ليس للنشر

 

ليس للنشر

دليل المدونة


كتاب:عجائب النباتات والفواكه والحيوانات/السراج الدي...**3 مراحل زمنية في/*موقع1./يشوع يخلف موسى*حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج صدق رسول الله صلي ع وسلم*مناظرة بين الإسلام*و...*إنجيل*توما*دلائل تحريف الكتاب المقدس - د\شريف سالم (سلسلة جدي...*بولس و أثره في النصرانية// دراسـة تحلـيلية إعداد ط.../تراجم الكتاب المقدس العربية/سفر الخروج/موقع المسيحية في الميزان/فرق القاديانية/القاديانية إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي/فوائد من مصنفات العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد/الفرق والملل المنتسبة للاسلام/ـ حزب التحرير - الشيخ عبدالرحمن دمشقية/الرد علي/القاديانيين وغيرهم/مواقع وأدلة وكتب/من موقع روح الإسلام./مؤلفات ابن تيمية للتحميل/الأشاعرة من هم وماذا غيروا في الاسلام/الأشاعرة/فرقة الإباضية/فرقة المعتزلة /روابط مكتبة صيد الفوائد/رابط مكتبة صيد الفوائد/ صفة الوضوء صفحة الصلاة صفة الجنازة صفحة الع.../روابط الحديث/روابط مكتبات جديدة/روابط الكتب المطبوعة  pdf--/مكتبة الإمام الذهبي - الإصدار الثاني المؤلف موقع ر.../الفوائد البهية من كتب شيخ الاسلام ابن تيمية في .../روابط كتب الغزالي حسب {مواقعها}/التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة .../ج1== كتاب/إحياء علوم الدين للغزالي/كتاب أسرار الصلاة ومهماتها/الباب الثالث /الي بداية.../تابع كتاب إحياء علوم الدين/ للغزالي {من الي كتاب أو.../كتاب آداب النكاح{ كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء .../كتاب آداب النكاح وهو/الكتاب/الثاني من ربع العادات .../تابع كتاب إحياء علوم الدين للغزالي { من كتاب آداب .../تابع كتاب إحياء علوم/الدين للغزالي { 10- كتاب آداب.../تابع كتاب احياء علوم الدين للغزالي الامام [ من كتا.../تابع [إحياء علوم/الدين/كتاب ذم الجاه والرياء/الشطر.../آداب المشي إلى الصلاة لمحمد بن عبد الوهاب./جمع النهاية في بدء الخير والغاية ابن أبي جمرة الأزدي



الأحد، 13 مارس 2022

كتاب كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب

 كتاب كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب 



  اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وآخر الرسل محمد ﷺ ، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله. 
 
 

يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده؛ مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين. 

 

فبعث الله إليهم محمدًا ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله لا يصلح منه شئ لغير الله لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل فضلًا عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون مقرون ويشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأراضين السبع ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره. 

 

فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:31] وقوله: قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون:84-89] وغير ذلك من الآيات.

 

 

فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد) كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلًا ونهارًا.

ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعوا رجلًا صالحًا مثل اللات: أو نبيًا مثل عيسى وعرفت أن رسول الله ﷺ، قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] وقال: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ [الرعد:14]، وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو شجرة، أو قبرًا، أو جنيًا لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد. فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها.

والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: { قولوا: لا إله إلا الله }، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشئ من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.

إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء:48] وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس عليه من الجهل بهذا أفادك فائدتين:

الأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، كما قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

وأفادك أيضًا الخوف العظيم، فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى كما كان يفعل الكفار المشركون، خصوصًا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]. فحينئذٍ يعظم حرصك وخوفك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.

وأعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112].

وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [غافر:83].

إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلمٍ وحُجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحًا تقابل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17،16].

ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف ولا تحزن إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76]، والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:173]، فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89] فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:33]، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.

وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابًا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا فنقول:

جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7]، وقد صح عن رسول الله ﷺ، أنه قال: { إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم }.

مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، أو استدل بالشفاعة أنها حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلامًا للنبي ﷺ يستدل به على شئ من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18] هذا أمر محكم بين، لا يقدر أحد أن يغيير معناه، وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي ﷺ لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله عز وجل، وهذا جواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهن به فإنه كما قال تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه.

منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم، فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مُقرِّون بما ذكرت، ومُقرِّون بأن أوثانهم لا تدبر شيئًا وإنما أرادوا الجاه والشفاعة. واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه.

فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟ فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة.

ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الصالحين والأصنام ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:57]، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال تعالى: مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة:76،75] واذكر له قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ:41،40]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة:116]، الآية، فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﷺ.

فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شئ ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.

فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ فاقرأ عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18].

واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا فما بعدها أيسر منها.

فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الإلتجاء إلى الصالحين، ودعاءهم ليس بعبادةٍ.

فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بين له هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55].

فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلا بد أن يقول لك: نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله ودعوت الله ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة، فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر، ويقول نعم، وقل له أيضًا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا.

فإن قال أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع والمشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44] ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال عز وجل: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال عز وجل: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا بعد إذنه ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحدٍ حتى ياذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد بين لك أن الشفاعة كلها لله، وأطلبها منه، وأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا.

فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال: فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ، فصح أن الملائكة يشفعون والأفراط يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت لا، بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله. فإن قال أنا لا أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تقر ان الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا وتقر أن الله لا يغفره، فما الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره، فإن كان لا يدري، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه، أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟؟

فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام فقل: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن، كما في قوله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [يونس:31] الآية.

وإن قال هو من قصد خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون، إنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع عنا ببركته ويعطينا ببركته.

فقل صدقت، وهذا فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها، فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، وهو المطلوب ويقال له أيضًا قولك: "الشرك عبادة الأصنام"، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.

وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؛ فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل: وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي ؟ فإن قال أنا لا أعبد إلا الله وحده فقل: ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئًا وهو لا يعرفه، وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، وأنه يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرونها علينا ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

فإن قال: إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما يكفرون لما قالوا: الملائكة بنات الله؛ فإنا لم نقل: عبد القادر ابن الله ولا غيره. فالجواب: إن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل؛ قال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:2،1]، والأحد الذي لا نظير له، والصمد المقصود في الحوائج، فمن جحد هذا؛ فقد كفر، ولو لم يجحد السورة. وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ [المؤمنون:91]، ففرق بين النوعين، وجعل كلا منهما كفرًا مستقلًا. وقال تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:100]، ففرق بين كفرين. والدليل على هذا أيضًا أن الذين كفروا بدعاء اللات، مع كونه رجلًا صالحًا؛ لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك، وكذلك أيضًا العلماء في جميع المذاهب الأربعة؛ يذكرون في باب حكم المرتد أن المسلم إذا زعم أن لله ولدًا؛ فهو مرتد، ويفرقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح.

وإن قال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعبدُون، ونحن لم نذكر إلا عبادتهم مع الله، وشركهم معه، وإلا؛ فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال... إلخ، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.

فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا هذا "الاعتقاد"، هو الشرك الذي أنزل الله في القرآن وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:

أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67]، وقوله: قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام:41]، وقوله: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر:8]، وقوله: وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان:32]، فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان.

والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله: إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، ويدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحلون لهم الفجور من الزنا، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به.

إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم فاصغ سمعك لجوابها.

وهي إنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شئ وكذبه في شئ أنه كافر لم يدخل في الإسلام.

وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج، أنزل الله في حقهم وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].

ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه وماله، كما قال جل جلاله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [النساء:151،150]، فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعضٍ فهو الكافر حقًا، وأنه يستحق ما ذكر. زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسل إلينا.

ويقال أيضًا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول في كل شئ وجحد وجوب الصلاة، أنه كافر حلال الدم بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شئ إلا البعث، وكذلك إذا جحد وجوب صوم رمضان لا يجحد هذا، وصدق بذلك كله ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد ﷺ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاُ من هذه الأمور كفر؟ ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل.

ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ﷺ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويؤذنون، فإن قال: إنهم يقولون: أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي ﷺ، كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الروم:59].

ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضى الله عنه وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي، مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟

ويقال أيضًا: بنو عبيدٍ القداحِ الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.

ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقران، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب "باب حكم المرتد" وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعًا كثيرة كل نوعٍ منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.

ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ [التوبة:74] أما سمعت أن الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ يجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66،65] فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.

فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.

ومن الدليل على ذلك أيضًا حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، وقول ناسٍ من الصحابة: { اجعل لنا ذات أنواط } فحلف ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا.

ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا: { اجعل لنا ذات أنواط } لم يكفروا.

فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.

ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل التوحيد فهمناه أن هذا من أكبر الجهل وكايد الشيطان.

"وتفيد" أيضًا أن المسلم إذا تكلم بكلام كُفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ، "وتفيد" أيضًا أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله ﷺ.

وللمشركين شبهة أخرى يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: لا إله إلا الله، وقال له: { أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ } وكذلك قوله: { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله }، وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل.

فيقال لهؤلاء الجهلة: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهو يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم على بن أبي طالب بالنار.

وهؤلاء الجهلة يقولون: إن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع؟ وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه، ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث، ولن يفهموا.

فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك وأنزل الله تعالى في ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ [النساء:94] أي تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى، وكذلك الحديث الآخر وأمثاله.

معنى ما ذكرناه إن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك.

والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ هو الذي قال: { أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ }، وقال: { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولون لا إله إلا الله } هو الذي قال في الخوارج: { أينما لقيتومهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ } مع كونهم أكثر الناس عبادةً، وتهليلًا وتسبيحًا، حتى أن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم "لا إله إلا الله" ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة.

وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة، وكذلك أراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، وكان الرجل كاذبًا عليهم، وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه.

ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.

والجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.

إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته، فحاشا وكلا أنهم سألوا ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه ﷺ؟

ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم أما إليك فلا، فقالوا: فلو كانت الاستغاثة شركا لم يعرضها على إبراهيم.

فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5] فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويقلبها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره الله أن يضع إبراهيم في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره الله أن يضع براهيم عليه السلام في مكانٍ بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلًا محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟

ولنختم الكلام بمسألة عظيمة مهمة تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول:

لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلمًا، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر مرتد معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: أن هذا حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه حق، ولكننا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشئ من الأعذار كما قال تعالى: اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [التوبة:9] وغير ذلك من الآيات، كقوله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة:146].

فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145].

وهذه المسألة مسألة طويلة تبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به، لخوف نقص دنيا أو جاه أو مداراة لأحد، وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه فإذا هو لا يعرفه. ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله:

أولاهما، قوله تعالى: لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفًا من نقص مالٍ، أو جاهٍ أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.

والآية الثانية قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل:107،106] فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفًا أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعل على موجه المزح أو لغير ذك من الأغراض إلا المكره.

فالآية تدل على هذا من وجهين:

الأول قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ ، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها، والثاني قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، والله سبحانه وتعالى أعلم وأعز وأكرم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تمت والحمد لله رب العالمين.

كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب

====


التوحيدلابن رجب
محتويات
1 أول الكتاب
2 أهل التوحيد لا يخلدون في النار وإن دخلوها
3 شروط "لا إله إلا الله"
4 شروط دخول الجنة
5 فهم النصوص المطلقة في ضوء النصوص المقيدة
6 الشرك والكفر له أصل وفروع
7 طاعة الشيطان تقدح في توحيد الرحمن
8 دلالة محبة الله
9 تلازم الظاهر والباطن
10 النجاة لا تكون إلا لصاحب القلب السليم
11 احذروا الرياء
12 من صدق في قول لا إله إلا الله نجا من كربات يوم القيامة
13 فضائل كلمة التوحيد
14 الله الله! أيها الناس تمسكوا بأصل دينكم

أول الكتاب
قال الشيخ الإمام العالم العامل العلامة القدوة الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن الشيخ الصالح العلامة أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي -أدام الله النفع به، آمين-:
في الصحيحين عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: كان النبي ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل فقال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما.
وفي الصحيحين عن عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله حرم على النار من قال: "لا إله إلا الله" يبتغي بها وجه الله.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وأبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- في الشك أنهم كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأصابتهم مجاعة، فدعا النبي ﷺ بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، وجعل الآخر بكف تمر، وجعل الآخر يجيء بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم. فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيهما فيحجب عن الجنة.
وفي الصحيحين عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ أنه قال: ما من عبد قال: "لا إله إلا الله" ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قالها ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر. فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.
وفي صحيح مسلم عن عبادة أنه قال عند موته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار.
وفي الصحيحين عن عبادة، عن النبي ﷺ أنه قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة جدا يطول ذكرها.
أهل التوحيد لا يخلدون في النار وإن دخلوها
وأحاديث هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة، أو لم يحجب عنها، وهذا ظاهر؛ فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر من ذنوبه بالنار.
وحديث أبي ذر معناه أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، ليس فيه أنه لا يعذب يوما عليهما مع التوحيد.
وفي مسند البزار عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعا: من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه.
والثاني: ما فيه أنه يَحرُم على النار، وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها، وهي ما عدا الدرك الأعلى؛ فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين.
وفي الصحيحين أن الله -تعالى- يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله.
شروط "لا إله إلا الله"
وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن "لا إله إلا الله" سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.
وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم، إن لـ"لا إله إلا الله" شروطا، فإياك وقذف المحصنة.
ورُوِيَ عنه أنه قال للفرزدق: هذا العمود فأين الطنب؟
وقيل للحسن: إن ناساً يقولون: من قال: "لا إله إلا الله" دخل الجنة. فقال: من قال: "لا إله إلا الله"، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
وقال ابن منبه لمن سأله: أليس "لا إله إلا الله" مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك وإلا لن يفتح لك.
وهذا الحديث أن مفتاح الجنة "لا إله إلا الله" خرجه الإمام أحمد بإسناد منقطع عن معاذ قال: قال لي رسول الله ﷺ إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: شهادة أن لا إله إلا الله.
ويدل على صحة هذا القول أن النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، كما في الصحيحين عن أبي أيوب: أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رجلا قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. فقال الرجل: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه. فقال النبي ﷺ من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
وفي المسند عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط عليّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين فوالله لا أطيقهما: الجهاد والصدقة. فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها، وقال: لا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذن؟ فبم تدخل الجنة إذن؟! قلت: يا رسول الله، أنا أبايعك. فبايعته عليهن كلهن.
شروط دخول الجنة
ففي هذا الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة، مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج.
ونظير هذا أن النبي ﷺ قال: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك، فتوقفوا عن قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وقال: الزكاة حق المال.
وهذا الذي فهمه الصديق، قد رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر وأنس وغيرهما، وأنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.
ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}[1]، كما دل قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}[2] على أن الأخوّة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد؛ فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحي.
ولما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله، ورأوه صواباً.
فإذا عُلم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا، بل قد يُعاقَب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة.
وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدا؛ فإن كثيرا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي ﷺ.
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث: إنها منسوخة، ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذان إلى أن الزيادة على النص هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور.
وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل هذا كثيرا، ويكون مقصودهم أن آيات الفرائض والحدود، فبَيَّن بها توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض، واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوص منسوخة، أي: مبينة مفسرة، ونصوص الفرائض والحدود ناسخة، أي: مفسرة لمعنى تلك، موضحة لها.
فهم النصوص المطلقة في ضوء النصوص المقيدة
وقالت طائفة: تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخر، ففي بعضها: من قال: لا إله إلا الله مخلصا، وفي بعضها: مستيقنا، وفي بعضها: يصدق قلبه لسانه، وفي بعضها: حقا من قلبه، وفي بعضها: قد زل بها لسانه واطمئن بها قلبه.
وهذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحققه بمعنى الشهادتين، وتحققه بقول: لا إله إلا الله، ألا يأله القلب غير الله حبا ورجاء، وخوفا وتوكلا واستعانة، وخضوعا وإنابة وطلبا، وتحققه بأن محمدا رسول الله ألا يُعبد الله بغير ما شرع الله على لسان محمد ﷺ.
وقد جاء هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ﷺ صريحا أنه قال: من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة. قيل: ما إخلاصها يا رسول الله؟ قال: أن تحجبك عن كل ما حرَّم الله عليك.
وهذا يُروَى من حديث أنس بن مالك وزيد بن أرقم، ولكن إسنادهما لا يصح، وجاء أيضا من مراسيل الحسن نحوه.
وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي ألا إله له غير الله، الإله الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ورجاء، وتوكلا عليه، وسؤالا منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله –عز وجل- فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول "لا إله إلا الله"، ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.
الشرك والكفر له أصل وفروع
وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله، أو خوفه، أو رجائه، أو التوكل عليه والعمل لأجله. كما ورد في إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على غير الله، والاعتماد عليه، وعلى من سَوَّى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت. وكذلك ما يقدح في التوكل، وتفرد الله بالنفع والضر، كالطيرة والرقى المكروهة، وإتيان الكهان، وتصديقهم بما يقولون، وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله.
ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع هوى النفس بما هو كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملة بالكلية.
ولهذا قال السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك.
وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع؛ قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}[3]. وقال الحسن: "هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه". وقال قتادة: "هو الذي كلما هوى شيئا ركبه، وكلما اشتهى شيئا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى".
وروي من حديث أبي أمامة مرفوعا بإسناد ضعيف: ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع.
وفي حديث آخر: لا تزال "لا إله إلا الله" تدفع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم على دينهم، فإذا فعلوا ذلك رُدَّت عليهم، وقيل لهم: كذبتم.
ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتُقِش.
فدل هذا على أن كل من أحب شيئا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله فهو عبده وذلك الشيء معبوده وإلهه.
طاعة الشيطان تقدح في توحيد الرحمن
ويدل عليه -أيضًا- أن الله -تعالى- سَمَّى طاعة الشيطان في معصيةٍ عبادةً للشيطان، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}[4]. وقال حاكيًا عن خليله إبراهيم أنه قال لأبيه: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا}[5]. فمن لم يحقق عبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخْلُص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}[6]. فهم الذين حققوا قول "لا إله إلا الله"، وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إلى غير الله، محبة ورجاء، وخشية وطاعة وتوكلا، وهم الذين صدقوا في قول "لا إله إلا الله"، وهم عباد الله حقاً.
فأما من قال: "لا إله إلا الله" بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته، فقد كَذّب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[7].
فيا هذا، كن عبد الله لا عن الهوى؛ فإن الهوى يهوى بصاحبه في النار {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}[8]. تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، والله ما ينجو غدًا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده، ولم يلتفت معه إلى شيء من الأغيار.
من علم أن إلهه ومعبوده فرد فليفرده بالعبودية، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا.
كان بعض العارفين يتكلم على أصحابه على رأس جبل، فقال في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردًا بفرد. فانزعج واضطرب حتى رأى أصحابه أن الصخور قد تدكدكت، وبقي على ذلك ساعات، فلما أفاق فكأنه نشر من قبر.
قوله: "لا إله إلا الله" تقتضي ألا يحب سواه؛ فإن الإله هو الذي يطاع محبة وخوفًا ورجاء، ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئًا مما يكره الله، أو كره شيئًا مما يحبه الله، لم يكمل توحيده، ولا صدَّقه في قوله "لا إله إلا الله"، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله، وما أحبه مما يكرهه. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[9].
دلالة محبة الله
قال الليث عن مجاهد في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[10] قال: لا تحبوا غيري.
وفي صحيح الحاكم، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن النبي ﷺ أنه قال: الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء. وأدناه أن تحب على شيء من الجور، أو تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض. قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[11]. وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه من الشرك الخفي.
وقال الحسن: اعْلَمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته.
وسُئل ذو النون: متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه عندك أَمَرّ من الصبر.
وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك.
وقال أبو يعقوب النهرجوري: كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره، فدعواه باطلة.
وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.
وقال رويم: المحبة الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد:
ولـو قلـت لي مت مت سمعاً وطاعة
وقلت لداعي الموت أهلاً ومرحباً
ويشهد لهذا المعنى أيضًا قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[12].
وقال الحسن: قال أصحاب النبي {صل} يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبًا شديدًا. فأحب الله أن يجعل لحبه عَلمًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة "أن لا إله إلا الله" إلا بشهادة "أن محمدًا رسول الله"؛ فإنه إذا عُلم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد {صل} المبلغ عن الله ما يحبه وما يكرهه. فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسول الله {صل} وتصديقه ومتابعته.
ولهذا قرن الله بين محبته ومحبة رسول في قوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ} إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}[13]. كما قرن بين طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة.
وقال ﷺ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يُلْقَى في النار.
تلازم الظاهر والباطن
هذه حال السحرة، لما سكنت المحبة قلوبهم سمحوا ببذل نفوسهم، قالوا لفرعون: اقض ما أنت قاض. ومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب.
وهذا هو معنى الحديث الإلهي الذي خرجه البخاري في صحيحه، وفيه: ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وفي بعض الروايات: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي.
والمعنى: أن محبة الله -إذا استغرق بها القلب، واستولت عليه- لم تبعث الجوارح إلا إلى مراد الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة، ففنيت بإرادة مولاها عن مرادها وهواها.
يا هذا، اعبد الله لمراده منك، لا لمرادك منه؛ فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة.
ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يرد صاحبها إلا ما يريده مولاه، وفي بعض الكتب السالفة: "من أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه، ومن أحب الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه".
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: "ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة أو معصية، فإذا كانت طاعة تقدمت، وإذا كانت معصية تأخرت".
هذا حال خواص المحبين، فافهموا -رحمكم الله- هذا؛ فإنه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. وإلى هذا المقام أشار ﷺ في خطبته لما قدم المدينة، حيث قال: أحبوا الله من كل قلوبكم. وقد ذكرها ابن إسحاق وغيره.
فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إيرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل بقوله:
أروح وقـد ختمتَ على فؤادي
بحـبك أن يحـل بـه سـواكَا
فلو أنني استطعت غضضت طرفي
فلم أنظر به حتى أراكا
أحبك لا ببعضي بل بكلي
وإن لم يبق حبك لي حراكا
وفي الأحباب مخصوص بوجد
وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكا
فأما من بكى فيذوب وجداً
وينطق بالهوى من قد تشاكا
متى بقي للمحب من نفسه خطر، فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إنما المحب من يفني عن نفسه كله، ويبقى بحبيبه، فبه يسمع وبه يبصر.
القلب بيت الرب: وفي الإسرائيليات يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن، فمتى كان القلب فيه غير الله فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمه أصنام الهوى.
الحق -تعالى- يغار على عبده المؤمن أن يسكن في القلب سواه، وأن يكون فيه شيء لا يرضاه.
أردناكم صرفاً فلما مزجتم
بعدتم بمقدار التفاتكم عنا
وقلنا لكم: لا تُسْكِنُوا القلب غيرنا
فأسكنتم الأغيار ما أنتم منا
النجاة لا تكون إلا لصاحب القلب السليم
لا ينجو غدا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله -تعالى-: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[14].
القلب السليم هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدس -أو القدوس، "حضره القدس" هذه العبارة، وبهذه العبارة الدارجة في اللسان من يتكلم بهذه الكلمة- فلا يصلح لمجاورة حضرة القدس إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال منه الخبث صلح حينئذ للمجاورة؛ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فأما القلوب الطيبة فتصلح للمجاورة من أول الأمر: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}[15]، {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[16].
ومن لم يحرق اليوم قلبه بنار الأسف على ما سلف، أو بنار الشوق بلقاء الحبيب -فنار جهنم له أشد حرا، ما يحتاج إلى التطهير بنار جهنم إلا من لم يكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.
احذروا الرياء
أول ما تسعر به النار من الموحدين العّباد المراءون بأعمالهم، وأولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء؛ لأن يسير الرياء شرك، ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق، المرائي يزوِّر التواقيع على اسم الملك؛ ليأخذ البراطيل[17] لنفسه، ويوهم أنه من خاصة الملك. وهو ما يعرف الملك بالكلية.
نقش المرائي على الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.
وبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوات وعبيد الهوى، الذين أطاعوا هواهم وعصوا مولاهم، فأما عبيد الله فيقال لهم: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِرَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِيجَنَّتِي*}[18].
نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين.
في الحديث: تقول النار للمؤمن جز فقد أطفأ نورك لهبي.
وفي المسند عن جابر عن النبي ﷺ: لا يبقى مؤمن ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجا من بردهم.
هذا ميراث ورثه محبون من حال الخليل -عليه السلام-، نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم.
قال الجنيد: قالت النار: يا ربي، لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء؟ قال: نعم، كنت أسلط عليك ناري الكبرى. قالت: وهل هناك نار أعظم منى وأشد؟ قال: نار محبتي أسكنتها أوليائي المؤمنين.
قفا قليلاً بها علي فلا
أقل من نظرة أزودها
ففي فؤاد المحب نار جوىً
أحر نار الجحيم أبردها
لولا دموع المحبين تطفيء بعض
حرارة الوجد لاحترقوا كمداً
دعوه يطفيء بالدموع حرارة
على كبد حري دعوه دعوه
سلوا عاذليه يعذروه هنيةً
فبالعذل دون الشوق قد قتلوه
كان بعض العارفين يقول: أليس عجبا أن أكون حيا بين أظهركم، وفي قلبي من الاشتياق إلى ربي مثل شعل النار التي لا تنطفئ.
ولم أر مثل نار الحب ناراً
تزيد ببعد موقدها اتقاداً
ما للعارفين شغل بغير مولاهم، ولا هم في غيره. في الحديث: من أصبح وهمه غير الله فليس من الله.
قال بعضهم: من أخبرك أن وليه له هم في غيره فلا تصدق.
وكان داود الطائي يقول: في الليل همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.
ما لي شغل سواه ما لي شغل
ما يصرف عن هواه قلبي عذل
ما أصنع إن جفا وخاب الأمل
مني بدل ومنه ما لي بدل
إخواني، إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قوله ﷺ من شهد أن لا إله إلا الله صدقا من قلبه حرمه الله على النار.
من صدق في قول لا إله إلا الله نجا من كربات يوم القيامة
فأما من دخل النار من أهل الكلمة فلقلة صدقه في قولها؛ فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قله الصدق في قولها، من صدق في قوله: "لا إله إلا الله" لم يحب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش أحدا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه.
ومع هذا فلا تظنوا أن المراد أن المحب مطالب بالعصمة، وإنما هو مطالب كل ما جل أي كلافات كالوصمة.
قال زيد بن أسلم: إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك.
وقال الشعبي: إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنبه.
وتفسير هذا الكلام أن الله –عز وجل- له عناية بمن يحبه من عباده، فكلما زلق ذلك العبد في هوة الهوى أخذ بيده إلى نجوة النجاة، ييسر له أسباب التوبة، وينبهه على قبح الزلة، فيفزع إلى الاعتذار، ويبتليه بمصائب مكفرة لما جنى.
وفي بعض الآثار يقول الله: أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب.
وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: الحمى تذهب الخطايا كما يذهب الكير خبث الحديد.
وفي المسند وصحيح بن حبان عن عبد الله بن مغفل: أن رجلا لقي امرأة كانت بغيا في الجاهلية، فجعل يداعبها حتى بسط يده إليها، فقالت: مه؛ فإن الله أذهب الشرك وجاء بالإسلام، فتركها وولى وجعل يلتفت خلفه وينظر إليها، حتى أصاب وجهه حائطا، فأتى النبي ﷺ والدم يسيل على وجهه، فأخبره بالأمر، فقال رسول الله ﷺ أنت عبد أراد الله بك خيرا، ثم قال: إن الله إذا أراد بعبد خيرا عجل عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبده شرا أمسك ذنبه حتى يوافيه يوم القيامة.
يا قوم، قلوبكم على أصل الطهارة، وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فرشوا عليها قليلا من دمع العيون، وقد طهرت، اعزموا على حطام النفوس، عن رضاع الهوى، فالحمية رأس الدواء، متى طالبتكم بمعلوفاتها فقولوا لها كما قالت تلك المرأة لذلك الرجل الذي دمي وجهه: "قد أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام".
والإسلام يقتضى الاستسلام والانقياد للطاعة، ذكروها مدحة: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فصلت: 30 لعلها تحن إلى الاستقامة، عرفوها اطلاع من هو أقرب إليها من حبل الوريد لعلها تستحيي من قربه ونظره: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}[19] {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[20].
راود رجل امرأة في فلاة ليلة، فأبت وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت فأين مكوكبها؟
أكره رجل امرأة على نفسها، وأمرها بغلق الأبواب، ففعلت فقال لها: هل بقي باب لم تغلقيه؟ قالت. نعم، الباب الذي بيننا وبين الله. فلم يتعرض لها.
رأي بعض العارفين رجلا يكلم امرأة، فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما.
سئل الجنيد: بما يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظر.
وقال المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب.
كلما قويت المعرفة بقرب الله قوي الحياء من قربه ونظره.
وصى النبي ﷺ رجلا أن يستحي من الله كما يستحي من رجلٍ صالح من عشيرته لا يخالفه.
قال بعضهم: استح من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك.
كان بعضهم يقول: منذ أربعين سنة ما خطوت خطوة لغير الله، ولا نظرت إلى شيء أستحسنه حياء من الله عز وجل.
كأن رقيباً منك يرعى خواطري
وآخر يرعى ناظري ولساني
فما أبصرت عيني بعدك منظراً
لغيرك إلا قلت قد رمقاني
ولا بدرت من فيَّ بعدك لفظة
لغيرك إلا قلت قد سمعاني
ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة
على القلب إلا عرجا بعناني
فضائل كلمة التوحيد
وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة، لا يمكن ها هنا استقصاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها:
فهي كلمة التقوى كما قاله عمر وغيره من الصحابة.
وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق وبراءةُ من الشرك، ونجاة هذا الأمر؛ ولأجلها خُلق الخلق كما قال -تعالى-:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[21].
ولأجلها أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب، قال -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[22] وقال -تعالى-: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ}[23].
وهذه الآية أول ما عدد على عباده من النعم، في سورة النعم التي تسمى سورة "النحل"؛ ولهذا قال ابن عينية: ما أنعم الله على العباد نعمةً أعظم من أن عرفهم "لا إله إلا الله"، وإن "لا إله إلا الله" لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا؛ ولأجلها أُعدت دار الثواب ودار العقاب في الآخرة، فمن قالها ومات عليها كان من أهل دار الثواب، ومن ردها كان من أهل العقاب.
ومن أجلها أمرت الرسل بالجهاد، ومن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه هدر، وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى كفاحاً.
وفي مسند البزار وغيره، عن عياض الأنصاري، عن النبي ﷺ أنه قال: إن "لا إله إلا الله" كلمة حق على الله كريمة، ولها من الله مكان، وهي كلمة جمعت وشركت، فمن قالها صادقا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبا أحرزت ماله، وحقنت دمه، ولقي الله فحاسبه.
وهي مفتاح الجنة -كما تقدم- وهي ثمن الجنة قاله الحسن.
وجاء مرفوعا من وجوه ضعيفة: من كانت آخر كلامه دخل الجنة.
وهي نجاة من النار وسمع النبي ﷺ مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: خرج من النار خرجه مسلم.
وهي توجب المغفرة؛ في المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوما: ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله. فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: الحمد لله، اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا؛ فإن الله قد غفر لكم.
وهي أحسن الحسنات؛ قال أبو ذر: قلت يا رسول الله، علمني عملا يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة ، فإنها عشر أمثالها، قلت: يا رسول الله ، لا إله إلا الله من الحسنات، قال: هي أحسن الحسنات.
وهي تمحو الذنوب والخطايا؛ وفي سنن ابن ماجه، عن أم هانئ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا إله إلا الله " لا تترك ذنبا ، ولا يسبقها عمل.
رئي بعض السلف بعد موته في المنام، فسئل عن حالهم فقال: ما أبقت "لا إله إلا الله " شيئاً.
وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب؛ وفي المسند أن النبي ﷺ قال لأصحابه: جددوا إيمانكم، قالوا: كيف نجدد إيماننا؟ قال: قولوا "لا إله إلا الله".
وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، ولو وزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن؛ وفي المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أن نوحا قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن "لا إله إلا الله".
وفيه أيضا عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ أنه قال: إن موسى -عليه السلام- قال: يا رب، علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: "لا إله إلا الله " ، قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: قل: "لا إله إلا الله " ، فقال: لا إله إلا أنت ، إنما أريد شيئا تخصني به، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، و"لا إله إلا الله " في كفة مالت بهن "لا إله إلا الله".
ولذلك ترجح بصحائف الذنوب، كما في حديث السجلات والبطاقة، وقد خرجه أحمد والنسائي والترمذي، وأيضا من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ.
وهي التي تخرق الحجب كلها، حتى تصل إلى الله عز وجل؛ وفي الترمذي عن عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ أنه قال: لا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تصل إليه.
وفيه أيضا عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ أنه قال: ما قال عبد: "لا إله إلا الله" مخلصا، إلا فتحت له أبواب السماء، حتى تفضي إلى العرش، ما اجتنبت الكبائر.
ويروى عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- مرفوعاً ما من شيء إلا وبينه وبين الله حجاب، إلا قول: "لا إله إلا الله"، كما أن شفتيك لا تحجبها، كذلك لا يحجبها شيء حتى تنتهي إلى الله عز وجل.
وقال أبو أمامة: ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها شيء دون العرش.
وهي التي ينظر الله إلى قائلها ويجيب دعاءه؛ خرج النسائي في كتاب اليوم والليلة من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: من قال :"لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" مخلصا بها روحه، مصدقا بها قلبه ولسانه، إلا فتق الله له السماء، حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله.
وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها؛ كما خرجه النسائي والترمذي وابن حبان، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله تعالى عنهما-عن النبي ﷺ أنه قال: إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه وقال: لا إله إلا أنا، وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، يقول الله : لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، قال الله : لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، قال: الله لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي.
وكان يقول: من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار.
وهي أفضل ما قاله النبيون، كما ورد ذلك في دعاء يوم عرفة. 

 
وهي أفضل الذكر، كما في حديث جابر المرفوع: أفضل الذكر لا إله إلا الله. وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: أحب كلمة إلى الله تعالى، لا يقبل الله عملا إلا بها. 

 
وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفا، وتعدل عتق الرقاب ، وتكون حرزا من الشيطان. كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عن النبي ﷺ أنه قال: من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك.
وفيهما أيضا عن أبي أيوب عن النبي ﷺ أنه قال: من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل.
وفي الترمذي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعاً: من قالها إذا دخل السوق -وزاد فيها- يحيي ويميت، كتبت له ألف ألف حسنة، ومحي عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وفي رواية "وبني له بيت في الجنة".
ومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر، وهول الحشر، كما في المسند وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: ليس على أهل "لا إله إلا الله " وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل "لا إله إلا الله" قد قاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، ويقولون: الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن.
وفي حديث مرسل: من قال: لا إله إلا الله، الملك الحق المبين كل يوم مائة مرة، كانت له أمانا من الفقر، وأنسا من وحشة القبر، واستجلب به الغنى، واستقرع به باب الجنة.
وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من القبور، قال النصر بن عربي: بلغني أن الناس إذا قاموا من قبورهم كان شعارهم: لا إله إلا الله.
وقد خرج الطبراني حديثا مرفوعاً: إن شعار هذه الأمة على الصراط: لا إله إلا أنت.
ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، كما في حديث عمر عن النبي ﷺ فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء خرجه مسلم.
وفي الصحيحين عن عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: من قال: أشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الله يبعث من في القبور- فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء.
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ في قصة منامه الطويل، وفيه قال: ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فأغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة.
ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها، فإنهم لابد أن يخرجوا منها؛ وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله عز وجل وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله.
وخرج الطبراني عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: إن أناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله ؟ فيغضب الله لهم، فيخرجهم من النار، فيدخلون الجنة.
ومن كان في سخطه محسنا، فكيف يكون إذا ما رضي؟! لا يستوي بين من وحده، وإن قصر في حقوق توحيده، وبين من أشرك به.
قال بعض السلف: كان إبراهيم -عليه السلام- يقول: اللهم لا تشرك من كان يشرك بك، بمن كان لا يشرك بك.
كان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إنك قلت عن أهل النار إنهم: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ}[24] ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت، اللهم لا تجمع بين أهل القسَمين في دار واحدة.
كان أبو سليمان يقول: إن طالبني ببخلي طالبته بجوده، وإن طالبني بذنوبي طالبته بعفوه، وإن أدخلني النار أخبرت أهل النار أني كنت أحبه.
ما أطيب وصله وما أعذبه
وما أثقل هجره وما أصعبه
في السخط وفي الرضا ما أهيبه
القلب يحبه وإن عذبه
وكان بعض العارفين يبكي طول ليله ويقول: إن تعذبني فإني لك محب، وإن ترحمني فإني لك محب.
العارفون يخافون من الحجاب أكثر مما يخافون من العذاب؛ قال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق، كقطرة في بحر لجي.
كان بعضهم يقول: إلهي، وسيدي، ومولاي، لو عذبتني بعذابك كله كان ما فاتني من قربك، أعظم عندي من العذاب.
قيل لبعضهم: لو طردك ما كنت تفعل؟ فقال:
أنا إن لم أجد من الحب وصلاً
رمت في النار منزلاً ومقيلاً
ثم أزعجت أهلها بندائي
بكرة في عرصاتها وأصيلاً
معشر المشركين نوحوا على من
يدعي أنه يحب الجليلا
لم يكن في الذي ادعاه محقاً
فجزاه به العذاب الطويلا
الله الله! أيها الناس تمسكوا بأصل دينكم
اجتهدوا اليوم في تحقيق التوحيد، فإنه لا يوصل إلى الله سواه، واحرصوا على القيام بحقوقه، فإنه لا ينجي من عذاب الله إلا إياه.
ما نطق الناطقون إذ نطقوا
أحسن من لا إله إلا هو
تبارك ذو الجلال ومن
أشهد ألا إله إلا هو
من لذنوبي ومن يمحصها
غيرك يا من لا إله إلا هو
جنان خلد لمن يوحده
أشهد ألا إله إلا هو
نيرانه لا تحرق من
حقق أن لا إله إلا هو
أقولها مخلصاً بلا بخل
أشهد ألا إله إلا هو
آخره والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

 =============
هامش 

=============

 
النحل: 38
التوبة: 5
التوبة: 11
الجاثية: 23
يس: 60
مريم: 44
الحجر: 42
ص: 26
يوسف: 39
محمد: 28
النور: 55
آل عمران: 31
آل عمران: 31
التوبة: 24
الشعراء: 88-89
الزمر: 73
النحل: 32
جمع برطيل، وهو الرشوة
الفجر: 27-30
العلق: 14
الفجر: 14
الذاريات: 56
الأنبياء: 25
النحل: 2

==========

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب : الفتن لنعيم بن حماد المروزي {من حديث رقم 1 الي2001 -}

  مكتبة العلوم الشاملة كتاب : الفتن   لنعيم بن حماد المروزي ما كان من رسول الله صلى عليه وسلم من التقدم ومن أصحابه في الفتن التي ه...