد ومنهم قائم وقاعد" وقال النبي ﷺ "من ترك صلاة متعمداً فقد كفر" أي قارب أن ينخلع عن الإيمان بانحلال عروته وسقوط عماده كما يقال لمن قارب البلدة إنه بلغها ودخلها. وقال ﷺ "من ترك صلاة معتمداً فقد برىء من ذمة محمد عليه السلام" وقال أبو هريرة رضي الله عنه: من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة وأنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا ينبغي له أن يتأخر فإن أعظمكم أجراً أبعدكم داراً، قالوا لم يا أبا هريرة? قال: من أجل كثرة الخطا. ويروى "إن أول ما ينظر فيه من عمل العبد يوم القيامة الصلاة فإن وجدت تامة قبلت منه وسائر عمله وإن وجدت ناقصة ردت عليه وسائر عمله وقال ﷺ "يا أبا هريرة مر أهلك بالصلاة فإن الله يأتيك بالرزق من حيث لا تحتسب" وقال بعض العلماء: مثل المصلي مثل التاجر الذي لا يحصل له الربح حتى يخلص له رأس المال، وكذلك المصلي لا تقبل له نافلة حتى يؤدي الفريضة. وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول: إذا حضرت الصلاة قوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فأطفئوها.
فضيلة إتمام الأركان
قال ﷺ "مثل الصلاة المكتوبة كمثل الميزان من أوفى استوفى" وقال يزيد الرقاشي "كانت صلاة رسول الله ﷺ مستوية كأنها موزونة" وقال ﷺ "إن الرجلين من أمتي ليقومان إلى الصلاة وركوعهما وسجودهما واحد وإن ما بين صلاتيهما ما بين السماء والأرض" وأشار إلى الخشوع وقال ﷺ "لا ينظر الله يوم القيامة إلى العبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده" وقال ﷺ "أما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة أن يحول الله وجهه وجه حمار" وقال ﷺ "من صلى صلاة لوقتها وأسبغ وضوءها وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها عرجت وهي بيضاء مسفرة تقول حفظك الله كما حفظتني ومن صلى لغي وقتها ولم يسبغ وضوءها ولم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها عرجت وهي سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ضيعتني حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه" وقال ﷺ "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" وقال ابن مسعود رضي الله عنه وسلمان رضي الله عنه: الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى، ومن طفف فقد علم ما قاله الله في المطففين.
فضيلة الجماعة
قال ﷺ "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" وروى أبو هريرة أنه ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات فقال "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فأحرق عليهم بيوتهم" وفي رواية أخرى "ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم فتحرق عليهم بيوتهم بحزم الحطب ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مرماتين لشهدها" يعني صلاة العشاء. وقال عثمان رضي الله عنه مرفوعاً "من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ومن شهد الصبح فكأنما قال ليلة" وقال ﷺ "من صلى صلاة في جماعة فقد ملأ نحره عبادة" وقال سعيد بن المسيب: ما أذن مؤذن منذ عشرين سنة إلا وأنا في المسجد. وقال محمد بن واسع: ما أشتهي من الدنيا إلا ثلاثة: أخاً إنه إن تعوجت قومني وقوتاً من الرزق عفواً من غير تبعة وصلاة في جماعة يرفع عني سهوها ويكتب لي فضلها. وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أم قوماً مرة فلما انصرف قال: مازال الشيطان بي آنفاً حتى أريت أن لي فضلاً عن غيري لا أؤم أبداً. وقال الحسن: لا تصلوا خلف رجل لا يختلف إلى العلماء. وقال النخعي: مثل الذي يؤم الناس بغير علم مثل الذي يكيل الماء في البحر لا يدري زيادته من نقصانه? وقال حاتم الأصم: فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو إسحق الباري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشر آلاف لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الناس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما من سمع المنادي فلم يجب لم يرد خيراً لم يرد به خير. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن تملأ أذن ابن آدم رصاصاً مذاباً خير له من أن يسمع النداء ثم لا يجيب. وروي أن ميمون بن مهران أتى المسجد فقيل له: إن الناس قد انصرفوا فقال "إنا لله وإنا إليه راجعون" لفضل هذه الصلاة أحب إلي من ولاية العراق. وقال ﷺ "من صلى أربعين يوماً الصلوات في جماعة لا تفوته فيها تكبيرة الإحرام كتب الله له براءتين: براءة من النفاق وبراءة من النار" ويقال إنه إذا كان يوم القيامة يحشر قوم وجوههم كالكوكب الدري فتقول لهم الملائكة: ما كانت أعمالكم? فيقولون: كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى الطهارة لا يشغلنا غيرها ثم تحشر طائفة وجوههم كالأقمار فيقولون بعد السؤال: كنا نتوضأ قبل الوقت ثم تحشر طائفة وجوههم كالشمس فيقولون: كنا نسمع الأذان في المسجد. وروي أن السلف كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى ويعزون سبعاً إذا فاتتهم الجماعة.
فضيلة السجود
قال رسول الله ﷺ "ما تقرب العبد إلى الله بشيء أفضل من سجود خفي" وقال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة" وروي "أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ: ادع الله أن يجعلني من أهل شفاعتك وأن يرزقني مرافقتك في الجنة فقال ﷺ أعني بكثرة السجود" وقيل "إن أقرب ما يكون العبد من الله تعالى أن يكون ساجداً" وهو معنى قوله عز وجل "واسجد واقترب" وقال عز وجل "سيماهم في وجوههم من أثر السجود" فقيل هو ما يلتصق بوجوههم من الأرض عند السجود وقيل هو نور الخشوع فإنه يشرق من الباطن على الظاهر، وهو الأصح وقيل هي الغرر التي تكون في وجوههم يوم القيامة من أثر الوضوء وقال ﷺ "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول يا ويلاه أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت أنا بالسجود فعصيت فلي النار" ويروى عن علي بن عبد الله بن عباس أنه كان يسجد في كل يوم ألف سجدة وكانوا يسمونه السجاد. ويروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان لا يسجد إلا على التراب. وكان يوسف بن أسباط يقول: يا معشر الشباب بادروا بالصحة قبل المرض فما بقي أحد أحسده إلا رجل يتم ركوعه وسجوده وقد حيل بيني وبين ذلك. وقال سعيد بن جبير: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على السجود. وقال عقبة بن مسلم: ما من خصلة في العبد أحب إلى الله عز وجل من رجل يحب لقاء الله عز وجل وما من ساعة العبد فيها أقرب إلى الله عز وجل منه حيث يخر ساجداً. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: أقرب ما يكون العبد إلى الله عز وجل إذا سجد فأكثروا الدعاء عند ذلك.
فضيلة الخشوع
قال الله تعالى "وأقم الصلاة لذكري" وقال تعالى "ولا تكن من الغافلين" وقال عز وجل "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" قيل سكارى من كثرة الهم وقيل من حب الدنيا. وقال وهب: المراد به ظاهره ففيه تنبيه على سكر الدنيا إذ بين فيه العلة فقال "حتى تعلموا ما تقولون" وكم من مصل لم يشرب خمراً وهو لا يعلم ما يقول في صلاته. وقال النبي ﷺ "من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه" وقال ﷺ "إنما الصلاح تمسكن وتواضع وتضرع وتأوه وتنادم وتضع يديك فتقول اللهم اللهم فمن لم يفعل فهي خداج" وروي عن الله سبحانه في الكتب السالفة أنه قال "ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتكبر على عبادي وأطعم الفقير الجائع لوجهي" وقال ﷺ "إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله تعالى فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى علظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك" وقال ﷺ للذي أوصاه "وإذا صليت فصل صلاة مودع" أي مودع لنفسه مودع لهواه مودع لعمره سائر إلى مولاه كما قال عز وجل "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه" وقال تعالى "واتقوا الله ويعلمكم الله" وقال تعالى "واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه" وقال ﷺ "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً" والصلاة مناجاة فكيف تكون مع الغفلة? وقال بكر بن عبد الله: يا ابن آدم إذا شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن فتكلمه بلا ترجمان دخلت، قيل: وكيف ذلك? قال: تسبغ وضوءك وتدخل محرابك فإذا أنت قد دخلت على مولاك بغير إذن فتكلمه بغير ترجمان. وعن عائشة رضي الله عنها قالت "كان رسول الله ﷺ يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه" اشتغالاً بعظمة الله عز وجل وقال ﷺ "لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه" وكان إبراهيم الخليل إذا قام إلى الصلاة يسمع وجيب قلبه على ميلين. وكان سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته "ورأى رسول الله ﷺ رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" ويروى أن الحسن نظر إلى رجل يعبث بالحصى ويقول "اللهم زوجني الحور العين" فقال؛ بئس الخاطب أنت تخطب الحور العين وأنت تعبث بالحصى. وقيل لخلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال: لا أعود نفسي شيئاً يفسد على صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك? قال: بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان ليقال فلان صبور ويفتخرون بذلك فأنا قائم بين يدي ربي أفأتحرك لذبابة? ويروى عن مسلم بن يسار أنه كان إذا أراد الصلاة قال لأهله: تحدثوا أنتم فإني لست أسمعكم. ويروى عنه أنه كان يصلي يوماً في جامع البصرة فسقطت ناحية من المسجد فاجتمع الناس لذلك فلم يشعر به حتى انصرف من الصلاة. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه فقيل له: ما لك يا أمير المؤمنين? فيقول جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها. ويروى عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء? فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم? ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال "قال داود ﷺ في مناجاته: إلهي من يسكن بيتك وممن تتقبل الصلاة? فأوحى الله إليه: يا داود إنما يسكن بيتي وأقبل الصلاة منه من تواضع لعظمتي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات، من أجلي يطعم الجائع ويؤوي الغريب ويرحم المصاب فذلك الذي يضيء نوره في السموات كالشمس، إن دعاني لبيته وإن سألني أعطيته، أجعل له في الجهل حلماً وفي الغفلة ذكراً وفي الظلمة نوراً، وإنما مثله في الناس كالفردوس في أعلى الجنان لا تيبس أنهارها ولا تتغير ثمارها" ويروى عن حاتم الأصم رضي الله عنه أنه سئل عن صلاته فقال: إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى صلاتي وأجعل الكعبة بين حاجبي والصراط تحت قدمي والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت ورائي أظنها آخر صلاتي "ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيراً بتحقيق وأقرأ قراءة بترتيل وأركع ركوعاً بتواضع وأسجد سجوداً بتخشع وأقعد على الورك الأيسر وأفرش ظهر قدمها وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت مني أم لا? وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه.
فضيلة المسجد وموضع الصلاة
قال الله عز وجل "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر" وقال ﷺ "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له قصراً في الجنة" وقال ﷺ "من ألف المسجد ألفه الله تعالى" وقال ﷺ "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" وقال ﷺ "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وقال ﷺ "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه تقول: اللهم صل عليه اللهم ارحمه اللهم اغفر له ما لم يحدث أو يخرج من المسجد" وقال ﷺ "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" وقال ﷺ "قال الله عز وجل في بعض الكتب إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زواري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره" وقال ﷺ "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان" وقال سعيد بن المسيب من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه فما حقه أن يقول إلا خيراً. ويرى في الأثر أو الخبر "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهائم الحشيش" وقال النخعي: كانوا يرون أن المشي في الليلة المظلمة إلى المسجد موجب للجنة: وقال أنس بن مالك: من أسرج في المسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في ذلك المسجد ضوءه. وقال علي كرم الله وجهه: إذا مات العبد يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، ثم قرأ "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين" وقال ابن عباس: تبكي عليه الأرض أربعين صباحاً. وقال عطاء الخراساني: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة يذكر الله تعالى عليها بصلاة أو ذكر إلا افتخرت على ما حولها من البقاع واستبشرت بذكر الله عز وجل إلى منتهاها من سبع أرضين وما من عبد يقوم يصلي إلا تزخرفت له الأرض. ويقال: ما من منزل ينزل فيه قوم إلا أصبح ذلك المنزل يصلي عليهم أو يلعنهم.
===
إحياء علوم الدين/كتاب أسرار الصلاة ومهماتها/الباب الثاني
الباب الثاني
في كيفية الأعمال الظاهرة
ومن الصلاة والبداءة بالتكبير وما قبله
ينبغي للمصلي إذا فرغ من الوضوء والطهارة من الخبث في البدن والمكان والثياب وستر العورة من السرة إلى الركبة أن ينتصب قائماً متوجهاً إلى القبلة ويزواج بين قدميه ولايضمهما فإن ذلك مما كان يستدل به على فقه الرجل وقد "نهى ﷺ عن الصفن والصفد في الصلاة" والصفد هو اقتران القدمين معاً ومنه قوله تعالى "مقرنين في الأصفاد" والصفن هو رفع إحدى الرجلين ومنه قوله عز وجل "الصافنات الجياد" هذا ما يراعيه في رجليه عند القيام ويراعى في ركبتيه ومعقد نطاقه الانتصاب، وأما رأسه إن شاء تركه على استواء القيام وإن شاء أطرق والإطراق أقرب للخشوع وأغض للبصر وليكن بصره محصوراً على مصلاه الذي تصلي عليه، فإن لم يكن له مصلى فليقرب من جدار الحائط أو ليخط خطاً، فإن ذلك يقصر مسافة البصر ويمنع تفوق الفكر وليحجر على بصره أن يجاوز أطراف المصلى وحدود الخط? وليدم على هذا القيام كذلك إلى الركوع من غير التفات. هذا أدب القيام فإذا استوى قيامه واستقباله وإطراقه كذلك فليقرأ "قل أعوذ برب الناس" تحصناً به من الشيطان، ثم ليأت بالإقامة وإن كان يرجو حضور من يقتدي به فليؤذن أولاً ثم ليحضر النية وهو أن ينوي في الظهر مثلاً ويقول بقلبه: أؤدي فريضة الظهر لله، ليميزها بقوله أؤدى: عن القضاء وبالفريضة عن النفل، وبالظهر عن العصر وغيره، ولتكن معاني هذه الألفاظ حاضرة في قلبه فإنه هو النية، والألفاظ مذكرات وأسباب لحضورها. ويجتهد أن يستديم ذلك إلى آخر التكبير حتى لا يعزب فإذا حضر في قلبه ذلك فليرفع يديه إلى حذو منكبيه بعد إرسالهما بحيث يحاذي بكفيه منكبيه وبإبهاميه إلى القبلة ويبسط الأصابع ولا يقبضها، ولا يتكلف فيها تفريجاً ولا ضماً بل يتركها على مقتضى طبعها، إذ نقل في الأثر النشر والضم وهذا بينهما فهو أولى "وإذا استقرت اليدان في مقرهما ابتدأ التكبير مع إرسالهما وإحضار النية، ثم يضع اليدين على ما فوق السرة وتحت الصدر ويضع اليمنى على اليسى إكراماً لليمنى بأن تكون محمولة، وينشر المسبحة والوسطى من اليمنى على طول الساعد ويقبض بالإبهام والخنصر والبنصر على كوع اليسرى، وقد روي أن التكبير مع رفع اليدين ومع استقرارهما ومع الإرسال فكل ذلك لا حرج فيه وأراه بالإرسال أليق فإنه كلمة العقد، ووضع إحدى اليدين على الأخرى في صورة العقد ومبدؤه الإرسال وآخره الوضع. ومبدأ التكبير الألف وآخره الراء فيليق مراعاة التطابق بين الفعل والعقد، وأما رفع اليد فكالمقدمة لهذه البداية. ثم لا ينبغي أن يرفع يديه إلى قدام رفعاً عند التكبير ولا يردهما إلى خلف منكبيه ولا ينفضهما عن يمين وشمال نفضاً إذا فرغ من التكبير ويرسلهما إرسالاً خفيفاً رفيقاً ويستأنف وضع اليمين على الشمال بعد الإرسال، وفي بعض الروايات أنه ﷺ "كان إذا كبر أرسل يديه وإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى" فإن صح هذا فهو أولى مما ذكرناه. وأما التكبير فينبغي أن يضم الهاء من قوله "الله" ضمة خفيفة من غير مبالغة ولا يدخل بين الهاء والألف شبه الواو، وذلك ينساق إليه بالمبالغة: ولا يدخل بين باء أكبر ورائه ألفاً، كأنه يقول "أكبار" ويجزم راء التكبير ولا يضمها فهذه هيئة التكبير وما معه.
القراءة
ثم يبتدىء بدعاء الاستفتاح وحسن أن يقول عقب قوله الله أكبر "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً وجهت وجهي - إلى قوله - وأنا من المسلمين" ثم يقول "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك" ليكون جامعاً بين متفرقات ما ورد في الأخبار. وإن كان خلف الإمام اختصر إن لم يكن للإمام سكتة طويلة يقرأ فيها ثم يقول "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ثم يقرأ الفاتحة يبتدىء فيها ب "بسم الله الرحمن الرحيم" بتمام تشديداتها وحروفها ويجتهد في الفرق بين الضاد والظاء ويقول "آمين" في آخر الفاتحة ويمدها مداً، ولا يصل "آمين" بقوله "ولا الضالين" وصلا. ويجهر بالقراءة في الصبح والمغرب والعشاء إلا أن يكون مأموماً، ويجهر بالتأمين. ثم يقرأ السورة أو قدر ثلاث آيات من القرآن فما فوقها، ولا يصل آخر السورة بتكبير الهوى بأن يفصل بينهما بقدر قوله "سبحان الله" ويقرأ في الصبح من السور الطوال من المفصل وفي المغرب من قصاره، وفي الظهر والعصر والعشاء نحو "والسماء ذات البروج" وما قاربها. وفي الصبح في السفر "قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد" وكذلك في ركعتي الفجر والطواف والتحية وهو في جميع ذلك مستديم للقيام ووضع اليدين كما وصفنا في أول الصلاة.
الركوع ولواحقه
ثم يركع ويراعى فيه أموراً وهو أن يكبر للركوع وأن يرفع يديه مع تكبيرة الركوع وأن يمد التكبير مداً إلى الانتهاء إلى الركوع وأن يضع راحتيه على ركبتيه في الركوع وأصابعه منشورة موجهة نحو القبلة على طول الساق وأن ينصب ركبتيه ولا يثنيهما وأن يمد ظهره مستوياً وأن يكون عنقه ورأسه مستويين مع ظهره كالصفيحة الواحدة لا يكون رأسه أخفض ولا أرفع وأن يجافي مرفقيه عن جنبيه. وتضم المرأة مرفقيها إلى جنبيها. وأن يقول "سبحان ربي العظيم" ثلاثاً والزيادة إلى السبعة وإلى العشرة حسن، إن لم يكن إماماً، ثم يرتفع من الركوع إلى القيام ويرفع يديه ويقول "سمع الله لمن حمده" ويطمئن في الاعتدال ويقول "ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" ولا يطول هذا القيام إلا في صلاة التسبيح والكسوف والصبح. ويقنت في الصبح في الركعة الثانية بالكلمات المأثورة قبل السجود.
السجود
ثم يهوي إلى السجود مكبراً فيضع ركبتيه على الأرض ويضع جبهته وأنفه وكفيه مكشوفة ويكبر عند الهوي ولا يرفع يديه في غير الركوع، وينبغي أن يكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه وأن يضع بعدهما يديه ثم يضع بعدهما وجهه وأن يضع جبهته وأنفه على الأرض وأن يجافي مرفقيه عن جنبيه: ولا تفعل المرأة ذلك. وأن يفرج بين رجليه. ولا تفعل المرأة ذلك. وأن يكون في سجوده مخوياً على الأرض. ولا تكون المرأة مخوية. والتخوية: رفع البطن عن الفخذين والتفريج بين الركبتين. وأن يضع يديه على الأرض حذاء منكبيه ولا يفرح بين أصاعهما بل يضمهما ويضم الإبهام إليهما، وإن لم يضم الإبهام فلابأس، ولا يفترش ذراعيه على الأرض كما يفترش الكلب فإنه منهي عنه. وأن يقول "سبحان ربي الأعلى" ثلاثاً فإن زاد فحسن إلا أن يكون إماماً. ثم يرفع من السجود فيطمئن جالساً معتدلاً فيرفع رأسه مكبراً ويجلس على رجله اليسرى وينصب قدمه اليمنى ويضع يديه على فخذيه والأصابع منشورة ولا يتكلف ضمها ولا تفريجها. ويقول "رب اغفر لي وارحمني وارزقني وأهدني واجبرني وعافني واعف عني" ولا يطول هذه الجلسة إلا في سجود التسبيح. ويأتي بالسجدة الثانية كذلك ويستوي منها جالساً جلسة خفيفة للاستراحة في كل ركعة لا تشهد عقيبها. ثم يقوم فيضع اليد على الأرض ولا يقدم إحدى رجليه في حال الارتفاع ويمد التكبير حتى يستغرق ما بين وسط ارتفاعه من القعود إلى وسط ارتفاعه إلى القيام. بحيث تكون الهاء من قوله "الله" عند استوائه جالساً؛ وكاف "أكبر" عند اعتماده على اليد للقيام، وراء "أكبر" في وسط ارتفاعه إلى القيام ويبتدىء في وسط ارتفاعه إلى القيام حتى يقع التكبير في وسط انتقاله ولا يخلو عنه إلا طرفاه وهو أقرب إلى التعميم. ويصلي الركعة الثانية كالأولى ويعيد التعوذ كالابتداء.
التشهد
ثم يتشهد في الركعة الثانية التشهد الأول. ثم يصلي على رسول الله ﷺ وعلى آله ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض أصابعه اليمنى إلا المسبحة، ولابأس بإرسال الإبهام أيضاً، ويشر بمسبحة يمناه وحدها عند قوله "إلا الله" لا عند قوله "لا إله" ويجلس في هذا التشهد على رجله اليسرى كما بين السجدتين. وفي التشهد الأخير يستكمل الدعاء المأثور بعد الصلاة على النبي ﷺ وسننه كسنن التشهد الأول لكن يجلس في الأخير على وركه الأيسر، لأنه ليس مستوفزاً للقيام بل هو مستقر، ويضجع رجله اليسرى خارجة من تحته وينصب اليمنى ويضع رأس الإبهام إلى جهة القبلة إن لم يشق عليه. ثم يقول "السلام عليكم ورحمة الله" ويلتفت يميناً بحيث يرى خده الأيمن من وراءه من الجانب اليمين ويلتفت شمالاً كذلك. ويسلم تسليمة ثانية وينوي الخروج من الصلاة بالسلام وينوي بالسلام من على يمينه الملائكة والمسلمين في الأولى، وينوي مثل ذلك في الثانية. ويجزم التسليم ولا يمده مداً فهو السنة. وهذه هيئة صلاة المنفرد، ويرفع صوته بالتكبيرات ولا يرفع صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه. وينوي الإمام الإمامة لينال الفضل فإن لم ينو صحت صلاة القوم إذا نووا الاقتداء ونالوا فضل الجماعة، ويسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد، ويجهر بالفاتحة والسورة في جميع الصبح وأولي العشاء والمغرب. وكذلك المنفرد. ويجهر بقوله "آمين" في الصلاة الجهرية وكذلك المأموم. ويقرن المأموم تأمينه بتأمين الإمام معاً لا تعقيباً. ويسكت الإمام سكتة عقيب الفاتحة ليثوب إليه نفسه ويقرأ المأموم الفاتحة في الجهرية في هذه السكتة ليتمكن من الاستماع عند قراءة الإمام. ولا يقرأ المأموم السور في الجهرية إلا إذا لم يسمع صوت الإمام. ويقول الإمام "سمع الله لمن حمده" عند رفع رأسه من الركوع وكذا المأموم. ولا يزيد الإمام على الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود، ولا يزيد في التشهد الأول بعد قوله "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" ويقتصر في الركعتين الأخيرتين على الفاتحة ولا يطول على القوم ولا يزيد على دعائه في التشهد الأخير على قدر التشهد والصلاة على رسول الله ﷺ. وينوي عند السلام: السلام على القوم والملائكة. وينوي القوم بتسليمهم جوابه ويثبت الإمام ساعة حتى يفرغ الناس من السلام ويقبل على الناس بوجهه. والأولى أن يثبت إن كان خلف الرجال نساء لينصرفن قبلهن ولا يقوم واحد من القوم حتى يقوم. وينصرف الإمام حيث يشاء عن يمينه وشماله واليمين أحب إلي. ولا يخص الإمام نفسه بالدعاء في قنوت الصبح بل يقول "اللهم اهدنا" ويجهر به ويؤمن القوم ويرفعون أيديهم حذاء الصدور، ويمسح لوجه عند ختم الدعاء. لحديث نقل فيه، وإلا فالقياس أن لا يرفع اليد كما في آخر التشهد.
المنهيات
نهى رسول الله ﷺ عن الصفن في الصلاة والصفد وقد ذكرناهما وعن الإقعاء وعن السدل والكفت وعن الاختصار وعن الصلب وعن المواصلة وعن صلاة الحاقن والحاقب والحازق وعن صلاة الجائع والغضبان والمتلثم وهو ستر الوجه. أما الإقعاء: فهو عند أهل اللغة أن يجلس على وركيه وينصب ركبتيه ويجعل يديه على الأرض كالكلب. وعند أهل الحديث أن يجلس على ساقيه جاثياً وليس على الأرض منه إلا رءوس أصابع الرجلين والركبتين. وأما السدل: فمذهب أهل الحديث فيه أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد كذلك. وكان هذا فعل اليهود في صلاتهم فنهوا عن التشبه بهم. والقميص في معناه فلا ينبغي أن يركع ويسجد ويداه في بدن القميص. وقيل معناه أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه. والأول أقرب. وأما الكف فهو أن يرفع ثيابه من بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود. وقد يكون الكف في شعر الرأس فلا يصلين وهو عاقص شعره والنهى للرجال. وفي الحديث "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكفت شعراً ولا ثواباً" وكره أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن يأتزر فوق القميص في الصلاة ورآه من الكفت، وأما الاختصار: فأن يضع يديه على خاصرتيه. وأما الصلب فأن يضع يديه على خاصرتيه في القيام ويجافي بين عضديه في القيام. وأما المواصلة: فهي خمسة؛ اثنان على الإمام أن لا يصل قراءته بتكبيرة الإحرام ولا ركوعه بقراءته واثنان على المأموم أن لا يصل تكبيرة الإحرام بتكبيرة الإمام ولا تسليمه بتسليمه، وواحدة بينهما أن لا يصل تسليمة الفرض بالتسليمة الثانية وليفصل بينهما وأما الحاقن: فمن البول، والحاقب: من الغائط. والحازق: صاحب الخف الضيق. فإن كل ذلك يمنع من الخشوع. وفي معاه الجائع والمهتم. وفهم نهي الجائع من قوله ﷺ "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء إلا أن يضيق الوقت أو يكون ساكن القلب" وفي الخبر "لا يدخلن أحدكم الصلاة وهو مقطب ولا يصلين أحدكم وهو غضبان" وقال الحسن: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وفي الحديث "سبعة أشياء في الصلاة من الشيطان: الرعاف والنعاس والوسوسة والتثاؤب والحكام والالتفات والعبث بالشيء" وزاد بعضهم "السهو والشك" وقال بعض السلف: أربعة في الصلاة من الجفاء - الالتفات ومسح الوجه وتسوية الحصى وأن تصلي بطريق من يمر بين يديك "ونهى أيضاً عن أن يشبك أصابعه أو يفرقع أصابعه أو يستر وجهه أو يضع إحدى كفيه على الأخرى يدخلهما بين فخذيه في الركوع" وقال بعض الصحابة رضي الله عنهم: كنا نفعل ذلك فنهينا عنه. ويكره أيضاً أن ينفخ في الأرض عند السجود للتنظيف وأن يسوي الحصى بيده فإنها أفعال مستغنى عنها ولا يرفع إحدى قدميه فيضها على فخذه ولا يستند في قيامه إلى حائط فإن استند بحيث لوسل ذلك الحائط لسقط فالأظهر بطلان صلاته والله أعلم.
تمييز الفرائض والسنن
جملة ما ذكر يشتمل على فرائض وسنن وآداب وهيئات مما ينبغي لمريد طريق الآخرة أن يراعي جميعها. فالفرض من جملتها اثنتا عشرة خصلة: النية والتكبير والقيام والفاتحة، والانحناء في الركوع إلى أن تنال راحتاه ركبتيه مع الطمأنينة والاعتدال عنه قائماً، والسجود مع الطمأنينة ولا يجب وضع اليدين والاعتدال عنه قاعداً، والجلوس للتشهد الأخير والتشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ، والسلام الأول. فأمانية الخروج فلا تجب وما عدا هذا فليس بواجب بل هي سنن وهيئات فيها وفي الفرائض: أما السنن فمن الأفعال أربعة: رفع اليدين في تكبيرة الإحرام وعند الهوي إلى الركوع وعند الارتفاع إلى القيام، والجلسة للتشهد الأول. فأما ما ذكرناه من كيفية نشر الأصابع وحد رفعها فهي هيئات تابعة لهذه السنة، والتورك والافتراش هيئات تابعة للجلسة والإطراق وترك الالتفات هيئات للقيام وتحسين صورته، وجلسة الاستراحة لم نعدها من أصول السنة في الأفعال لأنها كالتحسين لهيئة الارتفاع من السجود إلى القيام لأنها ليست مقصودة في نفسها ولذلك لم تفرد بذكر. وأما السنن من الأذكار فدعاء الاستفتاح ثم التعوذ ثم قوله "آمين" فإنه سنة مؤكدة ثم قراءة السورة ثم تكبيرات الانتقالات، ثم الذكر في الركوع والسجود والاعتدال عنهما، ثم التشهد الأول والصلاة فيه على النبي ﷺ، ثم الدعاء في آخر التشهد الأخير، ثم التسليمة الثانية وإن جمعناها في اسم السنة فلها درجات متفاوتة إذ تجبر أربعة منها بسجود السهو. وأما من الأفعال فواحدة: وهي الجلسة الأولى للتشهد الأول فإنها مؤثرة في ترتيب نظم الصلاة في أعين الناظرين حتى يعرف بها أنها رباعية أم لا? بخلاف رفع اليدين فإنه لا يؤثر في تغيير النظم فعبر عن ذلك بالبعض. وقيل الأبعاض تجبر بالسجود: وأما الأذكار فكلها لا تقتضي سجود السهو إلا ثلاثة: القنوت والتشهد الأول والصلاة على النبي ﷺ فيه، بخلاف تكبيرات الانتقالات وأذكار الركوع والسجود والاعتدال عنهما، لأن الركوع والسجود في صورتهما مخالفان للعادة ويحصل بهما معنى العبادة مع السكوت عن الأذكار وعن تكبيرات الانتقالات فعدم تلك الأذكار لا تغير صورة العبادة. وأما الجلسة للتشهد الأول ففعل معتاد وما زيدت إلا للتشهد فتركها ظاهر التأثير. وأما دعاء الاستفتاح والسورة فتركهما لا يؤثر مع أن القيام صار معموراً بالفاتحة ومميزاً عن العادة بها، وكذلك الدعاء في التشهد الأخير والقنوت أبعد ما يجبر بالسجود ولكن شرع مد الاعتدال في الصبح لأجله فكان كمد جلسة الاستراحة إذ صارت بالمد مع التشهد جلسة للتشهد الأول. فبقي هذا قياماً ممدوداً معتاداً ليس فيه ذكر واجب وفي الممدود احتراز عن غير الصبح وفي خلوه عن ذكر واجب احتراز عن أصل القيام في الصلاة. فإن قلت: تمييز السنن عن الفرائض معقول إذ تفوت الصحة بفوت الفرض دون السنة ويتوجه العقاب به دونها فأما تمييز سنة عن سنة والكل مأمور به على سبيل الاستحباب ولا عقاب في ترك الكل والثواب موجود على الكل فما معناه? فاعلم أن اشتراكهما في الثواب والعقاب والاستحباب لا يرفع تفاوتهما، ولنكشف ذلك لك بمثال: وهو أن الإنسان لا يكون إنساناً موجوداً كاملاً إلا بمعنى باطن وأعضاء ظاهرة، فالمعنى الباطن هو الحياة والروح، والظاهر أجسام أعضائه. ثم بعض تلك الأعضاء ينعدم الإنسان بعدمها كالقلب والكبد والدماغ، وكل عضو تفوت الحياة بفواته، وبعضها لا تفوت بها الحياة ولكن يفوت بها مقاصد الحياة كالعين واليد والرجل واللسان، وبعضها لا يفوت بها أصل الجمال ولكن كماله كاستقواس الحاجبين وسواد شعر اللحية والأهداب وتناسب خلقة الأعضاء وامتزاج الحمرة بالبياض في اللون فهذه درجات متفاوتة؛ فكذلك العبادة صورة صورها الشرع وتعبدنا باكتسابها فروحها وحياتها الباطنة الخشوع والنية وحضور القلب والإخلاص - كما سيأتي - ونحن الآن في أجزائها الظاهرة فالركوع والسجود والقيام وسائر الأركان تجري منها مجرى القلب والرأس والكبد إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها. والسنن التي ذكرناها من رفع اليدين ودعاء الاستفتاح والتشهد الأول تجري منها مجرى اليدين والعينين والرجلين ولا تفوت الصحة بفواتها كما لا تفوت الحياة بفوات هذه الأعضاء ولكن يصير الشخص بسبب فواتها مشوه الخلقة مذموماً غير مرغوب فيه، فكذلك من اقتصر على أقل ما يجزي من الصلاة كان كمن أهدى إلى ملك من الملوك عبداً حياً مقطوع الأطراف. وأما الهيئات وهي ما وراء السنن فتجري مجرى أسباب الحسن من الحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون، وأما وظائف الأذكار في تلك السنن فهي مكملات للحسن كاستقواس الحاجبين واستدارة اللحية وغيرهما. فالصلاة عندك قربة وتحفة تتقرب بها إلى حضرة ملك الملوك كوصيفة يهيدها طالب القربة من السلاطين إليهم وهذه التحفة تعرض على الله عز وجل. ثم ترد عليك يوم العرض الأكبر فإليك الخيرة في تحسين صورتها وتقبيحها. فإن أحسنت فلنفسك وإن أسأت فعليها. ولا ينبغي أن يكون حظك من ممارسة الفقه أن يتميز لك السنة عن الفرض فلا يعلق بفهمك من أوصاف السنة إلا أنه يجوز تركها فتتركها فإن ذلك يضاهي قول الطبيب: إن فقء العين لا يبطل وجود الإنسان ولكن يخرجه عن أن يصدق رجاء المتقرب في قبول السلطان إذا أخرجه في معرض الهدية - فهكذا ينبغي أن تفهم مراتب السنن والهيئات والآداب، فكل صلاة لم يتم الإنسان ركوعها وسجودها فهي الخصم الأول على صاحبها تقول: ضيعك الله كما ضيعتني. فطالع الأخبار التي أوردناها في كمال أركان الصلاة ليظهر لك وقعها.
====================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق