ليس للنشر

 

ليس للنشر

دليل المدونة


كتاب:عجائب النباتات والفواكه والحيوانات/السراج الدي...**3 مراحل زمنية في/*موقع1./يشوع يخلف موسى*حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج صدق رسول الله صلي ع وسلم*مناظرة بين الإسلام*و...*إنجيل*توما*دلائل تحريف الكتاب المقدس - د\شريف سالم (سلسلة جدي...*بولس و أثره في النصرانية// دراسـة تحلـيلية إعداد ط.../تراجم الكتاب المقدس العربية/سفر الخروج/موقع المسيحية في الميزان/فرق القاديانية/القاديانية إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي/فوائد من مصنفات العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد/الفرق والملل المنتسبة للاسلام/ـ حزب التحرير - الشيخ عبدالرحمن دمشقية/الرد علي/القاديانيين وغيرهم/مواقع وأدلة وكتب/من موقع روح الإسلام./مؤلفات ابن تيمية للتحميل/الأشاعرة من هم وماذا غيروا في الاسلام/الأشاعرة/فرقة الإباضية/فرقة المعتزلة /روابط مكتبة صيد الفوائد/رابط مكتبة صيد الفوائد/ صفة الوضوء صفحة الصلاة صفة الجنازة صفحة الع.../روابط الحديث/روابط مكتبات جديدة/روابط الكتب المطبوعة  pdf--/مكتبة الإمام الذهبي - الإصدار الثاني المؤلف موقع ر.../الفوائد البهية من كتب شيخ الاسلام ابن تيمية في .../روابط كتب الغزالي حسب {مواقعها}/التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة .../ج1== كتاب/إحياء علوم الدين للغزالي/كتاب أسرار الصلاة ومهماتها/الباب الثالث /الي بداية.../تابع كتاب إحياء علوم الدين/ للغزالي {من الي كتاب أو.../كتاب آداب النكاح{ كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء .../كتاب آداب النكاح وهو/الكتاب/الثاني من ربع العادات .../تابع كتاب إحياء علوم الدين للغزالي { من كتاب آداب .../تابع كتاب إحياء علوم/الدين للغزالي { 10- كتاب آداب.../تابع كتاب احياء علوم الدين للغزالي الامام [ من كتا.../تابع [إحياء علوم/الدين/كتاب ذم الجاه والرياء/الشطر.../آداب المشي إلى الصلاة لمحمد بن عبد الوهاب./جمع النهاية في بدء الخير والغاية ابن أبي جمرة الأزدي



الأربعاء، 2 مارس 2022

كتاب آداب النكاح وهو الكتاب الثاني من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين الي أول كتاب الحلال والحرام }



كتاب آداب النكاح 
 
 
=وهو الكتاب الثاني من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين 
 
الحمد لله الذي لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعه مجرى ولا ترجع العقول عن أوائل بدائعها إلا والهة حيرى ولا تزال لطائف نعمه على العالمين تترى فهي تتوالى عليهم اختياراً وقهراً. ومن بدائع ألطافه أن خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وسلط على الخلق شهوةً اضطرهم بها الحراثة جبراً واستبقى بها نسلهم إقهاراً وقسراً. ثم عظم أمر الأنساب وجعل لها قدراً فحرم بسببها السفاح وبالغ في تقبيحه ردعاً وزجراً وجعل اقتحامه جريمةً فاحشةً وأمر إمراً، وندب إلى النكاح وحث عليه استحباباً وأمراً. فسبحان من كتب الموت على عباده فأذلهم به هدماً وكسراً ثم بث بذور النطف في أراضي الأرحام وأنشأ منها خلقاً وجعله لكسر الموت جبراً تنبيهاً على أن بحار المقادير فياضة على العالمين نفعاً وضراً وخيراً وشراً وعسراً ويسراً وطياً ونشراً والصلاة والسلام على محمد المبعوث بالإنذار والبشرى وعلى آله وأصحابه صلاةً لا يستطيع لها الحساب عداً ولا حصراً وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:فإن النكاح معين على الدين ومهين للشياطين وحصن دون عدو الله حصين وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين فما أحراه بأن تتحرى أسبابه وتحفظ سننه وآدابه وتشرح مقاصده وآرابه وتفصل فصوله وأبوابه. والقدر المهم من أحكامه ينكشف في ثلاثة أبواب الباب الأول في الترغيب فيه وعنه. الباب الثاني في الآداب المرعية في العقد والعاقدين. الباب الثالث في آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق.// 

الباب الأول 
 
في الترغيب في النكاح والترغيب عنه 
 
اعلم أن العلماء قد اختلفوا في فضل النكاح 
 
=فبالغ بعضهم فيه حتى زعم أنه أفضل من التخلي لعبادة الله 
 
 
=واعترف آخرون بفضله ولكن قدموا عليه التخلي لعبادة الله مهما لم تتق النفس إلى النكاح توقاناً يشوش الحال ويدعو إلى الوقاع.
 
 
= وقال آخرون: الأفضل تركه في زماننا هذا وقد كان له فضيلة من قبل إذ لم تكن الأكساب محظورة وأخلاق النساء مذمومة. ولا ينكشف الحق فيه إلا بان نقدم أولاً ما ورد من الأخبار والآثار في الترغيب فيه والترغيب عنه ثم نشرح فوائد النكاح وغوائله حتى يتضح منها فضيلة النكاح وتركه في حق كل من سلم من غوائله أو لم يسلم منها الترغيب في النكاح: أما من الآيات: فقد قال تعالى: "وانكحوا الأيامى منكم" وهذا أمر وقال تعالى: "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن" وهذا منع من العضل ونهي عنه. وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم "ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية" فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل. ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال: "والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين" الآية ويقال إن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين فقالوا إن يحي ﷺ قد تزوج ولم يجامع قيل: إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة وقيل: لغض البصر، وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض ويولد له. وأما الأخبار فقوله ﷺ "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فقد رغب عني" وقال ﷺ "النكاح سنتي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي" وقال أيضاً ﷺ "تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط" وقال أيضاً عليه السلام "من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح فمن أحبني فليستن بسنتي" وقال النبي ﷺ "من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا"وهذا ذم لعلة الامتناع لا لأصل الترك وقال ﷺ "من كان ذا طول فليتزوج" وقال"من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا فليصم فإن الصوم له وجاء" وهذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج. والوجاء هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع في الصوم. وقال ﷺ "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" وهذا أيضاً تعليل في الترغيب لخوف الفساد. وقال ﷺ "من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله" وقال ﷺ "من تزوج فقد أحرز شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني" وهذا أيضاً إشارةً إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصناً من الفساد فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه وقد كفى بالتزويج أحدهما. وقال ﷺ "كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاث ولد صالح يدعو له - لحديث -. ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح. 
 
وأما الآثار: فقال عمر رضي الله عنه لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور. فبين أن الدين غير مانع منه وحصر المانع في أمرين مذمومين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج. يحتمل أن جعله من النسك وتتمة له. ولكن الظاهر أنه أراد به أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب ولذلك كان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة وكريبا وغيرهما ويقول: إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول:لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزباً. وماتت امرأتان لمعاذ بن جبل رضي الله عنه في الطاعون وكان هو أيضاً مطعوناً فقال: زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عزباً. وهذا منهما يدل على أنهما رأيا في النكاح فضلاً لا من حيث التحرز عن غائلة الشهوة.
 
 
= وكان عمر رضي الله عنه يكثر النكاح ويقول: ما أتزوج إلا لأجل الولد وكان بعض الصحابة قد انقطع إلى رسول الله ﷺ يخدمه ويبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له رسول الله ﷺ:ألا تتزوج? فقال يا رسول الله إني فقير لاشيء لي وأنقطع عن خدمتك فسكت. ثم عاد ثانياً فأعاد الجواب. ثم تفكر الصحابي وقال: والله لرسول الله ﷺ أعلم بما يصلحني في دنياي وآخرتي وما يقربني إلى الله مني ولئن قال لي الثالثة لأفعلن.
 
 
= فقال له الثالثة: "ألا تتزوج?" قال: فقلت يا رسول الله زوجني قال. "اذهب إلى بني فلان فقل إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تزوجوني فتاتكم" قال: فقلت يا رسول الله لاشيء لي، فقال لأصحابه: "اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب" فجمعوا له فذهبوا به إلى القوم فأنكحوه فقال له: أولم فجمعوا له من أصحابه شاة للوليمة وهذا التكرير يدل على فضل في نفس النكاح ويحتمل أنه توسم فيه الحاجة إلى النكاح.
 
 
= وحكى أن بعض العباد في الأمم السالفة فاق أهل زمانه في العبادة فذكر لنبي زمانه حسن عبادته فقال: نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة فاغتم العابد لما سمع ذلك فسأل النبي عن ذلك فقال: أنت تارك للتزويج، فقال: لست أحرمه ولكني فقير وأنا عيال على الناس، قال: أنا أزوجك ابنتي فزوجه النبي عليه السلام ابنته. وقال. بشر بن الحرث: فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث: بطلب الحلال بنفسه ولغيره وأنا أطلبه لنفسي فقط ولاتساعه في النكاح وضيقي عنه ولأنه نصب إماماً للعامة. ويقال إن أحمد رحمه الله تزوج في اليوم الثاني لوفاة أم ولده عبد الله وقال: أكره أن أبيت عزباً. وأما بشر فإنه لما قيل له. إن الناس يتكلمون فيك لتركك النكاح ويقولون هو تارك للسنة، فقال: قولوا لهم مشغول بالفرض عن السنة. وعوتب مرة أخرى فقال: ما يمنعني من التزويج إلا قوله تعالى "ولهن مثل الذي بالمعروف" فذكر ذلك لأحمد فقال: وأين مثل بشر? إنه قعد على مثل حد السنان. ومع ذلك فقد روي أنه رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك? فقال: رفعت منازلي في الجنة وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل المتأهلين. وفي رواية قال لي: ما كنت أحب أن تلقاني عزباً قال: فقلنا له، ما فعل أبو نصر التمار? فقال: رفع فوقي بسبعين درجة، قلنا: بماذا فقد كنا نراك فوقه? قال: بصبره على بنياته والعيال.
 
 
= وقال سفيان بن عيينة: كثرة النساء ليست من الدنيا لأن علياً رضي الله عنه كان أزهد أصحاب رسول الله عليه وسلم وكان له أربع نسوة وسبع عشرة سرية. فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء. وقال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: طوبى لك فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة؛ فقال: لروعة منك بسبب العيال: أفضل من جميع ما أنا فيه، قال: فما الذي يمنعك من النكاح، فقال: مالي حاجة في إمرأة وما أريد أن أغر امرأة بنفسي. وقد قيل: فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد وركعة من متأهل من سبعين ركعة من عزب. 
 
وأما ما جاء في الترهيب عن النكاح:فقد قال ﷺ "خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد" وقال ﷺ "يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه مالا يطيق، فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك" وفي الخبر "قلة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفقرين" وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال: الصبر عنهن خير من الصبر عليهن والصبر عليهن خير من الصبر على النار.
 
 
  وقال أيضاً: الوحيد يجد من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل. وقال مرة: ما رأيت أحداً من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى. وقال أيضاً: ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا من طلب معاشاً أو تزوج امرأةً أو كتب الحديث. وقال الحسن رحمه الله: إذا أراد الله بعبد خيراً لم يشغله بأهل ولا مال، وقال ابن الحواري: تناظر جماعة في هذا الحديث فاستقر رأيهم على أنه ليس معناه أن لا يكون له بل أن يكونا له ولا يشغلانه وهو إشارة إلى قول أبي سليمان الداراني: ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشؤوم وبالجملة لم ينقل عن أحد الترغيب عن النكاح مطلقاً إلا مقروناً بشرط. وأما الترغيب في النكاح فقد ورد مطلقاً ومقروناً بشرط فلنكشف الغطاء عنه بحصر آفات النكاح وفوائده. 

آفات النكاح وفوائده، وفيه خمسة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهن. 
 
الفائدة الأولى:
 
 
= الولد، وهو الأصل وله وضع النكاح. والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس. وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة كالموكل في إخراج البذر وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفاً بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداءً من غير حراثة وازدواج، ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهاراً للقدرة وإتماماً لعجائب الصنعة وتحقيقاً لما سبقت به المشيئة وحقت به الكلمة وجرى به القلم. وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزباً. الأول موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان والثاني طلب محبة رسول الله ﷺ في تكثير من به مباهاته . والثالث طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده . والرابع طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله. 
 
 
أما الوجه الأول: فهو أدق الوجوه وأبعدها عن إفهام الجماهير وهو أحقها وأقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع الله تعالى ومجاري حكمه. وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده البزر وآلات الحرث وهيأ له أرضاً مهيأة للحراثة وكان العبد قادراً على الحراثة ووكل به من يتقاضاه عليها فإن تكاسل وعطل آلة الحرث وترك البزر ضائعاً حتى فسد ودفع الموكل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقاً للمقت والعتاب من سيده. والله تعالى خلق الزوجين وخلق الذكر والأنثى وخلق النطفة في الفقار وهيأ لها في الأنثيين عروقاً ومجاري وخلق الرحم قراراً ومستودعاً للنطفة وسلط متقاضى الشهوة على كل واحد من الذكر والأنثى، فهذه الأفعال والآلات تشهد بلسان ذلق في الإعراب عن مراد خالقها وتنادى أرباب الألباب بتعريف ما أعدت له. هذا إن لن يصرح به الخالق تعالى على لسان رسوله ﷺ بالمراد حيث قال "تناكحوا تناسلوا" فكيف وقد صرح بالأمر وباح بالسر? فكل ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة مضيع لخلق لما خلق الله من الآلات المعدة وجان على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه الأعضاء بخط إلهي ليس برقم حروف وأصوات يقرأه كل من له بصيرة ربانية نافذة في إدراك دقائق الحكمة الأزلية، ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد وفي الوأد لأنه منع لتمام الوجود، وإليه أشار أحد الوأدين فالناكح ساع في إتمام ما أحب الله تعالى تمامه والمعرض معطل ومضيع لما كره الله ضياعه، ولأجل محبة الله تعالى لبقاء النفوس أمر بالإطعام وحث عليه وعبر عنه بعبادة القرض فقال "من ذا الذي يقرض له قرضاً حسناً" فإن قلت: قولك: إن بقاء النسل والنفس محبوب يوهم أن فناءها مكروه عند الله، وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة الله تعالى، ومعلوم أن الكل بمشيئة الله وأن الله غني عن العالمين فمن يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم? فأعلم أن هذه الكلمة حق أريد بها باطل ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلها إلى إرادة الله خيرها وشرها ونفعها وضرها، ولكن المحبة والكراهية يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة، فرب مراد مكروه، ورب مراد محبوب، فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة، ومزمع كونها مرادة محبوبة ومرضية أما الكفر والشر فلا نقول إنه مرضي ومحبوب بل هو مراد. وقد قال الله تعالى: "ولا يرضى لعباده الكفر" فكيف يكون الفناء بالإضافة إلى محبة الله وكراهته كالبقاء، فإنه تعالى يقول: "ما ترددت في شيء كترددي في قبض روح عبدي المسلم هو يكره الموت وأنا أكره مساءته ولابد له من الموت" فقوله: " لابد له من الموت" إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله تعالى "نحن قدرنا بينكم الموت" وفي قوله تعالى "الذي خلق الموت والحياة" ولا مناقضة بين قوله تعالى "نحن قدرنا بينكم الموت" وبين قوله "وأنا أكره مساءته"، ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها، فإن السابق إلى الإفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم وكراهتهم، وهيهات فبين صفات الله تعالى وصفات الخلق من البعد ما بين ذاته العزيز وذاتهم وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدس عنه، ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض، فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق وهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة، ووراء سر القدر الذي منع عن ذكره،، ولنقتصر على ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام على النكاح والإحجام عنه، فإن أحدهما مضيع نسلاً أدام الله وجوده من آدم ﷺ عقباً بعد عقب إلى أن انتهى إليه؛ فالممتنع عن النكاح قد حسم الوجود المستدام من لدن وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر لا عقب له، ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ في الطاعون: "زوجوني لا ألقى الله عزباً فإن قلت: فما كان معاز يتوقع ولداً في ذلك الوقت فما وجه رغبته فيه? فأقول: الولد يحصل بالوقاع بباعث الشهوة، وذلك أمر لا يدخل في الاختيار، وإنما المعلق باختيار العبد إحضار المحرك للشهوة، وذلك متوقع في كل حال، فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما إليه، والباقي خارج عن اختياره، ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضاً، فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى إن المسموح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع الاستحباب أيضاً في حقه على الوجه الذي يستحب للأصلع إمرار الموسى على رأسه إقتداءً بغيره وتشبهاً بالسلف الصالحين،
 
= وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج الآن وقد كان المراد منه أولاً إظهار الجلد للكفار. فصار الاقتداء والتشبه بالذين أظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم، ويضعف هذا الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث وربما يزداد ضعفاً بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر، فإن ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر، فهذا المعنى هو الذي ينبه على شدة إنكارهم لترك النكاح مع فتور الشهوة. 

الوجه الثاني:
 
 
= السعي في محبة رسول الله ﷺ ورضاه بتكثير ما به مباهاته، إذ قد صرح رسول الله ﷺ بذلك، ويدل على مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ينكح كثيراً ويقول: إنما أنكح للولد. وما روي في الأخبار في مذمة المرأة العقيم، إذ قال عليه السلام" لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد" وقال خير نسائكم الولود الودود" وقال سوداء ولود، خير من حسناء لا تلد" وهذا يدل على أن طلب الولد أدخل في اقتضاء فضل النكاح من طلب دفع غائلة الشهوة، لأن الحسناء أصلح للتحصين وغض البصر وقطع الشهوة. 
 
الوجه الثالث:
 
 
= أن يبقى بعده ولد صالحاً يدعو له، كما ورد في الخبر أن جميع عمل إبن آدم منقطع إلا ثلاثاً فذكر الولد الصالح. وفي الخبر" إن الأدعية تعرض على الموتى على أطباق من نور" وقول القائل: إن الولد ربما لم يكن صالحاً: لا يؤثر فإنه مؤمن، والصلاح هو الغالب على أولاد ذوي الدين لاسيما إذا عزم على تربيته وحمله على الصلاح، وبالجملة دعاء المؤمن لأبويه مفيداً براً كان أو فاجراً، فهو مثاب على دعواته وحسناته فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته، فإنه لاتزر وازرة وزر أخرى، ولذلك قال تعالى: "ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء" أي ما نقصناهم من أعمالهم، وجعلنا أولادهم مزيداً في إحسانهم. 
 
الوجه الرابع:
 
 
 
= أن يموت الولد قبله فيكون له شفيعاً، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الطفل يجر بأبويه إلى الجنة" وفي بعض الأخبار "يأخذ بثوبه كما أنا الآن آخذ بثوبك" وقال أيضاً ﷺ: "إن المولود يقال ادخل الجنة فيقف على باب الجنة فيظل محبطاً" أي ممتلئاً غيظا وغضباً ويقول: "لا أدخل الجنة إلا وأبواي معي، فيقال: أدخلوا أبويه معه الجنة" وفي خبر آخر: "إن الأطفال يجتمعون في موقف عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة اذهبوا بهولاء إلى الجنة فيقفون على باب الجنة فيقال لهم: مرحباً بذراري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم، فيقولون: فأين آباؤنا وأمهاتنا? فيقول الخزنة: إن آباءكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم، إنه كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون. قال: فيتضاغون ويضجون على أبواب الجنة ضجةً واحدةً، فيقول الله سبحانه وهو أعلم بهم: ما هذه الضجة? فيقولون: ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة إلا مع آبائنا؛ فيقول الله تعالى: تخللوا الجمع فخذوا بأيدي آبائهم فأدخلوهم الجنة" وقال ﷺ: "من مات له اثنان من الولد فقد احتظر بحظار من النار" وقال ﷺ: "من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" قيل: يا رسول الله واثنان? قال" واثنان" وحكي أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهةً من دهره، قال فانتبه من نومه ذات يوم وقال: زوجوني،زوجوني،فزوجوه، فسئل عن ذلك فقال: لعل الله يرزقني ولداً ويقبضه فيكون لي مقدمةً في الآخرة، ثم قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف،وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي، وكذا الخلائق في شدة العطش والكرب، فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون الجمع، عليهم مناديل من نور، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، وهم يسقون الواحد بعد الواحد، يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إلى أحدهم وقلت: اسقني فقد أجهدني العطش، فقال:ليس لك فينا ولد، إنما نسقي آباءنا، فقلت ومن أنتم? فقالوا:نحن من مات من أطفال المسلمين. وأحد المعاني المذكورة في قوله تعالى "فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم" تقديم الأطفال إلى الآخرة:فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة أن أكثر فضل النكاح لأجل كونه سبباً للولد.
الفائدة الثانية: التحصن عن الشيطان، وكسر التوقان، ودفع غوائل الشهوة، وغض البصر، وحفظ الفرج، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام "من نكح فقد حصن نصف دينه فليتق الله في الشطر الآخر" وإليه الإشارة بقوله "عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء" وأكثر ما نقلناه من الآثار والأخبار إشارةً إلى هذا المعنى، وهذا المعنى دون الأول؛ لأن الشهوة موكلة بتقاضي تحصيل الولد؛ فالنكاح كاف لشغله دافع لجعله وصارف لشر سطوته، وليس من يجيب مولاه رغبةً في تحصيل رضاه، كمن يجيب لطلب الخلاص عن غائلة التوكيل؛ فالشهوة والولد مقدران وبينهما ارتباط، وليس يجوز أن يقال: المقصود اللذة، والولد لازم منهما كما يلزم مثلاً قضاء الحاجة من الأكل وليس مقصوداً في ذاته، بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة، والشهوة باعثة عليه؛ ولعمري في الشهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق حتى الإيلاء، وهو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت، فهي منبه على اللذات الموعودة في الجنان، إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقاً لا ينفع، فلو رغب العنين في لذة الجماع أو الصبي في لذة الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب، وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة، ليكون باعثاً على عبادة الله. فانظر إلى الحكمة، ثن إلى الرحمة، ثم إلى التعبئة الإلهية كيف عبيت تحت شهوة واحدة حياتان حياةً ظاهرةً وحياةً باطنةً، فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فإنه نوع من دوام الوجود، والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية "فإن هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة الدوام، فيستحث على العبادة الموصلة إليها، فيستفيد العبد بشدة الرغبة فيها تيسر المواظبة على ما يوصله إلى نعيم الجنان،وما من ذرة من ذرات بدن الإنسان باطناً وظاهراً، بل ذرات ملكوت السموات والأرض، إلا وتحتها من لطائف الحكمة وعجائبها ما تحار العقول فيها،ولكن إنما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر صفاتها وبقدر رغبتها عن زهرة الدنيا وغرورها وغوائلها، فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنة وهم غالب الخلق، فإن الشهوة إذا غلبت ولم يقاومها قوة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش، وإليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى: "غلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" وإن كان ملجماً بلجام التقوى فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة الشهوة، فيغض البصر ويحفظ الفرج، فأما حفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختياره، بل لا تزال النفس تجاذبه وتحدثه بأمور الوقاع ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات، وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحى منه والله مطلع على قلبه، والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق، ورأس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه، والمواظبة على الصيام لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليه ضعف في البدن وفساد في المزاج، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يتم نسك الناسك إلا بالنكاح. وهذه محنة عامة قل من يتخلص منها. قال قتادة في معنى قوله تعالى "ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" هو الغلة. وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قوله تعالى "وخلق الإنسان ضعيفا" أنه لا يصبر عن النساء وقال فياض بن نجيح: إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله. وبعضهم يقول: ذهب ثلث دينه. وفي نوادر التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما "ومن شر غاسق إذا وقب" قال قيام الذكر، وهذه بلية غالبة إذا هاجت لا يقاومها عقل ولا دين، وهي مع أنها صالحة لأن تكون باعثة على الحياتين كما سبق فهي أقوى آلة الشيطان على بني آدم، وإليه أشار عليه السلام بقوله " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب منكن" وإنما ذلك لهيجان الشهوات
 
= وقال ﷺ في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وشر منيي"
 
 
= وقال: "أسألك أن تطهر قلبي وتحفظ فرجي" فما يستعيذ منه رسول الله ﷺ كيف يجوز التساهل فيه لغيره، وكان بعض الصالحين يكثر النكاح حتى لا يكاد يخلو من اثنتين وثلاث، فأنكر عليه بعض الصوفية فقال: هل يعرف أحد منكم أنه إذا جلس بين يدي الله تعالى جلسة أو وقف بين يديه موقفاً في معاملة فخطر على قلبه خاطرة شهوة، فقالوا: يصيبنا من ذلك كثير، فقال: لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما تزوجت، لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلا نفذته فأستريح وأرجع إلى شغلي، ومنذ أربعين سنة ما خطر على قلبي معصية. وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له بعض ذوي الدين: ما الذي تنكر منهم? قال: يأكلون كثيراً. قال: وأنت أيضلً لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون، قال: ينكحون كثيراً. قال وأنت أيضاً لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون. وكان الجنيد يقول: أحتاج إلى القوت، فالزوجة على التحقيق قوت وسبب لطهارة القلب، ولذلك أمر رسول الله ﷺ كل من وقع نظره على امرأة فطلقت إليه نفسه أن يجامع أهله؛ لأن ذلك يدفع الوسواس عن النفس. وروى جابر رضي الله عنه: أن النبي ﷺ رأى إمرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج. وقال ﷺ: "إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأةً فأعجبته فليأت أهله فإن معه مثل الذي معها" وقال عليه السلام:" لا تدخلوا على المغيبات وهي التي غاب زوجها عنها فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم" قلنا: ومنك? قال "ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم" قال سفيان بن عيينة: فأسلم معناه فأسلم أنا منه، هذا معناه، فإن الشيطان لايسلم، وكذلك حكى على ابن عمر رضي الله عنهما وكان من زهاد الصحبة وعلمائهم أنه كان يفطر من الصوم على الجماع قبل الأكل، وربما أنه جامع ثلاثاً من جواريه في شهر رمضان قبل العشاء الأخير وقال ابن عباس خير هذه الأمة أكثرها نساءً ولما كانت الشهوة أغلب على مزاج العب كان استكثار الصالحين منهم للنكاح أشد ولأجل فراغ القلب أبيح نكاح الأمة عند خوف العنت مع أن فيه إرقاق الولد وهو نوع إهلاك، وهو محرم على كل من قدر على حرة، ولكن إرقاق الولد أهون من إهلاك الدين، وليس فيه إلا تنغيص الحياة على الولد مدة، وفي اقتحام الفاحشة تفويت الحية الأخروية التي تستحقر الأعمار الطويلة بالإضافة إلى يوم من أيامها. وروي أنه انصرف الناس ذات يوم من مجلس ابن عباس وبقي شاب لم يبرح، فقال له ابن عباس: هل لك من حاجة? قال: نعم أردت أن أسأل فاستحييت من الناس، وأنا الآن أهابك وأجلك، فقال ابن عباس: إن العلم بمنزلة الوالد، فما كنت أفضيت به إلى أبيك فأفض إلي به، فقال: إني شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنة على نفسي، فربما استمنيت بيدي فهل في ذلك معصية? فأعرض عنه ابن عباس ثم قال: أف وتف نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنى، فهذا تنبيه أن العزب المغتلم مردد بين ثلاثة شرور أدناها نكاح الأمة، وفيه إرقاق الولد، وأشد منه الاستنماء باليد، وأفحشه الزنى، ولم يطلق ابن عباس الإباحة في شيء منه لأنهما محذوران يفزع إليهما حذراً من الوقوع في محذور أشد منه، كما يفزع إلى تناول الميت حذراً من هلاك النفس، فليس ترجيح أهون الشرين في معنى الإباحة المطلقة ولا في معنى الخير المطلق، وليس قطع اليد المتآكلة من الخيرات وإن كان يؤذن فيه عند إشراف النفس على الهلاك، فإذاً في النكاح فضل من هذا الوجه، ولكن هذا لا يعمم الكل بل الأكثر، فرب شخص فترت شهوته لكبر سن أو مرض أو غيره فينعدم هذا الباعث في حقه، ويبقى ما سبق من أمر الولد. فإن ذلك عام إلا للممسوح وهو نادر، ومن الطباع ما تغلب عليها الشهوة بحيث لا تحصنه المرأة الواحدة فيستحب لصاحبها الزيادة على الواحدة إلى الأربع فإن يسر الله له مودة ورحمة واطمأن قلبه بهن وإلا فيستحب له الاستبدال، فقد نكح علي رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة عليها السلام بسبع ليال، ويقال إن الحسن بن علي كان منكاحاً حتى نكح زيادة على مائتي امرأة وكان ربما عقد على أربع في وقت واحد، وربما طلق أربعاً في وقت واحد واستبدل بهن، وقد قال عليه الصلاة والسلام للحسن: "أشبهت خلقي وخلقي" وقال ﷺ: "حسن مني وحسين من علي" فقال إن كثرة نكاحه أحد ما أشبه به خلق رسول الله ﷺ، وتزوج المغيرة بن شعبة بثمانين امرأة، وكان في الصحابة من له الثلاث والأربع، ومن كان له اثنتان لا يحصى، ومهما كان الباعث معلوماً فينبغي أن يكون العلاج بقدر العلة فالمراد تسكين النفس فلينظر إليه في الكثرة والقلة.
الفائدة الثالثة: ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة إراحة للقلب وتقوية له على العبادة فإن النفس ملول وهي عن الحق نفور لأنه على خلاف طبعها، فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت، وإذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت، وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القليب، وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات، ولذلك قال الله تعالى: "ليسكن إليها" وقال علي رضي الله عنه: "روحوا القلوب ساعة فإنها إذا أكرهت عميت وفي الخبر على العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بمطعمه ومشربه فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات" ومثله بلفظ آخر "لا يكون العاقل ظاعناً إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم" وقال عليه الصلاة والسلام" لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى" والشرة الجد والمكابدة بحدة وقوة، وذلك في ابتداء الإرادة، والفترة،. الوقوف للإستراحة، وكان أبو الدرداء يقول إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو لأتقوى بذلك فيما بعد على الحق. وفي بعض الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال" شكوت إلى جبريل عليه السلام ضعفي عن الوقاع فدلني على الهريسة" "هذا إن صح لا محمل له إلا الاستعداد للاستراحة، ولا يمكن تعليله بدفع الشهوة فإنه استثارة للشهوة، ومن عدم الشهوة عدم الأكثر من هذا الأنس. وقال عليه الصلاة والسلام "حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة" فهذه أيضاً فائدة لا ينكرها من جرب إتعاب نفسه في الأفكار والأذكار وصنوف الأعمال، وهي خارجة عن الفائدتين السابقتين، حتى إنه تطرد في حق الممسوح ومن لا شهوة له، إلا أن هذه الفائدة تجعل للنكاح فضيلة بالإضافة إلى هذه النية، وقل من يقصد بالنكاح ذلك. وأما قصد الولد وقصد دفع الشهوة وأمثالها فهو مما يكثر ثم رب شخص يستأنس بالنظر إلى الماء الجاري والخضرة وأمثالها ولا يحتاج إلى ترويح النفس بمحادثة النساء وملاعبتهن. فيختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص فليتنبه له.
الفائدة الرابعة: تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة، فإن الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده، إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاع أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل، فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل عون على الدين بهذه الطريق، واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش، ولذلك قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: "الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فإنها تفرغك للآخرة. وإنما تفريغها بتدبير المنزل وبقضاء الشهوة جميعاً. وقال محمد بن كعب القرظي في معنى قوله تعالى: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" قال: المرأة الصالحة. وقال عليه الصلاة والسلام: "ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة تعينه على آخرته" فانظر كيف جمع بينها وبين الذكر والشكر. وفي بعض التفاسير في قوله تعالى "فلنحيينه حياة طيبة" قال: الزوجة الصالحة؛ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول" "ما أعطى العبد بعد الإيمان بالله خيراً من امرأة صالحة وإن منهن غنماً لا يحذى منه، ومنهن غلاً يفدى منه. وقوله: لا يحذى أي لا يعتاض عنه بعطاء. وقال عليه الصلاة والسلام: "فضلت على آدم بخصلتين:كانت زوجته عوناً له على المعصية وأزواجي أعوان لي على الطاعة، وكان شيطانه كافراً وشيطاني مسلم لا يأمر إلا بخير" فعد معاونتها على الطاعة فضيلة. فهذه أيضاً منة الفوائد التي يقصدها الصالحون إلا أنها تخص بعض الأشخاص الذين لا كافل لهم ولا مدبر، ولا تدعو إلى امرأتين بل الجمع ربما ينغص المعيشة ويضطرب به أمور المنزل ويدخل في هذه الفائدة قصد الاستكثار بعشيرتها وما يحصل من القوة بسبب تداخل العشائر، فإن ذلك مما يحتاج إليه في دفع شرور وطل السلامة ولذلك قيل: ذل من لا ناصر له، ومن وجد من يدفع عنه الشرور سلم حاله وفرغ بقلبه للعبادة، فإن الذل مشوش للقلب والعز بالكثرة دافع بالذل.
الفائدة الخامسة: مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن والسعي في إصلاحهن وإرشادهن إلى طريق الدين والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن والقيام بتربيته لأولاده، فكل هذه أعمال عظيمة الفضل، فإنها رعاية وولاية، والأهل والولد رعية، وفضل الرعاية عظيم، إنما يحترز منها من يحترز خيفة من القصور عن القيام بحقها، وإلا فقد قال عليه الصلاة والسلام" يوم من وال عادل أضل من عبادة سبعين سنة" ثم قال" ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وليس من اشتغل بإصلاح نفسه وغيره كمن اشتغل بإصلاح نفسه فقط، ولا من صبر على الأذى كمن رفه نفسه وأراحها، فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله ولذلك قال بشر: فضل على أحمد بن حنبل بثلاث: إحداهما أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره، وقد قال عليه الصلاة والسلام" ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة، وإن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها إلي في امرأته" وقال بعضهم لبعض العلماء: من كل عمل أعطاني الله نصيباً حتى ذكر الحج والجهاد وغيرهما فقال له: أين أنت من عمل الأبدان? قال: وما هو? قال كسب الحلال، والنفقة على العيال. وقال ابن مبارك وهو مع إخوانه في الغزو: تعلمون عملاً أفضل مما نحن فيه? قالوا: ما نعلم ذلك. قال: أنا أعلم، قالوا فما هو? قال رجل متعفف ذو عائلة قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياماً متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه، فعمله أفضل مما نحن فيه. وقال ﷺ:"من حسنت صلاته وكثر عياله وقل ماله ولم يغتب المسلمين كان معي في الجنة كهاتين" وفي حديث آخر "إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال" وفي الحديث "إذا كثرت ذنوب العبد ابتلاه الله بهم العيال ليكفرها عنه" وقال بعض السلف: من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الغم بالعيال، وفيه أثر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة" وقال ﷺ:"من كان له ثلاث بنات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يغنيهن الله عنه أوجب الله له الجنة ألبتة ألبتة، إلا أن يعمل عملاً لا يغفر له" وكان ابن عباس إذا حدث بهذا قال: والله هو من غرائب الحديث وغرره. وروي أن بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته إلى أن ماتت. فعرض عليه التزويج فامتنع وقال: الوحدة أروح لقلبي وأجمع لهمي، ثم قال: رأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء فتحت وكأن رجالاً ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضاً، فكلما نزل واحد نظر إلي وقال: لمن وراءه: هذا هو المشؤوم، فيقول الآخر: نعم، ويقول الثالث كذلك، ويقول الرابع نعم، فخفت أن أسألهم هيبة من ذلك إلى أن مر بي آخرهم وكان غلاماً، فقلت له: يا هذا من هذا المشئوم الذي تؤمنون إليه? فقال: أنت. فقلت: ولم ذاك? قال: كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله، فمنذ جمعة أمرنا أن نضع عملك مع الخالقين، فما ندري ما أحدثت? فقال لإخوانه: زوجوني زوجوني فلم تفارقه زوجتان أو ثلاث. وفي أخبار الأنبياء عليهم السلام أن قوماً دخلوا على يونس عليه السلام فأضافهم، فكان يدخل ويخرج إلى منزله فتؤذيه امرأته وتستطيل عليه وهو ساكت، فتعجبوا من ذلك فقال: لا تعجبوا فإني سألت الله تعالى وقلت: ما أنت معاقب لي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال: إن عقوبتك بنت فلان، تتزوج بها، فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون منها وفي الصبر على ذلك رياضة النفس وكسر الغضب وتحسين الخلق؛ فإن المنفرد بنفسه أو المشارك لمن حسن خلقه لا تترشح منه خبائث النفس الباطنة ولا تنكشف بواطن عيوبه، فحق على سالك طريق الآخرة أن يجرب نفسه بالتعرض لأمثال هذه المحركات واعتياد الصبر عليها، لتعتدل أخلاقه وترتاض نفسه ويصفوا عن الصفات الذميمة باطنه والصبر على العيال مع أنه رياضة ومجاهدة تكفل لهم وقيام بهم وعبادة في نفسها، فهذه أيضاً من الفوائد، ولكنه لا ينتفع بها إلا أحد رجلين: إما رجل قصد المجاهدة والرياضة وتهذيب الأخلاق لكونه في بداية الطريق، فلا يبعد أن يرى هذا طريقاً في المجاهدة وترتاض به النفس. وإما رجل من العابدين ليس له سير بالباطن وحركة بالفكر والقلب، وإنما عمله عمل الجوارح بصلاة أو حج أو غيره، فعمله لأهله وأولاده بكسب الحلال لهم والقيام بتربيتهم أفضل له من العبادات اللازمة لبدنه التي لا يتعدى خيرها إلى غيره، فأما الرجل مهذب الأخلاق إما بكفاية في أصل الخلقة أو بمجاهدة سابقة كان له سير في الباطن وحركة بفكر القلب في العلوم والمكاشفات، فلا ينبغي أن يتزوج لهذا الغرض، فإن الرياضة هو مكفي فيها. وأما العبادة في العمل بالكسب لهم فالعلم أفضل من ذلك، لأنه أيضاً عمل، وفائدته أكثر من ذلك، وأعم وأشمل لسائر الخلق من فائدة الكسب على العيال، فهذه فوائد النكاح في الدين التي بها يحكم له بالفضيلة.
أما آفات النكاح فثلاث: الآفة الأولى: وهي أقواها العجز عن طلب الحلال فإن ذلك لا يتيسر لكل أحد، لا سيما في هذه الأوقات مع اضطراب المعايش فيكون النكاح سبباً في التوسع للطلب والإطعام من الحرام، وفيه هلاكه وهلاك أهله والمتعزب في أمن من ذلك، وأما المتزوج ففي الأكثر يدخل في مداخل السوء فيتبع هوى زوجته ويبيع آخرته بدنياه. وفي الخبر" إن العبد ليوقف عند الميزان وله من الحسنات أمثال الجبال فيسأل عن رعاية عائلته والقيام بهم، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، حتى يستغرق بتلك المطالبات كل أعماله، فلا تبقى له حسنة، فتنادي الملائكة: هذا الذي أكل عياله حسناته في الدنيا وارتهن اليوم بأعماله" ويقال: إن أول ما يتعلق بالرجل في القيامة أهله وولده فيوقفونه بين يدي الله تعالى ويقولون: يا ربنا خذ لنا بحقنا منه فإنه ما علمنا ما نجهل وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم، فيقتص لهم منه. وقال بعض السلف: إذا أراد الله بعبد شراً سلط عليه في الدنيا لا أنياباً تنهشه يعني العيال. وقال عليه الصلاة والسلام" لا يلقى الله أحد بذنب أعظم من جهالة أهله" فهذه آفة عامة قل من يتخلص منها إلا من له مال موروث أو مكتسب من حلال يفي به وبأهله وكان له من القناعة ما يمنعه من الزيادة، فإن ذلك يتلخص من هذه الآفة، أو من هو محترف ومقتد على كسب حلال من المباحات باحتطاب أو اصطياد، أو كان في صناعة لا تتعلق بالسلاطين ويقدر على أن يعامل به أهل الخير،ومن ظاهره السلامة وغالب ماله الحلال وقال ابن سالم رحمه الله وقد سئل عن التزويج فقال: هو أفضل في زماننا لمن أدركه شبق غالب،مثل الحمار يرى الأتان فلا ينتهي عنها بالضرب ولا يملك نفسه فتركه أولى.
الآفة الثانية: القصور عن القيام بحقهن والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن وهذه دون الأولى في العموم فإن القدرة على هذا أيسر من القدرة على الأولى، وتحسين الخلق مع النساء والقيام بحظوظهن أهون من طلب الحلال وفي هذا أيضاً خطر لأنه راع ومسؤول عن رعيته. وقال عليه الصلاة والسلام: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول" وروي أن الهارب من عياله بمنزلة العبد الآبق لا تقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم، ومن يقصر عن القيام بحقهن وإن كان حاضراً فهو بمنزلة هارب، فقد قال تعالى: "قوا أنفسكم وأهليكم ناراً" أمرنا أن نقيهم النار كما نقي أنفسنا والإنسان قد يعجز عن القيام بحق نفسه،وإذا تزوج تضاعف عليه الحق وانضافت إلى نفسه نفس أخرى والنفس أمارة بالسوء،إن كثرت عليها الحقوق كثر الأمر بالسوء غالباً، ولذلك اعتذر بعضهم من التزويج وقال: أنا مبتلي بنفسي وكيف أضيف إليها نفساً أخرى? كما قيل: لن يسع الفأرة جحرهـا علقت المكنس في دبرها وكذلك اعتذر إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى وقال:لا أغر امرأة بنفسي ولا حاجة لي فيهن: أي من القيام بحقهن وتحصينهن وإمتاعهن وأنا عاجز عنه، وكذلك اعتذر بشر وقال: يمنعني من النكاح قوله تعالى" ولهن مثل الذي عليهن" وكان يقول: لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أصير جلادها على الجسر. ورئي سفيان بن عيينة رحمه الله على باب السلطان فقيل له: ما هذا? فقال: وهل رأيت ذا عيال أفلح? وكان سفيان يقول:
يا حبذا العزبة والمفتاح
ومسكن تخرقه الرياح لا صخب فيه ولا صياح
فهذه آفة عامة أيضاً وإن كانت دون عموم الأولى، لا يسلم منها إلا حكيم عاقل،حسن الأخلاق، بصير بعادات النساء، صبور على لسانهن وقاف عن اتباع شهواتهن، حريص على الوفاء بحقهن يتغافل عن زللهن، ويداري بعقله أخلاقهن،والأغلب على الناس السفه والفظاظة والحدة والطيش وسوء الخلق وعدم الإنصاف مع طلب تمام الإنصاف ومثل هذا يزداد بالنكاح فساداً من هذا الوجه لا محالة، فالوحدة أسلم له.
الآفة الثالثة: وهي دون الأولى والثانية: أن يكون الأهل والولد شاغلاً له عن الله تعالى وجاذباً له إلى طلب الدنيا وحسن تدبير المعيشة للأولاد بكثرة جمع المال وادخاره لهم وطلب التفاخر والتكاثر بهم وكل ما شغل عن الله من أهل ومال وولد فهو مشؤوم على صاحبه، ولست أعني بهذا أن يدعو إلى محظور، فإن ذلك مما اندرج تحت الآفة الأولى والثانية،بل أن يدعو إلى التنعم بالمباح بل إلى الإغراق في ملاعبة النساء ومؤانستهن والإمعان في التمتع بهن، ويثور من النكاح أنواع من الشواغل من هذا الجنس تستغرق القلب، فينقضي الليل والنهار ولا يتفرغ المرء فيهما للتفكر في الآخرة والاستعداد لها، ولذلك قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: من تعود أفخاذ النساء لم يجيء منه شيء وقال أبو سلمان رحمه الله: من تزوج فقد ركن إلى الدنيا. أي يدعو ذلك إلى الركون إلى الدنيا، فهذه مجامع الآفات والفوائد،فالحكم على شخص واحد بأن الأفضل له النكاح أو العزوبة مطاقاً قصور عن الإحاطة بمجامع هذه الأمور بل تتخذ هذه الفوائد والآفات معتبراً ومحكماً ويعرض المريد عليه نفسه، فإن انتفت في حقه الآفات واجتمعت الفوائد بأن كان له مال حلال وخلق حسن وجد في الدين تام لا يشغله النكاح عن الله،وهو مع ذلك شاب محتاج إلى تسكين الشهوة ومنفرد يحتاج إلى تدبير المنزل والتحصن بالعشيرة، فلا يماري في أن النكاح أفضل له مع ما فيه من السعي في تحصيل الولد، فإن انتفت الفوائد واجتمعت الآفات فالعزوبة أفضل له، وإن تقابل الأمران وهو الغالب فينبغي أن يوزن بالميزان القسط حظ تلك الفائدة في الزيادة من دينه وحظ تلك الآفات في النقصان منه، فإذا غلب على الظن رجحان أحدهما حكم به، وأظهر الفوائد الولد وتسكين الشهوة، وأظهر الآفات الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله، فلنفرض تقابل هذه الأمور فنقول: من لم يكن في أذية من الشهوة وكانت فائدة نكاحه في السعي لتحصيل الولد وكانت الآفة الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله فالعزوبة له أولى، فلا خير فيما يشغل عن الله، ولا خير في كسب الحرام، ولا يفي بنقصان هذين الأمرين أمر الولد، فإن النكاح للولد سعي في طلب حياة للولد موهومة، وهذا نقصان في الدين ناجز، فحفظه لحياة نفسه وصونها عن الهلاك أهم من السعي في الولد وذلك ربح والدين رأسمال. وفي فساد الدين بطلان الحياة الأخروية وذهاب رأس المال، ولا تقاوم هذه الفائدة إحدى هاتين الآفتين، وأما إذا انضاف إلى أمر الولد حاجة كسر الشهوة لتوقان النفس إلى النكاح نظر: فإن لم يقي لجام التقوى في رأسه وخاف على نفسه الزنا فالنكاح له أولى، لأنه متردد بين أن يقتحم الزنا أو يأكل الحرام، والكسب الحرام أهون الشرين، وإن كان يثق بنفسه أنه لا يزني ولكن لا يقدر مع ذلك على غض البصر عن الحرام فترك النكاح أولى،لأن النظر حرام والكسب من غير وجهه حرام، والكسب يقع دائماً وفيه عصيانه وعصيان أهله، والنظر يقع أحياناً وهو يخصه وينصرم على قرب والنظر زنا العين ولكن إذا لم يصدقه الفرج فهو إلى العفو أقرب من أكل الحرام، إلا أن يخاف إفضاء النظر إلى معصية الفرج فيرجع ذلك إلى خوف العنت؛ وإذا ثبت هذا فالحالة الثالثة: وهو أن يقوى على غض البصر ولكن لا يقوى على دفع الأفكار الشاغلة للقلب فذلك أولى بترك النكاح، لأن عمل القلب إلى العفو أقرب، إنما يراد فراغ القلب للعبادة ولا تتم عبادة مع كسب الحرام وأكله وإطعامه،فهكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد ويحكم بحسبها،ومن أحاط بهذا لم يشكل عليه شيء مما نقلنا عن السلف من ترغيب في النكاح مرة ورغبة عنه أخرى، إذ ذلك بحسب الأحوال صحيح.
فإن قلت: فمن أمن الآفات فما الأفضل له: التخلي لعبادة الله، أو النكاح? فأقول: يجمع بينهما، لأن النكاح ليس مانعاً من التخلي لعبادة الله من حيث إنه عقد،ولكن من حيث الحاجة إلى الكسب، فإن قدر على الكسب الحلال فالنكاح أيضاً أفضل، لأن الليل وسائر أوقات النهار يمكن التخلي فيه للعبادة، والمواظبة على العبادة من غير استراحة غير ممكن، فإن كونه مستغرقاً بالكسب حتى لا يبقى له وقت سوى أوقات المكتوبة والنوم والأكل وقضاء الحاجة، فإن كان الرجل ممن لا يسلك سبيل الآخرة إلا بالصلاة النافلة أو الحج وما يجري مجراه من الأعمال البدنية فالنكاح أفضل، لأن في كسب الحلال والقيام بالأهل والسعي في تحصيل الولد والصبر على أخلاق النساء أنواعاً من العبادات لا يقصر فضلها عن نوافل العبادات وإن كان عبادته بالعلم والفكر وسير الباطن، والكسب يشوش عليه ذلك، فترك النكاح أفضل.
فإن قلت: فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله? وإن كان أفضل التخلي لعبادة الله فلم استكثر رسولنا ﷺ من الأزواج? فاعلم أن الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ومن قويت منته وعلت همته فلا يشغله عن الله شاغل، ورسولنا عليه السلام أخذ بالقوة، وجمع بين فضل العبادة والنكاح، ولقد كان مع تسعة من النسوة متخلياً لعبادة الله، وكان قضاء الوطر بالنكاح في حقه غير مانع، كما لا يكون قضاء الحاجة في حق المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعاً لهم عن التدبير، حتى يشتغلون في الظاهر بقضاء الحاجة وقلوبهم مشغوفة بهممهم غير غافلة عن مهماتهم، وكان رسول الله ﷺ لعلو درجته لا يمنعه أمر هذا العالم عن حضور القلب مع الله تعالى، فكان ينزل عليه الوحي وهو في فراش امرأته،ومتى سلم مثل هذا المنصب لغيره فلا يبعد أن يغير السواقي ما لا يغير البحر الخضم، فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره. وأما عيسى صلى الله عيه وسلم فإنه أخذ بالحزم لا بالقوة، واحتاط لنفسه، ولعل حالته كانت حالة يؤثر فيها الاشتغال بالأهل، أو يتعذر معها طلب الحلال، أو لا يتيسر فيها الجمع بين النكاح والتخلي للعبادة فآثر التخلي للعبادة، وهم أعلم بأسرار أحوالهم وأحكام أعصارهم في طيب المكاسب وأخلاق النساء، وما على الناكح من غوائل النكاح وما له فيه، ومهما كانت الأحوال منقسمة حتى يكون النكاح في بعضها أفضل وتركه في بعضها أفضل، فحقنا أن ننزل أفعال الأنبياء على الأفضل في كل حال والله أعلم.
=====
الباب الثاني
فيما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة وشروط العقد
أما العقد فأركانه وشروطه لينعقد ويفيد الحل أربعة: الأول إذن الولي؛ فإن لم يكن فالسلطان. الثاني رضا المرأة إن كانت ثيباً بالغاً أو كانت بكراً بالغاً، ولكن يزوجها غير الأب والحد. الثالث حضور شاهدين ظاهري العدالة، فإن كانا مستورين حكمنا بالانعقاد للحاجة. الرابع إيجاب وقبول متصل به بلفظ الإنكاح أو التزويج أو معناهما الخاص بكل لسان من شخصين مكلفين ليس فيهما امرأة، سواء كان هو الزوج أو الولي أو وكيلهما.
وأما آدابه: فتقديم الخطبة مع الولي لا في حال عدة المرأة، بل بعد انقضائها إن كانت معتدة، ولا في حال سبق غيره بالخطبة، إذ نهى عن الخطبة على الخطبة. ومن آدابه. الخطبة قبل النكاح، ومزج التحميد بالإيجاب والقبول فيقول الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله زوجتك ابنتي فلانة. ويقول الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله قبلت نكاحها على الصداق. وليكن الصداق معلوماً خفيفاً، والتحميد قبل الخطبة أيضاً مستحب. ومن آدابه أن يلقي أمر الزواج إلى سمع الزوجة وإن كانت بكراً فذلك أحرى وأولى بالألفة؛ ولذلك يستحب النظر إليها قبل النكاح فإنه أحرى أن يؤدم بينهما. ومن الآداب: إحضار جمع من أهل الصلاح زيادة على الشاهدين اللذين هما ركنان للصحة، ومنها: أن ينوي بالنكاح إقامة السنة وغض البصر وطلب الولد وسائر الفوائد التي ذكرناها، ولا يكون قصده مجرد الهوى والتمتع، فيصير عمله من الدنيا، ولا يمنع ذلك هذه النيات،فرب حق يوافق الهوى. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: إذا وافق حق الهوى فهو الزبد بالنرسيان، ولا يستحيل أن يكون كل واحد من حظ النفس وحق الدين باعثاً معاً، ويستحب أن يعقد في المسجد وفي شهر شوال. قالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وبنى بي في شوال.
وأما المنكوحة فيعتبر فيها نوعان: أحدهما للحل، والثاني لطيب المعيشة وحصول المقاصد.
النوع الأول ما يعتبر فيها للحل: وهو أن تكون خلية عن موانع النكاح والموانع تسعة عشر: الأول: أن تكون منكوحة للغير.
الثاني: أن تكون معتدة للغير سواء كانت عدة وفاة أو طلاق أو وطء شبهة أو كانت في استبراء وطء عن ملك يمين.
الثالث: أن تكون مرتدة عن الدين لجريان كلمة على لسانها من كلمات الكفر.
الرابع: أن تكون مجوسية.
الخامس: أن تكون وثنية أو زنديقة لا تنسب نبي وكتاب ومنهن المعتقدات لمذهب الإباحة فلا يحل نكاحهن وكذلك كل معتقدة مذهباً فاسداً يحكم بكفر معتقده.
السادس: أن تكون كتابية قد دانت بدينهم بعد التبديل أو بعد مبعث رسول الله ﷺ ومع ذلك فليست منم نسب بني إسرائيل، فإذا عدمت كلتا الخصلتين لم يحل نكاحها، وإن عدمت النسب فقط ففيه خلاف.
السابع: أن تكون رقيقة والناكح حراً قادراً على طول الحرة أو غير خائف من العنت.
الثامن: أن تكون كلها أو بعضها مملوكاً للناكح ملك يمين.
التاسع: أن تكون قريبة للزوج بأن تكون من أصوله أو فصوله، أو فصول أول أصوله، أو من أول فصل من كل أصل بعده أصل، وأعني بالأصول: الأمهات والجدات، وبفصوله: الأولاد والأحفاد، وبفصول أول أصوله: إخوة وأولادهم، وبأول فصل من كل أصل بعده أصل: العمات والخالات دون أولادهن.
العاشر: أن تكون محرمة بالرضاع ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب من الأصول والفصول كما سبق، ولكن المحرم خمس رضعات ومادون ذلك لا يحرم.
الحادي عشر: المحرم بالمصاهرة: وهو أن يكون الناكح قد نكح ابنتها أو جدتها أو ملك بعقد أو شبهة عقد من قبل، أو وطئهن بالشبهة في عقد أو وطئ أمها أو إحدى جداتها بعقد أو شبهة عقد؛ فمجرد العقد على المرأة يحرم أمهاتها، ولا يحرم فروعها إلا بالوطء، أو يكون قد نكحها أبوه أو ابنه قبل.
الثاني عشر: أن تكون المنكوحة خامسة أي يكون تحت الناكح لأربع سواها إما في نفس النكاح أو في عدة الرجعة، فإن كانت في عدة بينونة لم تمنع الخامسة.
الثالث عشر: أن يكون تحت الناكح أختها أو عمتها أو خالتها، فيكون بالنكاح جامعاً بينهما، وكل شخصين بينهما قرابة لو كان أحدهما ذكراً والآخرة أنثى لم يجز بينهما النكاح، فلا يجوز أن يجمع بينهما.
الرابع عشر: أن يكون هذا الناكح قد طلقها ثلاثاً فهي لا تحل له ما لم يطأها زوج غيره في نكاح صحيح.
الخامس عشر: أن يكون الناكح قد لاعنها فإنها تحرم عليه أبداً بعد اللعان.
السادس عشر: أن تكون محرمة بحج أو عمرة أو كان الزوج كذلك فلا ينعقد النكاح إلا بعد تمام التحلل.
السابع عشر: أن تكون ثيباً صغيرة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ.
الثامن عشر: أن تكون يتيمة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ.
التاسع عشر: أن تكون من أزواج رسول الله عليه وسلم ممن توفى عنها أو دخل بها فإنهن أمهات المؤمنين وذلك لا يوجد في زماننا؛ فهذه هي الموانع المحرمة.
أما الخصال المطيبة للعيش التي لابد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد وتتوفر مقاصده ثمانية: الدين، والخلق، والحسن، وخفة المهر، والولادة، والبكارة، والنسب، وأن لا تكون قرابة قريبة.
الأولى: أن تكون صالحة ذات دين، فهذا هو الأصل وبه ينبغي أن يقع الاعتناء، فإنها كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها وسودت بين الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه وتنغص بذلك عيشه، فإن سلك سبيل الحمية والأنفة، وإذا كانت مع الفساد جميلةً كان بلاؤها أشد، إذ يشق على الزوج مفارقتها فلا يصبر عنها ولا يصبر عليها، ويكون كالذي جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس. قال: "طلقها" فقال: إني أحبها قال "أمسكها" وإنما أمره بإمساكها خوفاً عليه بأنه إذا طلقها أتبعها نفسه وفسد هو أيضاً معها؛ فرأى ما في دوام نكاحها من دفع الفساد عنه من ضيق قلبه أولى، وإن كانت فاسدة الدين باستهلاك ماله أو بوجه آخر لم يزل العيش مشوشاً معه. فإن سكت ولم ينكره كان شريكاً في المعصية مخالفاً لقوله تعالى "قوا أنفسكم وأهليكم ناراً" وإن أنكر وخاصم تنغص العمر، ولهذا بالغ رسول الله ﷺ في التحريض على ذات الدين فقال "تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها فعليك بذات الدين تربت يداك" وفي حيث آخر "من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم جمالها ومالها، ومن نكحها لدينها رزقه الله مالها وقال ﷺ "لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها، ولا لمالها فلعل مالها يضغيها وانكح المرأة لدينها" وإنما بالغ في الحث على الدين لأن مثل هذه المرأة تكون عوناً على الدين؛ فأما إذا لم تكن متدينة كانت شاغلة عن الدين ومشوشة له.
الثانية: حسن الخلق، وذلك أصل معهم في طلب الفراغة والاستعانة على الدين: فإنها إذا كانت سليطة بذيئة اللسان سيئة الخلق كافرة للنعم، كان الضرر منها أكثر من النفع، والصبر على لسان النساء مما يمتحن به الأولياء. قال بعض العرب. لا تنكحوا من النساء ستة: لا أنانة، ولا منانة، ولا حنانة؛ ولا تنكحوا حداقة، ولا براقة ولا شداقة. أما الأنانة فهي التي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها كل ساعة؛ فنكاح الممراضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه، والمنانة: التي تمن على زوجها فتقول: فعلت لأجلك كذا وكذا، والحنانة: التي تحن إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر، وهذا أيضا مما يجب اجتنابه، والحداقة: التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه وتكلف الزوج شراءه، والبراقة تحتمل معنيين: أحدهما أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع، والثاني أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقل نصيبها من كل شيء، وهذه لغة يمانية يقولون: برقت المرأة وبرق الصبي الطعام إذا غضب عنده، والشداقة: المتشدقة الكثيرة الكلام، ومنه قوله عليه السلام "إن الله تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين" وحكي أن السائح الأزدي لقي إلياس عليه السلام في سياحته فأمره بالتزوج ونهاه عن التبتل، ثم قال لا تنكحوا أربعاً المختلعة، والبارية، والعاهرة، والناشز، فأما المختلعة فهي التي تطلب الخلع كل ساعة من غير سبب، والمبارية: المباهية بغيرها المفاخرة بأسباب الدنيا، والعاهرة: الفاسقة التيتعرف بخليل وخدن وهي التي قال الله تعالى "ولا متخذات أخدان" والناشز: التي تعلو على زوجها بالفعال والمقال. والنشز: العالي من الأرض، وكان علي رضي الله عنه يقول: شر خصال الرجال خير خصال النساء. البخل، والزهو والجبن، فإن المرأة إذا كانت بخيلةً حفظت مالها ومال زوجها، وإذا كانت مزهوة استنكفت أن تكلم كل أحد بكلام لين مريب وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء فلم تخرج من بيتها واتقت مواضع التهمة خيفةً من زوجها، فهذه الحكايات ترشد إلى مجامع المطلوبة في النكاح.
الثالثة: حسن الوجه؛فذلك أيضاً مطلوب، إذ به يحصل التحصن والطبع لا يكتفي بالدميمة غالباً كيف والغالب أن حسن الخلق والخلق لا يفترقان. وما نقلناه من الحث على الدين وأن المرأة لا تنكح لجمالها ليس زاجر عن رعاية الجمال، بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين؛ فإن الجمال وحده في غالب الأمر يرغب في النكاح ويهون أمر الدين ويدل على الالتفات إلى معنى الجمال أن الألفة والمودة تحصل به غالباً وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب الألفة ولذلك استحب النظر فقال: "إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" أي يؤلف بينهما، من وقوع الأدمة على الأدمة: وهي الجلدة البطنة، والبشرة الجلدة الظاهرة. وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الإئتلاف. وقال عليه الصلاة والسلام: "إن في أعين الأنصار شيئاً فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر إليهن" قيل: كان في أعينهن عمش، وقيل: صغر، وكان بعض الورعين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازاً من الغرور. قال الأعمش: كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم. ومعلوم أن النظر لا يعرف الخلق والدين والمال، وإنما يعرف الجمال من القبح. وروي أن رجلاً تزوج في عهد عمر رضي الله عنه وكان قد خضب فنصل خضابه، فاستعدى عليه أهل المرأة إلى عمر وقالوا: حسبناه شاباً، فأوجعه عمر ضرباً وقال: غررت القوم. وروي أن بلالاً وصهيباً أتيا أهل بيت من العرب فخطبا إليهم فقيل لهما، من أنتما فقال: فقال بلال: أنا بلال وهذا أخي صهيب، كنا ضالين فهدانا الله وكنا مملوكين فأعتقنا الله، وكنا عائلين فأغنانا الله؛ فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فسبحان الله، فقالوا بل تزوجان والحمد لله، فقال صهيب: لو ذكرت مشاهدنا وسوابقنا مع رسول الله ﷺ، فقال: اسكت فقد صدقت فأنكحك الصدق. والغرور يقع في الجمال والخلق جميعاً فيستحب إزالة الغرور في الجمال بالنظر، وفي الخلق بالوصف والإستيصاف فينبغي أن يقدم ذلك على النكاح، ولا يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق خبير بالظاهر والباطن ولا يميل إليها فيفرط في الثناء،ولا يحسدها فيقصر، فالطباع ماثلة في مبادئ النكاح ووصف المنكوحات إلى الإفراط والتفريط، وقل من يصدق فيه ويقتصد، بل الخداع والإغراء أغلب، والإحتياط فيه مهم لمن يخشى على نفسه التشوف إلى غير زوجته. فأما من أراد من الزوجة مجرد السنة أو الولد أو تدبير المنزل، فلو رغب عن الجمال فهو إلى الزاهد أقرب لأنه على الجملة باب من الدنيا وإن كان قد يعين على الدين في حق بعض الأشخاص. قال أبو سليمان الداراني: الزهد في كل شيء حتى في المرأة يتزوج الرجل العجوز إيثاراً للزهد في الدنيا. وقد كان مالك بن دينار رحمه الله يقول: يترك أحدكم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة المؤنة ترضى باليسير ويتزوج بنت فلان وفلان يعني أبناء الدنيا فتشتهي عليه الشهوات وتقول اكسني كذا وكذا. واختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها وكانت أختها جميلة، فسأل: من أعقلها? فقيل: العوراء، فقال: زوجوني إياها، فهذا دأب من لم يقصد التمتع، فأما من لم لا يأمن على دينه ما لم يكن له مستمتع فليطلب الجمال، فالتلذذ بالمباح حصن للدين. وقد قيل: إذا كانت المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر لبيرة العين بيضاء اللون محبةً لزوجها قاصرة الطرف عليه فهي على صورة الحور العين؛ فإن الله تعالى وصف نساء أهل الجنة بهذه الصفة في قوله "خيرات حسان" أراد بالخيرات حسنات الأخلاق، وفي قوله "قاصرات الطرف" وفي قوله "عرباً أتراباً" العروب: هي العاشقة لزوجها المشتهية للوقاع وبه تتم اللذة والحور: البياض والحوراء: شديدة بياض العين شديدة سوادها في سواد الشعر والعيناء الواسعة العين. وقال عليه الصلاة والسلام "خير نسائكم من إذا نظر إليها زوجها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غلب عنها حفظته في نفسها وماله" وإنما يسر بالنظر أليها محبة للزوج.
الرابعة: أن تكون خفيفة المهر. قال رسول الله ﷺ "خير النساء أحسنهن وجوهاً وأرخصهن مهوراً" وقد نهى عن المغالاة في المهر، تزوج رسول الله ﷺ بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بيت وكان رحى يد وجرة ووسادة من أدم حشوها ليف وعلى، وأولم على بعض نسائه بمدين من تمر ومدين من سويق وكان عمر رضي الله عنه ينهي عن المغالاة في الصداق ويقول: "ما تزوج رسول الله ﷺ ولا زوج بناته بأكثر من أربعمائة درهم" ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله ﷺ وقد تزوج بعض أصحاب رسول الله ﷺ على نواة نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم وزوج سعيد بن المسيب ابنته من أبي هريرة رضي الله عنه على درهمين، ثم حملها هو إليه ليلاً فأدخلها هو من الباب ثم انصرف، ثم جاءها بعد سبعة أيام فسلم عليها ولو تزوج على عشرة دراهم للخروج من خلاف العلماء فلا بأس به. وفي الخبر "من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها - أي الولادة -ويسر مهرها" وقال أيضاً "أبركهن أقلهن مهراً" وكما تكره المغالاة في المهر من جهة المرأة فيكره السؤال عن مالها من جهة الرجل. ولا ينبغي أن ينكح طمعاً في المال. قال النوري: إذا تزوج وقال: أي شيء للمرأة، فأعلم أنه لص، وإذا أهدى إليهم فلا ينبغي أن يهدي ليضطرهم إلى المقابلة بأكثر منه، وكذلك إذا أهدوا إليه فنية طلب الزيادة نية فاسدة؛ فأما التهادي فمستحب وهو سبب المودة. قال عليه السلام "تهادوا تحابوا" وأما طلب الزيادة فداخل في قوله تعالى "ولا تمنن تستكثر" أي تعطي لتطلب أكثر، وتحت قوله تعالى "وما أوتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس" فإن الربا هو الزيادة، وهذا زيادة على الجملة، وإن لم يكن في الأموال الربوية فكل ذلك مكروه وبدعة في النكاح يشبه التجارة والقمار ويفسد مقاصد النكاح.
الخامسة: أن تكون المرأة ولوداً؛ فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزويجها. قال عليه السلام "عليكم بالولود الودود" فإن لم يكن لها زوج ولم يعرف حالها فيراعي صحتها وشبابها، فإنها تكون ولوداً في الغالب مع هذين الوصفين.
السادسة: أن تكون بكراً قال عليه السلام لجابر: وقد نكح ثيباً "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك" في البكارة ثلاث فوائد، إحداها: أن تحب الزوج وتألفه فيؤثر في معنى الود، وقد قال ﷺ "عليكم بالودود" والطباع مجبولة على الأنس بأول مألوف. وأما التي اختبرت الرجال ومارست الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته فتقلي الزوج الثانية: أن ذلك أكمل في مودته لها فإن الطبع ينفر عن التي مسها غير الزوج نفرة ما، وذلك يثقل على الطبع مهما يذكر وبعض الطباع في هذا أشد نفوراً. الثالثة: أنها لا تحن إلى الزوج الأول وآكد الحب ما يقع مع الحبيب الأول غالباً. السابعة: أن تكون نسيبة أعني أن تكون من أهل بيت الدين والصلاح فإنها ستربي بناتها وبنيها، فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التأديب والتربية، ولذلك قال عليه السلام "إياكم وخضراء الدمن" فقيل: ما خضراء الدمن، قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء" وقال عليه السلام: "تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع". الثامنة: أن لا تكون من القرابة القريبة؛ فإن ذلك يقلل الشهوة. قال ﷺ "لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً" أي نحيفاً، وذلك لتأثيره في تضعيف الشهوة،فإن الشهوة إنما بعثت بقوة الإحساس بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود الذي دام النظر إليه مدة فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة، فهذه هي الخصال المرغبة في النساء، ويجب على الولي أيضاً أن يراعي خصال الزوج ولينظر لكريمته فلا يزوجها ممن ساء خلقه أو خلقه، أو ضعف دينه، أو قصر عن القيام بحقها أو كان لا يكافئها في نسبها، قال عليه السلام "النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته" والاحتياط في حقها أهم لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزواج قادر على الطلاق بكل حال ومهما زوج ابنته ظلماً أو فاسقاً أو مبتدعاً أو شارب خمر فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار. وقال رجل للحسن: قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها? قال: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها. وقال عليه السلام "من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها".
====
الباب الثاني
فيما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة وشروط العقد
أما العقد فأركانه وشروطه لينعقد ويفيد الحل أربعة: الأول إذن الولي؛ فإن لم يكن فالسلطان. الثاني رضا المرأة إن كانت ثيباً بالغاً أو كانت بكراً بالغاً، ولكن يزوجها غير الأب والحد. الثالث حضور شاهدين ظاهري العدالة، فإن كانا مستورين حكمنا بالانعقاد للحاجة. الرابع إيجاب وقبول متصل به بلفظ الإنكاح أو التزويج أو معناهما الخاص بكل لسان من شخصين مكلفين ليس فيهما امرأة، سواء كان هو الزوج أو الولي أو وكيلهما.
وأما آدابه: فتقديم الخطبة مع الولي لا في حال عدة المرأة، بل بعد انقضائها إن كانت معتدة، ولا في حال سبق غيره بالخطبة، إذ نهى عن الخطبة على الخطبة. ومن آدابه. الخطبة قبل النكاح، ومزج التحميد بالإيجاب والقبول فيقول الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله زوجتك ابنتي فلانة. ويقول الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله قبلت نكاحها على الصداق. وليكن الصداق معلوماً خفيفاً، والتحميد قبل الخطبة أيضاً مستحب. ومن آدابه أن يلقي أمر الزواج إلى سمع الزوجة وإن كانت بكراً فذلك أحرى وأولى بالألفة؛ ولذلك يستحب النظر إليها قبل النكاح فإنه أحرى أن يؤدم بينهما. ومن الآداب: إحضار جمع من أهل الصلاح زيادة على الشاهدين اللذين هما ركنان للصحة، ومنها: أن ينوي بالنكاح إقامة السنة وغض البصر وطلب الولد وسائر الفوائد التي ذكرناها، ولا يكون قصده مجرد الهوى والتمتع، فيصير عمله من الدنيا، ولا يمنع ذلك هذه النيات،فرب حق يوافق الهوى. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: إذا وافق حق الهوى فهو الزبد بالنرسيان، ولا يستحيل أن يكون كل واحد من حظ النفس وحق الدين باعثاً معاً، ويستحب أن يعقد في المسجد وفي شهر شوال. قالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وبنى بي في شوال.
وأما المنكوحة فيعتبر فيها نوعان: أحدهما للحل، والثاني لطيب المعيشة وحصول المقاصد.
النوع الأول ما يعتبر فيها للحل: وهو أن تكون خلية عن موانع النكاح والموانع تسعة عشر: الأول: أن تكون منكوحة للغير.
الثاني: أن تكون معتدة للغير سواء كانت عدة وفاة أو طلاق أو وطء شبهة أو كانت في استبراء وطء عن ملك يمين.
الثالث: أن تكون مرتدة عن الدين لجريان كلمة على لسانها من كلمات الكفر.
الرابع: أن تكون مجوسية.
الخامس: أن تكون وثنية أو زنديقة لا تنسب نبي وكتاب ومنهن المعتقدات لمذهب الإباحة فلا يحل نكاحهن وكذلك كل معتقدة مذهباً فاسداً يحكم بكفر معتقده.
السادس: أن تكون كتابية قد دانت بدينهم بعد التبديل أو بعد مبعث رسول الله ﷺ ومع ذلك فليست منم نسب بني إسرائيل، فإذا عدمت كلتا الخصلتين لم يحل نكاحها، وإن عدمت النسب فقط ففيه خلاف.
السابع: أن تكون رقيقة والناكح حراً قادراً على طول الحرة أو غير خائف من العنت.
الثامن: أن تكون كلها أو بعضها مملوكاً للناكح ملك يمين.
التاسع: أن تكون قريبة للزوج بأن تكون من أصوله أو فصوله، أو فصول أول أصوله، أو من أول فصل من كل أصل بعده أصل، وأعني بالأصول: الأمهات والجدات، وبفصوله: الأولاد والأحفاد، وبفصول أول أصوله: إخوة وأولادهم، وبأول فصل من كل أصل بعده أصل: العمات والخالات دون أولادهن.
العاشر: أن تكون محرمة بالرضاع ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب من الأصول والفصول كما سبق، ولكن المحرم خمس رضعات ومادون ذلك لا يحرم.
الحادي عشر: المحرم بالمصاهرة: وهو أن يكون الناكح قد نكح ابنتها أو جدتها أو ملك بعقد أو شبهة عقد من قبل، أو وطئهن بالشبهة في عقد أو وطئ أمها أو إحدى جداتها بعقد أو شبهة عقد؛ فمجرد العقد على المرأة يحرم أمهاتها، ولا يحرم فروعها إلا بالوطء، أو يكون قد نكحها أبوه أو ابنه قبل.
الثاني عشر: أن تكون المنكوحة خامسة أي يكون تحت الناكح لأربع سواها إما في نفس النكاح أو في عدة الرجعة، فإن كانت في عدة بينونة لم تمنع الخامسة.
الثالث عشر: أن يكون تحت الناكح أختها أو عمتها أو خالتها، فيكون بالنكاح جامعاً بينهما، وكل شخصين بينهما قرابة لو كان أحدهما ذكراً والآخرة أنثى لم يجز بينهما النكاح، فلا يجوز أن يجمع بينهما.
الرابع عشر: أن يكون هذا الناكح قد طلقها ثلاثاً فهي لا تحل له ما لم يطأها زوج غيره في نكاح صحيح.
الخامس عشر: أن يكون الناكح قد لاعنها فإنها تحرم عليه أبداً بعد اللعان.
السادس عشر: أن تكون محرمة بحج أو عمرة أو كان الزوج كذلك فلا ينعقد النكاح إلا بعد تمام التحلل.
السابع عشر: أن تكون ثيباً صغيرة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ.
الثامن عشر: أن تكون يتيمة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ.
التاسع عشر: أن تكون من أزواج رسول الله عليه وسلم ممن توفى عنها أو دخل بها فإنهن أمهات المؤمنين وذلك لا يوجد في زماننا؛ فهذه هي الموانع المحرمة.
أما الخصال المطيبة للعيش التي لابد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد وتتوفر مقاصده ثمانية: الدين، والخلق، والحسن، وخفة المهر، والولادة، والبكارة، والنسب، وأن لا تكون قرابة قريبة.
الأولى: أن تكون صالحة ذات دين، فهذا هو الأصل وبه ينبغي أن يقع الاعتناء، فإنها كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها وسودت بين الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه وتنغص بذلك عيشه، فإن سلك سبيل الحمية والأنفة، وإذا كانت مع الفساد جميلةً كان بلاؤها أشد، إذ يشق على الزوج مفارقتها فلا يصبر عنها ولا يصبر عليها، ويكون كالذي جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس. قال: "طلقها" فقال: إني أحبها قال "أمسكها" وإنما أمره بإمساكها خوفاً عليه بأنه إذا طلقها أتبعها نفسه وفسد هو أيضاً معها؛ فرأى ما في دوام نكاحها من دفع الفساد عنه من ضيق قلبه أولى، وإن كانت فاسدة الدين باستهلاك ماله أو بوجه آخر لم يزل العيش مشوشاً معه. فإن سكت ولم ينكره كان شريكاً في المعصية مخالفاً لقوله تعالى "قوا أنفسكم وأهليكم ناراً" وإن أنكر وخاصم تنغص العمر، ولهذا بالغ رسول الله ﷺ في التحريض على ذات الدين فقال "تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها فعليك بذات الدين تربت يداك" وفي حيث آخر "من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم جمالها ومالها، ومن نكحها لدينها رزقه الله مالها وقال ﷺ "لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها، ولا لمالها فلعل مالها يضغيها وانكح المرأة لدينها" وإنما بالغ في الحث على الدين لأن مثل هذه المرأة تكون عوناً على الدين؛ فأما إذا لم تكن متدينة كانت شاغلة عن الدين ومشوشة له.
الثانية: حسن الخلق، وذلك أصل معهم في طلب الفراغة والاستعانة على الدين: فإنها إذا كانت سليطة بذيئة اللسان سيئة الخلق كافرة للنعم، كان الضرر منها أكثر من النفع، والصبر على لسان النساء مما يمتحن به الأولياء. قال بعض العرب. لا تنكحوا من النساء ستة: لا أنانة، ولا منانة، ولا حنانة؛ ولا تنكحوا حداقة، ولا براقة ولا شداقة. أما الأنانة فهي التي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها كل ساعة؛ فنكاح الممراضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه، والمنانة: التي تمن على زوجها فتقول: فعلت لأجلك كذا وكذا، والحنانة: التي تحن إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر، وهذا أيضا مما يجب اجتنابه، والحداقة: التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه وتكلف الزوج شراءه، والبراقة تحتمل معنيين: أحدهما أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع، والثاني أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقل نصيبها من كل شيء، وهذه لغة يمانية يقولون: برقت المرأة وبرق الصبي الطعام إذا غضب عنده، والشداقة: المتشدقة الكثيرة الكلام، ومنه قوله عليه السلام "إن الله تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين" وحكي أن السائح الأزدي لقي إلياس عليه السلام في سياحته فأمره بالتزوج ونهاه عن التبتل، ثم قال لا تنكحوا أربعاً المختلعة، والبارية، والعاهرة، والناشز، فأما المختلعة فهي التي تطلب الخلع كل ساعة من غير سبب، والمبارية: المباهية بغيرها المفاخرة بأسباب الدنيا، والعاهرة: الفاسقة التيتعرف بخليل وخدن وهي التي قال الله تعالى "ولا متخذات أخدان" والناشز: التي تعلو على زوجها بالفعال والمقال. والنشز: العالي من الأرض، وكان علي رضي الله عنه يقول: شر خصال الرجال خير خصال النساء. البخل، والزهو والجبن، فإن المرأة إذا كانت بخيلةً حفظت مالها ومال زوجها، وإذا كانت مزهوة استنكفت أن تكلم كل أحد بكلام لين مريب وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء فلم تخرج من بيتها واتقت مواضع التهمة خيفةً من زوجها، فهذه الحكايات ترشد إلى مجامع المطلوبة في النكاح.
الثالثة: حسن الوجه؛فذلك أيضاً مطلوب، إذ به يحصل التحصن والطبع لا يكتفي بالدميمة غالباً كيف والغالب أن حسن الخلق والخلق لا يفترقان. وما نقلناه من الحث على الدين وأن المرأة لا تنكح لجمالها ليس زاجر عن رعاية الجمال، بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين؛ فإن الجمال وحده في غالب الأمر يرغب في النكاح ويهون أمر الدين ويدل على الالتفات إلى معنى الجمال أن الألفة والمودة تحصل به غالباً وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب الألفة ولذلك استحب النظر فقال: "إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما" أي يؤلف بينهما، من وقوع الأدمة على الأدمة: وهي الجلدة البطنة، والبشرة الجلدة الظاهرة. وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الإئتلاف. وقال عليه الصلاة والسلام: "إن في أعين الأنصار شيئاً فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر إليهن" قيل: كان في أعينهن عمش، وقيل: صغر، وكان بعض الورعين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازاً من الغرور. قال الأعمش: كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم. ومعلوم أن النظر لا يعرف الخلق والدين والمال، وإنما يعرف الجمال من القبح. وروي أن رجلاً تزوج في عهد عمر رضي الله عنه وكان قد خضب فنصل خضابه، فاستعدى عليه أهل المرأة إلى عمر وقالوا: حسبناه شاباً، فأوجعه عمر ضرباً وقال: غررت القوم. وروي أن بلالاً وصهيباً أتيا أهل بيت من العرب فخطبا إليهم فقيل لهما، من أنتما فقال: فقال بلال: أنا بلال وهذا أخي صهيب، كنا ضالين فهدانا الله وكنا مملوكين فأعتقنا الله، وكنا عائلين فأغنانا الله؛ فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فسبحان الله، فقالوا بل تزوجان والحمد لله، فقال صهيب: لو ذكرت مشاهدنا وسوابقنا مع رسول الله ﷺ، فقال: اسكت فقد صدقت فأنكحك الصدق. والغرور يقع في الجمال والخلق جميعاً فيستحب إزالة الغرور في الجمال بالنظر، وفي الخلق بالوصف والإستيصاف فينبغي أن يقدم ذلك على النكاح، ولا يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق خبير بالظاهر والباطن ولا يميل إليها فيفرط في الثناء،ولا يحسدها فيقصر، فالطباع ماثلة في مبادئ النكاح ووصف المنكوحات إلى الإفراط والتفريط، وقل من يصدق فيه ويقتصد، بل الخداع والإغراء أغلب، والإحتياط فيه مهم لمن يخشى على نفسه التشوف إلى غير زوجته. فأما من أراد من الزوجة مجرد السنة أو الولد أو تدبير المنزل، فلو رغب عن الجمال فهو إلى الزاهد أقرب لأنه على الجملة باب من الدنيا وإن كان قد يعين على الدين في حق بعض الأشخاص. قال أبو سليمان الداراني: الزهد في كل شيء حتى في المرأة يتزوج الرجل العجوز إيثاراً للزهد في الدنيا. وقد كان مالك بن دينار رحمه الله يقول: يترك أحدكم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة المؤنة ترضى باليسير ويتزوج بنت فلان وفلان يعني أبناء الدنيا فتشتهي عليه الشهوات وتقول اكسني كذا وكذا. واختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها وكانت أختها جميلة، فسأل: من أعقلها? فقيل: العوراء، فقال: زوجوني إياها، فهذا دأب من لم يقصد التمتع، فأما من لم لا يأمن على دينه ما لم يكن له مستمتع فليطلب الجمال، فالتلذذ بالمباح حصن للدين. وقد قيل: إذا كانت المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر لبيرة العين بيضاء اللون محبةً لزوجها قاصرة الطرف عليه فهي على صورة الحور العين؛ فإن الله تعالى وصف نساء أهل الجنة بهذه الصفة في قوله "خيرات حسان" أراد بالخيرات حسنات الأخلاق، وفي قوله "قاصرات الطرف" وفي قوله "عرباً أتراباً" العروب: هي العاشقة لزوجها المشتهية للوقاع وبه تتم اللذة والحور: البياض والحوراء: شديدة بياض العين شديدة سوادها في سواد الشعر والعيناء الواسعة العين. وقال عليه الصلاة والسلام "خير نسائكم من إذا نظر إليها زوجها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غلب عنها حفظته في نفسها وماله" وإنما يسر بالنظر أليها محبة للزوج.
الرابعة: أن تكون خفيفة المهر. قال رسول الله ﷺ "خير النساء أحسنهن وجوهاً وأرخصهن مهوراً" وقد نهى عن المغالاة في المهر، تزوج رسول الله ﷺ بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بيت وكان رحى يد وجرة ووسادة من أدم حشوها ليف وعلى، وأولم على بعض نسائه بمدين من تمر ومدين من سويق وكان عمر رضي الله عنه ينهي عن المغالاة في الصداق ويقول: "ما تزوج رسول الله ﷺ ولا زوج بناته بأكثر من أربعمائة درهم" ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله ﷺ وقد تزوج بعض أصحاب رسول الله ﷺ على نواة نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم وزوج سعيد بن المسيب ابنته من أبي هريرة رضي الله عنه على درهمين، ثم حملها هو إليه ليلاً فأدخلها هو من الباب ثم انصرف، ثم جاءها بعد سبعة أيام فسلم عليها ولو تزوج على عشرة دراهم للخروج من خلاف العلماء فلا بأس به. وفي الخبر "من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها - أي الولادة -ويسر مهرها" وقال أيضاً "أبركهن أقلهن مهراً" وكما تكره المغالاة في المهر من جهة المرأة فيكره السؤال عن مالها من جهة الرجل. ولا ينبغي أن ينكح طمعاً في المال. قال النوري: إذا تزوج وقال: أي شيء للمرأة، فأعلم أنه لص، وإذا أهدى إليهم فلا ينبغي أن يهدي ليضطرهم إلى المقابلة بأكثر منه، وكذلك إذا أهدوا إليه فنية طلب الزيادة نية فاسدة؛ فأما التهادي فمستحب وهو سبب المودة. قال عليه السلام "تهادوا تحابوا" وأما طلب الزيادة فداخل في قوله تعالى "ولا تمنن تستكثر" أي تعطي لتطلب أكثر، وتحت قوله تعالى "وما أوتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس" فإن الربا هو الزيادة، وهذا زيادة على الجملة، وإن لم يكن في الأموال الربوية فكل ذلك مكروه وبدعة في النكاح يشبه التجارة والقمار ويفسد مقاصد النكاح.
الخامسة: أن تكون المرأة ولوداً؛ فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزويجها. قال عليه السلام "عليكم بالولود الودود" فإن لم يكن لها زوج ولم يعرف حالها فيراعي صحتها وشبابها، فإنها تكون ولوداً في الغالب مع هذين الوصفين.
السادسة: أن تكون بكراً قال عليه السلام لجابر: وقد نكح ثيباً "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك" في البكارة ثلاث فوائد، إحداها: أن تحب الزوج وتألفه فيؤثر في معنى الود، وقد قال ﷺ "عليكم بالودود" والطباع مجبولة على الأنس بأول مألوف. وأما التي اختبرت الرجال ومارست الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته فتقلي الزوج الثانية: أن ذلك أكمل في مودته لها فإن الطبع ينفر عن التي مسها غير الزوج نفرة ما، وذلك يثقل على الطبع مهما يذكر وبعض الطباع في هذا أشد نفوراً. الثالثة: أنها لا تحن إلى الزوج الأول وآكد الحب ما يقع مع الحبيب الأول غالباً. السابعة: أن تكون نسيبة أعني أن تكون من أهل بيت الدين والصلاح فإنها ستربي بناتها وبنيها، فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التأديب والتربية، ولذلك قال عليه السلام "إياكم وخضراء الدمن" فقيل: ما خضراء الدمن، قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء" وقال عليه السلام: "تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع". الثامنة: أن لا تكون من القرابة القريبة؛ فإن ذلك يقلل الشهوة. قال ﷺ "لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً" أي نحيفاً، وذلك لتأثيره في تضعيف الشهوة،فإن الشهوة إنما بعثت بقوة الإحساس بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود الذي دام النظر إليه مدة فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة، فهذه هي الخصال المرغبة في النساء، ويجب على الولي أيضاً أن يراعي خصال الزوج ولينظر لكريمته فلا يزوجها ممن ساء خلقه أو خلقه، أو ضعف دينه، أو قصر عن القيام بحقها أو كان لا يكافئها في نسبها، قال عليه السلام "النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته" والاحتياط في حقها أهم لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزواج قادر على الطلاق بكل حال ومهما زوج ابنته ظلماً أو فاسقاً أو مبتدعاً أو شارب خمر فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار. وقال رجل للحسن: قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها? قال: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها. وقال عليه السلام "من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها".
=============
الباب الثالث
في آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح
والنظر فيما على الزوج وفيما على الزوجة
أما الزوج فعليه مراعاة الاعتدال والأدب في اثني عشر أمراً: في الوليمة، والمعاشرة، والدعابة، والسياسة، والغيرة، والنفقة، والتعليم، والقسم، والتأديب في النشوز، والوقاع، والولادة والمفارقة بالطلاق.
الأدب الأول: الوليمة، وهي مستحبة، قال أنس رضي الله عنه:" رأى رسول الله ﷺ على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أثر صفرة فقال" ما هذا" فقال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال: بارك الله لك" أولم ولو بشاة "وأولم رسول الله ﷺ على صفية بتمر وسويق. وقال ﷺ" طعام أول يوم حق، وطعام الثاني سنة، وطعام الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به" ولم يرفعه إلا زياد بن عبد الله وهو غريب. وتستحب تهنئته فيقول من دخل على الزوج: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير. وزوى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه السلام أمر بذلك، ويستحب إظهار النكاح. قال عليه السلام" فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت" قال رسول الله ﷺ" أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف" وعن الربيع بنت المعوذ قالت" جاء رسول الله ﷺ فدخل غداة بنى بي فجلس على فراشي وجويريات لنا يضربن بدفهن ويندبن من قتل من آبائي إلى أن قالت إحداهن. وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال لها: اسكتي عن هذه وقولي الذي كنت تقولين قبلها".
الأدب الثاني: حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ترحماً عليهن لقصور عقلهن. وقال الله تعالى" وعاشروهن بالمعروف" وقال في تعظيم حقهن" وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً" وقال" والصاحب بالجنب" قيل هي المرأة وآخر ما وصى به رسول الله ﷺ ثلاث كان يتكلم بهم حتى تلجلج لسانه وخفي كلامه: جعل يقول:" الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون. الله الله في النساء فإنهن عوان في أيديكم - يعني أسراء - أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" وقال عليه السلام" من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه، ومن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسية امرأة فرعون". واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله ﷺ فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يوماً إلى الليل وراجعت امرأة عمر رضي الله عنه عمر في الكلام فقال: أتراجعيني يا لكعاء؛ فقالت إن أزواج رسول الله صلى الله عيه وسلم يراجعنه وهو خير منك؛ فقال عمر خابت حفصة وخست إن راجعته؛ ثم قال لحفصة: لا تغتري بابنة ابن أبي قحافة فإنها حب رسول الله ﷺ وخوفها من المراجعة. وروي أنه دفعت إحداهن في صدر رسول الله ﷺ فزبرتها أمها، فقال عليه السلام: دعيها فإنهن يصنعن أكثر من ذلك. وجرى بينه وبين عائشة كلام حتى أدخلا بينهما أبا بكر رضي الله عنه حكماً واستشهده، فقال لها رسول الله ﷺ تكلمين أو أتكلم فقالت بل تكلم أنت ولا تقل إلا حقاً، فلطمها أبو بكر حتى دمى فوها وقال: يا عدية نفسها، أو يقول غير الحق! فاستجارت برسول الله ﷺ وقعدت خلف ظهره، فقال له النبي ﷺ لم ندعك لهذا ولا أردنا منك هذا. وقالت له مرة في كلام غضبت عنده: أنت الذي تزعم أنك نبي الله، فتبسم رسول الله ﷺ واحتمل ذلك حلماً وكرماً . وكان يقول لها" إني لأعرف غضبك من رضاك" قالت:وكيف تعرفه? قال: "إذا رضيت قلت لا وإله محمد، وإذا غضبت قلت لا وإله إبراهيم" قالت: "صدقت إنما أهجر اسمك" ويقال إن أول حب وقع في الإسلام حب رسول الله ﷺ لعائشة رضي الله عنها وكان يقول لها: كنت لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لا أطلقك، وكان يقول لنسائه: "لا تؤذوني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" وقال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله ﷺ أرحم الناس بالنساء والصبيان.
الثالث:أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة؛ فهي التي تطيب قلوب النساء، وقد كان رسول الله ﷺ يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق، حتى روي أنه ﷺ كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوماً، وسبقها في بعض الأيام، فقال عليه السلام" هذه بتلك" وفي الخبر: أنه كان ﷺ من أفكه الناس مع نسائه. وقالت عائشة رضي الله عنها" سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عاشوراء؛ فقال لي رسول الله ﷺ: أتحبين أن تري لعبهم? قالت: قلت نعم، فأرسل إليهم فجاؤوا، وقام رسول الله ﷺ بين البابين، فوضع كفه على الباب ومد يده ووضعت ذقني على يده وجعلوا يلعبون وأنظر،وجعل رسول الله ﷺ يقول: "حسبك" وأقول اسكت مرتين أو ثلاثاً،ثم قال: "يا عائشة حسبك"فقلت: نعم، فأشار إليهم فانصرفوا" فقال رسول الله ﷺ: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله" وقال عليه السلام: "خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي" وقال عمر رضي الله عنه مع خشونته: ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي؛ فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلاً. وقال لقمان رحمه الله: ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي، وإذا كان في القوم وجد رجلاً. وفي تفسير الخبر المروي "إن الله يبغض الجعظري الجواظ" قيل هو الشديد على أهله المتكبر في نفسه؛ وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى "عتل" قيل العتل: هو الفظ اللسان الغليظ القلب على أهله. وقال عليه السلام لجابر: "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك" ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: والله كان ضحوكاً إذا ولج سكيتاً إذا خرج، آكلاً ما وجد، غير مسائل عما فقد.
الرابع: أن لا يتبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها، بل يراعى الاعتدال فيه فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى منكراً ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات ألبتة، بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض. قال الحسن: والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله في النار. وقال عمر رضي الله عنه: خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة. وقد قيل:شاوروهن وخالفوهن. وقد قال عليه السلام: "تعس عبد الزوجة" وإنما قال ذلك لأنه إذا أطاعها في هواها فهو عبدها وقد تعس فإن الله ملكه المرأة فملكها نفسه فقد عكس الأمر وقلب القضية وأطاع الشيطان لما قال: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله" إذ حق الرجل أن يكون متبوعاً لا تابعاً،وقد سمى الله الرجال قوامين على النساء وسمى الزوج سيداً، فقال تعالى: "وألفيا سيدها لدى الباب" فإذا انقلب السيد مسخراً فقد بدل نعمة الله كفراً، ونفس المرأة على مثال نفسك: إن أرسلت عنانها قليلاً جمحت بك طويلاً، وإن أرخيت عذارها فتراً جذبتك ذراعاً، وإن كبحتها وشددت يدك عليها في محل الشدة ملكتها. قال الشافعي رضي الله عنه: ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك وإن أهنتهم أكرموك: المرأة والخادم والنبطي: أراد به إن محضت الإكرام ولم تمزج غلظك بلينك وفظاظتك برفقك. وكانت نساء العرب تعلمن بناتهن اختبار الأزواج، وكانت المرأة تقول لابنتها: اختبري زوجك قبل الإقدام والجراءة عليه انزعي زج رمحه، فإن سكت فقطعي اللحم على ترسه، فإن سكت فكسري العظام بسيفه، فإن سكت فاجعلي الإكاف على ظهره وامتطيه فإنما هو حمارك. وعلى الجملة فبالعدل قامت السموات والأرض،فكل ما جاوز حده انقلب على ضده، فينبغي أن تسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة وتتبع الحق في جميع ذلك لتسلم من شرهن، فإن كيدهن عظيم وشرهن فاش، والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل، ولا يعتدل ذلك منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة. وقال عليه السلام: "مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم بين مائة غراب" والأعصم يعني الأبيض البطن. وفي وصية لقمان لابنه: يا بني اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل الشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر. وقال عليه السلام: "استعيذوا من الفواقر الثلاث" وعد منهن المرأة السوء فإنها المشيبة قبل الشيب. وفي لفظ آخر: "إن دخلت عليك سبتك، وإن غبت عنها خانتك" وقد قال عليه السلام في خيرات النساء: "إنكن صواحبات يوسف" يعني إن صرفكن أبا بكر عن التقدم في الصلاة ميل منكن عن الحق إلى الهوى. قال الله تعالى حين أفشين سر رسول الله ﷺ: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" أي مالت وقال ذلك في خير أزواجه وقال عليه السلام: "لا يفلح قوم تملكهم امرأة" وقد زبر عمر رضي الله عنه امرأته لما راجعته وقال: ما أنت إلا لعبة في جانب البيت إن كانت لنا إليك حاجة وإلا جلست كما أنت، فإذن فيهن شر وفيهن ضعف؛ فالسياسة والخشونة علاج الشر، والمطايبة والرحمة علاج الضعف، فالطبيب الحاذق هو الذي يقدر العلاج بقدر الداء، فلينظر الرجل أولاً إلى أخلاقها بالتجربة ثم ليعاملها بما يصلحها كما يقتضيه حالها.
الخامس: الاعتدال في الغيرة: وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها، ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن، فقد نهى رسول الله ﷺ أن تتبع عورات النساء وفي لفظ آخر: أن تبغت النساء. ولما قدم رسول الله ﷺ من سفره قال قبل دخول المدينة: "لا تطرقوا النساء ليلاً" فخالفه رجلان فسبقا، فرأى كل واحد في منزله ما يكره وفي الخير المشهور "المرأة كالضلع إن قومته كسرته،فدعه تستمتع به على عوج" وهذا في تهذيب أخلاقها. وقال ﷺ: "إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة" لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه، فإن بعض الظن إثم. وقال علي رضي الله عنه: لا تكثر الغيرة على أهلك فترمي بالسوء من أجلك. وأما الغيرة في محلها فلا بد منها وهي محمودة. وقال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى يغار والمؤمن يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي الرجل المؤمن ما حرم الله عليه" وقال عليه السلام: "أتعجبون من غيرة سعد وأنا والله أغير منه والله أغير مني" ولأجل غيرة الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ولذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولأجل ذلك وعد الجنة. وقال رسول الله ﷺ: "رأيت ليلةً أسري بي في الجنة قصراً وبفنائه جارية؛ فقلت لمن هذا القصر? فقيل لعمر؛ فأردت أن أنظر إليها فذكرت غيرتك يا عمر فبكى عمر وقال أعليك أغار يا رسول الله" وكان الحسن يقول: أتدعون نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق قبح الله من لا يغار، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن من الغيرة ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله، ومن الخيلاء ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله ، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، والغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة، والاختيال الذي يحبه الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدمة،والاختيال الذي يبغضه الله الاختيال في الباطل" وقال عليه الصلاة والسلام" إني لغيور، وما من امرء لا يغار إلا منكوس القلب، والطريق المغني عن الغيرة أن لا يدخل عليها الرجال وهي لا تخرج إلى الأسواق. وقال رسول الله ﷺ لابنته فاطمة عليها السلام" أي شيء خير للمرأة?" قالت: أن لا ترى رجل ولا يراها رجل، فضمها إليه وقال" ذرية بعضها من بعض فاستحسن قولها". وكان أصحاب رسول الله ﷺ يسدون الكوى والثقب في الحيطان لئلا تطلع النسوان إلى الرجال. ورأى معاذ امرأته تطلع في الكوة فضربها، ورأى امرأته قد دفعت إلى غلامه تفاحة قد أكلت منها فضربها. وقال عمر رضي الله عنه: أعروا النساء يلزمن الحجال، وإنما قال ذلك لأنهن لا يرغبن في الخروج في الهيئة الرثة. وقال عودوا نساءكم"لا" وكان قد أذن رسول الله ﷺ للنساء في الحضور المسجد والصواب الآن المنع إلا العجائز، بل استصوب ذلك في زمان الصحابة حتى قالت عائشة رضي الله عنها، لو علم النبي ﷺ ما أحدثت النساء بعده لمنعهن من الخروج ولما قال ابن عمر قال رسول الله ﷺ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فقال بعض ولده: بلى والله لنمنعهن فضربه وغضب عليه وقال تسمعني أقول قال رسول الله ﷺ لا تمنعوا فتقول بلى"وإنما استجرأ على المخالفة لعلمه بتغير الزمان وإنما غضب عليه لإطلاقه اللفظ بالمخالفة ظاهراً من غير إظهار العذر وكذلك كان رسول الله ﷺ قد أذن لهن في الأعياد خاصة أن يخرجن إلا برضا أزواجهن والخروج الآن مباح للمرأة العفيفة ولكن القعود أسلم وينبغي أن لا تخرج إلا للمهم فإن الخروج للنظارات والأمور التي ليست مهمة تقدح في المرؤة وربما تفضي إلى الفساد، فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه، بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، فإن لم تكن فتنة فقط، فإن لم تكن فتنة فلا، إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقب أو منعن من الخروج إلا لضرورة.
السادس: الاعتدال في النفقة فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق، ولا ينبغي أن يسرف، بل يقتصد. قال تعالى "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" وقال تعالى "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" وقد قال رسول الله ﷺ "خيركم خيركم لأهله" وقال ﷺ "دينار أنفقه في سبيل الله، ودينار أنفقه في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك: أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك" وقيل: كان لعلي رضي الله عنه أربع نسوة، فكان يشتري لكل واحدة في كل أربعة أيام لحماً بدرهم، وقال الحسن رضي الله عنه: كانوا في الرجال مخاصيب، والإناث والثياب مجاديب. وقال ابن سيرين: يستحب. للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة فالوذجة، وكأن الحلاوة وإن لم تكن من المهمات ولكن تركها بالكلية تقطير في العادة، وينبغي أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد ولو ترك! فهذا أقل درجات الخير، وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير صريح إذن من الزوج، ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا يطعمنهم منه، فإن ذلك مما يوغر الصدور ويبعد عن المعاشرة بالمعروف، فإن كان مزمعاً على ذلك فليأكله بخفية بحيث لا يعرف أهله ولا ينبغي أن يصف عنهم أن يصف عندهم طعاماً ليس يريد إطعامهم إياه، وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته، فقد قال سفيان رضي الله عنه: بلغنا أن الله وملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون جماعة،وأهم ما يجب عليه مراعاته في الإنفاق أن يطعمها من الحلال ولا يدخل مداخل السوء لأجلها، فإن ذلك جناية عليها لا مراعاة لها وقد أوردنا الأخبار الواردة في ذلك عند ذكر آفات النكاح.
السابع: أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الإحتراز الواجب،ويعلم زوجته الصلاة وما يقضى منها في الحيض وما لا يقضى، فإنه أمر بأن يقيها النار بقوله تعالى" قوا أنفسكم وأهليكم ناراً" فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة ويزيل عن قلبها كل بدعة إن استمعت إليها، ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين،مها من أحكام الحيض والاستحاضة ما تحتاج إليه وعلم الاستحاضة يطول؛ فأما الذي لا بد من إرشاد النساء إليه في أمر الحيض بيان الصلوات التي تقضيها، فإنها مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة فعليها قضاء الظهر والعصر، وإذا انقطع فبل الصبح بمقدار ركعة فعليها قضاء المغرب والعشاء،وهذا أقل ما يراعيه النساء، فإن كان الرجل قائماً بتعليمها فليس لها الخروج لسؤال العلماء وإن قصر علم الرجل ولكن ناب عنها في السؤال فأخبرها بجواب المفتي فليس لها خروج، فإن لم يكن ذلك فلها الخروج للسؤال بل عليها ذلك ويعصي الرجل بمنعها ومهما تعلمت ما هو من الفرائض عليها فليس لها أن تخرج إلى مجلس ذكر ولا إلى تعلم إلا برضاه ومهما أهملت المرأة حكماً من أحكام الحيض والاستحاضة ولم يعلمها الرجل خرج الرجل معها وشاركها في الإثم.
الثامن: إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن، فإن خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن، كذلك كان يفعل رسول الله ﷺ، فإن ظلم امرأة بليلتها قضى لها، فإن القضاء واجب عليه، وعند ذلك يحتاج إلى معرفة أحكام القسم وذلك يطول ذكره؛ وقد قال رسول الله ﷺ" من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى-وفي لفظ- ولم يعدل بينهما؛ جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" وإنما عليه العدل في العطاء والمبيت، وأما في الحب والوقاع فذلك لا يدخل تحت الاختيار. قال الله تعالى "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" أي أن تعدلوا في شهوة القلب وميل النفس، ويتبع ذلك التفاوت في الوقاع. وكان رسول الله ﷺ يعدل بينهن في العطاء والبيتوتة في الليالي ويقول "اللهم هذا جهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك" يعني الحب. وقد كانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه وسائر نسائه يعرفن ذلك. وكان يطاف به محمولاً في مرضه في كل يوم وليلة، فيبيت عند كل واحدة منهن ويقول: أين أنا غداً، ففطنت لذلك امرأة منهن فقالت: إنما يسأل عن يوم عائشة؛ فقلن يا رسول الله قد أذنا لك أن تكون في بيت عائشة فإنه يشق عليك أن تحمل في كل ليلة؛ فقال "وقد رضيتن بذلك? فقلن: نعم. قال: فحولوني إلى بيت عائشة" ومهما وهبت واحدة ليلتها لصاحبتها ورضي الزوج بذلك فوهبت ليلتها لعائشة وسألته أن يقرها على الزوجية حتى تحشر في زمرة نسائه، فتركها وكان لا يقسم لها ويقسم لعائشة ليلتين ولسائر أزواجه ليلةً ليلةً، ولكنه ﷺ لحسن عدله وقوته كان إذا تاقت نفسه إلى واحدة من النساء في غير نوبتها فجامعها طاف في يومه أو ليلته على سائر نسائه؛ فمن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه في ليلة واحدة. وعن أنس أنه عليه السلام طاف على تسع نسوة في ضحوة نهار.
التاسع: في النشوز ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما: فإن كان من جانبهما جميعاً أو من الرجل فلا تسلط الزوجة على زوجها ولا يقدر على إصلاحها فلا بد من حكمين: أحدهما من أهله والآخر من أهلها لينظرا بينهما ويصلحا أمرهما "إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما" فعاد الرجل وأحسن النية وتلطف بهما فأصلح بينهما. وإما إذا كان النشوز من المرأة خاصة فالرجال قوامون على النساء، فله أن يؤدبها ويحملها على الطاعة قهراً، ملكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها: وهو أن يقدم أولاً الوعظ والتحذير والتخويف، فإن لم ينجح ولاها ظهره في المضجع أو انفرد عنها بالفراش وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليال. فإن لم ينجح ذلك فيها ضربها ضرباً غير مبرح بحيث يؤلمها ولا يكسر لها عظماً ولا يدمي لها جسم. ولا يضرب وجهها فذلك منهي عنه. وقد قيل لرسول الله ﷺ "ما حق المرأة على الرجل? قال "يطعمها إذا طعم. ويكسوها إذا اكتسى. ولا يقبح الوجه. ولا يضرب إلا ضرباً غير مبرح. ولا يهجرها إلا في المبيت" وله أن يغضب عليها ويهجرها في أمر من أمور الدين إلى عشراً وإلى عشرين وإلى شهر. فعل ذلك رسول الله ﷺ إذ أرسل إلى زينب بهدية فردتها عليه. فقالت له التي هو في بيتها: لقد أقمأتك إذ ردت عليك هديتك. أي أزلتك واستصغرتك. فقال ﷺ "أنتن أهون على الله أن تقمئنني" ثم غضب عليهن كلهن شهراً إلى أن عاد إليهن.
العاشر: في آداب الجماع. ويستحب أن يبدأ باسم الله تعالى ويقرأ قل هو الله أحد أولاً ويكبر ويهلل ويقول: بسم الله العظيم. اللهم اجعلها ذريةً طيبةً إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي. وقال عليه الصلاة والسلام "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان" وإذا قربت من الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك شفتيك: الحمد لله الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً. وكان بعض أصحاب الحديث يكبر حتى يسمع أهل الدار صوته ثم ينحرف عن القبلة ولا يستقبل القبلة بالوقاع إكراماً للقبلة، وليغط نفسه وأهله بثوب. كان رسول الله ﷺ يغطي رأسه ويغض صوته ويقول للمرأة "عليك بالسكينة" وفي الخبر "إذا جامع أحدكم أهله فلا يتجردان تجرد العيرين" أي الحمارين، وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل قال ﷺ "لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول" قيل: وما الرسول يا رسول الله? قال: "القبلة والكلام" وقال ﷺ: "ثلاث من العجز في الرجل: أن يلقى من يحب معرفته فيفارقه قبل أن يعلم اسمه ونسبه، والثاني: أن يكرمه أحد فيرد عليه كرامته، والثالث: أن يقارب الرجل جاريته أو زوجته فيصيبها قبل أن يحدثها ويؤانسها،ويضاجعها فيقضي حاجته منها قبل أن تقضي حاجتها منه" ويكره له الجماع في ثلاث ليال من الشهر: الأول، والآخر،والنصف. يقال إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي، ويقال إن الشياطين يجامعون فيها، وروي كراهة ذلك عن علي ومعاوية وأبي هريرة رضي الله عنهم. ومن العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة وليلته تحقيقاً لأحد التأويلين من قوله ﷺ: "رحم الله من غسل واغتسل" الحديث. ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضاً نهمتها، فإن إنزالها ربما يتأخر فيهيج شهوتها، ثم القعود عنها إيذاء لها، والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقاً إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها ليشتغل الرجل بنفسه عنها، فإنها ربما تستحي. وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة فهو أعدل، إذ عدد النساء أربعة فجاز التأخير إلى هذا الحد، نعم ينبغي أن يزيد وينقص بحسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب عليه،وإن كان لا يثبت المطالبة بالوطء فذلك لعسر المطالبة والوفاء بها، ولا يأتيها في الحيض، ولا بعد انقضائه وقبل الغسل، فهو محرم بنص الكتاب وقيل إن ذلك يورث الجذام في الولد، وله أن يستمتع بجميع بدن الحائض ولا يأتيها في غير المأتي،إذ حرم غشيان الحائض لأجل الأذى،والأذى غير المأتي دائم فهو أشد تحريماً من إتيان الحائض. وقوله تعالى: "فأتوا حرثكم أنى شئتم" أي أي وقت شئتم، وله أن يستمني ببدنها،وأن يستمتع بما تحت الإزار بما يشتهي سوى الوقاع. وينبغي أن تتزر المرأة بإزار من حقوها إلى فوق الركبة في حال الحيض، فهذا من الأدب،وله أن يؤاكل الحائض، ويخالطها في المضاجعة وغيرها، وليس عليه اجتنابها،وإن أراد أن يجامع ثانياً بعد أخرى فليغسل فرجه أولاً، وإن احتلم فلا يجامع حتى يغسل فرجه أو يبول، ويكره الجماع في أول الليل حتى لا ينام على غير طهارة، فإن أراد النوم أو الأكل فليتوضأ وضوء الصلاة فذلك سنة. قال ابن عمر: قلت للنبي ﷺ: أينام أحدنا وهو جنب? قال: "نعم إذا توضأ" ولكن قد وردت فيه رخصة قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ ينام جنباً لم يمس ماء" ومهما عاد إلى فراشه فليمسح وجه فراشه أو لينفضه، فإنه لا يدري ما حدث عليه بعده، ولا ينبغي أن يحلق أو يقلم أو يستحد أو يخرج الدم أو يبين من نفسه جزءاً وهو جنب؛ إذ ترد إليه سائر أجزائه في الآخرة فيعود جنباً، ويقال إن كل شعرة تطالبه بجنابتها ومن الآداب أن لا يعزل، بل لا يسرح إلا إلى محل الحرث وهو الرحم، فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة هكذا قال رسول الله ﷺ، فإن عزل فقد اختلف العلماء في إباحته وكراهته على أربع مذاهب، فمن مبيح مطلقاً بكل حال، ومن محرم بكل حال، ومن قائل يحل برضاها ولا يحل دون رضاها، وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون العزل، ومن قائل يباح في المملوكة دون الحرة. والصحيح عندنا أن ذلك مباح، وأما الكراهية فإنها تطلق لنهي التحريم ولنهي التنزيه ولترك الفضيلة، فهو مكروه بالمعنى الثالث أي فيه ترك فضيلة، كما يقال: يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغاً لا يشتغل بذكر أو صلاة، ويكره للحاضر في مكة مقيماً بها أن لا يحج كل سنة، والمراد بهذه الكراهية ترك الأولى والفضيلة فقط، وهذا ثابت لما بيناه من الفضيلة في الولد، ولما روي عن النبي ﷺ: "إن الرجل ليجامع أهله فيكتب له بجماعه أجر ولد ذكر قاتل في سبيل الله فقتل" وإنما قال ذلك لأنه لو ولد له مثل هذا الولد لكان له أجر التسبب إليه، مع أن الله تعالى خالقه ومحييه ومقويه على الجهاد، والذي إليه من التسبب فقد فعله وهو الوقاع، وذلك عند الإمناء في الرحم. وإنما قلنا لا كراهة بمعنى التحريم والتنزيه، لأن إثبات النهي إنما يمكن بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا أصل يقاس عليه، بل ههنا أصل يقاس عليه وهو ترك النكاح أصلاً أو ترك الجماع بعد النكاح أو ترك الإنزال بعد الإيلاج، فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهي ولا فرق، إذ الولد يتكون بوقوع النطفة في الرحم، ولها أربعة أسباب: النكاح، ثم الوقاع، ثم الصبر إلى الإنزال بعد الجماع،ثم الوقوف لينصب المني في الرحم، وبعض هذه الأسباب أقرب من بعض، فالامتناع عن الرابع كالامتناع عن الثالث، وكذا الثالث كالثاني، والثاني كالأول، وليس هذا كالإجهاض والوأد، لأن ذلك جناية على موجود حاصل، وله أيضاً مراتب وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغةً وعلقةً كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حياً. وإنما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل، لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده بل من الزوجين جميعاً إما من مائه ومائها أو من مائه ودم الحيض، قال بعض أهل التشريح: إن المضغة تخلق بتقدير الله من دم الحيض، وإن الدم منها كاللبن من الرائب، وإن النطفة من الرجل شرط في خثور دم الحيض وانعقاده كالأنفحة للبن، إذ بها ينعقد الرائب، وكيفما كان فماء المرأة ركن في الانعقاد فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانياً على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع بعده رفعاً وفسخاً وقطعاً، وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد فكذا بعد الخروج من الإحليل ما لم يمتزج بماء المرأة ودمها، فهذا هو القياس الجلي.
فإن قلت: فإن لم يكن العزل مكروهاً من حيث أنه دفع لوجود الولد فلا يبعد أن يكره لأجل النية الباعثة عليه، إذ لا يبعث عليه إلا عليه إلا نية فاسدة فيها شيء من شوائب الشرك الخفي فأقول: النيات الباعثة على العزل خمس: الأولى في السراري وهو حفظ الملك عن الهلال باستحقاق العتاق وقصد استبقاء الملك بترك الإعتاق ودفع أسبابه ليس بمنهي عنه. الثانية استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها خوفاً من خطر الطلق، وهذا أيضاً ليس منهياً عنه. الثالثة:الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء، وهذا أيضاً غير منهي عنه، فإن قلة الحرج معين على الدين، نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل، ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره مع كونه مناقضاً للتوكل لا نقول إنه منهي عنه. الرابعة الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة كما كانت من عادة العرب في قتلهم الإناث، فهذه نية فاسدة لو ترك بسببها أصل النكاح أو أصل الوقاع أثم بها لا بترك النكاح والوطء، فكذا في العزل، والفساد في اعتقاد المعرة في سنة رسول الله ﷺ أشد، وينزل منزلة امرأة تركت النكاح استنكافاً من أن يعلوها رجل فكانت تتشبه بالرجال، ولا ترجع الكراهة إلى عين ترك النكاح. الخامسة: أن تمتنع المرأة لتعززها ومبالغتها في النظافة والتحرز من الطلق والنفاس والرضاع، وكان ذلك عادة نساء الخوارج لمبالغتهن في استعمال المياه، حتى كن يقضين صلوات أيام الحيض ولا يدخلن الخلاء إلا عراة، فهذه بدعة تخالف السنة، فهي نية فاسدة؛ واستأذنت واحدة منهن على عائشة رضي الله عنها لما قدمت البصرة فلم تأذن لها، فيكون القصد هو الفاسد دون منع الولادة.
فإن قلت: فقد قال النبي ﷺ: "من ترك النكاح مخافة العيال فليس منا ثلاثاً". قلت: فالعزل كترك النكاح. وقوله: "ليس منا" أي ليس موافقاً لنا على سنتنا وطريقنا وسنتنا فعل الأفضل.
فإن قلت: فقد قال صلى الله علبه وسلم في العزل "ذلك الوأد الخفي،وقرأ: وإذا الموءودة سئلت" وهذا في الصحيح. قلنا: وفي الصحيح أخبار صحيحة في الإباحة، وقوله" الوأد الخفي" كقوله "الشرك الخفي" وذلك يوجب كراهة لا تحريماً.
فإن قلت: فقد قال ابن عباس: العزل هو الوأد الأصغر، فإن الممنوع وجوده به هو الموءودة الصغرى. قلنا هذا ليس قياس منه لدفع الوجود على قطعه وهو قياس ضعيف، ولذلك أنكره عليه علي رضي الله عنه،لما سمعه قال: ولا تكون موءودة إلا بعد سبع، أي بعد الأخرى سبعة أطوار،وتلا الآية الواردة في أطوار الخلقة وهي قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين" إلى قوله "ثم أنشأناه خلقاً آخر" أي نفخنا فيه الروح،ثم تلا قوله تعالى في الآية "وإذا الموءودة سئلت" وإذا نظرت إلى ما قدمناه في طريق القياس والاعتبار، ظهر لك تفاوت منصب علي وابن عباس رضي الله عنهما في الغوص على المعاني ودرك العلوم، كيف وفي المتفق عليه في الصحيحين على جابر انه قال "كنا نعزل على عهد الرسول ﷺ والقرآن ينزل" وفي لفظ آخر "كنا نعزل فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا" وفيه أيضاً عن جابر أنه قال"إن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية خادمتنا وساقيتنا في الخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل، فقال عليه الصلاة والسلام "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها" فلبث الرجل ما شاء الله ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت، فقال "قد قلت سيأتيها ما قدر لها" كل ذلك في الصحيحين.
الحادي عشر: في آداب الولادة وهي خمسة: "الأول" أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى، فإنه لا يدري الخيرة له في أيهما، فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له، أو يتمنى أن يكون بنتاً، بل السلامة منهن أكثر والثواب فيهن اجزل قال ﷺ "من كانت له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها وغذاها فأحسن غذاءها وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه كانت له ميمنة وميسرة من المار إلى الجنة" وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله ﷺ "من كانت له ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وقال أنس: قال رسول الله ﷺ "من خرج إلى سوق من أسواق المسلمين فاشترى شيئاً فحمله إلى بيته فخص به الإناث دون الذكور نظر الله إليه لم يعذبه" وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "من حمل طرفة من السوق إلى عياله فكأنما حمل إليهم صدقة حتى يضعها فيهم وليبدأ بالإناث قبل الذكور فإنه من فرح أنثى فكأنما بكى من خشية الله حرم الله بدنه على النار" وقال أبو هريرة: قال ﷺ "من كانت له ثلاث بنات أو أخوات فصبر على لأوائهن وضرائهن أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن، فقال رجل: واثنتان يا رسول الله? قال واثنتان. فقال رجل أو واحدة? فقال وواحدة" الأدب الثاني: أن يؤذن في أذن الولد: روى رافع عن أبيه قال "رأيت النبي ﷺ قد أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة رضي الله عنها" وروي عن النبي ﷺ أنه قال "من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى دفعت عنه أم الصبيان" ويستحب أن يلقنوه أول انطلاق لسانه لا إله إلا الله، ليكون أول حديثه، والختان في اليوم السابع ورد به خبر.
الأدب الثالث: أن تسميه اسماً حسناً؛ فذلك من حق الولد. وقال ﷺ "إذا سميتم فعبدوا" وقال عليه الصلاة والسلام أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" وقال" سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" قال العلماء: كان ذلك في عصره ﷺ إذ كان ينادى يا أبا القاسم والآن فلا بأس، نعم لا يجمع بين اسمه وكنيته، وقد قال ﷺ "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي" وقيل: إن هذا أيضاً كان في حياته، وتسمى رجل أبا عيسى فقال عليه السلام "إن عيسى لا أب له" فيكره ذلك، والسقط ينبغي أن يسمى. قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية: بلغني أن السقط يصرخ يوم القيامة وراء أبيه فيقول: أنت ضيعتني وتركتني لا اسم لي؛ فقال عمر بن عبد العزيز: كيف وقد لا يدري إنه غلام أو جارية فقال عبد الرحمن: من الأسماء ما يجمعها كحمزة وعمارة وطلحة وعتبة، وقال ﷺ إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم" ومن كان له اسم يكره يستحب تبديله، أبدل رسول الله ﷺ اسم العاص بعبد الله. وكان اسم زينب برة، فقال عليه السلام "تزكي نفسها" فسماها زينب، وكذلك ورد النهي في تسمية أفلح ويسار ونافع وبركة لأنه يقال: أثم بركة? فيقال: لا.
الرابع: العقيقة عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة ذكراً كانت أو أنثى. وروت عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ أمر في الغلام أن يعق بشاتين مكافئتين، وفي الجارية بشاة. وروي: أنه عق عن الحسن بشاة وهذا رخصة في الاقتصار على واحدة وقال ﷺ"مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى، ومن السنة أن يتصدق بوزن شعره ذهباً أو فضةً؛ فقد ورد فيه خبر:طأنه عليه السلام أمر فاطمة رضي الله عنها يوم سابع حسين أن تحلق شعره وتتصدق بزنة شعره فضة" قالت عائشة رضي الله عنها لا يكسر للعقيقة عظم.
الخامس: أن يحنكه بتمرة أو حلاوة. وروي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت "ولدت عبد الله بن الزبير بقباء، ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعته في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه" فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ،ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام، ففرحوا به فرحاً شديداً لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم.
الثاني عشر: في الطلاق، وليعلم أنه مباح، ولكنه أبغض المباحات إلى الله تعالى، وإنما يكون مباحاً إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل، ومهما طلقها فقد آذاها، ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من جانبها أو بضرورة من جانبه، قال الله تعلى "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" أي لا تطلبوا حيلة للفراق وإن كرهها أبوه فليطلقها. قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها ويأمرني بطلاقها، فراجعت رسول الله ﷺ فقال "يا ابن عمر طلق امرأتك" فهذا يدل على أن حق الوالد مقدم، ولكن والد يكرهها- لا لغرض فاسد- مثل عمر، ومهما آذت زوجها وبذت على أهله فهي جانية، وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو فاسدة الدين. قال ابن مسعود في قوله تعالى "ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" مهما بذت على أهله وآذت زوجها فهو فاحشة، وهذا أريد به في العدة ولكنه تنبيه على المقصود. وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي ببذل مال، يكره للرجل أن يأخذ منها أكثر مما أعطى فإن ذلك إجحاف بها وتحامل عليها وتجارة على البضع. قال تعالى "فلا جناح عليهما فيما افتدت به" فرد ما أخذته فما دونه لائق بالفداء. فإن سألت الطلاق بغير ما بأس فهي آثمة، قال ﷺ "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة" وفي لفظ آخر" فالجنة عليها حرام" وفي لفظ آخر: أنه عليه السلام قال "المختلعات هن المنافقات" ثم ليراع الزوج في الطلاق أربعة أمور.
الأول: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فإن الطلاق في الحيض أو الطهر الذي جامع فيه يدعى حرام وإن كان واقعاً، لما فيه من تطويل العدة عليها؛ فإن فعل ذلك فليراجعها :طلق ابن عمر زوجته في الحيض فقال ﷺ لعمر: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " وإنما أمره بالصبر بعد الرجعة طهرين لئلا يكون مقصود الرجعة الطلاق فقط.
الثاني: أن يقتصر على طلقة واحدة فلا يجمع بين الثلاث، لأن الطلقة الواحدة بعد العدة تفيد المقصود ويستفيد بها الرجعة إن ندم في العدة وتجديد النكاح إن أراد بعد العدة، وإذا طلق ثلاثاً ربما ندم فيحتاج إلى أن يتزوجها محلل وإلى الصبر مدة، وعقد المحلل منهي عنه، ويكون هو الساعي فيه ثم يكون قلبه معلقاً بزوجة الغير وتطليقه -أعني زوجة المحلل بعد أن زوج منه- ثم يورث ذلك تنفيراً من الزوجة، وكل ذلك ثمرة الجمع، وفي الواحدة كفاية في المقصود من غير محذور، ولست أقول الجمع حرام "لكنه مكروه بهذه المعاني، وأعني بالكراهة تركه النظر لنفسه.
الثالث: أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف واستخفاف، وتطيب قلبها بهدية على سبيل الإمتاع والجبر لما فجعلها به من أذى الفراق. قال تعالى" ومتعوهن" وذلك واجب مهما لم يسم لها مهر في أصل النكاح. كان الحسن بن علي رضي الله عنهما مطلاقاً ومنكاحاً، ووجه ذات يوم بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه وقال: قل لهما اعتدا، وأمره أن يدفع إلى كل واحدةً عشرة آلاف درهم، ففعل، فلما رجع إليه قال: ماذا فعلتا? قال أما إحداهما فنكست رأسها وتنكست، وأما الأخرى فبكت وانتحت وسمعتها تقول: متاع قليل من حبيب مفارق فأطرق الحسن وترحم لها وقال: لو كنت مراجعاً امرأةً بعد ما فارقتها لراجعتها، ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - فقيه المدينة ورئيسها - ولم يكن له بالمدينة نظير وبه ضربت المثل عائشة رضي الله عنها حيث قالت لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشراً ذكراً من رسول الله ﷺ مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام:فدخل عليه الحسن في بيته، فعظمه عبد الرحمن وأجلسه في مجلسه وقال: ألا أرسلت إلي فكنت أجيئك، فقال: الحاجة لنا. قال: وما هي? قال جئتك خاطباً ابنتك، فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال: والله ما على وجه الأرض أحد يمشي عليها أعز علي منك، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرني ما سرها، وأنت مطلاق، فأخاف أن تطلقها، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي في محبتك وأكره أن يتغير قلبي عليك، فأنت بضعة من رسول الله ﷺ فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك، فسكت الحسن وقام وخرج وقال بعض أهل بيته. سمعته وهو يمشي ويقول: ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقاً في عنقي. وكان علي رضي الله عنه يضجر من كثرة تطليقه، فكان يعتذر منه على المنبر ويقول في خطبته، إن حسناً مطلاقاً فلا تنكحوه، حتى قام رجل من همدان فقال: والله يا أمير المؤمنين لننكحه ما شاء، فإن أحب أمسك وإن شاء ترك، فسر ذلك علياً وقال: لو كنت بواباً على باب الجنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام وهذا تنبيه على أن من طعن في حبيبه من أهل وولد بنوع حياء فلا ينبغي أن يوافق عليه، فهذه الموافقة القبيحة، بل الأدب المخالفة ما أمكن، فإن ذلك أسر لقلبه وأوفق لباطن ذاته، والقصد من هذا بيان أن الطلاق مباح، وقد وعد الله الغنى في الفراق والنكاح جميعاً فقال "وأنكحوا الأيام منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله" وقال سبحانه وتعالى "وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته.
الرابع: أن لا يفشي سرها لا في الطلاق ولا عند النكاح، فقد ورد في إفشاء سر النساء في الخبر الصحيح وعيد عظيم. ويروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأة، فقيل له: ما الذي يريبك فيها? فقال: العاقل، لا يهتك ستر امرأته، فلما طلقها قيل له. لم طلقتها? فقال: مالي ولامرأة غيري، فهذا بيان ما على الزوج.
القسم الثاني
من هذا الباب النظر في حقوق الزوج عليها
والقول الشافي فيه أن النكاح نوع رق، فهي رقيقة له، فعليها طاعة الزوج مطلقاً في كل ما طلب منها في نفسها مما لا معصية فيه، وقد ورد في تعظيم حق الزوج عليها أخبار كثيرة:قال ﷺ "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة" . "وكان رجل قد خرج إلى سفر وعهد إلى امرأته ألا تنزل من العلو إلى السفل وكان أبوها في الأسفل، فمرض فأرسلت المرأة إلى رسول الله ﷺ تستأذن في النزول إلى أبيها، فقال ﷺ "أطيعي زوجك" فمات فاستأمرته فقال "أطيعي زوجك" فدفن أبوها فأرسل رسول الله ﷺ إليها يخبرها أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها، وقال ﷺ "إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها" وأضاف طاعة الزوج إلى مباني الإسلام? وذكر رسول الله ﷺ النساء فقال "حاملات والدات مرضعات رحيمات بأولادهن لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخل مصلياتهن الجنة" وقال ﷺ "اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء، فقلن: لم يا رسول الله? قال يكثرن اللعنة ويكفرن العشير" يعني الزوج المعاشر. وفي خبر آخر "اطلعت في الجنة فإذا أهلها النساء فقلت أين النساء? قال: شغلهن الأحمران الذهب والزعفران" يعني الحلي ومصبغات الثياب. وقالت عائشة رضي الله عنها : أتت فتاة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني فتاة أخطب فأكره التزويج، فما حق الزوج على المرأة? قال "لو كان من فرقه إلى قدمه صديد فلحسته ما أدت شكره" قالت أفلا أتزوج? قال "بلى تزوجي فإنه خير" قال ابن عباس: أتت إمرأة من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني امرأة أيم وأريد أن أتزوج، فما حق الزوج? قال: إن من حق الزوج على الزوجة إذا أرادها فراودها عن نفسها وهي على ظهر بعير لا تمنعه، ومن حقه أن لا تعطي شيئاً من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان وزراً عليها والأجر له، ومن حقه أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، فإن فعلت جاعت وعطشت ولم يتقبل منها، وإن خرجت من بيتها بغير إذنه لعنتها الملائكة حتى ترجع إلى بيته أو تتوب" وقال ﷺ "لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها". وقال ﷺ "أقرب ما تكون المرأة من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها وإن صلاتها في صحن دارها أفضل من صلاتها في المسجد، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" والمخدع: بيت في بيت، وذلك للستر، ولذلك قال عيه السلام "المرأة عورة فإن خرجت استشرفها الشيطان" وقال أيضاً للمرأة عشر عورات، فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة؛ فإذا ماتت ستر القبر العش عورات" فحقوق الزوج على الزوجة كثيرة، وأهمها أمران، أحدهما: الصيانة والستر. والآخر: ترك المطالبة بما وراء الحاجة، والتعفف عن كسبه إذا كان حراماً، وهكذا كانت عادة النساء في السلف: كان الرجل إذا خرج من منزله تقول له امرأته أو ابنته: إياك وكسب الحرام فإنه بصبر على الجوع والضر ولا نصبر على النار. وهم رجل من السلف بالسفر فكره جيرانه سفره، فقالوا لزوجته: لم ترضين بسفره ولم يدع لك نفقة? فقالت زوجي منذ عرفته عرفته أكالاً وما عرفته رازقاً، ولي رب رزاق: يذهب الأكال ويبقى الرزاق. وخطبت رابعة بنت إسماعيل أحم بن أبي الحواري، فكره ذلك لما كان فيه من العبادة وقال لها: والله مالي همة في النساء لشغلي بحالي، فقالت: إني لأشغل بحالي منك ومالي شهوة، ولكن ورثت مالاً جزيلاً من زوجي فأردت أن تنفقه على إخوانك، وأعرف بك الصالحين فيكون لي طريقاً إلى الله عز وجل، فقال: حتى استأذن أستاذي، فرجع إلى أبي سليمان الداراني، وقال: وكان ينهاني عن التزويج ويقول: ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير؛ فلما سمع كلامها قال: تزوج بها فإنها ولية لله هذا كلام الصديقين، قال: فتزوجتها في منزلنا كن من جص ففني من غسل أيدي المستعجلين للخروج بعد الأكل فضلاً عمن غسل بالأشنان. قال: وتزوجت عليها ثلاث نسوة فكانت تطعمني الطيبات وتطيبني وتقول: اذهب بنشاطك وقوتك إلى أزواجك، وكانت رابع هذه تشبه في أهل الشام برابعة العدوية بالبصرة. ومن الواجبات عليها: أن لا تفرط في ماله بل تحفظه عليه. قال رسول الله ﷺ "لا يحل لها أن تطعم من بيته إلا بإذنه إلا الرطب من الطعام الذي يخاف فساده، فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره، وإن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر" ومن حقها على الوالدين تعليمها حسن المعاشرة، وآداب العشرة مع الزوج كما روي أن أسماء بنت خارجة الفزاري قالت لأبنتها عند التزويج إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أرضاً يكن لك سماء وكوني له مهاداً يكن لك عماداً وكوني له أمة يكن لك عبداً، لا تلحفي به فيقلاك ولا تباعدي عنه فينساك إن دنا منك فاقربي منه، وإن نأى فابعدي عنه، واحفظي أنفه وسمعه وعينه، فلا يشمن منك إلا طيباً، ولا يسمع إلا حسناً، ولا ينظر إلا جميلاً. وقال رجل لزوجته:
خذي العفو مني تستديمي مودتي
ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ولا تنقريني نقرك الدف مرة
فإنك لا تدرين كيف المغيب
ولا تكثري الشكوى فتذهب بالهوى
ويأباك قلبي والقلوب تقلب
فإني رأيت الحب في القلب والأذى
إذا اجتمعنا لم يلبث الحب يذهب
فالقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل: أن تكون قاعدة في قعر بيتها لازمة لمغزلها، لا يكثر صعودها واطلاعها، قليلة الكلام لجيرانها، لا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول،تحفظ بعلها في غيبته، وتطلب مسرته في جميع أمورها، ولا تخونه في نفسها وماله، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجتها، بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه، همها صلاح شأنها وتدبير بيتها مقبلة على صلاتها وصيامها، وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب وليس البعل حاضراً لم تستفهم ولم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها وبعلها، وتكون قانعةً من زوجها بما رزق الله، وتقدم حقه على حق نفسها وحق سائر أقاربها، متنظفة في نفسها مستعدة في الأحوال كلها للتمتع بها إن شاء، مشفقة على أولادها، حافظة للستر عليهم قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج. وقد قال ﷺ "أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين في الجنة: امرأة آمت من زوجها وحبست نفسها على بناتها حتى ثابوا أو ماتوا" وقال ﷺ "حرم الله على كل آدمي الجنة يدخلها قبلي، غير أني أنظر عن يميني فإذا امرأة تبادرني إلى باب الجنة فأقول: ما لهذه تبادرني? فيقال لي يا محمد، هذه امرأة كانت حسناء جميلة وكان عندها يتامى لهل، فصبرت عليهن حتى بلغ أمرهن الذي بلغ فشكر الله لهل ذلك" ومن آدابها: أن لا تتفاخر على الزوج بجمالها ولا تزدري زوجها لقبحه فقد روي أن الأصمعي قال: دخلت البادية فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس وجهاً تحت رجل من أقبح الناس وجهاً، فقلت لها: يا هذه أترضين لنفسك أن تكوني تحت مثله? فقالت: يا هذا اسكت فقد أسأت في قولك، لعله أحسن فيما بينه وبين خالقه فجعلني ثوابه، أو لعلي أسأت فيما بيني وبين خالقي فجعله عقوبتي، أفلا أرضى بما رضي الله لي فأسكتني. وقال الأصمعي: رأيت في البادية امرأة عليها قميص أحمر وهي مختضبة وبيدها سبحة، فقلت: ما أبعد هذا من هذا? فقالت: ولله مني جانب لا أضيعه وللهو مني والبطالة جانب فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له. ومن آداب المرأة ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها والرجوع إلى اللعب والانبساط وأسباب اللذة في حضور زوجها، ولا ينبغي أن تؤذي زوجها بحال. روي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا" ومما يجب عليها من حقوق النكاح إذا مات عنها زوجها أن لا تحد عليه أكثر من أربعة أشهر وعشر وتتجنب الطيب والزينة في هذه المدة، قالت زينب بنت أبي سلمة: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفى أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، فدهنت به جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" ويلزمها لزوم مسكن النكاح إلى آخر العدة، وليس لها الانتقال إلى أهلها ولا الخروج إلا لضرورة. ومن آدابها: أن تقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها، فقد روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه وناضحه فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ حتى أرسل إلى أبو بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني. ولقيني رسول الله ﷺ يوماً ومعه أصحابه والنوى على رأسي فقال ﷺ: "أخ أخ" لينيخ ناقته ويحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيره وكان أغير الناس، فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت، فجئت الزبير فحكيت له ما جرى، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد علي من ركوبك معه.
=====
كتاب آداب الكسب والمعاش
وهو الكتاب الثالث من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين
نحمد الله حمد موحدا نمحق في توحيده ما سوى الواحد الحق وتلاشى. ونمجده تمجيد من يصرح بأن كل شيء ما سوى الله باطل ولا يتحاشى. وأن كل من في السموات والأرض لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعت له ولا فراشا. ونشكره إذ رفع السماء لعباده سقفاً مبنيا، ومهد الأرض بساطاً لهم وفراشً. وكور الليل على النهار فجعل الليل لباسا والنهار معاشا. لينتشروا في إبتغاء فضله وينتعشوا به عن ضراعة الحاجات انتعاشا، ونصلي على رسوله الذي يصدر المؤمنون عن حوضه رواء بعد ورودهم عليه عطاشاً. وعلى آله وأصحابه الذين لم يدعوا في نصرة دينه تشمراً وانكماشاً. وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن رب الأرباب ومسبب الأسباب. جعل الآخرة دار الثواب والعقاب، والدنيا دار التحمل والاضطراب. والتشمر والاكتساب. وليس التشمر في الدنيا مقصوراً على المعاد دون المعاش،بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه، فالدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها. والناس ثلاثة :رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الفائزين، والأقرب إلى الاعتدال هو الثالث الذي شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين. ولن ينال رتبة الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعشية منهج السداد، ولن ينتهض من طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة، ما لم يتأدب في طلبها بآداب الشريعة. وها نحن نورد آداب التجارات والصناعات وضروب الاكتسابات وسننها ونشرحها في خمسة أبواب: الباب الأول فضل الكسب والحث عليه. الباب الثاني في علم صحيح البيع والشراء والمعاملات. الباب الثالث في بيان العدل في المعاملة. الباب الرابع في بيان الإحسان فيها. الباب الخامس في شفقة التاجر على نفسه ودينه.
===
الباب الأول
في فضل الكسب والحث عليه
أما من الكتاب فقوله تعالى "وجعلنا النهار معاشاً" فذكره في معرض الامتنان. وقال تعالى "وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون" فجعلها ربك نعمة وطلب الشكر عليها. وقال تعالى "فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" وأما الأخبار؛ فقد قال ﷺ "من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة" وقال عليه الصلاة والسلام "التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء" وقال ﷺ "من طلب الدنيا حلالاً وتعففاً عن المسألة وسعياً على عياله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر" وكان ﷺ جالساً مع أصحابه ذات يوم فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة وقد بكر يسعى، فقالوا: ويح هذا، لو كان شبابه وجلده في سبيل الله؛ فقال ﷺ "لا تقولوا هذا، فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفلها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله؛ وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان" وقال ﷺ "إن الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني بها عن الناس، ويبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة" وفي الخبر "إن الله تعالى يحب المؤمن المحترف" وقال ﷺ "أحل ما أكل الرجل من كسبه وكل بيع مبرور".
وفي خبر آخر: "أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح" وقال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق" وروي أن عيسى عليه السلام رأى رجلاً فقال: ما تصنع? قال: أتعبد. قال من يعولك? قال أخي. قال أخوك أعبد منك. وقال نبينا ﷺ: "إني لا أعلم شيئاً يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا أمرتكم به، وإني لا أعلم شيئاً يبعدكم من الجنة ويقربكم من النار إلا نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي: إن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" أمر بالإجمال في الطلب ولم يقل اتركوا الطلب، ثم قال في آخره "ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله تعالى، فإن الله لا ينال ما عنده بمعصية" وقال ﷺ: "الأسواق موائد الله تعالى، فمن أتاها أصاب منها" وقال عليه السلام: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله تعالى من فضله فيسأله أعطاه أو منعه" وقال: "من فتح على نفسه باباً من السؤال فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر". وأما الآثار، فقد قال لقمان الحكيم لابنه: يا بني، استغن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال : رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الثلاث :استخفاف الناس به. وقال عمر رضي الله عنه: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق يقول اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر رضي الله عنه: أصبت، استغن عن الناس يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم، كما قال صاحبكم أحيحة: فلن أزال على الزوراء أغمرها إن الكريم على الإخوان ذو المال.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى الرجل فارغاً لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته. وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق، أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة? قال التاجر الصدوق أحب إلي، لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده، وخالفه الحسن البصري في هذا. وقال عمر رضي الله عنه: ما من موضع يأتيني الموت فيه أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري. وقال الهيثم: ربما يبلغني عن الرجل يقع في فأذكر استغنائي عنه فيهون ذلك علي. وقال أيوب: كسب فيه شيء أحب إلي من سؤال الناس. وجاءت ريح عاصفة في البحر، فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله وكان معهم فيها: أما ترى هذه الشدة? فقال: ما هذه الشدة، وإنما الشدة الحاجة إلى الناس. وقال أيوب قال لي أبو قلابة: الزم السوق فإن الغنى من العافية،يعني الغنى عن الناس. وقيل لأحمد: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي? فقال أحمد: هذا الرجل جهل العلم، أما سمع قول النبي ﷺ "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي" وقوله عليه السلام حين ذكر الطير فقال: "تغدوا خماصاً وتروح بطاناً" فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم. وقال أبو قلابة لرجل: لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد. وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم رحمهم الله وعلى عنقه حزمة حطب؛ فقال له: يا أبا إسحق إلى متى هذا? إخوانك يكفونك؛ فقال: دعني عن هذا يا أبا عمرو، فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة. وقال أبو سليمان الداراني: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوت لك? ولكن ابدأ برغيفك فأحرزهما ثم تعبد. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ينادي مناد يوم القيامة: أين بغضاء الله في أرضه؛ فيقوم سؤال المساجد، فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية الأغيار. ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك إلا الكسب والتجارة.
فإن قلت: فقد قال ﷺ "ما أوحي إلي أن أجمع المال وكن من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" وقيل لسلمان الفارسي. أوصنا؛ فقال: من استطاع منكم أن يموت حاجاً أو غازياً أو عامراً لمسجد ربه فليفعل، ولا يموتن باجراً ولا خائناً. فالجواب: أن وجه الجمع بين الأخبار تفصيل الأحوال؛ فنقول: لسنا نقول التجارة أفضل مطلقاً من كل شيء، ولكن التجارة إما أن تطلب بها الكفاية أو الثروة أو الزيادة على الكفاية؛ فإن طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وادخاره لا ليصرف إلى الخيرات والصدقات فهي مذمومة، لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة، فإن كان مع ذلك ظالماً خائناً فهو ظلم وفسق، وهذا ما أراده سلمان بقوله؛ لا تمت تاجراً ولا خائناً، وأراد بالتاجر: طالب الزيادة، فأما إذا طلب بها الكفاية لنفسه وأولاده وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال فالتجارة تعففاً عن السؤال أفضل، وإن كان لا يحتاج إلى السؤال وكان يعطى عن غير سؤال فالكسب أفضل، لأنه إنما يعطى لأنه سائل بلسان حاله ومناد بين الناس بفقره، فالتعفف والتستر أوفى من البطالة، بل من الاشتغال بالعبادات البدنية وترك الكسب أفضل لأربعة: عابد بالعبادات البدنية؛ أو رجل له سير بالباطن وعمل بالقلب في علوم الأحوال والمكاشفات، أو عالم مشتغل بتربية علم الظاهر مما ينتفع الناس به في دينهم كالمفتي والمفسر والمحدث وأمثالهم، أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين وقد تكفل بأمورهم كالسلطان والقاضي والشاهد، فهؤلاء إذا كانوا يكفون من الأموال المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء، فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب، ولهذا أوحي إلى رسول الله ﷺ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ولم يوح إليه أن كن من التاجرين لأنه كان جامعاً لهذه المعاني الأربعة إلى زيادات لا يحيط بها الوصف، ولهذا أشار الصابة على أبي بكر رضي الله عنهم بترك التجارة لما توفي أوصى برده إلى بيت المال، ولنه رآه في الابتداء أولى، ولهؤلاء الأربعة حالتان أخريان: إحداهما أن تكون كفايتهم عند ترك المكسب من أيدي الناس وما يتصدق به عليهم من زكاة أو صدقة من غير حاجة إلى سؤال، فترك الكسب والاشتغال بما هم فيه أولى، إذ فيه إعانة الناس على الخيرات وقبول منهم لما هو حق عليهم وأفضل لهم. الحالة الثانية: الحاجة إلى السؤال، وهذا في محل النظر، والتشديدات التي رويناها في السؤال وذمه تدل ظاهراً على أن التعفف عن السؤال أولى وإطلاق القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير، بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ونظره لنفسه بأن يقابل ما يلقي في السؤال من المذلة وهتك المروءة والحاجة إلى التثقيل والإلحاح بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعمل من الفائدة له ولغيره، فرب شخصٍ تكثر فائدة الخلق وفائدته في اشتغاله بالعلم والمحذور، فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه وإن أفتاه المفتون، فإن الفتاوى لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال ولقد كان في السلف من له ثلثمائة وستون صديقاً تنزل على كل واحد منهم ليلة ومنهم من له ثلاثون، وكانوا يشتغلون بالعبادة لعلمهم بأن المتكلفين بهم يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم، فكان قبولهم لمبراتهم خيراً مضافاً لهم إلى عباداتهم، فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور فإن أجر الآخذ كأجر المعطي مهما كان الآخذ يستعين به على الدين والمعطي يعطيه عن طيب قلب. ومن اطلع على هذه المعاني أمكنه أن يتعرف حال نفسه ويستوضح من قلبه ما هو الأفضل له بالإضافة إلى حاله ووقته، فهذه فضيلة الكسب، وليكن العقد الذي به الاكتساب جامعاً لأربعة أمور: الصحة، والعدل، والإحسان، والشفقة على الدين. ونحن نعقد في كل واحد باباً، ونبتدىء بذكر أسباب الصحة في الباب الثاني.
==============
الباب الثاني
في علم الكسب بطريق البيع والربا والسلم
والإجارة والقراض والشركة وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات التي هي مدار المكاسب في الشرع:
اعلم أن تحصيل علم هذا الباب واجب على كل مسلم مكتسب، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإنما هو طلب العلم المحتاج إليه، والمكتسب، ومهما حصل علم هذا الباب وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها، وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها فيتوقف فيها إلى أن يسأل، فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال، ولو قال لا أقدم العلم ولكني أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلموأستفتي، فيقال له: وبم تعلم وقوع الواقعة مهما لم تعلم جمل مفسدات العقود، فإنه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة، فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ليتميز له المباح عن المحظور، وموضع الإشكال عن موضع الوضوح: ولذلك روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول: لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى، ولم العقود كثير ولكن هذه العقود كثير ولكن هذه العقود الستة لا تنفك المكاسب عنها: وهي البيع والربا والسلم والإجارة والشركة والقراض، فلنشرح شروطها:
العقد الأول: البيع:
وقد أحله الله تعالى وله ثلاثة أركان: العاقد. والمعقود عليه، واللفظ.
الركن الأول:
العاقد، ينبغي للتاجر أن لا يعامل بالبيع أربعة: الصبي، والمجنون، والأعمى، لأن الصبي غير مكلف، وكذا المجنون، وبيعهما باطل، فلا يصح بيع الصبي وإن أذن له فبه الولي عند الشافعي، وما أخذه منهما مضمون عليه لهما وما سلمه في المعاملة إليهما فضاع في أيديهما فهو المضيع له. وأما العبد العاقل فلا يصح بيعه وشراؤه إلا بإذن سيده فعلى البقال والخباز والقصاب وغيرهم أن لا يعاملوا العبيد ما لم تأذن لهم السادة في معاملتهم، وذلك بأن يسمعه صريحاً أو ينتشر في البلد أنه مأذون له في الشراء لسيده وفي البيع له، فيعول على الاستفاضة أو على قول عدل يخبره بذلك، فإن عامله بغير إذن السيد فعقده باطل، وما أخذه منه مضمون عليه لسيده، وما تسلمه إن ضاع في يد العبد لا يتعلق برقبته ولا يضمنه سيده، بل ليس له إلا المطالبة إذا عتق. وأما الأعمى فإنه يبيع ويشتري ما لا يرى فلا يصح ذلك، فليأمره بأن يوكل وكيلاً بصيراً ليشتري له أو يبيع، فيصح توكيله ويصح بيع وكيله، فإن عامله التاجر بنفسه فالمعاملة فاسدة،وما أخذه منه مضمون عليه بقيمته. وما سلمه إليه أيضاً مضمون له بقيمته. وأما الكافر فتجوز معاملته لكن لا يباع منه المصحف ولا العبد المسلم، ولا يباع منه السلاح إن كان من أهل الحرب، فإن فعل فهي معاملات مردودة وهو عاص بها ربه. وأما الجندية من الأتراك والتركمانية والغرب والأكراد والسوق والخونة وأكلة الربا والظلمة وكل من أكثر ماله حرام، فلا ينبغي أن يتملك مما في أيديهم شيئاً لأجل أنها حرام إلا إذا عرف شيئاً بعينه أنه حلال، وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الحلال والحرام.
الركن الثاني:
في المعقود عليه: وهو المال المقصود نقله من أحد العاقدين إلى الآخر ثمناً كان أو مثمناً فيعتبر فيه ستة شروط.
الأول: أن لا يكون نجساً في عينه فلا يصح بيع كلب وخنزير، ولا بيع زبل وعذرة، ولا بيع العاج والأواني المتخذة منه، فإن العظم ينجس بالموت، ولا يطهر عظمه بالتزكية، ولا يجوز بيع الخمر ولا بيع النجس المستخرج من الحيوانات التي لا تؤكل، وإن كان يصلح للاستصباح أو طلاء السفن، ولا بأس ببيع الدهن في عينه الذي نجس بوقوع نجاسة أو موت فأرة فيه، فإنه يجوز الانتفاع به في غير الأكل،وهو في عينه ليس بنجس، وكذلك لا أرى بأساً ببيع بزر القز، فإنه أصل حيوان ينتفع به، وتشبيهه بالبيض وهو أصل حيوان من تشبيه الروث. ويجوز بيع فأرة المسك ويقضى بطهارتها إذا انفصلت من الظبية في حالة الحياة.
الثاني: أن يكون منتفعاً به فلا يجوز بيع الحشرات ولا الفأرة ولا الحية، ولا التفات إلى انتفاع المشعبذ بالحية، وكذا لا التفات إلى انتفاع أصحاب الحلق بإخراجها من السلة وعرضها على الناس، ويجوز بيع الهرة والنحل وبيع الفهد والأسد وما يصلح لصيد أو ينتفع بجلده، ويجوز بيع الفيل لأجل الحمل، ويجوز بيع الطوطي وهي للبغاء والطاووس والطيور المليحة الصور وإن كانت لا تؤكل، فإن التفرج بأصواتها والنظر إليها غرض مقصود مباح، وإنما الكلب هو الذي لا يجوز أن يقتني إعجاباً بصورته لني رسول الله ﷺ عنه. ولا يجوز بيع العود والصنج والمزامير والملاهي فإنه لا منعة لها شرعاً، وكذا بيع الصور المصنوعة من الطين كالحيوانات التي تباع في الأعياد للعب الصبيان فإن كسرها واجب شرعاً، وصور الأشجار متسامح بها، وأما الثياب والأطباق وعليها صور الحيوانات فيصح بيعها وكذا الستور، وقد قال رسول الله ﷺ لعائشة رضي الله عنها "اتخذي منها نمارق" ولا يجوز استعمالها منصوبة، ويجوز موضوعة، وإذا جاز الانتفاع من وجهه صح البيع لذلك الوجه.
الثالث: أن يكون المتصرف فيه مملوكاً للعاقد أو مأذوناً من جهة المالك "ولا يجوز أن يشتري من غير المالك انتظاراً للإذن من المالك، بل لو رضي بعد ذلك وجب استئناف العقد، ولا ينبغي أن يشتري من الزوجة مال الزوج ولا من الزوج مال الزوجة، ولا من الوالد مال الولد ولا من الولد مال الوالد. اعتماداً على أنه لو عرف لرضي، فإنه إذا لم يكن الرضا متقدماً لم يصح البيع، وأمثال ذلك مما يجري في الأسواق؛ فواجب على العبد المتدين أن يحترز منه.
الرابع: أن يكون المعقود عليه مقدوراً على تسليمه شرعاً وحساً؛ فما لا يقدر على تسليمه حساً لا يصح بيعه كالآبق والسمك في الماء والجنين في البطن وعسب الفحل: وكذلك بيع الصوف على ظهر الحيوان، واللبن في الضرع لا يجوز، فإنه يتعذر تسليمه لاختلاط غير المبيع بالمبيع، والمعجوز عن تسليمه شرعاً كالمرهون والموقوف، والمستولدة فلا يصح بيعها أيضاً، وكذا بيع الأم دون الولد إذا كان الولد صغيراًن وكذا بيع الولد دون الأم؛ لأن تسليمه تفريق بينهما وحرام، فلا يصح التفريق بينهما بالبيع.
الخامس: أن يكون المبيع معلوم العين والقدر والوصف، أما العلم بالعين فبأن يشير إليه بعينه، فلو قال: بعتك شاة من هذا القطيع أي شاة أردت، أو ثوباً من هذه الثياب التي بين يديك، أو ذراعاً من هذا الكرباس، وخذه من أي جانب شئت، أو عشرة أذرع من هذه الأرض، وخذه من أي طرف شئت، فالبيع باطل، وكل ذلك مما يعتاده المتساهلون في الدين إلا أن يبيع شائعاً، مثل أن يبيع نصف الشيء أو عشره، فإن ذلك جائز. وأما العلم بالقدر فإنما يحصل بالكيل أو الوزن أو النظر إليه، فلو قال بعتك هذا الثوب مما باع به فلان وهما لا يدريان ذلك فهو باطل، ولو قال: بعتك بزنة هذه الصنجة فهو باطل، إذا لم تكن الصنجة معلومة، ولو قال:بعتك بهذه الصرة من الدراهم أو بهذه القطعة من الذهب وهو يراها. صح البيع وكان تخمينه بالنظر كافياً في معرفة المقدار. وأما العلم بالوصف فيحصل بالرؤية في الأعيان، ولا يصح بيع الغائب إلا إذا سبقت رؤيته منذ مدة لا يغلب التغير فيها، والوصف لا يقوم مقام العيان. هذا أحد المذهبين، ولا يجوز بيع الثوب في المنسج اعتماداً على الرقوم، ولا بيع الحنطة في سنبلها، ويجوز بيع الأرز في قشرته التي يدخر فيها، وكذا بيع الجوز واللوز في القشرة السفلى، ولا يجوز في القشرتين، ويجوز بيع الباقلاء الرطب في قشرته للحاجة، ويتسامح ببيع الفقاع لجريان عادة الأولين به ولكن نجعله إباحة بعوض، فإن اشتراه ليبيعه فالقياس بطلانه لأنه ليس مستتراً ستر خلقة، ولا يبعد أن يتسامح به، إذ في إخراجه إفساده كالمان وما يستر بستر خلق معه.
السادس: أن يكون المبيع مقبوضاً إن كان قد استفاد ملكه بمعاوضة، وهذا شرط خاص، وقد نهى رسول الله صلى اله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض ويستوي فيه العقار والمنقول، فكل ما اشتراه أو باعه قبل القبض فبيعه باطل، وقبض المنقول بالنقل بالنقل، وقبض العقار بالتخلية، وقبض ما ابتاعه بشرط الكيل لا يتم إلا بأن يكتاله، وأما بيع الميراث والوصية والوديعة وما لم يكن الملك حاصلاً فيه بمعاوضة، فهو جائز قبل القبض.
الركن الثالث:
لفظ العقد، فلا بد من جريان إيجاب وقبول متصل به بلفظ دال على المقصود، مفهم إما صريح أو كناية، فلو قال: أعطيتك هذا بذاك، بدل قوله: بعتك، فقال: قبلته، جاز مهما قصد به البيع، لأنه قد يحتمل الإعارة إذا كان في ثوبين أو دابتين، والنية تدفع الاحتمال، والصريح أقطع للخصومة، ولكن الكناية تفيد الملك أيضاً والحل فيما يختاره، ولا ينبغي أن يقرر بالبيع شرطاً على خلاف مقتضى العقدة، فلو شرط أن يزيد شيئاً آخر وأن يحمل المبيع إلى داره، أو اشترى الحطب بشرط النقل إلى داره. كل ذلك فاسد إلا إذا أفرد استئجاره على النقل بأجرة معلومة منفردة عن الشراء للمنقول، ومهما لم يجر بينهما إلا المعاطاة بالفعل دون التلطف باللسان لم ينعقد البيع عند الشافعي أصلاً، وانعقد عند أبي حنيفة إن كان في المحقرات ثم ضبط المحقرات عسير؛ فإن رد الأمر إلى العادات فقد جاوز الناس المحقرات في المعاطاة، إذ يتقدم الدلال إلى البزاز يأخذ منه ثوباً ديباجاً قيمته عشرة دنانير مثلاً ويحمله إلى المشتري ويعود إليه بأنه ارتضاه، فيقول له؛ خذ عشرة، فيأخذ من صاحبه العشرة ويحملها ويسلمها إلى البزاز، فيأخذها ويتصرف فيها، ومشترى الثوب يقطعه ولم يجر بينهما إيجاب قبول أصلاً، وكذلك يجتمع المجهزون على حانوت البياع فيعرض متاعاً قيمته مائة دينار مثلاً فيمن يزيد، فيقول أحدهم: هذا علي بتسعين، ويقول الآخر: هذا علي بخمسة وتسعين، ويقول الآخر: هذا بمائة، فيقال له زن، فيزن ويسلم ويأخذ المتاع من غير إيجاب وقبول؛ فقد استمرت به العادات، وهذه من المعضلات التي ليست تقبل العلاج، إذ الاحتمالات ثلاثة: إما فتح باب المعاطاة مطلقاً في الحقير والنفيس وهو محال، إذ فيه نقل الملك من غير لفظ دال عليه، وقد أحل الله البيع، والبيع اسم للإيجاب والقبول، ولم يجر ولم ينطلق اسم البيع على مجرد فعل بتسليم وتسلم، فماذا يحكم بانتقال الملك من الجانبين،لا سيما في الجواري والعبيد والعقارات والدواب النفيسة وما يكثر التنازع فيه؛ إذ للمسلم أن يرجع ويقول: قد ندمت وما بعته، إذ لم يصدر مني إلا مجرد تسليم، وذلك ليس ببيع. الاحتمال الثاني أن نسد الباب بالكلية كما قال الشافعي رحمه الله من بطلان العقد، وفيه إشكال من وجهين، أحدهما: أنه يشبه أن يكون ذلك في المحقرات معتاداً في زمن الصحابة: ولو كانوا يتكلفون الإيجاب والقبول من البقال والخباز والقصاب لثقل عليهم فعله، ولنقل ذلك نقلاًمنتشراً، ولكان يشتهر وقت الإعراض بالكلية عن تلك العادة؛ فإن الأعصار في مثل هذا تتفاوت. والثاني: أن الناس الآن قد انهمكوا فيه فلا يشتري الإنسان شيئاً من الأطعمة وغيرها إلى إلا ويعلم أن البائع قد ملكه بالمعاطاة فأي فائدة في تلفظه بالعقد إذا كان الأمر كذلك، الاحتمال الثالث أن يفصل بين المحقرات وغيرها كما قاله أبو حنيفة رحمه الله، وعند ذلك يتعسر الضبط في المحقرات، ويشكل وجه نقل الملك من غير لفظ يدل عليه، وقد ذهب ابن سريج إلى تخريج قول للشافعي رحمه الله على وفقه وهو أقرب الاحتمالات إلا الاعتدال، فلا بأس لو ملنا إليه لمسيس الحاجات، ولعموم ذلك بين الخلق، ولما يغلب على الظن بأن ذلك كان معتاداً في الأعصار الأولى. فأما الجواب عن الإشكالين: فهو أن نقول: أما الضبط في الفصل بين المحقرات وغيرها فليس علينا تكلفة بالتقدير، فإن ذلك غير ممكن، بل له طرفان واضحان إذ لا يخفى أن شراء البقل وقليل من الفواكه والخبز واللحم من المعدود من المحقرات التي لا يعتاد فيها إلا المعاطاة، وطالب الإيجاب والقبول فيه يعد مستقصياً ويستبرد تكليفه لذلك ويستثقل وينسب إلى أنه يقيم الوزن لأمر حقير ولى وجه له هذا طرف الحقارة،، والطرف الثاني الدواب والعبيد والعقارات والثياب النفيسة فذلك مما لا يستبعد تكلف الإيجاب والقبول فيها? وبينهما أوساط متشابهة يشك فيها في محل الشبهة؛ فحق ذي الدين أن يميل فيها إلى الاحتياط وجميع ضوابط الشرع فيما يعلم بالعادة كذلك ينقسم إلى أطراف واضحة وأوساط مشكلة. وأما الثاني وهو طلب سبب لنقل الملك، فهو أن يجعل الفعل باليد أخذاً وتسليماً سبباً لعينه بل لدالته وهذا الفعل قد دل على مقصود البيع دلالة مستمرة في العادة، وانضم إليه مسيس الحاجة وعادة الأولين واطرد جميع العادات بقبول الهدايا من غير إيجاب وقبول مع التصرف فيها، وأي فرق بين أن يكون فيه عوض أو لا يكون، إذ الملك لا بد من نقله في الهبة أيضاً، إلا أن العادة السالفة لم تفرق في الهدايا بين الحقير والنفيس، بل كان طلب الإيجاب والقبول يستقبح فيه كيف كان، وفي المبيع لم يستقبح في غير المحقرات هذا ما نراه أعدل الاحتمالات وحق الورع المتدين أن لا يدع الإيجاب والقبول للخروج عن شبهة الخلاف، فلا ينبغي أن يمتنع من ذلك لأجل أن البائع قد تملكه بغير إيجاب وقبول؛ فإن ذلك لا يعرف تحقيقاً؛ فربما اشتراه بقبول وإيجاب، فإن كان حاضراً عند شرائه أو أقر البائع به فيمتنع منه وليشتر من غيره فإن كان الشيء محقراً وهو إليه محتاج فليتلفظ بالإيجاب والقبول فإنه يستفيد به قطع الخصومة في المستقبل معه، إذ الرجوع من اللفظ الصريح غير ممكن، ومن الفعل ممكن.
فإن قلت: فإن أمكن هذا فيما يشتريه، فكيف يشتريه، فكيف يفعل إذا حضر في ضيافة أو على مائدة وهو يعلم أصحابها يكتفون بالمعاطاة في البيع والشراء أو سمع منهم ذلك أو رآه? أيجب عليه الامتناع من الأكل فأقول: يجب عليه الامتناع من الشراء إذا كان ذلك الشيء الذي اشتروه مقداراً نفيساً ولم يكن من المحقرات. وأما الأكل، فلا يجب الامتناع منه؛ فإني أقول؛ إن ترددنا في جعل الفعل دلالة على نقل الملك، فلا ينبغي أن لا نجعله دلالة على الإباحة، فإن أمر الإباحة أوسع، وأمر نقل الملك أضيق، فكل مطعوم جرى فيه بيع معاطاة فتسليم البائع إذن في الأكل يعلم ذلك بقرينة الحال، كإذن الحمامي في دخول الحمام، والإذن في الطعام لمن يريده المشتري فينزل منزلة ما لو قال: أبحت لك أن تأكل هذا الطعام، أو تطعم من أردت؛ فإنه يحل له ولو صرح وقال: كل هذا الطعام ثم أغرم لي عوضه، لحل الأكل ويلزمه الضمان بعد الأكل، هذا قياس الفقه عندي، ولكنه بعد المعاطاة آكل ملكه ومتلفاً له فعليه الضمان وذلك في ذمته، والثمن الذي سلمه إن كان مثل قيمته فقد ظفر المستحق بمثل حقه، فله أن يتملكه مهما عجز عن مطالبة من عليه، وإن كان قادراً على مطالبته فإنه لا يمتلك ما ظفر به من ملكه، لأنه ربما لا يرضى بتلك العين أن يصرفها إلى دينه فعليه المراجعة. وأما هاهنا فقد عرف رضاه بقرينة الحال عند التسليم، فلا يبعد أن يجعل الفعل دلالة على الرضاء بأن يستوفي دينه مما يسلم إليه فيأخذه بحقه، لكن على كل الأحوال جانب البائع أغمض لأن ما أخذه قد يريد المالك ليتصرف فيه ولا يمكنه التملك إلا إذا أتلف عين طعامه في يد المشتري، ثم ربما يفتقر إلى استئناف قصد التملك، ثم يكون قد تملك بمجرد رضاً استفاده من الفعل دون القول. وأما جانب المشتري للطعام وهو لا يريد إلا الأكل فهين، فإن ذلك يباح بالإباحة المفهومة من قرينة الحال، ولكن ربما يلزم من مشاورته أن الضيف يضمن ما أتلفه، وإنما يسقط الضمان عنه إذا تملك البائع ما أخذه من المشتري فيسقط، فيكون كالقاضي دينه والمتحمل عنه، فهذا ما نراه في قاعدة المعاطاة على غموضها، والعلم عند الله وهذه احتمالات وظنون رددناها، ولا يمكن بناء الفتوى إلا على هذه الظنون، وأما الورع فإنه ينبغي أن يستفتى قلبه ويتقي مواضع الشبه.
العقد الثاني: عقد الربا:
وقد حرمه الله تعالى وشدد الأمر فيه، ويجب الاحتراز منه على الصيارفة المتعاملين على النقدين، وعلى المتعاملين على الأطعمة. ، الله تعالى وشدد الأمر فيه، ويجب الاحتراز منه على الصيارفة المتعاملين على النقدين، وعلى المتعاملين على الأطعمة، إذ لا ربا إلا في نقد أو في طعام. وعل الصيرفي أن يحترز من النسيئة والفضل. أما النسيئة فأن لا يبيع شيئاً من جواهر النقدين بشيء من جواهر النقدين إلا يداً بيد:وهو أن يجري التقابض في المجلس، وهذا احتراز من النسيئة، وتسليم الصيارفة الذهب إلى دار الضرب وشراء الدنانير المضروبة حرام من حيث النساء، ومن حيث إن الغالب أن يجري فيه تفاضل، إذ لا يرد المضروب بمثل وزنه. وأما الفضل، فيحترز منه في ثلاثة أمور: في بيع المكسر بالصحيح، فلا تجوز المعاملة فيهما إلا مع المماثلة. وفي بيع الجيد بالرديء، فلا ينبغي أن يشتري رديئاً بجيد دونه في الوزن، أو يبيع رديئاً بجيد فوقه في الوزن، أعني إذا باع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، فإن اختلف الجنسان فلا حرج في الفضل. والثالث في المركبات من الذهب والفضة كالدنانير المخلوطة من الذهب والفضة: إن كان مقدار الذهب مجهولاً لم تصح المعاملة عليها أصلاً إلا إذا كان ذلك نقداً جارياً في البلد فإنا نرخص في المعاملة عليه إذا لم يقابل بالنقد، وكذا الدراهم المغشوشة بالنحاس إن لم تكن رائجة في البلد لم تصح المعاملة عليها لأن المقصود منها النقرة وهي مجهولة. وغن كان نقداً رائجاً في البلد رخصنا في المعاملة لأجل الحاجة وخروج النقرة عن أن يقصد استخراجها، ولكن لا يقابل بالنقرة أصلاً، وكذلك كل حلي مركب من ذهب وفضة لا يجوز شراؤه لا بالذهب ولا بالفضة بل ينبغي أن يشتري بمتاع آخر إن كان قدر الذهب منه معلوماً إلا إذا كان مموهاً بالذهب تمويهاً لا يحصل منه ذهب مقصود عند العرض على النار، فيجوز بيعها بمثلها من النقود بما أريد من غير النقرة، وكذلك لا يجوز للصيرفي أن يشتري قلادة فيها خرز وذهب بذهب، ولا أن يبيعه، بل بالفضة يداً بيد إن لم يكن فيها فضة ولا يجوز شراب ثوب منسوج بذهب يحصل منه ذهب مقصود عند العرض على النار بذهب. ويجوز بالفضة غيرها وأما المتعاملين على الأطعمة فعليهم التقابض في المجلس، اختلف جنس الطعام المبيع والمشترى أو لم يختلف؛ فإن اتحد الجنس فعليهم التقابض ومراعاة المماثلة، والمعتاد في هذا معاملة القصاب بأن يسلم إليه الغنم ويشتري بها اللحم نقداً أو نسيئة فهو حرام، ومعاملة الخباز بأن يسلم إليه الحنطة ويشتري بها الخبز نسيئة أو نقداً فهو حرام، ومعاملة العصار بإن يسلم إليه البزر والسمسم والزيتون ليأخذ منه الأدهان فهو حرام، وكذا اللبان يعطي اللبن ليؤخذ منه الجبن والسمن وسائر أجزاء اللبن، فهو أيضاً حرام، ولا يباع الطعام بغير جنسه من الطعام إلا نقداً، وبجنسه إلا نقداً ومتماثلاً، وكل ما يتخذ من الشيء المطعوم فلا يجوز أن يباع به متماثلاً ولا متفاضلاً، فلا يباع بالحنطة دقيق وخبز وسويق، ولا بالعنب والتمر دبس وخل وعصير، ولا باللبن سمن وزبد ومخيض ومصل وجبن، والمماثلة لا تفيد إذا لم يكن الطعام في حال كمال الادخار، فلا يباع الطب بالرطب والعنب بالعنب متفاضلاً ومتماثلاً، فهذه جمل مقنعة في تعريف البيع والتنبيه على ما يشعر التاجر بمثارات الفساد حتى يستفتي فيها إذا تشكك والتبس عليه شيء منها، وإذا لم يعرف هذا لم يتفطن لمواضع السؤال، واقتحم الربا والحرام وهو لا يدري.
العقد الثالث: السلم:
وليراع التاجر فيه عشرة شروط:
الأول: أن يكون رأس المال معلوماً على مثله حتى ولو يعذر تسليم المسلم فيه أمكن الرجوع إلى قيمة رأس المال: فإن أسلم كفا من الدراهم جزافاً في كر حنطة لم يصح في أحد القولين.
الثاني: أن يسلم رأس المال في مجلس العقد قبل التفرق فلو تفرقا قبل القبض انفسخ السلم.
الثالث: أن يكون المسلم فيه مما يمكن تعريف أوصافه كالحبوب والحيوانات والمعادن والقطن والصوف والابريسم والألبان واللحوم ومتاع العطارين وأشباهها، ولا يجوز في المعجنات والمركبات وما تختلف أجزاؤه كالقسي المنوعة والنبل المعمول والخفاف والنعال المختلفة أجزاؤها وصنعتها وجلود الحيوانات. ويجوز السلم في الخبز. وما يتطرق إليه من اختلاف قدر الملح والماء بكثرة الطبخ وقلته يعفى عنه ويتسامح قيه.
الرابع: أن يستقصي وصف هذه الأمور القابلة للوصف. حتى لا يبقى وصف تتفاوت به القيمة تفاوتاً لا يتغابن بمثله الناس إلا ذكره. فإن ذلك الوصف هو القائم مقام الرؤية في البيع. الخامس: أن يجعل الأجل معلوماً إن كان مؤجلاً فلا يؤجل إلى الحصاد ولا إلى إدراك الثمار بل إلى الأشهر والأيام فإن الإدراك قد يتقدم وقد يتأخر.
السادس: إن يكون المسلم فيه مما يقدر على تسليمه وقت المحل ويؤمن فيه وجوده غالباً. فلا ينبغي إن يسلم في العنب إلى أجل لا يدرك فيه. وكذا سائر الفواكه، فإن كان الغالب وجوده وجاء المحل وعجز عن التسليم بسبب آفة. فله أن يمهله إن شاء أو يفسخ ويرجع في رأس المال إن شاء.
السابع: أن يذكر مكان التسليم فيما يختلف الغرض به كي لا يثير ذلك نزاعاً.
الثامن: أن لا يعلقه بمعين فيقول: من حنطة هذا الزرع، أو ثمرة هذا البستان، فإن ذلك يبطل كونه ديناً. نعم لو أضاف إلى ثمرة بلد أو قرية كبيرة، لم يضر ذلك.
التاسع: أن لا يسلم في شيء نفيس عزيز الوجود مثل درة موصوفة يعز وجود مثلها، أوجارية حسناء معها ولدها، أو غير ذلك مما لا يقدر عليه غالباً.
العاشر: أن لا يسلم في طعام مهما كان رأس المال طعاماً سواء كان من جنسه أو لم يكن، ولا يسلم في نقد إذا كان رأس المال نقداً، وقد ذكرنا هذا في الربا.
العقد الرابع:الإجارة:
وله ركنان: الأجرة، والمنفعة. فأما العاقد واللفظ فيعتبر فيه ما ذكرناه في البيع والأجرة كالثمن، فينبغي أن يكون معلوماً وموصوفاً بكل ما شرطناه في المبيع إن كان عيناً، فإن كان ديناً فينبغي أن يكون معلوم الصفة والقدر، وليحترز فيه عن أمور جرت العادة بها، وذلك مثل كراه الدار بعمارتها فذلك باطل، إذ قدر العمارة مجهول. ولو قدر دراهم وشرط على المكتري أن يصرفها إلى العمارة لم يجز، لأن عمله في الصرف إلى العمارة مجهول. ومنها استئجار الطحان بالنخالة أو بعض الدقيق فهو باطل، وكذلك كل ما يتوقف حصوله وانفصاله على عمل الأجير، فلا يجوز أن يجعل أجرة. ومنها: أن يقدر في إجارة الدور والحوانيت مبلغ الأجر، فلو قال لكل شهر دينار ولم يقدر أشهر الإجارة كانت المدة مجهولة ولم تنعقد الإجارة.
الركن الثاني:
المنفعة المقصودة بالإجارة وهي العمل وحده إن كان عمل مباح معلوم يلحق العامل فيه كلفة ويتطوع به الغير عن الغير، فيجوز الاستئجار عليه؛ وجملة فروع الباب تندرج تحت هذه الرابطة، ولكنا لا نطول في شرحها فقد طولنا القول فيها في الفقهيات، وإنما نشير إلى ما تعم به البلوى، فليراع في العمل المستأجر عليه خمسة أمور:
الأول: أن يكون فيه كلفة وتعب. فلو استأجر طعاماً ليزين به الدكان. أو أشجاراً ليجفف عليها الثياب؛ أو دراهم ليزين بها الدكان. لم يجز، فإن هذه المنافع تجري مجرى حبة السمسم وحبة بر من الأعيان وذلك لا يجوز بيعه، وهي كالنظر في مرآة الغير، والشرب من بئره، والاستظلال بجداره، والاقتباس من ناره ولهذا لو استأجر بياعاً على أن يتكلم بكلمة يروج بها سلعته لم يجز. وما يأخذوه البياعون عوضاً عن حشمتهم وجاههم وقبول قولهم في ترويج السلع فهو حرام، إذ ليس يصدر منهم إلا كلمة لا تعب فيها ولا قيمة لها، وإنما يحل لهم ذلك إذ تعبوا بكثرة التردد أو كثرة الكلام في تأليف أمر المعاملة. ثم لا يستحقون إلا أجرة المثل، فأما ما تواطأ عليه الباعة فهو ظلم وليس مأخوذاً بالحق.
الثاني: أن لا تتضمن الإجارة استيفاء عين مقصودة فلا يجوز إجارة الكرم لارتفاقه. ولا إجارة المواشي للبنها. ولا إجارة البساتين لثمارها. ويجوز استئجار المرضعة ويكون اللبن تابعاً: لأن إفراده غير ممكن. وكذا يتسامح بحبر الورق وخيط الخياط. لأنهما لا يقصدان على حيالهما.
الثالث: أن يكون النيابة عن المستأجر. فلا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد ولا سائر العبادات التي لا نيابة فيها. إذ لا يقع ذلك عن المستأجر. ويجوز عن الحج وغسل الميت وحفر القبور ودفن الموتى وحمل الجنائز. وفي أخذ الأجرة على إمامة صلاة التراويح وعلى الأذان وعلى التصدي للتدريس وإقراء القرآن خلاف. أما الاستئجار على تعليم مسألة بعينها أو تعليم سورة بعينها لشخص معين فصحيح.
الخامس: أن يكون العمل والمنفعة معلوماً. فالخياط يعرف عمله بالثوب والمعلم يعرف عمله بتعيين السورة ومقدارها. وحمل الدواب يعرف بمقدار المحمول وبمقدار المسافة. وكل ما يثير خصومة في العادة فلا يجوز إهماله. وتفصيل ذلك يطول. وإنما ذكرنا هذا القدر ليعرف به جليات الأحكام ويتفطن به لمواقع الإشكال. فإن الاستقصاء شأن الفتي لا شأن العوام.
العقد الخامس: القراض:
وليراع فيه ثلاثة أركان:
الركن الأول:
رأس المال، وشرطه أن يكون نقداً معلوماً مسلماً إلى العامل؛ فلا يجوز القراض على الفلوس ولا على العروض؛ فإن التجارة تضيق فيه. ولا يجوز على صرة من الدراهم، لأن قدر الربح لا يتبين فيه. ولو شرط مالك اليد لم يجز، لأن فيه تضييق طريق التجارة.
الركن الثاني:
الربح وليكن معلوماً بالجزئية بأن يشترط له الثلث أو النصف أو ما شاء، فلو قال: على أن لك من الربح مائة والباقي لي لم يجز إذ ربما لا يكون الربح أكثر من مائة فلا يجوز تقديره بمقدار معين بل بمقدار شائع.
الثالث:
العمل الذي على العامل، وشرطه أن يكون تجارة غير مضيقة عليه بتعيين وتأقيت، فلو شرط أن يشتري بالمال ماشية ليطلب نسلها فيتقاسمان النسل، أو حنطة فيخبزها ويتقاسمان الربح، لم يصح، لأن القراض مأذون فيه في التجارة وهو البيع والشراء وما يقع من ضرورتهما فقط، وهذا حرف - أعني الخبز ورعاية المواشي - ولو ضيق عليه وشرط أن لا يشتري إلا من فلان أو لا يتجر إلا في الخز الأحمر، أو شرط ما يضيق باب التجارة فسد العقد، ثم مهما انعقد فالعامل وكيل فيتصرف بالغبطة تصرف الوكلاء، ومهما أراد المالك الفسخ فله ذلك، فإذا فسخ في حالة والمال كله فيها نقد لم يخفف وجه القسمة، وإن كان عروضاً ولا ربح فيه رد عليه ولم يكن للمالك تكليفه أن يرده إلى النقد، لأن العقد قد انفسخ وهو لم يلتزم شيئاً، وإن قال العامل: أبيعه وأبي المالك، فالمتبوع رأى المالك، إلا إذا وجد العامل زبوناً يظهر بسببه ربح على رأس المال، ومهما كان ربح فعلى العامل بيع مقدار رأس المال،بجنس رأس المال لا بنقد آخر، حتى يتميز الفاضل ربحاً فيشتركان فيه، وليس عليهم بيع الفاضل على رأس المال، ومهما كان رأس السنة فعليهم تعرف قيمة المال لأجل الزكاة: فإذا كان قد ظهر من الربح شيء فالأقيس أن زكاة نصيب العامل على العامل وأنه يملك الربح بالظهور، وليس للعامل أن يسافر بمال القراض دون إذن المالك، فإن فعل صحت تصرفاته، ولكنه إذا فعل ضمن الأعيان والأثمان جميعاً، لأن عدوانه بالنقل يتعدى إلى ثمن المنقول، وإن سافر بالإذن جاز ونفقة النقل وحفظ المال على مال القراض، كما أن نفقة الوزن والكيل والحمل الذي لا يعتاد التاجر مثله على رأس المال، فأما نشر الثوب وطيه والعمل اليسير المعتاد فليس له أن يبذل عليه أجرة. وعلى العامل نفقته وسكناه في البلد، وليس عليه أجرة الحانوت. ومهما تجرد في السفر لمال القراض. فإذا رجع فعليه أن يرد بقايا آلات السفر من المطهرة والسفرة وغيرهما.
العقد السادس: الشركة:
وهي أربعة أنواع: ثلاثة منها باطلة:
الأول: شركة المفاوضة وهو أن يقولا: تفاوضنا لنشترك في كل مالنا وعلينا ومالهما ممتازان، فهي باطلة.
الثاني: شركة الأبدان: وهو أن يتشارطا الاشتراك في أجرة العمل فهي باطلة.
الثالثة: شركة الوجوه: وهو أن يكون لأحدهما حشمة وقول مقبول فيكون من جهته التنفيل ومن وجهة غيره العمل، فهذا أيضاً باطل. وإنما الصحيح العقد الرابع المسمى شركة العنان: وهو أن يختلط مالهما بحيث يتعذر التمييز بينهما إلا يقسمه، ويأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، ثم حكمها توزيع الربح والخسران على قدر المالين، ولا يجوز أن يغير ذلك بالشرط، ثم بالعزل يمتنع التصرف عن المعزول، وبالقسمة ينفصل الملك عن الملك، والصحيح أنه يجوز عقد الشركة على العروض المشتراة، ولا يشترط النقد، بخلاف القراض.
فهذا القدر من علم الفقه يجب تعلمه على كل مكتسب، وإلا اقتحم الحرام من حيث لا يدري. وأما معاملة القصاب والخباز والبقال فلا يستغني عنها المكتسب وغير المكتسب، والخلل فيها من ثلاثة وجوه: من إهمال شروط البيع، أو إهمال شروط السلم، أو الاقتصار على المعاطاة، إذ العادات جارية بكتبه الخطوط على هؤلاء بحاجات كل يوم، ثم المحاسبة في كل مدة، ثم التقويم بحسب ما يقع عليه التراضي، وذلك مما نرى القضاء بإباحته للحاجة، ويحمل تسليمهم على إباحة التناول مع انتظار العوض فيحل أكله، ولكن يجب الضمان بأكله وتلزم قيمته يوم الإتلاف، فتجمع في الذمة تلك القيم، فإذا وقع التراضي على مقدار ما فينبغي أن يلتمس منهم الإبراء المطلق لا تبقي عليه عهدة إن تطرق إليه تفاوت في التقويم، فهذا ما تجب القناعة به، فإن تكليف وزن الثمن لكل حاجة من الحوائج في كل يوم وكل ساعة تكليف شطط، وكذا تكليف الإيجاب والقبول وتقدير ثمن كل يسير منه فيه عسر، وإذا كثر كل نوع سهل تقويمه، والله الموفق.
===============
الباب الثالث
في بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة
اعلم أن المعاملة قد تجري على وجه يحكم المفتي بصحتها وانعقادها ولكنها تشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط الله تعالى، إذ ليس كل نهي يقتضي فساد العقد، وهذا الظلم يعني به ما استضر به الغير، وهو منقسم إلى ما يعم ضرره وإلى ما يخص المعامل.
القسم الأول
فيما يعم ضرره وهو أنواع
النوع الأول:
الاحتكار فبائع الطعام يدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار، وهو ظلم عام، وصاحبه مذموم في الشرع. قال رسول الله ﷺ "من احتكر الطعام أربعين يوماً ثم تصدق به صدقته كفارة لاحتكاره" وروى ابن عمر عنه ﷺ أنه قال "من احتكر الطعام أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه" وقيل: فكأنما قتل الناس جميعاً، وعن علي رضي الله عنه: من احتكر الطعام أربعين يوماً قسا قلبه. وعنه أيضاً أنه أحرق طعام محتكر بالنار. وروي في فضل ترك الاحتكار عنه ﷺ "من جلب طعاماً فباعه بسعر يومه فكأنه تصدق به" وفي لفظ آخر "فكأنما أعتق رقبة" وقيل في قوله تعالى "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم" إن الاحتكار من الظلم وداخل تحته في الوعيد. وعن السلف أنه كان بواسطة فجهز سفينة حنطة إلى بصرى وكتب إلى وكيله: بع هذا الطعام يوم يدخل البصرى ولا تؤخره إلى غد؛ فوافق سعة في السعر فقال له التاجر: لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، وكتب إلى صاحبه بذلك؛ فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا، إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وإنك قد خالفت وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدين فقد جنيت علينا جناية؛ فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله فتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من إثم الاحتكار كفافاً لا علي ولا لي. واعلم أن النهي مطلق ويتعلق النظر به في الوقت والجنس، أما الجنس فيطرد النهي في أجناس الأقوات، أما ما ليس بقوت ولا هو معين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسداً يغني عن القوت في بعض الأحوال وإن كان لا يمكن المداومة عليه، فهذا في محل النظر؛ فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجري مجراه؛ وأما الوقت فيحتمل أيضاً طرد النهي في جميع الأوقات، وعليه تدل الحكاية التي ذكرنا في الطعام الذي صادف بالبصرة سعة في السعر، ويحتمل أن يخصص بوقت قلة الأطعمة وجاحة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضر ما؛ فأما إذا اتسعت الأطعمة وكثرت واستغنى الناس عنها ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة فانتظر صاحب الطعام ذلك ولم ينتظر قحطاً؛ فليس في هذا إضرار. وإذا كان الزمان زمان قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار؛ فينبغي أن يقضى بتحريمه ويعول في نفي التحريم وإثباته على الضرار فإنه مفهوم قطعاً من تخصيص الطعام، وإذا لم يكن ضرار فلا يخلوا احتكار الأقوات عن كراهية، فإنه ينتظر مبادىء الضرار وهو ارتفاع الأسعار، وانتظار مبادىء الضرار محذور كانتظار عين الضرار ولكنه دونه، وانتظار عين الضرار فبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم. وبالجملة التجارة في الأقوات مما لا يستحب لأنه طلب ربح، والأقوات أصول خلقت قواماً، والربح من المزايا، فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها ولذلك أوصى بعض التابعين رجلاً وقال: لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين: بيع الطعام، وبيع الأكفان فإنه يتمنى الغلاء وموت الناس. والصنعتان. أن يكون جزاراً فإنها صنعة تقسي القلب، أو صواغاً فإنه يزخرف الدنيا بالذهب والفضة.
النوع الثاني:
ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم، إذ يستضر به المعامل إن لم يعرف، وإن عرف فسيروجه على غيره، فكذلك الثالث والرابع، ولا يزال يتردد في الأيدي ويعمم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعاً عليه، فإنه هو الذي فتح هذا الباب، قال رسول الله ﷺ "من سن سنة سيئةً فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً" وقال بعضهم: إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم، لأن السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقطعت، وإنفاق الزيف بدعة أظهرها في الدين وسنة سيئة يعمل بها من بعده فيكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة، أو مائتي سنة. . إلى أن يفنى ذلك الدرهم، ويكون عليه ما فسد من أموال الناس بسنته، وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة ومائتي سنة أو أكثر يعذب بها في قبره ويسئل عنها إلى آخر انقراضها، وقال تعالى "ونكتب ما قدموا وآثارهم" أي نكتب أيضاً ما أخروه من آثار أعمالهم كما نكتب ما قدموه، وفي مثله قوله تعالى "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" وإنما أخر آثار أعماله من سنة سيئة عمل بها غيره. وليعلم أن في الزيف خمسة أمور:
الأول: أنه إذا رد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئر بحيث لا تمتد إليه اليد، وإياه أن يروجه في بيع آخر. وإن أفسده بحث لا يمكن التعامل به جاز.
الثاني: أنه يجب على التاجر تعلم النقد لا ليستقصي لنفسه ولكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفاً وهو لا يدري فيكون آثماً بتقصيره في تعلم ذلك العلم. فكل علم عمل به يتم نصح المسلمين. فيجب تحصيله ولمثل هذا كان السلف يتعلمون علامات النقد نظراً لدينهم لا لدنياهم.
الثالث: أنه إن سلم وعرف المعامل أنه زيف لم يخرج عن الإثم. لأنه ليس يأخذه إلا ليروجه على غيره ولا يخبره، ولو لم يعزم على ذلك لكان لا يرغب في أخذه أصلاً. فإنما يتخلص من إثم الضرر الذي يخص معامله فقط.
الرابع: أن يأخذ الزيف ليعمل بقوله ﷺ "رحم الله امرأً سهل البيع سهل الشراء سهل القضاء سهل الاقتضاء" فهو داخل في بركة هذا الدعاء إن عزم على طرحه في بئر. وإن كان عازماً على أن يروجه في معاملة فهذا شر روجه الشيطان عليه في معرض الخير فلا يدخل تحت من تساهل في الاقتضاء.
الخامس: أن الزيف نعني به مالا نقره فيه أصلاً بل هو مموه. أو مالا ذهب فيه أعني في الدنانير. أما ما فيه نقرة فإن كان مخلوطاً بالنحاس وهو نقد البلد فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه، وجل رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد، سواء علم مقدار النقرة أو لم يعلم. وإن لم يكن هو نقد البلد لم يجز إلا إذا علم قدر النقرة، فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يخبر به معامله، وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس، فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد، فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً، وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه، وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة أشد من المواظبة على نوافل العبادات والتخلي لها، ولذلك قال بعضهم: التاجر الصدوق أفضل عند الله من المتعبد، وقد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل الله أنه قال: حملت على فرسي لأقتل علجاً، فقصر بي فرسي فرجعت ثم دنا مني العلج فحملت ثانية فقصر فرسي فرجعت، ثم حملت الثالثة فنفر مني فرسي وكنت لا أعتاد ذلك منه، فرجعت حزيناً وجلست منكس الرأس منكسر القلب لما فاتني من العلج وما ظهر لي من خلق الفرس، فوضعت رأسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ويقول لي: بالله عليك أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرات وأنت بالأمس اشتريت لي علفاً ودفعت في ثمنه درهماً زائفاً لا يكون هذا أبداً. قال: فانتبهت فزعاً فذهبت إلى العلاف وأبدلت ذلك الدرهم، فهذا مثال ما يعم ضرره وليقس عليه أمثاله.
القسم الثاني
ما يخص ضرره المعامل
فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم، وإنما العدل لا يضر بأخيه المسلم، والضابط الكلي فيه: أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه؛ فكل ما لو عومل به شق عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به؛ بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره. قال بعضهم: من باع أخاه بدرهم وليس يصلح له لو اشتراه لنفسه إلا بخمسة دوانق فإنه قد ترك النصح المأمور به في المعاملة ولم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، هذه جملته.
فأما تفصيله ففي أربعة أمور. أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها، وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئاً أصلاً، وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئاً، وأن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه:
أما الأول، فهو ترك الثناء؛ فإن وصفه للسلعة إن كان بما ليس فيها فهو كذب، فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم مع كونه كذباً، وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة، إذ الكذب الذي لا يروج قد لا يقدح في ظاهر المروءة، وإن أثنى على السلعة بما فيها فهو هذيان وتكام بكلام لا يعنيه. وهو محاسب على كل كلمة تصدر منه أنه لم تكلم بها. قال الله تعالى "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" إلا أن يثني على السلعة بما فيها مما لا يعرفه المشتري ما لم يذكره، كما يصفه من حفى أخلاق العبيد والجواري والدواب؛ فلا بأس بذكر القدر الموجود منه من غير مبالغة وإطناب، وليكن قصده منه أن يعرفه أخوه المسلم فيرغب فيه وتنقضي بسببه حاجته، ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة؛ فإنه إن كان كاذباً فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع، وإن كان صادقاً فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه، وقد أساء فيه، إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة، وفي الخبر "ويل للتاجر من بلى والله ولا والله، وويل للصانع من غد وبعد" وفي الخبر "اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة" وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة. عتل مستكبر، ومنان بعطيته، ومنفق سلعته بيمينه" فإذا كان الثناء على السلعة مع الصدق مكروهاً من حيث إنه فضول لا يزيد في الرزق فلا يخفى التغليظ في أمر اليمين، وقد روي عن يونس بن عبيد وكان خزازاً: أنه طلب منه خز للشراء، فأخرج غلامه سقط الخز ونشره ونظر إليه وقال: اللهم ارزقنا الجنة، فقال لغلامه: رده إلى موضعه ولم يبعه، وخاف أن يكون ذلك تعريضاً بالثناء على السلعة، فمثل هؤلاء الذين اتجروا في الدنيا ولم يضيعوا دينهم في تجاراتهم، بل علموا أن ربح الآخرة أولى بالطلب من ربح الدنيا.
الثاني: أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئاً، فذلك واجب، فإن أخفاه كان ظالماً غاشاً والغش حرام، وكان تاركاً للنصح في المعاملة والنصح واجب، ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشاً، وكذلك إذا عرض الثياب في المواضع المظلمة، وكذلك إذا أعرض عرض أحسن فردي الخف أو النعل وأمثاله ويدل على تحريم الغش ما روي: أنه مر عليه الصلاة والسلام برجل يبيع طعاماً فأعجبه، فأدخل يده فيه فرأى بللاً، فقال: "ما هذا? "قال: أصابته السماء، فقال: "فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا" ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي أن النبي ﷺ لما بايع جريراً على الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم، فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال: إن شئت فخذ وإن شئت فاترك، فقيل له: إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال إنا بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. وكان واثلة بن الأسقع واقفاً فباع رجل ناقةً له بثلثمائة درهم، فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة، فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا، اشتريتها للحم أو للظهر? فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقباً قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد فردها فنقضها البائع مائة درهم وقال لواثلة: رحمك الله أفسدت علي بيعي، فقال: إنا بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد يبيع بيعاً إلا أن يبين آفته، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه" فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات، بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم، وهذا أمر يشق على أكثر الخلق، فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس، لأن القيام بحقوق الله مع المخالطة والمعاملة مجاهدة لا يقوم بها إلا الصديقون، ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين"أحدهما"أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ببركته وما يجمعه من مفرقات التلبيسات يهلكه الله دفعة واحدة فقد حكى أن واحداً كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيعه فجاء سيل فغرق البقرة فقال بعض أولاده:إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة. كيف وقد قال ﷺ: البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما، وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما" وفي الحديث: "يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا، فإذا تخاونا رفع يده عنهما" فإذاً لا يزيد مال من خيانة، كما لا ينقص مال من صدقة، ومن لا يعرف الزيادة والنقصان إلا بالميزان لم يصدق بهذا الحديث. ومن عرف أن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سبباً لسعادة الإنسان في الدنيا والدين، والآلاف المؤلفة قد ينزع الله البركة منها حتى تكون سبباً لهلاك مالكها بحيث يتمنى الإفلاس منها ويراه أصلح له في بعض الأحوال، فيعرف معنى قولنا: إن الخيانة لا تزيد في المال والصدقة لا تنقص منه.
والمعنى الثاني: الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه: أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا، وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها فكيف يستجير العاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، والخير كله في سلامة الدين، قال رسول الله ﷺ :"لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن الخلق سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم" وفي لفظ آخر: "ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم بسلامة دينهم، فإذا فعلوا ذلك وقالوا: لا إله إلا الله، قال الله تعالى: كذبتم لستم بها صادقين" وفي حديث آخر "من قال :لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة" قيل: وما إخلاصه? قال: "أن يحرزه عما حرم الله" وقال أيضاً: "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه"، ومن علم أن هذه الأمور قادحة في إيمانه، وإن إيمانه رأس ماله في الآخرة لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ينتفع به أياماً معدودة. وعن بعض التابعين أنه قال: لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله وقيل لي: من خير هؤلاء? لقلت: من أنصحهم لهم? فإذا قيل: هذا،قلت: هو خيرهم. ولو قيل لي: من شرهم? قلت: من أغشهم لهم? فإذا قيل: هذا، قلت: هو شرهم. والغش حرام في البيوع والصنائع جميعاً، ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه، بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها، ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب، فبذلك يتخلص. وسأل رجل حذاء بن سالم فقال: كيف لي أن أسلم في بيع النعال? فقال : اجعل الوجهين سواء،ولا تفضل اليمنى على الأخرى وجود الحشو،وليكن شيئاً واحداً تاماً،وقارب بين الخرز،ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى ومن هذا الفن ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين،قال: لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه،وإنما يحل للرفا إذا علم أنه يظهره أو أنه لا يريده للبيع فإن قلت:فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع،فأقول:ليس كذلك،إذ شرط التاجر أن لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ثم يقنع في بيعه بربح يسير،فيبارك الله فيه،ولا يحتاج إلى تلبيس،وإنما تعذر هذا لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير،وليس يسلم الكثير إلا بتلبيس،فمن تعود هذا لم يشتري المعيب،فإن وقع في يده معيب نادراً فليذكره وليقنع بقيمته . باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري:أبرأ إليك من عيب فيها إنها تقلب العلف برجلها . وباع الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري: إنها تنخمت عندنا دماً، فهكذا كانت سيرة أهل الدين،فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة
الثالث:أن لا يكتم في المقدار شيئاً وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي الكيل، فينبغي أن يكيل كما يكتال قال الله تعالى: "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون" ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجح إذا أعطى، وينقص إذا أخذ، إذ العدل الحقيقي قلما يتصور، فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان، فإن من استقصى حقه بكامله يوشك أن يتعداه وكان بعضهم يقول، لا أشتري الويل من الله بحبة فكان إذا أخذ نقص نصف حبة، وإذا أعطى زاد حبة، وكان يقول: ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السموات والأرض، وما أخسر من باع طوبى بويل وإنما بالغوا في الاحتراز من هذا وشبهه لأنها مظالم لا يمكن التوبة منها، إذ لا يعرف أصحاب الحبات حتى يجمعهم ويؤدى حقوقهم، ولذلك لما اشترى رسول الله ﷺ شيئاً قال للوازن لما كان يزن ثمنه: "زن وأرجح"،ونظر فضيل إلى ابنه وهو يغسل ديناراً يزيد أن يصرفه ويزيل تكحيله وينقيه حتى لا يزيد وزنه بسبب ذلك فقال: يا بني فعلك هذا أفضل من حجتين وعشرين عمرة وقال بعض السلف: عجبت للتاجر والبائع كيف ينجو، يزن ويحلف بالنهار، وينام بالليل وقال سليمان عليه السلام لابنه: يا بني كما تدخل الحبة بين الحجرين، كذلك تدخل الخطيئة بين المتبايعين وصلى بعض الصالحين على مخنث، فقيل له: إنه كان فاسقاً، فسكت، فأعيد عليه فقال: كأنك قلت لي: كان صاحب ميزانين يعطي بأحدهما ويأخذ بالأخر، أشار به إلى أن فسقه مظلمة بينه وبين الله تعالى، وهذا من مظالم العباد، والمسامحة والعفو فيه أبعد، والتشديد في أمر الميزان عظيم، والخلاص منه يحصل بحبة ونصف حبة وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن باللسان ولا تخسروا الميزان "أي لسان الميزان، فإن النقصان والرجحان يظهر بميله، وبالجملة، كل من ينتصف لنفسه من غيره ولو في كلمة ولا ينصف بمثل ما ينصف، فهو داخل تحت قوله تعالى: "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون" الآيات، فإن تحريم ذلك في المكيل ليس لكونه مكيلاً، بل لكونه أمراً مقصوداً ترك العدل والنصفة فيه، فهو جار في جميع الأعمال، فصاحب الميزان في خطر الويل، وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته، فالويل له إن عدل عن العدل ومال عن الاستقامة، ولولا تعذر هذا واستحالته لما ورد قوله تعالى: "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً" فلا ينفك عبد ليس معصوماً عن الميل عن الاستقامة،إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتاً عظيماً، فلذلك تتفاوت مدة مقامهم في النار إلى أوان الخلاص، حتى لا يبقى بعضهم إلا بقدر تحلة القسم، ويبقى بعضهم ألفاً وألوف سنين،فنسأل الله تعالى أن يقربنا من الاستقامة والعدل، فإن الاشتداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل عنه، غير مطموع فيه، فإنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، ولولاه لكان المستقيم عليه لا يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار الذي من صفته أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، وبقدر الاستقامة على هذا الصراط المستقيم يخف العبد يوم القيامة على الصراط، وكل من خلط بالطعام تراباً أو غيره ثم كاله فهو من المطففين في الكيل، وكل قصاب وزن مع اللحم عظماً لم تجر العادة بمثله، فهو من المطففين في الوزن، وقس على هذا سائر التقديرات، حتى في الذرع الذي يتعاطاه البزاز، فإنه إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مداً، وإذا باعه مده في الذرع ليظهر تفاوتاً في القدر، فكل ذلك من التطفيف المعرض صاحبه للويل. 
 
الرابع:
 
 
  أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئاً، فقد نهى رسول الله ﷺ عن تلقي الركبان ونهى عن النجش، أما تلقي الركبان، فهو أن يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد، فقد قال ﷺ: "لا تتلقوا الركبان" ومن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق، وهذا الشراء منعقد، ولكنه إن ظهر كذبه ثبت للبائع الخيار، وإن كان صادقاً ففي الخيار خلاف لتعارض عموم الخبر مع زوال التلبيس، ونهى أيضاً أن يبيع حاضر لباد؛ وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه، فيقول له الحضري اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وأنتظر ارتفاع سعره، وهذا في القوت محرم، وفي سائر السلع خلاف، والأظهر تحريمه لعموم النهي، ولأنه تأخير للتضيق على الناس على الجملة من غير فائدة للفضولي المضيق، ونهى رسول الله ﷺ عن النجش. وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ويطلب السلعة بزيادة وهو لا يريدها، وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها، فهذا إن لم تجر مواطأة مع البائع فهو فعل حرام من صاحبه والبيع منعقد، وإن جرى مواطأةً ففي ثبوت الخيار خلاف، والأولى إثبات الخيار لأنه تغرير بفعل يضاهي التغرير في المصراة وتلقي الركبان، فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمراً لو علمه لما أقدم على العقد، ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب، فقد حكي عن رجل من التابعين أنه كان بالبصرة وله غلام بالسوس يجهز إليه السكر، فكتب إليه غلامه: إن قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة، فاشتر السكر، قال: فاشترى سكراً كثيراً، فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفاً، فانصرف إلى منزله فأفكر ليلته وقال: ربحت ثلاثين ألفاً وخسرت نصح رجل من المسلمين، فلما أصبح غدا إلى بائع السكر فدفع إليه ثلاثين ألفاً وقال: بارك الله لك فيها، فقال: ومن أين صارت لي? فقال: إني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت، فقال: رحمك الله قد أعلمتني الآن وقد طيبتها لك، قال: فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات ساهراً وقال: ما نصحته، فلعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد وقال: عافاك الله، خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي، فاخذ منه ثلاثين ألفاً. فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يغتنم فرصةً وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار، فإن فعل ذلك كان ظالماً تاركاً للعدل والنصح للمسلمين، ومهما باع مرابحةً بأن يقول: بعت بما قام علي أو بما اشتريته، فعليه أن يصدق، ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان، ولو اشترى إلى أجل وجب ذكره، ولو اشترى مسامحةً من صديقه أو ولده يجب ذكره. لأن المعامل يعول على عادته في الاستقصاء أنه لا يترك النظر لنفسه، فإذا تركه بسبب من الأسباب فيجب إخباره، إذ الاعتماد فيه على أمانته.
===========
 
الباب الرابع 
 
في الإحسان في المعاملة 
 
وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً، والعدل سبب النجاة فقط، وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال.
 
 
= والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة، وهو يجري من التجارة مجرى الربح، ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله، فكذا في معاملات الآخرة، فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان، وقد قال الله: "وأحسن كما أحسن الله إليك" وقال عز وجل: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" وقال سبحانه: "إن رحمة الله قريب من المحسنين" ونعني بالإحسان: فعل ما ينتفع به المعامل وهو غير واجب عليه،ولكنه تفضل منه، فإن الواجب يدخل في باب العدل وترك الظلم وقد ذكرناه، وتنال رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور: 
 
الأول: 
 
1-في المغابنة، فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما العادة،فأما أصل المغابنة فمأذون فيه؛ لأن البيع للربح، ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما، ولكن يراعي فيه التقريب، فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد إما لشدة رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه، فينبغي أن يمتنع من قبوله، فذلك من الإحسان. 
 
 
= ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلماً وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار، ولسنا نرى ذلك، ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن. يروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها مائتان، فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها، فاشتراها فمضى بها وهي على يديه، فاستقبله يونس فعرف حلته، فقال للأعرابي: بكم اشتريت? فقال بأربعمائة، فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها، فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها، فقال له يونس: انصرف فإن النصح في الدين خر من الدنيا بما فيها، ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله وقال: أما استحييت، أما اتقيت الله، تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين، فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها، قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك، وهذا إن كان فيه إخفاء سعر وتلبيس، فهو من باب الظلم وقد سبق، وفي الحديث: "غبن المسترسل حرام" وكان الزبير بن عدي يقول: أدركت ثمانية عشر من الصحابة ما منهم أحد يحسن يشتري لحماً بدرهم، فغبن مثل هؤلاء المسترسلين ظلم، إن كان من غير تلبيس فهو من ترك الإحسان، وقلما يتم هذا إلا بنوع تلبيس وإخفاء سعر الوقت. 
 
وإنما الإحسان المحض ما نقل عن السري السقطي أنه اشترى كر لوز بستين ديناراً وكتب في روزنامجه ثلاثة دنانير ربحه، وكان رأى أن يربح على العشرة نصف دينار، فصار اللوز بتسعين، فأتاه الدلال وطلب اللوز فقال: خذه. قال: بكم? فقال: بثلاثة وستين، فقال الدلال وكان من الصالحين: فقد صار اللوز بتسعين، فقال السري:قد عقدت عقداً لا أحله، لست أبيعه إلا بثلاثة وستين، فقال الدلال: وأنا عقدت بيني وبين الله أن لا أغش مسلماً، لست آخذ منك إلا بتسعين،قال: فلا الدلال اشترى منه، ولا السري باعه، فهذا محض الإحسان من الجانبين، فإنه مع العلم بحقيقة الحال. 
 
وروي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة وبعضها بعشرة، فباع غلامه في غيبته شقة من الخمسيات بعشرة، فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى ووجده،فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال: يا هذا قد رضيت، فقال: وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك،وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك، فقال: أعطني خمسة، فرد عليه خمسة وانصرف الأعرابي يسأل ويقول: من هذا الشيخ? فقيل له: هذا محمد بن المنكدر، فقال: لا إله إلا الله، هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا. فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفاً أو واحداً على ما جرت به العادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان،ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحاً كثيراً، وبه تظهر البركة. 
 
كان علي رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول: معاشر التجار، خذوا الحق تسلموا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره. 
 
قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما سبب يسارك? قال: ثلاث، ما رددت ربحاً قط، ولا طلب مني حيوان فأخرت بيعه، ولا بعت بنسيئة، ويقال: إنه باع ألف ناقة فما ربح إلا عقلها: باع كل عقال بدرهم فربح فيها ألفاً وربح من نفقته عليها ليومه ألفاً. 
 
الثاني:
 
 
 
  في احتمال الغبن، والمشتري إن اشترى طعاماً من ضعيف أو شيئاً من فقير فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل، ويكون به محسناً وداخلاً في قوله عليه السلام: "رحم الله امرأً سهل البيع سهل الشراء" فأما إذا اشترى من غني تاجر يطلب الربح زيادة على حاجته، فاحتمال الغبن منه ليس محموداً، بل هو تضييع مال من غير أجر ولا حمد، فقد ورد في حديث من طريق أهل البيت: "المغبون في الشراء لا محمود ولا مأجور"، وكان إياس بن معاوية بن قرة قاضي البصرة وكان من عقلاء التابعين يقول: لست بخب والخب لا يغبنني ولا يغبن ابن سيرين ولكن يغبن الحسن ويغبن أبي ويعني معاوية بن قرة. والكمال في أن لا يغبن ولا يغبن، كما وصف بعضهم عمر رضي الله عنه فقال: كان أكرم من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع. وكان الحسن والحسين وغيرهما من خيار السلف يستقصون في الشراء ثم يهبون مع ذلك الجزيل من المال، فقيل لبعضهم: تستقصي في شرائك على اليسير ثم تهب الكثير ولا تبالي! فقال: إن الواهب يعطي فضله وإن المغبون يغبن عقله. وقال بعضهم: إنما أغبن عقلي وبصري فلا أمكن الغابن منه، وإذا وهبت أعطي لله ولا أستكثر منه شيئاً. 
 
الثالث:
 
 
 
=  في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه: مرة بالمسامحة وحط البعض، ومرة بالإمهال والتأخير، ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد، وكل ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه: قال النبي ﷺ: "رحم الله امرأً سهل البيع،سهل الشراء، سهل الاقتضاء" فليغتنم دعاء رسول الله ﷺ. وقال ﷺ: "اسمح يسمح لك" وقال ﷺ: "من أنظر معسراً أو ترك له حاسبه الله حساباً يسيراً". وفي لفظ آخر: "أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله". وذكر رسول الله ﷺ رجلاً كان مسرفاً على نفسه: حوسب فلم يوجد له حسنة، فقيل له: هل عملت خيراً قط? فقال: لا إلا أني كنت رجلاً أداين الناس فأقول لفتياني: سامحوا الموسر وانظروا المعسر. وفي لفظ آخر: وتجاوزوا عن المعسر، فقال الله تعالى: نحن أحق بذلك منه، فتجاوز الله عنه وغفر له" وقال ﷺ: "من أقرض ديناراً إلى أجل فله بكل يوم صدقةً إلى أجله، فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقةً" وقد كان من السلف من لا يحب أن يقضي غريمه الدين لأجل هذا الخبر، حتى يكون كالمتصدق بجميعه في كل يوم، وقال ﷺ: "رأيت على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمان عشرة" فقيل في معناه: إن الصدقة تقع في يد المحتاج وغير المحتاج، ولا يحتمل ذل الاستقراض إلا محتاج. ونظر النبي ﷺ إلى رجل يلازم رجلاً بدين، فأومأ إلى صاحب الدين بيده أن ضع الشطر ففعل، فقال للمديون: "قم فأعطه" وكل من باع شيئاً وترك ثمنه في الحال ولم يرهق إلى طلبه فهو في معنى المقرض. 
 
وروي أن الحسن البصري باع بلغة له بأربعمائة درهم، فلما استوجب المال قال له المشتري: اسمح يا أبا سعيد. قال: قد أسقطت عنك مائة، قال له: فأحسن يا أبا سعيد، فقال: قد وهبت لك مائة أخرى، فقبض من حقه مائتي درهم. فقيل له: يا أبا سعيد، هذا نصف الثمن، فقال: هكذا يكون الإحسان وإلا فلا. 
 
وفي الخبر: "خذ حقك في كفاف وعفاف واف أو غير واف، يحاسبك الله حساباً يسيرا" 
 
الرابع:
 
 
= في توفية الدين.
 
 
= ومن الإحسان فيه حسن القضا، وذلك بأن يمشي إلى صاحب الحق ولا يكلفه أن يمشي إليه يتقاضاه، فقد قال ﷺ: "من أدان ديناً وهو ينوي قضاءه وكل الله به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه" وكان جماعة من السلف يستقرضون من غير حاجة لهذا الخبر، ومهما كلمه صاحب الحق بكلام خشن فليحتمله وليقابله باللطف، اقتداء برسول الله ﷺ: إذ جاءه صاحب الدين عند حلول الأجل ولم يكن قد اتفق قضاؤه، فجعل الرجل يشدد الكلام على رسول الله ﷺ، فهم به أصحابه فقال: "دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً" ومهما دار الكلام بين المستقرض والمقرض، فالإحسان أن يكون الميل الأكثر للمتوسطين إلى من عليه الدين، فإن المقرض يقرض عن غنى والمستقرض يستقرض عن حاجة، وكذلك ينبغي أن تكون الإعانة للمشتري أكثر؛ فإن البائع راغب عن السلعة يبغي ترويجها، والمشتري محتاج إليها هذا هو الأحسن، إلا أن يتعدى من عليه الدين حده، فعند ذلك نصرته في منعه عن تعديه وإعانة صاحبه، إذ قال ﷺ: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" ، فقيل: كيف ننصره ظالماً? فقال:" منعك إياه من الظلم نصرة له" الخامس: أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع، ولا ينبغي أن يرضي لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه، قال ﷺ: " من أقال نادماً صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة" أو كما قال. 
 
السادس:
 
 
=  أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة وهو في الحال عازم على أن لا يطالبهم إن لم تظهر لهم مسيرة، فقد كان في صالحي السلف من له دفتران للحساب: أحدهما ترجمته مجهولة، فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء والفقراء، وذلك أن الفقير كان يرى الطعام أو الفاكهة فيشتهيه فيقول: أحتاج إلى خمسة أرطال مثلاً من هذا وليس معي ثمنه، فكان يقول: خذه واقض ثمنه عند المسيرة ولم يكن يعد هذا من الخيار، بل عد من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في الدفتر أصلاً ولا يجعله ديناً، لكن يقول: خذ ما تريد، فإن يسر لك فاقض، وإلا فأنت في حل منه وسعة، فهذه طرق تجارات السلف وقد اندرست، والقائم به محي لهذه السنة، وبالجملة؛ التجارة محك الرجال، وبها يمتحن دين الرجل وورعه، ولذلك قيل:
 
 
 
لا يغرنك من المرء قميص رقعه
أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه
أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه
ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه
 
 
 
ولذلك قيل: إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ومعاملوه في الأسواق فلا تشكوا في صلاحه. 
 
وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيراً، فقال عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه? قال: لا؛ فقال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق? فقال: لا، قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل? قال: لا، قال: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طوراً ويرفعه أخرى! قال نعم، فقال: اذهب فلست تعرفه. وقال للرجل: اذهب فائتني بمن يعرفك.
======
 
الباب الخامس 
 
في شفقة التاجر على دينه فيما يخضه ويعم آخرته 
 
ولا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده، فيكون عمره ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه، وشفقته على نفسه يحفظ رأس ماله، ورأس ماله دينه وتجارته فيه. قال بعض السلف: أولي الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل. وأحوج شيئاً إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك في الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فابدأ بنصيبك من الآخرة، فخذه فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتنظمه. قال الله تعالى: "ولا تنس نصيبك من الدنيا" أي لا تنسى في الدنيا نصيبك منها للآخرة، فإنها مزرعة الآخرة، وفيها تكتسب الحسنات. 
 
وإنما تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور: 
 
الأول:
 
 
= حسن النية والعقيدة في ابتداء التجارة، فلينو بها الاستعفاف عن السؤال، وكف الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم، واستعانة بما يكسبه على الدين، وقياماً، بكفاية العيال ليكون من جملة المجاهدين به، ولينو النصح للمسلمين، وأن يحب لسائر الخلق ما يحب لنفسه، ولينو اتباع طريق العدل والإحسان في معاملته كما ذكرنا، ولينو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق، فإذا أضمر هذه العقائد والنيات كان عاملاً في طريق الآخرة، فإن استفاد مالاً فهو مزيد، وإن خسر في الدنيا ربح في الآخرة. 
 
الثاني:
 
 
= أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق. فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل، ولو أقبل كلهم على صنعة واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا، وعلى هذا حمل بعض الناس قوله ﷺ: "اختلاف أمتي رحمة" أي اختلاف همهم في الصناعات والحرف. ومن الصناعات ما هي مهمة، ومنها ما يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب النعم والتزين في الدنيا، فليشتغل بصناعة مهمة ليكون في قيامه بها كافياً عن المسلمين مهماً في الدين، وليجتنب صناعة النقش والصياغة وتشييد البنيان بالجص وجميع ما تزخرف به الدنيا، فكل ذلك كرهه ذوو الدين، فأما عمل الملاهي والآلات التي يحرم استعمالها فاجتناب ذلك من قبيل ترك الظلم، ومن جملة ذلك خياطة الخياط القباء من الإبريسم للرجال، وصياغة الصائغ مراكب الذهب أو خواتيم الذهب للرجال فكل ذلك من المعاصي والجرة المأخوذة عليه حرام، ولذلك أوجبنا الزكاة فيها وإن كنا لا نوجب زكاة في الحلي، لأنها إذا قصدت للرجال فهي محرمة، وكونها مهيأة للنساء لا يلحقها بالحلي المباح،ما لم يقصد ذلك بها فيكتسب حكمها من القصد. وقد ذكرنا أن بيع الطعام وبيع الأكفان مكروه لأنه يوجب انتظار موت الناس وحاجاتهم بغلاء السعر، ويكره أن يكون جزاراً، لما فيه من قساوة القلب، وأن يكون حجاماً أو كناساً لما فيه من مخامرة النجاسة، وكذا الدباغ وما في معناه، وكره ابن سيرين الدلالة، وكره قتادة أجرة الدلال، ولعل السبب فيه قلة استغناء الدلال عن الكذب والإفراط في الثناء إلى السلعة لترويجها، ولأن العمل فيه لا يتقدر فقد يقل وقد يكثر،ولا ينظر في مقدار الأجرة إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثواب، هذا هو العادة، وهو ظلم، بل ينبغي أن ينظر إلى قدر التعب، وكرهوا شراء الحيوان للتجارة، لأن المشتري يكره قضاء الله محالة وحلوله.
 
 
 
= وقيل: بع الحيوان واشتر الموتان، وكرهوا الصرف، لأن الاحتراز فيه عن دقائق الربا عسير، ولأنه طلب لدقائق الصفات فيما لا يقصد أعيانها وإنما يقصد رواجها،
 
= وقلما يتم للصيرفي ربح إلا باعتماد جهالة معامله بدقائق النقد، فقلما يسلم الصيرفي وإن احتاط، ويكره للصيرفي وغيره كير الصحيح والدنانير إلا عند الشك في جودته أو عند ضرورة.
 
 
 
 
=  قال أحمد بن حنبل رحمه االله: ورد نهي عن رسول الله ﷺ، وعن أصحابه في الصياغة من الصحاح، وأنا أكره الكسر، وقال: يشتري بالدنانير دراهم ثم يشتري بالدراهم ذهباً ويصوغه،
 
 
= واستحبوا تجارة البز، قال سعيد بن المسيب: ما من تجارة أحب إلي من البز، ما لم يكن فيها أيمان. وقد روي: "خير تجارتكم البز وخير صناعتكم الخز" وفي حديث آخر: "لو اتجر أهل المدينة لا يجروا في البز، ولو اتجر أهل النار لاتجروا في الصرف" وقد كان غالب أعمال الأخيار من السلف عشر صنائع: الخز، والتجارة، والحمل، والخياطة، والحذو، والقصارة، وعمل الخفاف وعمل الحديد، وعمل المغازل، ومعالجة صيد البر والبحر، والوراقة قال عبد الوهاب الوراق: قال لي أحمد بن حنبل: ما صنعتك? قلت: الوراقة. قال: كسب طيب، ولو كنت صانعاً بيدي لصنعت صنعتك، ثم قال لي: لا تكتب إلا مواسطة، واستبق الحواشي وظهور الأجزاء. وأربعة من الصناع موسومون عند الناس بضعف الرأي: الحاكة، والقطانون، والمغازليون، والمعلمون. ولعل ذلك لأن أكثر مخالطتهم مع النساء والصبيان، ومخالطة ضعفاء العقول تضعف العقل، كما أن مخالطة العقلاء تزيد في العقل. وعن مجاهد: أن مريم عليها السلام مرت في طلبها لعيسى عليه السلام بحاكة، فطلبت الطريق فأرشدوها غير الطريق، فقالت: اللهم انزع البركة من كسبهم، وأمتهم فقراء، وحقرهم في أعين الناس، فاستجيب دعاؤها. وكره السلف أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات كغسل الموتى ودفنهم، وكذا الأذان وصلاة التراويح، وإن حكم بصحة الاستئجار عليه، وكذا تعليم القرآن وتعليم علم الشرع، فإن هذه أعمال حقها أن يتجر فيها للآخرة، وأخذ الأجرة عليها استبدال بالدنيا عن الآخرة ولا يستحب ذلك.
الثالث: أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، وأسواق الدنيا المساجد، قال الله تعالى "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة" وقال الله تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه" فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته فيلازم المسجد ويواظب على الأوراد. كان عمر رضي الله عنه يقول للتجار: اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنيكم. وكان صالحوا السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة والوسط للتجارة، ولم يكن يبيع الهريسة والرؤوس بكرة إلا الصبيان وأهل الذمة، لأنهم كانوا في المساجد بعد. وفي الخبر: "إن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي آخره ذكر الله وخير: كفر الله عنهما ما بينهما من سيىء الأعمال" وفي الخبر: "تلتقي ملائكة الليل والنهار عند طلوع الفجر وعند صلاة العصر، فيقول الله تعالى وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي? فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وجئناهم وهم يصلون، فيقول الله سبحانه وتعالى: أشهدكم أني قد غفرت لهم" ، ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأول والعصر، فينبغي أن لا يعرج على شغل، وينزعج عن مكانه، ويدع كل ما كان فيه، فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا بما فيها، ومهما يحضر الجماعة عصا عند بعض العلماء. وقد كان السلف يبتدرون عند الأذان ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمة، وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات، وكان ذلك معيشةً لهم، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" أنهم كانوا حدادين وخرازين؛ فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع الأذان لم يخرج الإشفى من المخرز ولم يوقع المطرقة ورمى بها وقام إلى الصلاة.
الرابع: أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ويشتغل بالتهليل والتسبيح، فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل. قال صلى الله عايه وسلم: "ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين، وكالحي بين الأموات. وفي لفظ آخر:" كالشجرة الخضراء بين الهشيم" وقال ﷺ: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة" وكان ابن عمر وسالم بن عبد الله ومحمد بن واسع وغيرهم يدخلون السوق قاصدين لنيل فضيلة هذا الذكر. وقال الحسن: ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوء كضوء القمر، وبرهان كبرهان الشمس. ومن استغفر الله في السوق غفر الله له بعدد أهلها. وكان عر رضي الله عنه إذا دخل السوق قال: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفسوق، ومن شر ما أحاطت به السوق، اللهم إني أعوذ بك من يمين فاجرة وصفقة خاسرة. وقال أبو جعفر الفرغاني: كنا يوماً عند الجنيد، فجرى ذلك ناس يجلسون في المساجد ويتشبهون بالصوفية ويقصرون عما يجب علهم من حق الجلوس ويعيبون من يدخل السوق؛ فقال الجنيد: كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد? ويأخذ بإذن بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه، وإني لأعرف رجلاً يدخل في السوق ورده كل يوم ثلاثمائة ركعة وثلاثون ألف تسبيحة. قال: فسبق إلى وهمي أنه يعني نفسه، فهكذا كانت تجارة من يتجر لطلب الكفاية لا للتنعم في الدنيا، فإن من يطلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة كيف يدع ربح الآخرة، والسوق والمسجد والبيت له حكم واحد، وإنما النجاة بالتقوى. قال ﷺ: "اتق الله حيثما كنت" فوظيفة التقوى لا تنقطع عن المتجردين للذين كيفما تقلبت بهم الأحوال، وبه تكون حياتهم وعيشتهم، إذ فيه يرون تجارتهم وربحهم. وقد قيل: من أحب الآخرة عاش، ومن أحب الدنيا طاش، والأحمق يغدو ويروح في لاش، والعاقل عن عيوب نفسه فتاش.
الخامس: أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، وذلك بأن يكون أول داخل وآخر خارج، وبأن يركب البحر في التجارة، فهما مكروهان، يقال إن من ركب البحر فقد استقصى في طلب الرزق. وفي الخبر: "لا يركب البحر إلا لحج أو عمرة أو غزو" وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: لا تكن أول داخل في السوق ولا آخره خارج منها، فإن بها باض الشيطان وفرخ. روي عن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر: أن إبليس يقول لولده زلنبور: سر بكتائبك فأت أصحاب السوق، زين لهم الكذب والحلف والخديعة والمكر والخيانة، وكن مع أول داخل وآخر خارج منها. وفي الخبر: "شر البقاع الأسواق، وشر أهلها أولهم دخولاً وآخرهم خروجاً" وتمام هذا الاحتراز أن يراقب وقت كفايته، فإذا حصل كفاية وقته انصرف واشتغل بتجارة الآخرة هكذا كان صالحوا السلف، لقد كان منهم من إذا ربح دانقاً انصرف قناعة به. وكان حماد بن سلمة يبيع الخز في سفط بين يديه، فكان إذا ربح حبتين رفع سفطه وانصرف. وقال إبراهيم بن بشار قلت : لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: أمر اليوم أعمل في الطين فقال: يا ابن بشار، إنك طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته وتطلب ما قد كفيته! أما رأيت حريصاً محروماً وضعيفاً مرزوقاً? فقلت: إن لي دانقاً عند البقال؛ فقال عز علي بك، تملك دانقاً وتطلب العمل?! وقد كان فيهم من ينصرف بعد الظهر، ومنهم بعد العصر، ومنهم من لا يعمل في الأسبوع إلا يوماً أو يومين وكانوا يكتفون به.
السادس: أن لا يقتصر على اجتناب الحرام، بل يتقي مواقع الشبهات ومظان الريب ولا ينظر إلى الفتاوى بل يستفتي قلبه، فإذا وجد فيه حزازة اجتنبه، وإذا حمل إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها حتى يعرف وإلا أكل الشبة، وقد حمل إلى رسول الله ﷺ لبن، فقال: "م أين لكم هذا?" فقالوا: من الشاة، فقال: "ومن أين لكم هذه الشاة?" فقيل: من موضع كذا، فشرب منه ثم قال: " إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلا طيباً ولا نعمل إلا صالحاً" وقال: "إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" فقال: "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم" فسأل النبي ﷺ عن أصل الشيء وأصل أصله ولم يزد لأن ما وراء ذلك يتعذر. وسنبين في كتاب الحلال والحرام موضع وجوب هذا السؤال فإنه كان عليه السلام لا يسأل عن كل ما يحمل إليه، وإنما الواجب أن ينظر التاجر إلى من يعامله فكل منسوب إلى ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا يعامله،وكذا الأجناد والظلمة لا يعاملهم البتة ولا يعامل أصحابهم وأعوانهم، لأنه معين بذلك على الظلم. وحكي عن رجل أنه تولى عمارة سور لثغر من الثغور. قال: فوقع في نفسي من ذلك شيء، وإن كان ذلك العمل من الخيرات بل من فرائض الإسلام، ولكن كان الأمير الذي تولى في محلته من الظلمة. قال: فسألت سفيان رضي الله عنه فقال: لا تكن عوناً لهم على قليل ولا كثير؛ فقلت: هذا سور في سبيل الله للمسلمين، فقال نعم، ولكن أقل ما يدخل عليك أن تحب بقاءهم ليوفوك أجرك؛ فتكون قد أحببت بقاء من يعصي الله. وقد جاء في الخبر: "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" وفي الحديث: "إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق" وفي حيث آخر: "من أكرم فاسقاً فقد أعان على هدم الإسلام"، ودخل سفيان على المهدي وبيده درج أبيض، فقال: يا سفيان أعطني الدواة حتى أكتب، فقال: أخبرني أي شيء تكتب، فإن كان حقاً أعطيتك. وطلب بعض الأمراء من بعض العلماء المحبوسين عنده أن يناوله طيناً ليختم به الكتاب، فقال: ناولني الكتاب أولاً حتى أنظر ما فيه، فهكذا كانوا يحترزون عن معاونة الظلمة ومعاملتهم أشد أنواع الإعانة فينبغي أن يجتنبها ذوو الدين ما وجدوا إليه سبيلاً. وبالجملة؛ فينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يعامل ومن لا يعامل، وليكن من يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمان. قال بعضهم: أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق ويقول: من ترون لي أن أعامل من الناس فيقال له: عامل من شئت. ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون: عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً، ثم أتى زمان آخر فكان يقال: لا تعامل أحداً إلا فلاناً وفلانا، وأخشى أن يأتي زمان يذهب هذا أيضاً. وكأنه قد كان الذي كان يحذر أن يكون،إنا لله وإنا إليه راجعون.
السابع: ينبغي أن يراقب جميع مجاري معاملته مع واحد من معامليه، فإنه مراقب ومحاسب، فليعد الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلة وقولة إنه لم أقدم عليها? ولأجل ماذا? فإنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجل كان باعه شيئاً وقفة، ويحاسب عن كل واحد فهو محاسب على عدد من عامله. قال بعضهم: رأيت بعض التجار في النوم، فقلت: ماذا فعل الله بك? فقال: نشر علي خمسين ألف صحيفة، فقلت: هذه كلها ذنوب، فقال: هذه معاملات الناس بعدد كل إنسلن عاملته في الدنيا، لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بيني وبينه من أول معاملته إلى آخرها، فهذا ما على المكتسب في عمله من العدل والإحسان والشفقة على الدين، فإن اقتصر على العدل كان الصالحين، وإن أضاف إليه الإحسان كان من المقربين، وإن راعى مع ذلك وظائف الدين كما ذكر في الباب الخامس كان من الصديقين، والله أعلم بالصواب.
=====
كتاب الحلال والحرام 
 
وهو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين 
 
الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين لازب وصلصال،ثم ركب صورته في أحسن تقويم وأتم اعتدال، ثم غذاه في أول نشوئه بلبن استصفاه من بين فرث ودم سائغاً كالماء الزلال، ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف والانحلال، ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة والصيال وقهرها بما افترضه عليه من طلب القوت الحلال، وهزم بكسرها جند الشيطان المتشمر للإضلال، ولقد كان يجري من ابن آدم مجرى الدم السيال، فضيق عليه عزة الحلال المجرى والمجال، إذ كان لا يبذرقه إلى أعماق العروق إلا الشهوة المائلة إلى الغلبة والاسترسال؛ فبقي لما زمت بزمام الحلال خائباً خاسراً ما له من ناصر ولا وال. والصلاة على محمد الهادي من الضلال وعلى آله خير آل، وسلم تسليماً كثيراً. 
 
أما بعد، فقال ﷺ: "طلب الحلال فريضة على كل مسلم"، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض: أعصاها على العقول فهماً، وأثقلها على الجوارح فعلاً، ولذلك اندرس بالكلية علماً وعملاً، وصار غموض علمه سبباً لاندراس علمه، إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود، وأن السبيل دون الوصال إليه مسدود، وانه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات والحشيش النابت في الموات، وما عداه فقد أخبئته الأيدي العادية، وأفسدته المعاملات الفاسدة، وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات؛ فرفضوا هذا القطب من الدين أصلاً، ولم يدركوا بين الأموال فرقاً وفصلاً، وهيهات هيهات، فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات. ولا تزال هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات. ولما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها، واستطار في الخلق شررها، وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والحرام والشبهة على وجه التحقيق والبيان ولا يخرجه التضييق عن حيز الإمكان.
 
 
 
ونحن نوضح ذلك في سبعة أبواب: الباب الأول في فضيلة طلب الحلال ومذمة الحرام ودرجات الحلال والحرام. الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام. الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والأعمال ومظانها في الحلال والحرام. الباب الرابع في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية. الباب الخامس في إدارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم. الباب السادس في الدخول على السلاطين ومخالطتهم. الباب السابع في مسائل متفرقة.
===
 
الباب الأول
في فضيلة الحلال ومذمة الحرام وبيان أصناف الحلال
ودرجاته وأصناف الحرام ودرجات الورع فيه
فضيلة الحلال ومذمة الحرام


قال الله تعالى "كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً" أمر بالأكل من الطيبات قبل العمل. وقيل: إن المراد به الحلال. وقال تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" وقال تعالى: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" -الآية -. وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين" ثم قال: "فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله" ثم قال: "وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم" ثم قال: "ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" جعل آكل الربا أول الأمر مؤذناً بمحاربة الله، وفي آخره متعرضاً للنار، والآيات الواردة في الحلال والحرام لا تحصى. وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "طلب الحلال فريضة على كل مسلم" ولما قال ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". قال بعض العلماء: أراد به طلب علم الحلال والحرام، وجعل المراد بالحديثين واحداً.

وقال ﷺ: "من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله، ومن طلب الدنيا حلالاً في عفاف كان في درجة الشهداء" وقال ﷺ: " من أكل الحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه". وفي رواية: "زهده الله في الدنيا" وروي أن سعداً سأل رسول الله ﷺ أن يشأل الله تعالى أن يجعله مجاب الدعوة، فقال له: "أطب طعمتك تستجب دعوتك". ولما ذكر ﷺ الحريص على الدنيا قال: "رب أشعث أغبر مشرد في الأسفار مطعمه حرام وغذي بالحرام، يرفع يديه فيقول: يارب، يارب فأنى يستجاب لذلك". وفي حديث ابن عباس عن النبي ﷺ " إن لله ملكاً على بيت المقدس ينادي كل ليلة: من أكل حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل". فقيل: الصرف النافلة، والعدل الفريضة. وقال ﷺ: "من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته مادام عليه منه شيء". وقال ﷺ: "كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به" وقال ﷺ: "من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النار". وقال ﷺ: "العبادة عشرة أجزاء: تسعة منها في طلب في طلب الحلال" روي هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً على بعض الصحابة أيضاً. وقال ﷺ: "من أصاب مالاً من مأثم فوصل به رحماً أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعاً ثم قذفه في النار" وقال عليه السلام: "خير دينكم الورع". وقال ﷺ: "من لقي الله ورعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله". ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه: وأما الورعون فأنا أستحي أن أحاسبهم. وقال ﷺ: درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في الإسلام". وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا سقمت صدرت بالسقم. ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان، فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البنيان وارتفع، وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع. وقال الله عز وجل : "أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله" الآية، وفي الحديث: "من اكتسب مالاً من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه، وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار". وقد ذكرنا جملة من الأخبار في كتاب آداب الكسب تكشف عن فضيلة الكسب الحلال.

وأما الآثار: فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبناً من كسب عبده ثم سأل عبده فقال: تكهنت لقوم فأعطوني، فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظننت أن نفسه ستخرج، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء. وفي بعض الأخبار أنه ﷺ أخبر بذلك فقال: "أو ما علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيباً" وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطاً، فأدخل إصبعه وتقيأ. وقالت عائشة رضي الله عنها: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة، هو الورع. وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز. وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: ما أدراك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه. وقال الفضيل: من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقاً، فانظر عند من تفطر يا مسكين. وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله: لم لا تشرب من ماء زمزم? فقال: لو كان لي دلو شربت منه. وقال سفيان الثوري رضي الله عنه: من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول والثوب النجس لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره إلا الحلال. وقال يحيى بن معاذ: الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانه لقم الحلال. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام، وقال سهل التستري لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال: أداء الفرائض بالسنة، وأكل الحلال بالورع، واجتناب النهي من الظاهر والباطن، والصبر على ذلك إلى الموت. وقال من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا حلالاً ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة. ويقال من أكل الشبهة أربعين يوماً أظلم قلبه، وهو تأويل قوله تعالى: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" وقال ابن المبارك: رد ردهم من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ألف ومائة ألف، حتى بلغ إلى ستمائة ألف. وقال بعض السلف: إن العبد يأكل أكلة فينقلب قلبه، فينغل كما ينغل الأديم ولا يعود إلى حاله أبداً. وقال سهل رضي الله عنه: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم. ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات وقال بعض السلف: إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه، ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر.

وروي في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء: تفقدوا منه ثلاثاً، فإن كان معتقداً لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق، وإن كان سيىء الطعمة فعن الهوى ينطق، فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه. وفي الأخبار المشهورة عن على عليه السلام وغبره: إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب. وزاد آخرون: وشبهتها عتاب. وروي أن بعض الصالحين دفع طعاماً إلى بعض الأبدال فلم يأكل، فسأله عن ذلك فقال: نحن لا نأكل إلا حلالاً، فلذلك تستقيم قلوبنا، فقال له الرجل: فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة، فقال له البدال: هذه الشربة التي رأيتني شربتها من الليل أحب إلي من ثلاثمائة ركعة من أعمالك، وكانت شربته من لبن ظبية وحشية. وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة، فهجره أحمد إذ سمعه يقول: إني لا أسأل أحداً شيئاً، ولو أعطاني الشيطان شيئاً لأكلته، حتى اعتذر يحيى وقال: كنت أمزح، فقال: تمزح بالدين، أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله تعالى على العمل الصالح فقال: "كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً" وفي الخبر: أنه مكتوب في التوراة: "من لم يبالي من أين مطعمه لم يبالي الله من أي أبواب النيران أدخله" وعن علي رضي الله عنه أنه لم يأكل بعد قتل عثمان ونهب الدار طعاماً إلا مختوماً حذراً من الشبهة، واجتمع الفضيل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك عند وهيب بن الورد بمكة، فذكروا الرطب، فقال وهيب، وهو من أحب الطعام إلي، إلا أني لا آكله لاختلاط رطب مكة ببساتين زبيدة وغيرها، فقال له ابن المبارك: إن نظرت في مثل هذا ضاق عليك الخبز. قال: وما سببه? قال: إن أصول الضياع قد اختلط بالصوافي، فغشي على وهيب، فقال سفيان: قلت الرجل، فقال ابن المباركك ما أردت إلا أن أهون عليه، فلما أفاق قال: لله علي أن لا آكل خبزاً أبداً حتى ألقاه. قال: فكان يشرب اللبن، فأتته أمه بلبن فسألها فقالت: هو من شاة بني فلان، فسأل عن ثمنها وأنه من أين كان لهم فذكرت، فلما أدناه من فيه قال: بقي أنها من أين كانت ترعى? فسكتت، فلم يشرب لأنها كانت ترعى من موضع فيه حق للمسلمين، فقالت أمه: اشرب فإن الله يغفر لك، فقال: ما أحب أن يغفر لي وقد شربته فأنال مغفرته بمعصيته. وكان بشر الحافي رحمه الله من الورعين، فقيل له: من أين تأكل، فقال: من حيث تأكلون، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك. وقال: يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات.

أصناف الحلال ومداخله اعلم أن تفصيل الحلال والحرام إنما يتولى بيانه كتب الفقه، ويستغني المريد عن تطويله بأن تكون له طعمة معينة يعرف بالفتوى حلها لا يأكل من غيرها، فأما من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة فيفتقر إلى علم الحلال والحرام كله كما فصلناه في كتاب الفقه. ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق تقسيم: وهو أن المال إنما يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه.

القسم الأول الحرام لصفة في عينه كالخمر والخنزير وغيرهما وتفصيله أن الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام، فإنها إما أن تكون من المعادن كالملح والطين وغيرهما، أو من النبات، أو من الحيوانات.

أما المعادن: فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها، فلا يحرم أكله إلا من حيث أنه يضر بالآكل. وفي بعضها ما يجري مجرى السم، والخبز لو كان مضراً لحرم أكله، والطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر. وفائدة قولنا: إنه لا يحرم مع أنه لا يؤكل، أنه لو وقع شيء منها في مرقة أو طعام مائع لم يصر به محرماً.

وأما النبات: فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل أو يزيل الحياة أو الصحة، فمزيل العقل:البنج والخمر وسائر المسكرات، ومزيل الحياة: السموم، ومزيل الصحة: الأدوية في غير وقتها، وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات فإن الذي لا يسكر منها أيضاً حرام مع قلته لعينه ولصفته، وهي الشدة المطربة، وأما السم فإذا خرج عن كونه مضراً لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم.

وأما الحيوانات: فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل، وتفصيله في كتاب الأطعمة، والنظر يطول في تفصيله، لا سيما في الطيور الغريبة وحيوانات البر والبحر، وما يحل أكله منها فإنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً روعي فيه شروط الذابح والآلة والمذبح، وذلك مذكور في كتاب الصيد والذبائح، وما لم يذبح ذبحاً شرعياً أو مات فهو حرام، ولا يحل إلا ميتتان: السمك والجراد، وفي معناهما ما يستحيل من الأطعمة كدود التفاح والخل والجبن، فإن الاحتراز منهما غير ممكن، فأما إذا أفردت وأكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة، لا سبب في تحريمها إلا الاستقذار، ولو لم يكن لكان لا يكره، فإن وجد شخص لا يستقذره لم يلتفت إلى خصوص طبعه فإنه التحق بالخبائث لعموم الاستقذار، فيكره أكله، كما لو جمع المخاط وشربه كره ذلك، وليست الكراهة لنجاستها فإن الصحيح أنها لا تنجس بالموت، إذ أمر رسول الله ﷺ بأن يمقل الذباب في الطعام إذا وقع فيه، وربما يكون حاراً ويكون ذلك سبب موته، ولو تهرت نملة أو ذبابة في قدر لم يجب إراقتها، إذ المستقذر هو جرمه إذا بقي له جرم، ولم ينجس حتى يحرم بالنجاسة، وهذا يدل على أن تحريمه للاستقذار، ولذلك نقول: لو وقع جزء من آدمي ميت في قدر ولو وزن دانق حرم الكل لا لنجاسته، فإن الصحيح أن الآدمي لا ينجس بالموت،ولكن لأن أكله محرم احتراماً لا استقذاراً. وأما الحيوانات المأكولة إذا ذبحت بشرط الشرع فلا تحل جميع أجزائها بل يحرم منها الدم والفرث وكل ما يقضى بنجاسته منها، بل تناول النجاسة مطلقاً محرم، ولكن ليس في الأعيان شيء محرم نجس إلا من الحيوانات. وأما من النبات فالمسكرات فقط دون ما يزيل العقل ولا يسكر كالبنج، فإن نجاسة المسكر تغليظ للزجر عنه لكونه في مظنة التشوف، ومهما وقعت قطرة من النجاسة أو جزء من نجاسة جامدة في مرقة أو طعام أو دهن حرم أكله جميعه، ولا يحرم الانتفاع به لغير الأكل، فيجوز الاستصباح بالدهن النجس، وكذا طلاء السفن والحيوانات وغيرها، فهذه مجامع ما يحرم لصفة في ذاته القسم الثاني ما يحرم لخلل في وجهة إثبات اليد عليه وفيه يتسع النظر فنقول: أخذ المال إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره فالذي يكون بغير اختياره كالإرث، والذي يكون باختياره إما أن لا يكون من مالك كنيل المعادن، أو يكون من مالك، والذي أخذ من مالك فإما أن يؤخذ قهراً أو يؤخذ تراضياً، والمأخوذ قهراً إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم، أو لاستحقاق الأخذ كزكاة الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم، والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعرض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية، فيحصل من السياق ستة أقسام:

الأول: ما يؤخذ من غير مالك: كنيل المعادن، وإحياء الموات، والاصطياد والاحتطاب، والاستقاء من الأنهار، والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين، فإذا انفك من الاختصاصات ملكها آخذها. وتفضيل ذلك في كتاب إحياء الموات.

الثاني: المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أموال الكفار والمحاربين، وذلك حلال المسلمين إذا أخرجوا منها الخمس وقسموها بين المستحقين بالعدل ولم يأخذها من كافر له حرمة وأمان وعهد. وتفصيل هذه الشروط في كتاب السير من كتاب الفيء والغنيمة وكتاب الجزية.

الثالث: ما يؤخذ قهراً باستحقاق عند امتناع من وجب عليه، فيؤخذ دون رضاه، وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق الذي به استحقاقه واقتصر على القدر المستحق، واستوفاه ممن يملك الاستيفاء من قاض أو سلطان أو مستحق، وتفصيل ذلك في كتاب تفريق الصدقات وكتاب الوقف وكتاب النفقات، إذ فيها النظر في صفة المستحقين للزكاة والوقف والنفقة وغيرها من الحقوق، فإذا استوفيت شرائطها كان المأخوذ حلالاً.

الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة، وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين. أعني الإيجاب والقبول، مع ما تعبد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة. وبيان ذلك في كتاب البيع والسلم والإجازة والحوالة والضمان والقراض والشركة والمساقاة والشفعة والصلح والخلع والكتابة والصدق وسائر المعاوضات.

الخامس: ما يؤخذ عن رضا من غير عوض، وهو حلال إذا روعي فيه شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره وذلك مذكور في كتاب الهبات والوصايا والصدقات.

السادس: ما يحصل نغير اختيار كالميراث، وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كان واجباً، وذلك مذكور في كتاب الوصايا والفرائض، فهذه مجامع مداخل الحلال والحرام أومأنا إلى جملتها ليعلم المريد أنه إن كانت طعمته متفرقة لا من جهة معينة فلا يستغني عن علم هذه الأمور، فكل ما يأكله من جهة من هذه الجهات ينبغي أن يستفتي فيه أهل العلم ولا يقدم عليه بالجهل، فإنه كما يقال للعالم: لم خالفت علمك? يقال للجاهل: لم لازمت جهلك ولم تتعلم بعد أن قيل لك طلب العلم فريضة على كل مسلم? درجات الحلال والحرام اعلم أن الحرام كله خبيث، لكن بعضه أخبث من بعض، والحلال كله طيب، ولكن بعضه أطيب من بعض وأصفى من بعض، وكما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة ولكن يقول: بعضها حار في الدرجة الأولى كالسكر، وبعضها حار في الثانية كالفانيذ، وبعضها حار في الثالثة كالدبس، وبعضها حار في الرابعة كالعسل. كذلك الحرام بعضه خبيث في الدرجة الأولى، وبعضه في الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وكذا الحلال تتفاوت درجات صفاته وطيبه، فلنقتد بأهل الطب في الاصطلاح على أربع درجات تقريباً. وإن كان التحقيق لا يوجب هذا الحصر، إذ يتطرق إلى كل درجة من الدرجات أيضاً تفاوت لا ينحصر، فإن من السكر ما هو أشد حرارة من سكر آخر، وكذا غيره، فلذلك نقول: الورع عن الحرام على أربع درجات:

الأولى: ورع العدول، وهو الذي يجب الفسق باقتحامه وتسقط العدالة به ويثبت اسم العصيان والتعرض للنار بسببه وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء.

الثانية: ورع الصالحين، وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم، ولكن المفتي يرخص في التناول بناء على الظاهر، فهو من مواقع الشبهة على الجملة، فلنسم التحرج عن ذلك ورع الصالحين وهو في الدرجة الثانية.

الثالثة: ما لا تحرمه الفتوى ولا شبهة في حله، ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم، وهو ترك ما لا بأس به مخافة مما به باس ، وهذا ورع المتقين. قال ﷺ: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى ما لا بأس به مخافة ما به بأس".

الرابعة:ما لا بأس به أصلاً ولا يخاف منه أن يؤذي إلى ما به بأس، ولكنه يتناول لغير الله وعلى غير نية التقوى به على عبادة الله، أو تتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية، والامتناع منه رع الصديقين، فهذه درجات الحلال جملة إلى أن نفصلها بالأمثلة والشواهد.

وأما الحرام الذي ذكرناه في الدرجة الأولى وهو الذي يشترط التورع عنه في العدالة وإطراح سمة الفسق، فهو أيضاً على درجات في الخبث، فالمأخوذ بعقد فاسد كالمعاطاة مثلاً فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام، ولكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر، بل المغضوب أغلظ، إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب وإيذاء الغير، وليس في المعاطاة إيذاء، وإنما فيه ترك التعبد فقط، ثم ترك طريق التعبد بالمعاطاة أهون من تركه بالربا، وهذا التفاوت يدرك بتشديد الشرع ووعيده وتأكيده في بعض الناهي، على ما سيأتي في كتاب التوبة عند ذكر الفرق بين الكبيرة والصغيرة، بل المأخوذ ظلماً من فقير أو صالح أو من يتيم أخبث وأعظم من المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق، لأن درجات الإيذاء تختلف باختلاف درجات المؤذي ، فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهب عنها، فلولا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت درجات النار وإذا عرفت مثارات التغليظ فلا حاجة إلى حصره في ثلاثة درجات أو أربع، فإن ذلك جار مجرى التحكم والتشهي، وهو طلب حصر فيما لا حصر له، ويدلك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي في تعارض المحذورات وترجيح بعضها على بعض، حتى إذا اضطر إلى أكل الميتة أو أكل طعام الغير أو أكل صيد الحرم فإنا نقدم بعض هذا على بعض.

أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها

أما الدرجة الأولى: وهي ورع العدول، فكل ما اقتضى الفتوى تحريمه مما يدخل في المداخل الستة التي ذكرناها في مداخل الحرام لفقد شرط من الشروط، فهو الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق والمعصية، وهو الذي نريده بالحرام المطلق ولا يحتاج إلى أمثلة وشواهد.

وأما الدرجة الثانية: فأمثلتها: كل شبهة لا نوجب اجتنابها ولكن يستحب اجتنابها لما سيأتي في باب الشبهات إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام. ومنها ما يكره اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين، كمن يمتنع من الاصطياد خوفاً من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه، وهذا وسواس. ومنها: ما يستحب اجتنابها ولا يجب وهو الذي ينزل عليه قوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ونحمله على نهي التنزيه، وكذلك قوله ﷺ: "كل ما أضميت ودع ما أنميت" والإنماء: أن يجري الصيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتاً، إذ يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر، والذي نختاره كما سيأتي: أن هذا ليس بحرام ولكن تركه من ورع الصالحين. وقوله: "دع ما يريبك" أمر تنزيه، إذ ورد في بعض الروايات: "كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك"، ولذلك قال ﷺ لعدي بن حاتم في الكلب المعلم: "وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" على سبيل التنزيه لأجل الخوف. إذ قال لأبي ثعلبة الخشني: "كل منه" فقال: وإن أكل منه? فقال: "وإن أكل"، وذلك لأن حالة أبي ثعلبة وهو فقير مكتسب لا تحتمل هذا الورع، وحال عدي كان يحتمله. يحكى عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أربعة آلاف درهم لأنه حاك في قلبه شيء، مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به، فأمثلة هذه الدرجة نذكرها في التعرض لدرجات الشبهة فكل ما هو شبهة لا يجب اجتنابه فهو مثال هذه الدرجة.

أما الدرجة الثانية: وهي ورع المتقين، فيشهد لها قوله ﷺ: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس". وقال عمر رضي الله عنه كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام وقيل: إن هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال أبو الدرداء: إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يدرك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حجاباً بينه وبين النار، ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان، فحملها إليه، فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة. وكان ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبت وما يعطيه يوفيه بزيادة حبة، ليكون ذلك حاجزاً من النار، ومن هذه الدرجة الاحتراز عما يتسامح به الناس، فإن ذلك حلال في الفتوى ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجر إلى غيره وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع.

فمن ذلك ما روي عن على بن معبد أنه قال: كنت ساكناً في بيت بكراء، فكتبت كتاباً وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه، ثم قلت: الحائط ليس لي، فقالت لي نفسي: وما قدر تراب من الحائط؛ فأخذت من التراب حاجتي، فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول: يا علي بن معبد، سيعلم غداً الذي يقول: وما قدر تراب من حائط، ولعل معنى ذلك أن يرى كيف يحط من منزلته، فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين، وليس المراد به أن يستحق عقوبة على فعله.

ومن ذلك ما روي أن عمر رضي الله عنه وصله مسك من البحرين فقال: وددت لو أن امرأة وزنته حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة:أنا أجيد الوزن فسكت عنها، ثم أعاد لبقول فأعادت الجواب، فقال لا أحببت أن تضعيه بكفة ثم تقولين فيها أثر الغبار فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلاً على المسلمين. وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين. فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال: وهل ينتفع منه إلا بريحه لما استبعد ذلك منه. وأخذ الحسن رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة وكان صغيراً فقال النبي ﷺ: "كخ كخ" أي ألقها.

ومن ذلك ما روى بعضهم أنه كان عند محتضر، فمات ليلاً فقال: أطفئوا السراج فقد حدث للورثة حق في الدهن. وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت: كان عمر رضي الله عنه يدفع إلى امرأته طيباً من طيب المسلمين لتبيعه، فباعتني طيباً فجعلت تقوم وتزيد وتنقص وتكسر بأسنانها، فتعلق بإصبعها شيء منه فقالت به هكذا بإصبعها، ثم مسحت به خمارها فدل عمر رضي الله عنه فقال: ما هذه الرائحة? فأخبرته فقال: طيب المسلمين تأخذينه، فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرة من الماء فجعل يصب على الخمار ثم يدلكه في التراب ويشمه، حتى لم يبق به ريح، قالت:ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت علق منه شيء بإصبعها، فأدخلت إصبعها في فيها ثم مسحت به التراب، فهذا من عمر رضي الله عنه ورع التقوى، لخوف أداء ذلك إلى غيره، وإلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطيب إلى المسلمين، ولكن أتلفه عليها زجراً وردعاً واتقاء من أن يتعدى الأمر إلى غيره.

ومن ذلك ما سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل يكون في المسجد يحمل مجمرة لبعض السلاطين ويبخر المسجد بالعود فقال: ينبغي أن يخرج من المسجد، فإنه لا ينتفع من العود إلا برائحته، وهذا قد يقارب الحرام، فإن القدر الذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد وقد يبخل به، فلا يدري أنه يتسامح به أم لا. وسئل أحمد بن حنبل عمن سقطت منه ورقة فيها أحاديث، فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها? فقال: لا بل يستأذن ثم يكتب، وهذا أيضاً قد يشك في أن صاحبها هل يرضى به أم لا، فما هو في محل الشك والأصل تحريمه فهو حرام، وتركه من الدرجة الأولى. ومن ذلك التورع عن الزينة لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها، وإن كانت الزينة مباحة في نفسها. وقد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية فقال: أما أنا فلا استعملها ولكن إن كان للطين فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا، ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه لما ولي الخلافة كانت له زوجة يحبها، فطلقها خيفة أن تشير عليه بشفاعة في باطل فيطيعها ويطلب رضاها، وهذا من ترك لا بأس به مخافة مما به البأس. أي مخافة من أن يفضي إليه، وأكثر المباحات داعية إلى المحظورات، حتى استكثار الأكل واستعمال الطيب للمغترب فإنه يحرك الشهوة، ثم الشهوة تدعو إلى الفكر، والفكر يدعو إلى النظر، والنظر يدعو إلى غيره،وكذلك النظر إلى دور الأغنياء وتجملهم، مباح في نفسه ولكن يهيج الحرص ويدعو إلى طلب مثله، ويلزم منه ارتكاب ما لا يحل في تحصيله، وهكذا المباحات كلها إذا لم تؤخذ بقدر الحاجة مع التحرز من غوائلها بالمعرفة أولاً ثم بالحذر ثانياً، فقلما تخلو عاقبتها عن خطر، وكذا كل ما أخذ بالشهوة فقلما يخلو عن خطر، حتى كرهه أمد بن حنبل تجصيص الحيطان وقال: أما تجصيص الأرض فيمنع التراب، وأما تجصيص الحيطان فزينة لا فائدة فيه، حتى أنكر تجصيص المساجد وتزيينها، واستدل بما روي عن النبي ﷺك أنه أن يكحل المسجد، فقال: "لا، عريش كعريش موسى" وإنما هو شيء مثل الكحل يطلى به،فلم يرخص رسول الله ﷺ فيه، وكره السلف الثوب الرقيق وقالوا: من رق ثوبه رق دينه، وكل ذلك خوفاً من سريان اتباع الشهوات في المباحات إلى غيرها، فإن المحظور والمباح تشتهيهما النفس بشهوة واحدة، وإذا تعودت الشهوة المسامحة استرسلت، فاقتضى خوف التقوى الورع عن هذا كله، فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة، وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة.

أما الدرجة الرابعة: وهو ورع الصديقين، فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابه معصية ولا يستعان به على معصية ولا يقصد منه في الحال والمال قضاء وطر، بل يتناول لله تعالى فقط وللتقوي على عبادته واستبقاء الحياة لأجله، وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس لله حراماً، امتثالاً لقوله تعالى: "قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون" وهذه رتبة الموحدين المتجردين عن حظوظ أنفسهم، المنفردين لله تعالى بالقصد، ولا شك في أن من يتورع عما يوصل إليه أو يستعان عليه بمعصية ليتورع عما يقترن بسبب اكتسابه معصية أو كراهية، فمن ذلك ما روي عن يحيى بن كثير أنه شرب الدواء، فقالت له امرأته: لو تمشيت في الدار قليلاً حتى يعمل الدواء، فقال: هذه مشية لا أعرفها، وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة، فكأنه لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق بالدين، فلم يجز الإقدام عليها. وعن سري رحمه الله أنه قال: انتهيت إلى حشيش في جبل وماء يخرج منه، فتناولت من الحشيش وشربت من الماء، وقلت في نفسي: إن كنت قد أكلت في يوم حلالاً طيباً فهو هذا اليوم، فهتف بي هاتف: إن القوة التي أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هي? فرجعت وندمت. ومن هذا ما روي عن ذي النون المصري أنه كان جائعاً محبوساً، فبعثت إليه امرأة صالحة طعاماً على يد السجان، فلم يأكل، ثم اعتذر وقال: جاءني على طبق ظالم، يعني أن القوة التي أوصلت الطعام إلي لم تكن طيبة، وهذه الغاية القصوى في الورع. ومن ذلك أن بشراً رحمه الله كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها الأمراء، فإن النهر سبب لجريان الماء ووصوله إليه وإن كان الماء مباحاً في نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الأجراء وقد أعطوا الأجرة من الحرام، ولذلك امتنع بعضهم من العنب الحلال من الكرم الحلال، وقال لصاحب: أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجري في النهر الذي حفرته الظلمة، وهذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء، لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء، وكان بعضهم إذا مر في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملتها الظلمة، مع أن الماء مباح، ولكنه بقي محفوظاً بالمصنع الذي عمل به بمال حرام، فكأنه انتفاع به. وامتناع ذي النون من تناول الطعام من يد السجان أعظم من هذا كله، لأن يد السجان لا توصف بأنها حرام، بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه، ولكنه وصل إليه بقوة اكتسبت بالغذاء الحرام، ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه من اللبن خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة مع أنه شربه عن جهل، وكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين، ومن ذلك التورع من كسب حلال اكتسبه خياط يخيط في المسجد، فإن أحمد رحمه الله كره جلوس الخياط في المسجد. وسئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر في وقت يخاف من المطر، فقال: إنما هي من أمر الآخرة وكره جلوسه فيها. وأطفأ بعضهم سراجاً أسرجه غلامه من قوم يكره مالهم. وامتنع من تسجير تنور للخبز وقد بقي فيه جمر من حطب مكروه. وامتنع بعضهم من أن يحكم شسع نعله في مشعل السلطان، فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة.

والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع العدول وله غاية وهو ورع الصديقين، وذلك هو الامتناع من كل ما ليس لله مما أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه، أو اتصل بسببه مكروه وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما كان العبد أشد تشديداً على نفسه كان أخف ظهراً يوم القيامة وأسرع جوازاً على الصراط، وأبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته، وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع، كما تتفاوت درجات النار في حق الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث، وإذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيار، فإن شئت فاستكثر من الاحتياط، وإن شئت فرخص فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخص، والسلام.

=====

الباب الثاني
في مراتب الشبهات ومثاراتها
وتمييزها عن الحلال والحرام


قال رسول الله ﷺ: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرئ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات واقع الحرام، كالراعي حول الحمى وشك أن يقع فيه" فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة، والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو الشبهة، فلا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها، فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرفه القليل، فنقول: الحلال المطلق: هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه، وانحل عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية، ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد يكون هو واقفاً عند جمعه وأخذه من الهواء في ملك نفسه أو في أرض مباحة.

والحرام المحض: هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها، كالشدة المطربة في الخمر، والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهي عنه قطعاً كالمحصل بالظلم والربا ونظائره، فهذان طرفان ظاهران، ويلتحق بالطرفين مل تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره، ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه، فإن صيد البر والبحر حلال، ومن أخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه، وكذلك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته، فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء، ولكنه في معنى ماء المطر، والاحتراز منه وسواس، ولنسم هذا الفن ورع الموسوسين، حتى تلتحق به أمثاله وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه، نعم لو دل عليه دليل. فإن كان قاطعاً كما لو وجد حلقة في أذن السمكة، أو كان محتملاً كما لو وجد على الظبية جراحة يحتمل أن يكون كياً لا يقدر عليه إلا بعد الضبط. ويحتمل أن يكون جرحاً، فهذا موضع الورع، وإذا انتفت الدلالة من كل وجه فالاحتمال المعدوم دلالته كالاحتمال المعدوم في نفسه، ومن هذا الجنس من يستعير داراً فيغيب عنه المعير فيخرج ويقول: لعله مات وصار الحق للوارث، فهذا وسواس إذا لم يدل على موته سبب قاطع أو مشكك إذ الشبهة المحذورة ما تنشأ من الشك، والشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين، فما لا سبب له لا يثبت عقده في النفس حتى يساوي العقد المقابل له فيصير شكاً، ولهذا نقول: من شك أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً أخذ بالثلاث إذ الأصل عدم الزيادة. ولو سئل إنسان أن صلاة الظهر التي أداها قبلهذا بعشر سنين كانت ثلاثاً أو أربعاً لم يتحقق قطعاً أنها أربعة، وإذا لم يقطع جوز أن تكون ثلاثة، وهذا التجويز لا يكون شكاً، إذا لم يحضره سبب أوجب اعتقاد كونها ثلاثاً، فلتفهم حقيقة الشك حتى لا يشتبه الوهم والتجويز بغير سبب فهذا يلتحق بالحلال المطلق. ويلتحق بالحرام المحض ما تحقق تحريمه وإن أمكن طريان محلل ولكن لم يدل عليه سبب، كمن يدل طعام لمورثه الذي لا وارث له سواه، فغاب عنه فقال: يحتمل أنه مات وقد انتقل الملك إلي فآكله، فإقدامه عليه إقدام على حرام محض لأنه احتمال لا مستند له، فلا ينبغي أن يعد هذا النمط من أقسام الشبهات، وإنما الشبهة نعني بها ما اشتبه علينا أمره بأن تعارض لنا فيه اعتقادان صدرا عن سببين مقتضيين للاعتقادين. ومثارات الشبهة خمسة:

المثار الأول

الشك في السبب المحلل والمحرم

وذلك لا يخلو إما أن يكون متعادلاً، أو غلب أحد الاحتمالين، فإن تعادل الاحتمالان كان الحكم لما عرف قبله فيستصحب ولا يترك بالشك، وإن غلب أحد الاحتمالين عليه بأنه صدر عن دلالة معتبرة كان الحكم للغالب، ولا يتبين هذا إلا بالأمثال والشواهد، فلنقسمه إلى أقسام أربعة:

القسم الأول: أن يكون التحريم معلوماً من قبل ثم يقع الشك في المحلل، فهذه شبهة يجب اجتنابها ويحرم الإقدام عليها. مثاله أن يرمي إلى صيد فيخرجه ويقع في الماء فيصادفه ميتاً ولا يدري أنه مات بالغرق أو بالجرح، فهذا حرام لأن الأصل التحريم إلا إذا مات بطريق معين وقد وقع الشك في الطريق فلا يترك اليقين بالشك، كما في الأحداث والنجاسات وركعات الصلاة وغيرها، وعلى هذا ينزل قوله ﷺ: "لا تأكله فلعله قتله غير كلبك" فلذلك كان ﷺ إذا أتي بشيء اشتبه عليه أنه صدقة أو هدية سأل عنه حتى يعلم أيهما هو. وروي: "أنه ﷺ أرق ليلة فقالت له بعض نسائه: أرقت يا رسول الله، فقال: "أجل وجدت تمرة فخشيت أن تكون من الصدقة" وفي رواية: "فأكلتها فخشيت أن تكون من الصدقة" ومن ذلك ما روي عن بعضهم أنه قال: "كنا في سفر مع رسول الله ﷺ فأصابنا الجوع، فزلنا منزلاً كثير الضباب فبينا القدور تغلي بها إذ قال رسول الله ﷺ: "أمة مسخت من بني إسرائيل أخشى أن تكون هذه" فأكفأنا القدور، ثم أعلمه الله بعد ذلك أنه لم يمسخ الله خلقاً فجعل له نسلاً. وكان امتناعه أولاً لأن الأصل عدم الحل وشك في كون الذبح محللاً.

القسم الثاني: أن يعرف الحل ويشك في المحرم، فالأصل الحل وله الحكم. كما إذا نكح امرأتين رجلان وطار طائر، فقال أحدهما: إن كان هذا غراباً فامرأتي طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق. والتبس أمر الطائر فلا يقضى بالتحريم في واحدة منهما ولا يلزمهما اجتنابها، ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما حتى يحلا لسائر الأزواج، وقد أمر مكحول بالاجتناب في هذه المسألة، وأفتى الشعبي بالاجتناب في هذه المسألة، وأفتى الشعبي بالاجتناب في رجلين كانا قد تنازعا، فقال أحدهما للآخر: أنت حسود، فقال الآخر: أحسدنا زوجته طالق ثلاثاً، فقال الآخر: نعم، وأشكل الأمر، وهذا إن أرادا به اجتناب الورع فصحيح، وإن أراد التحريم المحقق فلا وجه له، إذ ثبت في المياه والنجاسات والأحداث والصلوات أن اليقين لا يجب تركه بالشك، وهذا في معناه.

فإن قلت: وأي مناسبة بين هذا وبين ذلك? فاعلم أنه لا يحتاج إلى المناسبة، فإنه لازم من غير ذلك في بعض الصور، فإنه مهما تيقن طهارة الماء ثم شك في نجاسته جاز له أن توضأ به، فكيف لا يجوز أن يشربه? وإذا جوز الشرب فقد سلم أن اليقين لا يزال بالشك، إلا أن ههنا دقيقة: وهو أن وزان الماء أن يشك في أنه طلق زوجته أم لا? فيقال: الأصل أنه ما طلق ووزان مسألة الطائر أن يتحقق نجاسة أحد الإناءين ويشتبه عينه، فلا يجوز أن يستعمل أحدهما بغير اجتهاد، لأنه قابل يقين النجاسة بيقين الطهارة فيبطل الاستصحاب، فكذلك ههنا قد وقع الطلاق على إحدى الزوجتين قطعاً، والتبس عين المطلقة بغير المطلقة، فنقول: اختلف أصحاب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه، فقال قوم: يستصحب بغير اجتهاد، وقال قوم: بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب ولا يغني الاجتهاد، وقال المقتصدون: يجتهد وهو الصحيح، ولكن وزانه أن تكون له زوجتان فيقول إن كان غراباً فزينب طالق، وإن لم يكن فعمرة طالق، فلا جرم ولا يجوز له غشيانهما بالاستصحاب ولا يجوز الاجتهاد، إذ لا علامة، ونحرمهما عليه لأنه لو وطئهما كان مقتحماً للحرام قطعاً، وإن وطئ إحداهما وقال: أقتصر على هذه، كان متحكماً بتعيينها من غير ترجيح. ففي هذا افترق حكم شخص واحد أو شخصين، لأن التحريم على شخص واحد متحقق، بخلاف الشخصين، إذ كل واحد شك في التحريم في حق نفسه.

فإن قيل: فلو كان الإناءان لشخصين فينبغي أن يستغني عن الاجتهاد ويتوضأ كل واحد بإنائه لأنه تيقن طهارته وقد شك الآن فيه، فنقول: هذا محتمل في الفقه والأرجح في ظني المنع، وأن تعدد الشخصين ههنا كاتحاده، لأن صحة الوضوء لا تستدعي ملكاً، بل وضوء الإنسان بماء غيره في رفع الحدث كوضوئه بماء نفسه، فلا يتبين لاختلاف الملك واتحاده أثر بخلاف الوطء لزوجة الغير فإنه لا يحل، ولأن للعلامات مدخلاً في النجاسات، والاجتهاد فيه ممكن بخلاف الطلاق، فوجب تقوية الاستصحاب بعلامة ليدفع بها قوة يقين النجاسة المقابلة ليقين الطهارة، وأبواب الاستصحاب والترجيحات من غوامض الفقه ودقائقه، وقد استقضيناه في كتاب الفقه، ولسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها.

القسم الثالث: أن يكون الأصل التحريم، ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب، فهو مشكوك فيه، والغالب حله، فهذا ينظر فيه؛ فإن استند غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعاً فالذي نختار فيه أنه يحل، واجتنابه من الورع. مثاله: أن يرمي إلى صيد فيغيب ثم يدركه ميتاً وليس عليه أثر سوى سهمه، ولكن يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر، فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى التحق بالقسم الأول. ولقد اختلف الشافعي رحمه الله في هذا القسم، والمختار أنه حلال، لأن الجرح سبب ظاهر وقد تحقق، والأصل أنه لم يطرأ عليه غيره، فطريانه مشكوك فيه، فلا يدع اليقين بالشك. فإن قيل: فقد قال ابن عباس: كل ما أصميت ودع ما أنميت. وروت عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً أتى النبي ﷺ بأرنب فقال: رميتي عرفت فيها سهمي، فقال: "أصميت أو أنميت?" فقال: بل أنميت، قال: "إن الليل خلق من خلق الله لا يقدره إلا الذي خلقه، فلعله أعان على قتله شيء" وكذلك قال ﷺ لعدي بن حاتم في كلبه المعلم: "وإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" والغالب أن الكلب المعلم لا يسيء خلقه ولا يمسك إلا على صاحبه، ومع ذلك نهى عنه، وهذا التحقيق : وهو أن الحل إنما يتحقق إذا تحقق تمام السبب، وتمام السبب بأن يفضي إلى الموت سليماً من طريان غيره عليه، وقد شك فيه فهو شك في تمام السبب حتى اشتبه أن موته على الحل أو على الحرمة، فلا يكون هذا في معنى ما تحقق موته على الحل في ساعته ثم شك فيما يطرأ عليه.

فالجواب: أن نهي ابن عباس ونهي رسول الله ﷺ محمول على الورع والتنزيه، بدليل ما روي في بعض الروايات أنه قال "كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثراً غير سهمك" وهذا تنبيه على المعنى الذي ذكرناه؛ وهو أنه إن وجد أثراً آخر فقد تعارض السببان بتعارض الظن، وإن لم يجد سوى جرحه حصل غلبة للظن فيحكم به على الأصحاب، كما يحكم على الأصحاب بخبر الواحد والقياس المظنون والعمومات المظنونة وغيرها. وأما قول القائل: إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة فيكون شكاً في السبب فليس كذلك، بل السبب قد تحقق، إذ الجرح سبب الموت، فطريان الغير شك فيه، ويدل على صحة هذا: الإجماع، على أن من جرح وغاب فوجد ميتاً فيجب القصاص على جارحه، بل إن لم يغتب يحتمل أن يكون موته بهيجان خلط في باطنه، لما يموت الإنسان فجأة، فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة والجرح المذفف، لأن العلل القاتلة في الباطن لا تؤمن، ولأجلها يموت فجأة، ولا قائل بذلك، مع أن القصاص مبناه على الشبهة، وكذلك جنين المذكاة حلال، ولعله مات قبل ذبح الأصل لا بسبب ذبحه أو لم ينفخ فيه الروح، وغرة الجنين تجب، ولعل الروح لم ينفخ فيه، أو كان قد مات قبل الجناية بسبب آخر، ولكن يبني على الأسباب الظاهرة، فإن الاحتمال الآخر إذا لم يستند إلى دلالة تدل عليه التحق بالوهم والوسواس كما ذكرناه، فكذلك هذا. وأما قوله ﷺ: "أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" فللشافعي رحمه الله في هذه الصورة قولان، والذي نختاره الحكم بالتحريم، لأن السبب قد تعارض،إذ الكلب المعلم كالآلة والوكيل يمسك عل صاحبه فيحل ، ولو استرسل المعلم بنفسه فأخذ، لم يحل؛ لأنه يتصور منه أن يصطاد لنفسه، ومهما انبعثت بإشارته ثم أكل دل ابتداء انبعاثه على أنه نازل منزلة آلته وأنه يسعى في وكالته ونيابته، ودل أكله آخراً على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه، فقد تعارض السبب الدال فيتعارض الاحتمال والأصل التحريم فيستصحب، ولا يزال بالشك، وهو كما لو وكل رجلاً بأن يشتري له جارية فاشترى جارية ومات قبل أن يبين أنه اشتراها لنفسه أو لموكله يحل للموكل وطؤها، لأن للوكيل قدرة على الشراء لنفسه ولموكله جميعاً، ولا دليل مرجح والأصل التحريم؛ فهذا يلتحق بالقسم الأول لا بالقسم الثالث.

القسم الرابع:أن يكون الحل معلوماً ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غالبة الظن شرعاً، فيرفع الاستصحاب ويقضي بالتحريم،إذ بان لنا أن الاستصحاب ضعيف ولا يبقى له حكم مع غالب الظن، ومثاله أن يؤدي اجتهاده إلى نجاسة أحد الإنائين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن فتوجب تحريم شربه كما أوجبت منع الوضوء به،وكذا إذ قال: إن قتل زيد عمراً أو قتل زيد صيداً منفرداً بقتله فامرأتي طالق فجرحه وغاب عنه فوجده ميتاً حرمت زوجته، لأن الظاهر أنه منفرد بقتله كما سبق، وقد نص الشافعي رحمه الله أن من وجد في الغدران ماء متغير بالبول أو بطول المكث لم يجز استعماله، إذ صار البول المشاهد دلالة مغلبة لاحتمال النجاسة وهو مثال ما ذكرنا وهذا في غلبة ظن استند إلى علامة متعلقة بعين الشيء، فأما غلبة الظن استند إلى علامة متعلقة بعين الشيء، فأما غلبة الظن لا من جهة علامة تتعلق بعين الشيء فقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في أصل الحل هل يزال به إذا اختلف قوله في التوضىء من أواني المشركين، ومدمن الخمر والصلاة في المقابر المنبوشة والصلاة مع طين الشوارع، أعني المقدار الزائر على ما يتعذر الاحتراز عنه، وعبر الأصحاب عنه بأنه إذا تعارض الأصل والغالب فأيهما يعتبر وهذا جار في حل الشرب من أواني الخمر والمشركين، لأن النجس لا يحل شربه، فإذن مأخذ النجاسة والحل واحد، فالتردد في أحدهما يوجب التردد في الآخر، والذي اختاره أن الثاني للشبهة وهي شبهة الخلط، فقد اتضح من هذا حكم حلال شك في طريان محرم عليه أو ظن، وحكم حرام شك في طريان محلل عليه أو ظن، وبان الفرق بين ظن يستند إلى علامة في عين الشيء وبين ما لا يستند إليه، وكل ما حكمنا في هذه الأقسام الأربعة بحله فهو حلال في الدرجة الأولى والاحتياط تركه، فالمقدم عليه لا يكون من زمرة المتيقن والصالحين بل من زمرة العدول الذين لا يقضى في فتوى الشرع بفسقهم وعصيانهم واستحقاقهم العقوبة، إلا ما ألحقناه برتبة الوسواس فإن الاحتراز عنه ليس من الورع أصلاً.

المثار الثاني للشبهة

شك منشؤه الاختلاط

وذلك بأن يختلط الحرام بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز، والخلط لا يخلو: إما أن يقع بعدد لا يحصر من الجانبين أو من إحداهما، أو بعدد محصور، فإن اختلط بمحصور فلا يخلو: إما أن يكون اختلاط امتزاج بحيث لا يتميز بالإشارة كاختلاط المائعات. أو يكون اختلاط استبهام مع التميز للأعيان كاختلاط الأعبد والدور والأفراس، والذي يختلط بالاستبهام فلا يخلو: إما أن يكون مما يقصد عينه كالعروض، أو لا يقصد كالنقود، فيخرج من هذا التقسيم ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تستبهم العين بعدد محصور، كما لو اختلطت الميتة بمذكاة أو بعشر مذكيات، أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة، أو يتزوج إحدى الأختين ثم تلتبس، فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع، لأنه لا مجال للاجتهاد والعلامات في هذا، وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشيء الواحد، فتقابل فيه يقين التحريم والتحليل، ولا فرق في هذا بين أن يثبت حل فيطرأ اختلاط بمحرم، كما لو أوقع الطلاق على إحدى زوجتين في مسألة الطائر، أو يختلط قبل الاستحلال كما لو اختلطت رضيعة بأجنبية فأراد استحلال واحدة، وهذا قد يشكل في طريان التحريم كطلاق إحدى الزوجتين لما سبق من الاستصحاب. وقد نبهنا على وجه الجواب: وهو أن يقين التحريم قابل يقين الحل فضعف الاستصحاب وجانب الحظر أغلب في نظر الشرع، فلذلك يرجح، وهذا إذا اختلط حلال محصور بحرام محصور. فإن اختلط حلال محصور بحرام غير محصور، فلا يخفى أن وجوب الاجتناب أولى.

القسم الثاني: حرام محصور بحلال غير محصور، كما لو اختلطت رضيعة أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير، فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أهل البلد، بل له أن ينكح من شاء منهن، وهذا لا يجوز أن يعلل بكثرة الحلال، إذ يلزم عليه أن يجوز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ولا قائل به، بل العلة الغلبة والحاجة جميعاً، إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب أو محرم بمصاهرة أو سبب من الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب النكاح، وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعاً لا يلزمه ترك الشراء والأكل، فإن كل ذلك حرج، وما في الدين من حرج. ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول الله ﷺ مجن، وغل واحد في الغنيمة عباءة، لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء في الدنيا، وكذلك كل ما سرق، وكذلك كان يعرف أن في الناس من يربي في الدراهم والدنانير، وما ترك رسول الله ﷺ ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية. وبالجملة إنما تنفك عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي، وهو محال. وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضاً في بلد إلا إذا وقع بين جماعة محصورين، بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين،إذ لم ينقل ذلك عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، ولا يتصور الوفاء به في ملة من الملل ولا في عصر من الأعصار.

فإن قلت: فكل عدد محصور في علم الله، فما حد المحصور? ولو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضاً إن تمكن منه، فاعلم أن تحديد أمثال هذه غير ممكن، وإنما يضبط بالتقريب. فنقول: كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر، كالألف والألفين فهو غير محصور، وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور، وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع الشك فيه استفتى فيه القلب، فإن الإثم حزاز القلوب. وفي مثل هذا المقام قال رسول الله ﷺ لوابصة: "استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك" وكذا الأقسام الأربعة التي ذكرناها في المثار الأول يقع فيها أطراف متقابلة واضحة في النفي والإثبات وأوساط متشابهة، فالمفتي يفتي بالظن، وعلى المستفتي أن يستفتي قلبه، فإن حاك في صدره شيء فهو الآثم بينه وبين الله، فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي، فإنه يفتي بالظاهر والله يتولى السرائر.

القسم الثالث: أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر، كحكم الأموال في زماننا هذا، فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور كنسية المحصور إلى المحصور، وقد حكمنا ثم بالتحريم، فلنحكم هنا به، والذي نختاره خلاف ذلك: وهو أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال، إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام، فإن لم يكن في العين علامة تدل على أنه من الحرام فتركه ورع وأخذه حلال لا يفسق به آكله. ومن العلامات: أن يأخذه من يد سلطان ظالم، إلى غير ذلك من العلامات التي سيأتي ذكرها، ويدل عليه الأثر والقياس، فأما الأثر: فما علم في زمن رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده، إذ كانت أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدي أهل الذمة مختلطة بالأموال، وكذا غلول الأموال، وكذا غلول الغنيمة، ومن الوقت الذي نهى ﷺ عن الربا إذ قال: "أول ربا أضعه ربا العباس" ما ترك الناس الربا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمور وسائر المعاصي، حتى روي أن بعض أصحاب النبي ﷺ باع الخمر، فقال عمر رضي الله عنه: لعن الله فلاناً هو أول من سن بيع الخمر، إذ لم يكن قد فهم أن تحريم الخمر تحريم لثمنها. وقال ﷺ: "إن فلاناً يجر في النار عباءة قد غلها" وقتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزات من خرز اليهود لا تساوي درهمين قد غلها، وكذلك أدرك أصحاب رسول الله ﷺ الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيام، وكان من يمتنع من تلك الأموال مشاراً إليه في الورع، والأكثرون لم يمتنعوا مع الاختلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة. ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشرع ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل، ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم كقولهم: "إن الجدة كالأم في التحريم وابن الابن كالابن وشعر الخنزير وشحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرآن، والربا جار فيما عدا الأشياء الستة. وذلك محال فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم. وأما القياس: فهو أنه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط.

"فإن قيل: فقد نقلتم أنه ﷺ امتنع من الضب وقال: "أخشى أن يكون مما مسخه الله" وهو في اختلاط غير المحصور? قلنا يحمل ذلك على التنزه والورع أو نقول الضب شكل غريب ربما يدل على أنه من المسخ فهي دلالة في عين المتناول.

فإن قيل: هذا معلوم في زمان رسول الله ﷺ وزمان الصحابة بسبب الربا والسرقة والنهب وغلول الغنيمة وغيرها، ولكن كانت هي الأقل بالإضافة إلى الحلال. فماذا تقول في زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الربا وأموال السلاطين الظلمة، فمن أخذ مالاً لم يشهد عليه علامة معينة في عينة للتحريم فهل هو حرام أم لا? فأقول الجواب عن هذا أن قول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط محض ومنشؤه الغفلة عن الفرق بين الكثير والأكثر فأكثر الناس بل أكثر الفقهاء يظنون أن ما ليس بنادر فهو الأكثر ويتوهمون أنهما قسمان متقابلان ليس بينهما ثالث، وليس كذلك بل الأقسام ثلاثة: قليل وهو النادر وكثير وأكثر. ومثاله أن الخنثى فيما بين الخلق نادر وإذا أضيف إليه المريض وجدت كثيراً وكذا السفر حتى يقال المرض والسفر من الأعذار العامة والاستحاضة من الأعذار النادرة، ومعلوم أن المريض ليس بنادر وليس بالأكثر أيضاً بل هو كثير. والفقيه إذا تساهل وقال المرض والسفر غالب وهو عذر عام أراد به أنه ليس بنادر فإن لم يرد هذا فهو غلط والصحيح والمقيم هو الأكثر والمسافر والمريض كثير والمستحاضة والخنثى نادر. فإذا فهم هذا فنقول: قول القائل الحرام أكثر باطل لأن مستند هذا القائل إما أن يكون كثرة الظلمة والجندية أو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة أو كثرة الأيدي التي تكررت من أول الإسلام إلى زماننا هذا على أصول الأموال الموجودة اليوم.

أما المستند الأول، فباطل فإن الظالم كثير وليس هو بالأكثر فإنهم الجندية إذ لا يظلم إلا ذو غلبة وشوكة وهم إذا أضيفوا إلى كل العالم لم يبلغوا عشر عشريهم، فكل سلطان يجتمع عليه من الجنود مائة ألف مثلاً فيملك إقليماً يجمع ألف ألف وزيادة ولعل بلدة واحدة من بلاد مملكته يزيد عددها على جميع عسكره، ولو كان عدد السلاطين أكثر من عدد الرعايا لهلك الكل إذ كان يجب على كل واحد من الرعية أن يقوم بعشرة منهم مثلاً مع تنعمهم في المعيشة ولا يتصور ذلك بل كفاية الواحد منهم تجمع من ألف من الرعية وزيادة، وكذا القول في السراق فإن البلدة الكبيرة تشتمل منهم على قدر قليل.

وأما المستند الثاني: وهو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة فهي أيضاً كثيرة وليست بالأكثر إذ أكثر المسلمين يتعاملون بشروط الشرع فعدد هؤلاء أكثر والي يعامل بالربا أو غيره فلو عددت معاملاته وحده لكان عدد الصحيح منها يزيد على الفاسد غلا أن يطلب الإنسان بوهمه في البلد مخصوصاً بالمجانة والخبث وقلة الدين حتى يتصور أن يقال معاملاته الفاسدة أكثر، ومثل ذلك المخصوص نادر وإن كان كثيراً فليس بالأكثر لو كان كل معاملاته فاسدة كيف ولا يخلو هو أيضاً عن معاملاته صحيحة تساوي الفاسدة أو تزيد عليها وهذا مقطوع به لمن تأمله وإنما غلب هذا على النفوس الفاسدة لاستكثار النفوس الفساد واستبعادها إياه واستعظامها له وإن كان نادراً حتى ربما يظن أن الربا وشرب الخمر قد شاع كما شاع الحرام فيتخيل أنهم الأكثرون وهو خطأ فإنهم الأقلون وإن كان فيهم كثرة.

وأما المستند الثالث: وهو أخيلها أن يقال الأموال إنما تحصل من المعادن والنبات والحيوان، والنبات والحيوان حاصلاً بالتوالد، فإذا نظرنا إلى شاة مثلاً وهي تلد في كل سنة فيكون عدد أصولها إلى زمان رسول الله ﷺ قريباً من خمسمائة، ولا يخلو هذا أن يتطرق إلى أصل من تلك الأصول غصب أو معاملة فاسدة، فكيف يقدر أن تسلم أصولها عن تصرف باطل إلى زماننا هذا? وكذا بذور الحبوب والفواكه تحتاج إلى خمسمائة أصل أو ألف أصل مثلاً إلى أول زمان الشرع ولا يكون هذا حلالاً ما لم يكن أصله وأصل أصله كذلك إلى أول زمان النبوة حلالاً، وأما المعادن فهي التي يمكن نيلها على سبيل الابتداء وهي أقل الأموال وأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير ولا تخرج إلا من دار الضرب وهي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم يمنعون الناس منها ويلزمون الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة، ثم يأخذونها منهم غصباً فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد ولا ظلم وقت النيل ولا وقت الضرب في دار الضرب ولا بعده في معاملات الصرف، والربا بعيد نادر أو محال فلا يبقى إذن حلال إلا الصيد والحشيش في الصحاري الموات والمفاوز والحطب المباح، ثم من يحصله لا يقدر على أكله فيفتقر إلى أن يشتري به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات والتوالد، فيكون قد بذل حلالاً في مقابلة حرام فهذه هو أشد الطرق تخيلاً. والجواب أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال فخرج عن النمط الذي نحن فيه والتحقق بما ذكرناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب. إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات وجواز التراضي عليها وقد عارضه سبب غالب يخرجه عن الصلاح له فيضاهي هذا محل القولين للشافعي رضي الله عنه في كم النجاسات، والصحيح عندنا أنه تجوز الصلاة في الشوارع إذا لم يجد فيها نجاسة فإن طين الشوارع طاهر، وأن الوضوء من أواني المشركين جائز، وأن الصلاة في المقابر المنبوشة جائزة، فنثبت هذا أولاً ثم نقيس ما نحن فيه عليه، ويدل على ذلك توضؤ رسول الله ﷺ من مزادة مشركة، وتوضؤ عمر رضي الله عنه من جرة نصرانية مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ولا يحترزون عما نجسه شرعنا، فكيف تسلم أوانيهم من أيديهم? بل نقول: نعلم قطعاً أنهم كانوا يلبسون الفراء المدبوغة والثياب المصبوغة والمقصورة، ومن تأمل أحوال الدباغين والقصارين والصباغين علم أن الغالب عليهم النجاسة، وأن الطهارة في تلك الثياب محال أو نادر، بل نقول نعلم أنهم كانوا يأكلون خبز البر والشعير ولا يغسلونه مع أنه يداس بالبقر والحيوانات وهي تبول عليه وتروث وقلما يخلص منها، وكانوا يركبون الدواب وهي تعرق وما كانوا يغسلون ظهورها مع كثرة تمرغها في النجاسات بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة قد تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها وما كان يحترز عنها، وكانوا يمشون حفات في الطرق وبالنعال ويصلون معها ويجلسون على التراب ويمشون في الطين من غير حاجة، وكانوا لا يمشون في البول والعذرة ولا يحاسبون عليهما ويستنزهون منه، ومتى تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب وأرواثها? ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يظن أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم أو كانت تحرس من الدواب هيهات، فذلك معلوم استحالته بالعادة قطعاً فدل على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة أو علامة على النجاسة دالة على العين. فأما الظن الغالب الذي يستثار من رد الدراهم إلى مجاري الأحوال فلم يعتبروه وهذا عند الشافعي رحمه الله وهو يرى أن الماء القليل ينجس من غير تغير واقع إذ لم يزل الصحابة يدخلون الحمامات ويتوضؤون من الحياض وفيها المياه القليلة والأيدي المختلفة تغمس فيها على الدوام، وهذا قاطع في هذا الغرض. ومهما ثبت جواز التوضؤ من جرة نصرانية ثبت جواز شربه والتحق حكم الحل بحكم النجاسة.

فإن قيل: لا يجوز قياس الحل على النجاسة إذ كانوا يتوسعون في أمور الطهارات ويحترزون من شبهات الحرام غاية التحرز فكيف يقاس عليها? قلنا إن أريد به أنهم صلوا معها مع النجاسة والصلاة معها معصية وهي عماد الدين فبئس الظن، بل يجب أن نعتقد فيهم أنهم احترزوا عن كل نجاسة وجب اجتنابها وإنما تسامحوا حيث لم يجب وكان في محل تسامحهم هذه الصورة التي تعارض فيها الأصل والغالب، فبان أن الغالب الذي لا يستند إلى علامة تتعلق بعيني ما فيه النظر مطرح، وأما تورعهم في الحلال فكان بطريق التقوى وهو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس لأن أمر الأموال مخوف والنفس تميل إليها إن لم تضبط عنها، وأمر الطهارة ليس كذلك فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال المحض خيفة أن يشغل قلبه وقد حكي عن واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء البحر وهو الطهور المحض، فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا فيه، على أن نجري في هذا المستند على الجواب الذي قدمنا في المستندين السابقين، ولا نسلم ما ذكروه من أن الأكثر هو الحرام لأن المال وإن كثرت أصوله فليس بواجب أن يكون في أصوله حرام بل الأموال الموجودة اليوم مما تطرق الظلم إلى أصول بعضها دون بعض، وكما أن الذي يبتدأ غصبه اليوم هو الأقل بالإضافة إلى ما لا يغصب ولا يسرق، فهكذا كل مال في كل عصر وفي كل أصل فالمغصوب من مال الدنيا والمتناول في كل زمان بالفساد بالإضافة إلى غيره أقل. ولسنا ندري أن هذا الفرع بعينه من أي القسمين? فلا نسلم أن الغالب تحريمه فإنه كما يزيد المغصوب بالتوالد يزيد غير المغصوب بالتوالد فيكون فرع الأكثر لا محالة في كل عصر وزمان أكثر، بل الغالب أن الحبوب المغصوبة تغصب للأكل لا للبذر، وكذا الحيوانات المغصوبة أكثرها يؤكل ولا يقتنى للتوالد فكيف يقال إن فروع الحرام أكثر ولم تزل أصول الحلال أكثر من أصول الحرام? وليتفهم المسترشد من هذا طريق معرفة الأكثر فإنه مزلة قدم وأكثر العلماء يغلطون فيه فكيف العوام? هذا في المتولدات من الحيوانات والحبوب فأما المعادن فإنها مخلاة مسبلة يأخذها في بلاد الترك وغيرها من شاء ولكن قد يأخذ السلاطين بعضها منهم أو يأخذون الأقل لا محالة لا الأكثر،ومن حاز من السلاطين معدناً فظلمه يمنع الناس منه فأما ما يأخذه الآخذ منه فيأخذه من السلطان بأجرة، والصحيح أنه يجوز الاستنابة في إثبات اليد على المباحات والاستئجار عليها، فالمستأجر على الاستقاء إذا جاز الماء دخل في ملك المستقي له واستحق الأجرة، فكذلك النيل، فإذا فرغنا على هذا لم تحرم عين الذهب إلا أن يقدر ظلمه بنقصان أجرة العمل وذلك قليل بالإضافة ثم لا يوجب تحريم عين الذهب بل يكون ظالماً ببقاء الأجرة في ذمته، وأما دار الضرب فليس الخرج منها من أعيان ذهب السلطان الذي غصبه وظلم به الناس بل التجار يحملون إليهم الذهب المسبوك أو النقد الرديء ويستأجرونهم على السبك والضرب ويأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم إلا شيئاً قليلا يتركونه أجرة لهم على العمل وذلك جائز، وإن فرض دنانير مضروبة من دنانير السلطان فهو بالإضافة إلى مال التجار أقل لا محالة، نعم السلطان يظلم أجراء دار الضرب بأن يأخذ منهم ضريبة لأنه خصصهم بها من بين سائر الناس حتى توفر عليهم مال بحشمة السلطان فما يأخذه السلطان عوض عن حشمته وذلك من باب الظلم وهو قليل بالإضافة إلى ما يخرج من دار الضرب فلا يسلم لأهل دار الضرب والسلطان من جملة ما يخرج منه من المائة واحد وهو عشر العشير فكيف يكون هو الأكثر? فهذه أغاليط سبقت إلى القلوب بالوهم وتشمر لتزيينها جماعة ممن رق دينهم حتى قبحوا الورع وسدوا بابه واستقبحوا تمييز من يميز بين مال ومال وذلك عين البدعة والضلال.

فإن قيل: فلو قدر غلبة الحرام وقد اختلط غير محصور بغير محصور فماذا تقولون فيه إذا لم يكن في العين المتناولة علامة خاصة? فنقول الذي نراه أن تركه ورع وأن أخذه ليس بحرام، لأن الأصل الحل ولا يرفع إلا بعلامة معينة كما في طين الشوارع ونظائرها. بل أزيد وأقول: لو طبق الحرام الدنيا حتى علم يقيناً أنه لم يبق في الدنيا حلال لكنت أقول نستأنف تمهيد الشروط من وقتنا ونعفو عما سلف ونقول ما جاوز حده انعكس إلى ضده فمهما حرم الكل حل الكل. وبرهانه أنه إذا وقعت هذه الواقعة فالاحتمالات خمسة:

أحدها: أن يقال يدع الناس الأكل حتى يموتوا من عند آخرهم. الثاني: أن يقتصروا منها على قدر الضرورة وسد الرمق يزجون عليها أياماً إلى الموت. الثالث: أن يقال يتناولون قدر الحاجة كيف شاؤوا سرقة وغضباً وتراضياً من غير تمييز بين مال ومال وجهة وجهة. الرابع: أن يتبعوا شروط الشرع ويستأنفوا قواعده من غير اقتصار على قدر الحاجة. الخامس: أن يقتصروا مع شروط الشرع على قدر الحاجة.

أما الأول؛ فلا يخفى بطلانه. وأما الثاني؛ فباطل قطعاً لأنه إذا اقتصر الناس على سد الرمق وزجوا أوقاتهم على الضعف فشا فيهم الموتان وبطلت الأعمال والصناعات وخربت الدنيا بالكلية. وفي خراب الدنيا خراب الدين لأنها مزرعة الآخرة. وأحكام الخلافة والقضاء والسياسات بل أكثر أحكام الفقه مقصودها حفظ مصالح الدنيا ليتم بها مصالح الدين. وأما الثالث وهو الاقتصار على قدر الحاجة من غير زيادة عليه مع التسوية بين مال ومال بالغضب والسرقة والتراضي وكيفما اتفق فهو رفع لسد الشرع بين المفسدين فتمتد الأيدي بالغضب والسرقة وأنواع الظلم ولا يمكن زجرهم منه إذ يقولون ليس بتمييز صاحب اليد باستحقاق عنا فإنه حرام عليه وعلينا، وذو اليد له قدر الحاجة فقط فإن كان هو محتاجاً فإنهم أيضاً محتاجون وإن كان الذي أخذته في حقي زائداً على الحاجة فقد سرقته ممن هو زائداً على الحاجة فقد سرقته ممن هو زائداً على حاجته يومه، وإذا لم يراع حاجة اليوم والسنة فما الذي يراعي وكيف يضبط? وهذا يؤدي إلى بطلان سياسة الشرع وإغواء أهل الفساد بالفساد، فلا يبقى إلا الاحتمال الرابع وهو أن يقال كل ذي يد على ما في يده وهو أولى به لا يجوز أن يؤخذ منه سرقة وغضباً بل يؤخذ برضاه والتراضي هو طريق الشرع، وإذا لم يجز إلا بالتراضي فللتراضي أيضاً منهاج في الشرع تتعلق به المصالح، فإن لم يعتبر فلم يتعين أصل التراضي وتعطل تفصيله? وأما الاحتمال الخامس وهو الاقتصار على قدر الحاجة مع الاكتساب بطريق الشرع من أصحاب الأيدي فهو الذي نراه لائقاً بالورع لمن يريد سلوك طريق الآخرة ولكن لا وجه لإجابه على الكافة ولا لإدخاله في فتوى العامة لأن أيدي الظلمة تمتد إلى الزيادة على قدر الحاجة في أيدي الناس وكذا أيدي السراق، وكل من غلب سلب وكل من وجد فرصة سرق ويقول لا حق له إلا في قدر الحاجة وأنا محتاج ولا يبقى إلا أن يجب على السلطان أن يخرج كل زيادة على قدر الحاجة من أيدي الملاك، ويستوعب بها أهل الحاجة ويدر على القيام بهذه مع كثرة الخلق بل لا يتصور ذلك أصلاً، وأما التضييع فهو أن ما فضل عن الحاجة من الفواكه واللحوم والحبوب ينبغي أن يلقى في البحر أو أن يترك حتى يتعفن فإن الذي خلقه الله من الفواكه والحبوب زائد عن قدر توسع الخلق وترفههم فكيف على قدر حاجتهم? ثم يؤدي ذلك إلى سقوط الحج والزكاة والكفارات المالية وكل عبادة نيطت بالغنى عن الناس إذا أصبح الناس لا يملكون إلا قدر حاجتهم وهو في غاية القبح، بل أقول لو ورد نبي في مثل هذا الزمان لوجب عليه أن يستأنف الأمر ويمهد تفصيل أسباب الأملاك بالتراضي وسائر الطرق ويفعل ما يفعله لو وجد جميع الأموال حلالاً من غير فرق. وأعني بقولي:يجب عليه، إذا كان النبي ممن بعث لمصلحة الخلق في دينهم ودنياهم إذ لا يم الصلاح برد الكافة إلى قدر الضرورة والحاجة إليه فإن لم يبعث للصلاح لم يجب هذا. ونحن نجوز أن يقدر الله سبباً يهلك به الخلق عن آخرهم فيفوت دنياهم ويضلون في دينهم فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويميت من يشاء ويحيي من يشاء ولكننا نقدر الأمر جارياً على ما ألف من سنة الله تعالى في بعثة الأنبياء لصلاح الدين والدنيا. وما لي أقدر هذا وقد كان ما أقدره، فلقد بعث الله نبينا ﷺ على فترة من الرسل وكان شرع عيسى عليه السلام قد مضى عليه قريب من ستمائة سنة والناس منقسمون إلى مكذبين له من اليهود وعبدة الأوثان وإلى مصدقين له قد شاع الفسق قيهم كما شاع في زماننا الآن والكفار مخاطبون بفروع الشريعة. والأموال كانت في أيدي المكذبين له والمصدقين، أما المكذبون فكانوا يتعاملون بغير شرع عيسى عليه السلام وأما المصدقون فكانوا يتساهلون مع أصل التصديق كما يتساهل الآن المسلمون مع أن العهد بالنبوة أقرب فكانت الأموال كلها أو أكثرها أو كثير منها حراماً. وعفا ﷺ عما سلف ولم يتعرض له وخصص أصحاب الأيدي بالأموال ومهد الشرع وما ثبت تحريمه في شرع لا ينقلب حلالاً لبعثة رسول ولا ينقلب حلالاً بأن يسلم الذي في يده الحرام، فإنا لا نأخذ في الجزية من أهل الذمة ما نعرفه بعينه أنه ثمن خمر أو مال ربا فقد كانت أموالهم في ذلك الزمان كأموالنا الآن، وأمر العرب كان أشد لعموم النهب والغارة فيهم. فبان أن الاحتمال الرابع متعين في

الفتوى، والاحتمال الخامس هو طريق الورع، بل تمام الورع الاقتصار في المباح على قدر الحاجة وترك التوسع في الدنيا بالكلية وذلك طريق الآخرة. ونحن الآن نتكلم في الفقه المنوط بمصالح الخلق وفتوى الظاهر له حكم ومنهاج على حسب مقتضى المصالح وطريق الدين الذي لا يقدر على سلوكه إلا الآحاد ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام وخرب العالم فإن ذلك طلب ملك كبير في الآخرة ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك الدنيا وتركوا الحرف الدنيئة والصناعات الخسيسة لبطل النظام ثم يبطل بطلانه الملك أيضاً. فالمحترفون إنما سخروا لينتظم الملك للملوك وكذلك المقبلون على الدنيا سخروا ليسلم طريق الدين لذوي الدين وهو ملك الآخرة ولولاه لما سلم لذوي الدين أيضاً دينهم فشرط سلامة الدين لهم أن يعرض الأكثرون عن طريقهم ويشتغلوا بأمور الدنيا وذلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية وإليه الإشارة بقوله تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضهم درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً".

فإن قيل: لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال فإن ذلك غير واقع وهو معلوم ولا شك في أن البعض حرام وذلك البعض هو الأقل أو الأكثر فيه نظر، وما ذكرتموه من أنه الأقل بالإضافة إلى الكل جلي ولكن لا بد من دليل محصل على تجويزه ليس من المصالح المرسلة وما ذكرتموه من التقسيمات كلها مصالح مرسلة فلا بد لهل من شاهد معين تقاس عليه حتى يكون الدليل مقبولاً بالاتفاق فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة?.

فأقول: إن سلم أن الحرام هو الأقل فيكفينا برهاناً عصر رسول الله ﷺ والصحابة مع وجود الربا والسرقة والغلول والنهب وإن قدر زمان يكون الأكثر الحرام هو فيحل التناول أيضاً فبرهانه ثلاثة أمور: الأول: التقسيم الذي حصناه وأبطلنا منه أربعة وأثبتنا القسم الخامس فإن ذلك إذا أجرى فيما إذا كان الكل حراماً كان أحرى فيما إذا كان الحرام هو الأكثر أو الأقل، وقول القائل، هو مصلحة مرسلة: هوس، فإن ذلك إنما تخيل من تخيله في أمور مظنونة وهذا مقطوع به فإنا لا نشك في أن مصلحة الدين والدنيا مراد الشرع وهو معلوم بالضرورة، وليس بمظنون ولا شك في أن رد كافة الناس إلى قدر الضرورة أو الحاجة أو إلى الحشيش والصيد مخرب للدنيا أولاً وللدين بواسطة الدنيا ثانياً، فما لا يشك فيه لا يحتاج إلى أصل يشهد له وإنما يستشهد على الخيالات المظنونة المتعلقة بآحاد الأشخاص.

البرهان الثاني: أن يعلل بقياس محرر مردود إلى أصل يتفق الفقهاء الآنسون بالأقيسة الجزئية عليه وإن كانت الجزئيات مستحقرة عند المحصلين بالإضافة إلى مثل ما ذكرناه من الأمر الكلي الذي هو ضرورة النبي لو بعث في زمان عم التحريم فيه حتى لو حكم بغيره لخرب العالم، والقياس المحرر الجزئي هو أنه قد تعارض أصل وغالب فيما انقطعت فيه العلامات المعينة من الأمور التي ليست محصورة فيحكم بالأصل لا بالغالب قياساً على طين الشوارع وجرة النصرانية وأواني المشركين، وذلك قد أثبتناه من قبل بفعل الصحابة، وقولنا: انقطعت العلامات المعينة، احتراز عن الأواني التي يتطرق الاجتهاد إليها. وقولنا ليست محصورة، احتراز عن التباس الميتة والرضيعة بالذكية والأجنبية.

فإن قيل كون الماء طهوراً مستيقن وهو الأصل ومن يسلم أن الأصل في الأموال الحل بل الأصل فيها التحريم. فنقول:الأمور التي لا تحرم لصفة في عينها حرمة الخمر والخنزير خلقت على صفة تستعد لقبول المعاملات بالتراضي كما خلق الماء للوضوء وقد وقع الشك في بطلان هذا الاستعداد منهما فلا فرق بين الأمرين فإنهما تخرج عن قبول المعاملة بالتراضي بدخول الظلم عليها كما يخرج الماء عن قبول الوضوء بدخول النجاسة عليه ولا فرق بين الأمرين. والجواب الثاني: أن اليد دلالة ظاهرة دالة على الملك نازلة منزلة الاستصحاب وأقوى منه بدليل ان الشرع ألحقه به إذ من ادعى عليه دين فالقول قوله لأن الأصل براءة ذمته وهذا استصحاب. ومن ادعى ملك في يده فالقول أيضاً قوله إقامة لليد مقام الاستصحاب فكا ما وجد في يد إنسان فالأصل أنه ملكه ما لم يدل على خلافه علامة معينة.

البرهان الثالث: هو أن ما دل على جنس لا يحصر ولا يدل على معين لم يعتبر وإن كان قطعاً فبأن لا يعتبر إذا دل بطريق الظن أملى وبيانه أن ما علم أنه ملك زيد فحقه يمنع من التصرف فيه بغير إذنه، ولو علم أن له مالكاً في العالم ولكن وقع اليأس عن الوقوف عليه وعلى وارثه فهو مال مرصد لمصالح المسلمين يجوز التصرف فيه بحكم المصلحة، ولو دل على أن له مالكاً محصوراً في عشرة مثلاً أو عشرين امتنع التصرف فيه بحكم المصلحة، فالذي يشك في أن له مالكاً سوى صاحب اليد أم لا? لا يزيد على الذي يتيقن قطعاً أن له مالكاً ولكن لا يعرف عينه فليجز التصرف فيه بالمصلحة والمصلحة ما ذكرناه في الأقسام الخمسة، فيكون هذا الأصل شاهداً له وكيف لا وكل مال ضائع فقد مالكه يصرفه السلطان إلى المصالح ومن المصالح الفقراء وغيرهم، فلو صرف إلى فقير ملكه ونفذ فيه تصرفه، فلو سرقه منه سارق قطعت يده فكيف نفذ تصرفه في ملك الغير? ليس ذلك إلا لحكمنا بأن المصلحة تقتضي أن ينتقل الملك إليه ويحل له فقضينا بموجب المصلحة.

فإن قيل: ذلك يختص بالتصرف فيه السلطان? فنقول: والسلطان لم يجوز له التصرف في ملك غيره بغير إذنه لا سبب له إلا المصلحة، وهو أنه لم ترك لضاع فهو مردد بين تضييعه وصرفه إلى مهم، والصرف إلى مهم أصلح من التضييع فرجع عيه، والمصلحة فيما يشك فيه ولا يعلم تحريمه أن يحكم فيه بدلالة اليد ويترك على أرباب الأيدي إذ انتزاعها بالشك وتكليفهم الاقتصار على الحاجة يؤدي إلى الضرر الذي ذكرناه، وجهات المصلحة تختلف فإن السلطان تارة يرى أن المصلحة أن يبني بذلك المال قنطرة وتارة أن يصرفه إلى جند الإسلام وتارة الفقراء ويدور مع المصلحة كيفما دارت، وكذلك الفتوى في مثل هذا تدور على المصلحة وقد خرج من هذا أن الخلق غير مأخوذين في أعيان الأموال يظنون لا تستند إلى خصوص دلالة في ملك الأعيان كما لم يؤاخذ السلطان والفقراء الآخذون منه بعلمهم أن المال له مالك حيث لم يتعلق العلم بعين مالك مشار إليه، ولا فرق بين عين المالك وبين عين الأملاك في هذا المعنى، فهذا بيان شبهة الاختلاط ولم يبق إلا النظر في امتزاج المائعات والدراهم والعروض في يد مالك واحد سيأتي بيانه في باب تفصيل طريق الخروج من المظالم.

المثار الثالث للشبهة

أن يتصل بالسبب المحلل معصية

إما في قرائنه وإما في لواحقه وإما في سوابقه أو في عوضه وكانت من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل.

مثال المعصية في القرائن: البيع في وقت النداء يوم الجمعة، والذبح بالسكينة المغصوبة، والاحتطاب بالقدوم المغصوب، والبيع على بيع الغير، والسوم على سومه فكل نهي ورد في العقود ولم يدل على فساد العقد فإن الامتناع من جميع ذلك ورع، وإن لم يكن المستفاد بهذه الأساليب محكوماً بتحريمه. وتسمية هذا النمط شبهة فيه تسامح لأن الشبهة في غالب الأمر تطلق لإرادة الاشتباه والجهل ولا اشتباه ههنا، بل العصيان بالذبح بسكين الغير معلوم وحل الذبيحة أيضاً معلوم ولكن قد تشتق الشبهة من المشابهة، وتناول الحاصل من هذه الأمور مكروه والكراهة تشبه التحريم فإن أريد بالشبهة هذا فتسمية هذا شبهة له وجه، وإلا فينبغي أن يسمى هذا كراهة لا شبهة، وإذا عرف المعنى فلا مشاحة في الأسامي فعادة الفقهاء التسامح في الإطلاقات. ثم اعلم أن هذه الكراهة لها ثلاث درجات: الأولى منها تقرب من الحرام والورع عنه مهم والأخيرة تنتهي إلى نوع من المبالغة تكاد تلتحق بورع الموسوسين وبينهما أوساط نازعة إلى الطرفين، فالكراهة في صيد كلب مغصوب أشد منها في الذبيحة بسكين مغصوب أو المقتص بسهم مغصوب إذ الكلب له اختيار، وقد اختلف في أن الحاصل به لمالك الكلب أو للصياد، ويليه شبهة البذر المزروع في الأرض المغصوبة فإن الزرع لمالك البذر ولكن فيه شبهة، ولو أثبتنا حق الحبس لمالك الأرض في الزرع لكان كالثمن الحرام، ولكن الأقيس أن لا يثبت حق حبس كما لو طحن بطاحونة مغصوبة واقتنص بشبكة مغصوبة إذ لا يتعلق صاحب الشبكة في منفعتها بالصيد، ويليه الاحتطاب بالقدوم المغصوب ثم ذبحه ملك نفسه بالسكين المغصوب إذ لم يذهب أحد إلى تحريم الذبيحة، ويليه البيع في وقت النداء فإنه ضعيف التعلق بمقصود العقد وإن ذهب قوم إلى فساد العقد إذ ليس فيه إلا أنه اشتغل بالبيع عن واجب آخر كان عليه، ولو أفسد البيع بمثله لأفسد بيع كل من عليه درهم زكاة أو صلاة فائتة وجوبها على الفور أو في ذمته مظلمة دانق فإن الاشتغال بالبيع مانع له عن القيام بالواجبات فليس للجمعة إلا الوجوب بعد النداء، وينجر ذلك إلى أن لا يصح نكاح أولاد الظلمة وكل من في ذمته درهم لأنه اشتغل بقوله عن الفعل الواجب عليه، إلا من حيث ورد في يوم الجمعة نهي على الخصوص ربما سبق إلى الأفهام خصوصية فيه فتكون الكراهة أشد ولا بأس بالحذر منه، ولكن قد ينجر إلى الوسواس حتى يتحرج عن نكاح بنات أرباب المظالم وسائر معاملاتهم.

وقد حكي عن بعضهم أنه اشترى شيئاً من رجل فسمع أنه اشتراه يوم الجمعة، فرده خيفة أن يكون ذلك مما اشتراه وقت النداء وهذا غاية المبالغة أنه رد بالشك. ومثل هذا الوهم في تقدير المناهي أو المفسدات لا ينقطع عن يوم السبت وسائر الأيام والورع حسن والمبالغة فيه أحسن ولكن إلى حد معلوم، فقد قال ﷺ: "هلك المتنطعون" فليحذر من أمثال هذه المبالغات فإنها وإن كانت لا تضر صاحبها ربما أوهم عند الغير أن مثل ذلك مهم ثم يعجز عما هو أيسر منه فيترك أصل الورع وهو مستند أكثر الناس في زماننا هذا إذ ضيق عليهم الطريق فأيسوا عن القيام به فاطرحوه، فكما أن الموسوس في الطهارة قد يعجز عن الطهارة فيتركها فكذا بعض الموسوسين في الحلال سبق إلى أوهامهم أن مال الدنيا كله حرام فتوسعوا فتركوا التمييز وهو عين الضلال.

وأما مثال اللواحق: فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية وأعلاه بيع العنب من الخمار وبيع الغلام من المعروف بالفجور بالغلمان وبيع السيف من قطاع الطريق. وقد اختلف العلماء في صحة ذلك وفي حل الثمن المأخوذ منه. والأقيس أن ذلك صحيح والمأخوذ حلال والرجل عاص بعقده كما يعصى بالذبح بالسكين المغصوب والذبيحة حلال، ولكنه يعصى عصيان الإعانة على المعصية إذ لا يتعلق ذلك بعين العقد فالمأخوذ من هذا مكروه كراهية شديدة وتركه من الورع المهم وليس بحرام، ويليه في الرتبة بيع العنب ممن يشرب الخمر ولم يكن خماراً وبيع السيف ممن يغزو ويظلم أيضاً لأن الاحتمال قد تعارض، وقد كره السلف بيع السيف في وقت الفتنة خيفة أن يشتريه ظالم فهذا ورع فوق الأول والكراهية فيه أخف، ويليه ما هو مبالغة ويكاد يلتحق بالوسواس وهو قول جماعة أنه لا تجوز معاملة الفلاحين بآلات الحرث لأنهم يستعينون بها على الحراثة ويبيعون الطعام من الظلمة ولا يباع منهم البقر الفدان وآلات الحرث، وهذا ورع الوسوسة إذ ينجز إلى أن لا يباع من الفلاح طعام لأنه يتقوى به على الحراثة ولا يسقى من الماء العام لذلك، وينتهي هذا إلى حد التنطع المنهي عنه. وكل متوجه إلى شيء على قصد خير لابد وأن يسرف إن لم يذمه العلم المحقق، وربما يقدم على ما يكون بدعة في الدين ليستضر الناس بعده بها وهو يظن أنه مشغول بالخير، ولهذا قال ﷺ: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم: " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً" وبالجملة، لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن فإنه إذا جاوز ما رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. وقد روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أحرق كرمه خوفاً من أن، يباع العنب ممن يتخذه خمراً. وهذا لا أعرف له وجهاً إن لم يعرف هو سبباً خاصاً يوجب الإحراق? إذ ما أحرق كرمه ونخله من كان أرفع قدراً منه من الصحابة ولو جاز هذا قطع الذكر خيفة من الزنى وقطع اللسان خيفة من الكذب إلى غبر ذلك من الإتلافات.

وأما المقدمات: فلتطرق المعصية إليها ثلاث درجات: الدرجة العليا: التي تشتد الكراهة فيها: ما بقي أثره في المتناول كالأكل من شاة علفت بعلف مغصوب أو رعت في مرعى حرام، فإن ذلك معصية وقد كان سبباً لبقائها وربما يكون الباقي من دمها ولحمها وأجزائها من ذلك العلف، وهذا الورع مهم وإن لم يكن واجباً، ونقل عن ذلك عن جماعة من السلف. وكان لأبي عبد الله الطوسي التروغندي شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها وهو يصلي وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعة فتناولت من ورق كرم على طرف بستان فتركها في البستان ولم يستحل أخذها.

فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن عمر وعبيد الله أنهما اشتريا إبلاً فبعثاها إلى الحمى فرعته إبلهما حتى سمنت، فقال عمر رضي الله عنه: أرعيتماها في الحمى? فقالا: نعم فشارطهما. فهذا يدل على أنه رأى اللحم الحاصل من العلف لصاحب العلف فليوجب هذا تحريماً.

قلنا: ليس كذلك فإن العلف يفسد بالأكل واللحم خلق جديد وليس عين العلف فلا شركة لصاحب العلف شرعاً، ولكن عمر غرمهما قيمة الكلأ ورأى ذلك مثل شطر الإبل فأخذ الشطر بالاجتهاد، كما شاطر سعد بن أبي وقاص ماله لما أن قدم من الكوفة، وكذلك شاطر أبا هريرة رضي الله عنه إذ رأى أن كل ذلك لا يستحقه العامل ورأى شطر ذلك كافياً على حق عملهم وقدره بالشطر اجتهاداً.

الرتبة الوسطى: ما نقل عن بشر بن الحارث من امتناعه عن الماء المساق في نهر احتفره الظلمة لأن النهر موصل إليه وقد عصى الله بحفره. وامتنع آخر عن عنب كرم يسقى بماء يجري في نهر حفر ظلماً وهو أرفع منه وأبلغ في الورع. وامتنع آخر من الشرب من مصانع السلاطين في الطرق. وأعلى من ذلك امتناع ذي النون من طعام حلال أوصل إليه على يد سجان، وقوله: إنه جاءني على يد ظالم، ودرجات هذه الرتب لا تنحصر.

الرتبة الثالثة: وهي قريب من الوسواس والمبالغة: أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى الله بالزنى أو القذف وليس هو كما لو عصى بأكل الحرام، فإن الموصل قوته الحاصلة من الغذاء الحرام والزنى والقذف لا يوجب قوة يستعان بها على الحمل بل الامتناع من أخذ حلال وصل على يد كافر وسواس، بخلاف أكل الحرام إذ الكفر لا يتعلق بحمل الطعام وينجز هذا إلى أن لا يؤخذ من يد من عصى الله ولو بغيبة أو كذبة وهو غاية التنطع والإسراف فليضبط ما عرف من ورع ذي النون وبشر بالمعصية في السبب الموصل كالنهر وقوة اليد المستفادة بالغذاء الحرام. ولو امتنع عن الشرب بالكوز لأن صانع الفخار الذي عمل الكوز كان قد عصى الله يوماً بضرب إنسان أو شتمه لكان هذا وسواساً. ولو امتنع من لحم شاة ساقها آكل حرام فهذا أبعد من يد السجان لأن الطعام يسوقه قوة السجان والشاة تمشي بنفسها والسائق يمنعها عن العدول في الطريق فقط فهذا قريب من الوسواس. فانظر كيف تدرجنا في بيان ما تتداعى إليه هذه الأمور. واعلم أن كل هذا خارج عن فتوى علماء الظاهر فإن فتوى الفقيه تختص بالدرجة الأولى التي يمكن تكليف عامة الخلق بها ولو اجتمعوا عليه لم يخرب العالم درن ما عداه من ورع المتقين والصالحين. والفتوى في هذا ما قاله ﷺ لوابصة إذ قال: " استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك"، وعرف ذلك إذ قال: "الإثم حزاز القلوب" وكل ما حاك في صدر المريد من هذه الأسباب فلو أقدم عليه مع حزازة القلب استضر به وأظلم قلبه بقدر الحزازة التي يجدها بل لو أقدم على حرام في علم الله وهو يظن أنه حلال لم يؤثر ذلك في قساوة قلبه، ولو أقدم على ما هو حلال في فتوى علماء الظاهر ولكنه يجد حزازة في قلبه فلذلك يضره. وإنما الذي ذكرناه في النهي عن المبالغة أردنا به أن القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حزازة في مثل تلك الأمور فإن مال قلب موسوس عن الاعتدال ووجد الحزازة فأقدم مع ما يجد في قلبه فلذلك يضره لأنه مأخوذ في حق نفسه بينه وبين الله تعالى بفتوى قلبه. وكذلك يشدد على الموسوس في الطهارة ونية الصلاة فإنه إذا غلب على قلبه أن الماء لم يصل إلى جميع أجزائه بثلاث مرات لغلبة الوسوسة فيجب عليه أن يستعمل الرابعة وصار ذلك حكماً في حقه وإن كان مخطئاً في نفسه، أولئك قوم شددوا فشدد الله عليهم، ولذلك شدد على قوم موسى عليه السلام لما استقصوا في السؤال عن البقرة ولو أخذوا أولاً بعموم لفظ البقرة وكل ما ينطلق عليه السلام لأجزأهم ذلك فلا تغفل عن هذه الدقائق التي رددناها نفياً وإثباتاً فإن من لا يطلع على كنه الكلام ولا يحيط بمجامعه يوشك أن يزل في درك مقاصده.

وأما المعصية في العوض فله أيضاً درجات.

الدرجة العليا: التي تشتد الكراهة فيها أن يشتري شيئاً في الذمة ويقضي ثمنه من غصب أو مال حرام فينظر فإن سلم إليه البائع الطعام قبل قبض الثمن بطيب قلبه فأكله قبل قضاء الثمن فهو حلال وتركه ليس بواجب بالإجماع أعني قبل قضاء الثمن ولا هو أيضاً من الورع المؤكد فإن قضى الثمن بعد الأكل من الحرام فكأنه لم يقض الثمن، ولو لم يقضه أصلاً لكان متقلداً للمظلمة بترك ذمته مرتهنة بالدين ولا ينقلب ذلك حراماً. فإن قضى الثمن من الحرام وأبرأه البائع مع العلم بأنه حرام فقد برئت ذمته ولم يبق عيه إلا مظلمة تصرفه في الدراهم الحرام بصرفها إلى البائع وإن أبرأه على ظن أن الثمن حلال فلا تحصل البراءة لأنه يبرئه مما أخذه إبراء استيفاء ولا يصلح ذلك للإبقاء. هذا حكم المشتري والأكل منه وحكم الذمة وإن لم يسلم إليه بطيب قلب ولكن لآخذه فأكله حرام سواء أكله قبل توفية الثمن من الحرام أو بعده لأن الذي تومئ الفتوى به ثبوت حق الحبس للبائع حتى يتعين ملكه بإقباض النقد كما تعين ملك المشتري، وإنما يبطل حق حبسه إما بالإبراء أو الاستيفاء ولم يجر شيء منهما ولكنه أكل ملك نفسه وهو عاص به عصيان الراهن للطعام إذا أكله بغير إذن المرتهن، وبينه وبين أكل طعام الغير فرق ولكن أصل التحريم شامل، هذا كله إذا قبض قبل توفية الثمن إما بطيبة قلب البائع أو من غير طيبة قلبه. فأما إذا وفى الثمن الحرام أولاً ثم قبض فإن كان البائع عالماً بأن الثمن حرام ومع هذا أقبض المبيع بطل حق حبسه وبقي له الثمن في ذمته غذ ما أخذ ليس بثمن ولا يصير أكل المبيع حراماً بسبب بقاء الثمن فأما إذا لم يعلم أنه حرام وكان بحيث لو علم لما رضي به ولا أقبض المبيع فحق حبسه لا يبطل بهذا التلبيس فأكله حرام تحريم أكله المرهون إلى أن يبرئه أو يوفى من حلال أو يرضى هو بالحرام ويبرئ فيصح إبراؤه ولا يصح رضاه بالحرام فهذا مقتضى الفقه وبيان الحكم في الدرجة الأولى من الحلل والحرمة، فأما الامتناع عنه فمن الورع المهم لأن المعصية إذا تمكنت من السبب الموصل إلى الشيء تشتد الكراهية فيه. كم سبق. وأقوى الأسباب الموصلة الثمن ولولا الثمن الحرام لما رضي البائع بتسليمه إليه فرضاه لا يخرجه عن كونه مكروهاً كراهية شديدة ولكن العدالة لا تنخرم به وتزول به درجة التقوى والورع. ولو اشترى سلطان مثلاً ثوباً أو أرضاً في الذمة وقبضه برضا البائع قبل توفية الثمن وسلمه إلى فقيه أو غيره صلة أو خلعة وهو شاك في أنه سيقضي ثمنه من الحلال أو الحرام فهذا أخف إذ وقع الشك في تطرق المعصية إلى الثمن وتفاوت خفته بتفاوت كثرة الحرام وقلته في مال ذلك السلطان وما يغلب على الظن فيه وبعضه أشد من بعض والرجوع فيه إلى ما ينقدح في القلب.

الرتبة الوسطى: أن لا يكون العوض غصباً ولا حراماً ولكن يتهيأ لمعصية، كما لو سلم عوضاً عم الثمن عنباً والآخذ شارب الخمر أو سيفاً وهو قاطع طريق فهذا لا يوجب تحريماً في مبيع اشتراه في الذمة ولكن يقتضي فيه كراهية دون الكراهية التي في الغصب. وتتفاوت درجات هذه الرتبة أيضاً بتفاوت غلبة المعصية على قابض الثمن وندوره ومهما كان العوض حراماً فبذله حرام وإن احتمل تحريمه ولكن أبيح بظن فبذله مكروه وعليه ينزل عندي النهي عن كسب الحجام وكراهته. إذ نهى عنه عليه السلام مرات ثم أمر بأن يعلف الناضج، وما سبق إلى الوهم من أن سببه مباشرة النجاسة والقذر فاسد إذ يجب طرده في الدباغ والكناس ولا قائل به، وإن قيل به فلا يمكن طرده في القصاب إذ كيف يكون كسبه مكروهاً وهو بدل عن اللحم واللحم في نفسه غير مكروه ومخامرة القصاب النجاسة أكثر منه للحجام والفصاد فإن الحجام يأخذ الدم بالمحجمة ويمسحه بالقطنة، ولكن السبب أن في الحجامة والفصد تخريب بنية الحيوان وإخراجها لدمه وبه قوام حياته والأصل فيه التحريم، وإنما يحل بضرورة وتعلم الحاجة والضرورة بحدس واجتهاد وربما يظن نافعاً ويكون ضاراً فيكون حراماً عند الله تعالى ولكن يحكم بحله بالظن والحدس. ولذلك لا يجوز للفصاد فقد صبي وعبد ومعتوه إلا بإذن وليه وقول طبيب ولولا أنه حلال في الظاهر لما أعطي عليه السلام أجرة الحجام ولولا أنه يحتمل التحريم لما نهى عنه فلا يمكن الجمع بين إعطائه ونهيه إلا باستنباط هذا المعنى. وهذا كان ينبغي أن نذكره في القرائن المقرونة بالسبب فإنه أقرب إليه.

الرتبة السفلى: وهي درجة الموسوسين، وذلك أن يحلف إنسان على أن لا يلبس من غزل أمه فباع غزلها واشترى به ثوباً فهذا لا كراهة فيه والورع عنه وسوسة. وروي عن المغيرة أنه قال في هذه الواقعة: لا يجوز واستشهد بأن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الخمور فباعوها وأكلوا أثمانها" وهذا غلط لأن بيع الخمور باطل إذ لم يبق للخمر منفعة في الشرع وثمن البيع الباطل حرام، وليس هذا من ذلك بل مثال هذا أن يملك الرجل جارية هي أخته من الرضاع فتباع بجارية أجنبية فليس لأحد أن يتورع منه وتشبيه ذلك ببيع الخمر غاية السرف في هذا الطرف. وقد عرفنا جميع الدرجات وكيفية التدريج فيها وإن كان تفاوت هذه الدرجات لا ينحصر في ثلاث أو أربع ولا في عدد ولكن المقصود من التعديد التقريب والتفهيم.

فإن قيل: فقد قال ﷺ: "من اشترى ثوباً بعشرة دراهم فيها درهم حرام لم يقبل الله صلاة ما كان عليه" ثم أدخل ابن عمر أصبعيه في أذنيه وقال: صمتاً إن لم أكن سمعته منه. قلنا: ذلك محمول على ما لو أشترى بعشرة بعينها لا في الذمة وإذا اشترى في الذمة فقد حكمنا بالتحريم في أكثر الصور فليحمل عليها، ثم كم من ملك يتوعد عليه بمنع قبول الصلاة لمعصية تطرقت إلى سببه وإن لم يدل ذلك على فساد العقد كالمشتري في وقت النداء وغيره.

المثار الرابع

الاختلاف في الأدلة

فإن ذلك كالاختلاف في السبب لأن السبب سبب لحكم الحل والحرمة. والدليل سبب لمعرفة الحل والحرمة فهو سبب في حق المعرفة ولم يثبت في معرفة الغير فلا فائدة لثبوته في نفسه وإن جرى في علم الله، وهو إما أن يكون لتعارض أدلة الشرع أو لتعارض العلامات الدالة أو لتعارض التشابه.

القسم الأول: أن تتعارض أدلة الشرع مثل تعارض عمومين من القرآن أو السنة أو تعارض قياسين أو تعارض قياس وعموم. وكل ذلك يورث الشك ويرجع فيه إلى الاستصحاب أو الأصل المعلوم قبله إن لم يكن ترجيح، فإذا ظهر ترجيح في جانب الحذر وجب الأخذ به، وإن ظهر في جانب الحل جاز الأخذ به ولكن الورع تركه. واتقاء مواضع الخلاف مهم في الورع في حق المفتي والمقلد. وإن كان المقلد يجوز له أن يأخذ بما أفتى له مقلده الذي يظن أنه أفضل علماء بلده ويعرف ذلك بالتسامع كما يعرف أفضل أطباء البلد بالتسامع والقرائن وإن كان لا يحسن الطب. وليس للمستفتي أن ينتقد من المذاهب أوسعها عليه، بل عليه أن يبحث حتى يغلب على ظنه الأفضل ثم يتبعه فلا يخالفه أصلاً، نعم، إن أفتى له إمامه بشيء ولإمامه فيه مخالف فالقرار من الخلاف إلى الإجماع من الورع المؤكد، وكذا المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة ورجح جانب الحل بحدس وتخمين وظن فالورع له الاجتناب. فلقد كان المفتون يفتون بحل أشياء لا يقدمون عليها قط تورعاً منها وحذراً من الشبهة فيها فلنقسم هذا أيضاً على ثلاث مراتب:

الرتبة الأولى: ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه وهو ما يقوى فيه دليل المخالف ويدق وجه ترجيح المذهب الآخر عليه. فمن المهمات التورع عن فريسة الكلب المعلم إذا أكل منها وإن أفتى المفتي بأنه حلال لأن الترجيح فيه غامض، وقد اخترنا أن ذلك حرام وهو أقيس قولي الشافعي رحمه الله. ومهما وجد للشافعي قول جديد موافق لمذهب أبي حنيفة رحمه الله أو غيره من الأئمة كان الورع فيه مهماً وإن أفتى بالقول الآخر. ومن ذلك الورع عن متروك التسمية وإن لم يختلف فيه قول الشافعي رحمه الله لأن الآية ظاهرة في إيجابها والأخبار متواترة فيه فإنه ﷺ قال لكل من سأل عن الصيد: " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت عليه اسم الله فكل" ونقل ذلك على التكرر وقد شهر الذبح بالبسملة وكل ذلك يقوي دليل الاشتراط ولكن لما صح قوله ﷺ: "المؤمن يذبح على اسم الله تعالى سمى أو لم يسم" واحتمل أن يكون هذا عاماً موجباً لصرف الآية وسائر الأخبار عن ظواهرها، ويحتمل أن يخصص هذا بالناسي ويترك الظواهر ولا تأويل، وكان حمله على الناسي ممكنا تمهيداً لعذره في ترك التسمية بالنسيان وكان تعميمه وتأويل الآية ممكناً إمكاناً أقرب رجحنا ذلك ولا ننكر رفع الاحتمال المقابل له فالورع عن مثل هذا مهم واقع في الدرجة الأولى.

الرتبة الثانية: وهي مزاحمة لدرجة الوسواس أن يتورع الإنسان عن أكل الجنين الذي يصادف في بطن الحيوان المذبوح وعن الضب. وقد صح في الصحاح من الأخبار حديث الجنين، إن ذكاته ذكاة أمه، صحة لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده، وكذلك صح أنه أكل الضب على مائدة رسول الله ﷺ، وقد نقل ذلك في الصحيحين. وأظن أن أبا حنيفة لم تبلغه هذه الأحاديث ولو بلغته لقلا بها إن أنصف وإن لم ينصف منصف فيه كان خلافه غلطاً لا يعتد به ولا يورث شبهة كما لو يخالف وعلم الشيء بخبر الواحد

الرتبة الثالثة: أن لا يشتهر في المسألة خلاف أصلاً ولكن يكون الحل معلوماً بخبر الواحد فيقول القائل قد اختلف الناس في خبر الواحد فمنهم من لا يقبله فأنا أتورع. فإن النقلة وإن كانوا عدولاً فالغلط جائز عليهم والكذب لغرض خفي جائر عليهم، لأن العدل أيضاً قد يكذب والوهم جائز عليه فإنه قد يسبق إلى سمعهم خلاف ما يقوله القائل وكذا إلى فهمهم فهذا ورع لم ينقل مثله عن الصحابة فيما كانوا يسمعونه من عدل تسكن نفوسهم إليه. وأما إذا تطرقت شبهة بسبب خاص ودلالة معينة في حق الراوي فللتوقف وجه ظاهر وإن كان عدلاً. وخلاف من خالف في أخبار الآحاد غير معتد به وهو كخلاف النظام في أصل الإجماع. وقوله: إنه ليس بحجة ولو جاز مثل هذا الورع لكان من الورع أن يمتنع الإنسان من أن يأخذ ميراث الجد أبي الأب ويقول ليس في كتاب الله إلا ذكر إلا للبنين وإلحاق ابن الابن بالابن بإجماع الصحابة وهم غير معصومين والغلط عليهم جائز إذ خالف النظام فيه، وهذا هوس ويتداعى إلى أن يترك ما علم بعمومات القرآن إذ من المتكلمين من ذهب إلى أن العمومات لا صيغة لها وإنما يحتج بما فهمه الصحابة منها بالقرائن والدلالات وكل ذلك وسواس، فإذن لا طرف من أطراف الشبهات إلا وفيها غلو وإسراف فليفهم ذلك. ومهما أشكل أمر من هذه الأمور فليستفت فيه القلب وليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه، وليترك حزاز القلوب وحكاكات الصدور وذلك يختلف بالأشخاص والوقائع، ولكن ينبغي أن يحفظ قلبه عن دواعي الوسواس حتى لا يحكم إلا بالحق فلا ينطوي على حزازة في فتوى القلب وإنما قال ذلك لوابصة لما كان قد عرف من حاله.

القسم الثاني: تعارض العلامات الدالة على الحل والحرمة فإنه قد ينهب نوع من المتاع في وقت وتندر وقوع مثله في غير النهب فيرى مثلاً في يد رجل من أهل الصلاح، فيدل صلاحه على أنه حلال ويدل نوع المتاع وندوره من غير المنهوب على أنه حرام فيتعارض الأمران. وكذلك يخبر عدل أنه حرام وآخر أنه حلال أو تتعارض شهادة فاسقين أو قول صبي وبالغ، فإن ظهر ترجيح حكم به والورع الاجتناب، وإن لم يظهر ترجيح وجب التوقف وسيأتي تفصيله في باب التعارف والبحث والسؤال.

القسم الثالث: تعارض الأشباه في الصفات التي تناط بها الأحكام. مثاله أن يوصى بمال للفقهاء فيعلم أن الفاضل في الفقه داخل فيه وأن الذي ابتدأ التعلم من يوم أو شهر لا يدخل فيه وبينهما درجات لا تحصى يقع الشك فيها، فالمفتي يفتي بحسب الظن والورع والاجتناب، وهذا أغمض مثارات الشبهة فإن فيها صوراً يتحير المفتي فيها تحيراً لازماً لا حيلة له فيه إذ يكون المتصف بصفة في درجة متوسطة بين الدرجتين المتقابلتين لا يظهر له ميله إلى أحدهما. وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فإن من لا شيء له معلوم أنه محتاج ومن له مال كثير معلوم أنه غني ويتصدى بينهما مسائل غامضة كمن له دار وأثاث وثياب وكتب فإن قدر الحاجة منه لا يمنع من الصرف إليه والفاضل يمنع والحاجة ليست محدودة وإنما تدرك بالتقريب، ويتعدى منه النظر في مقدار سعة الدار وأبنيتها ومقدار قيمتها لكونها في وسط البلد ووقوع الاكتفاء بدار دونها، وكذلك في نوع أثاث البيت إذا كان من الصفر لا من الخزف وكذلك في عددها وكذلك في قيمتها وكذلك فيما لا يحتاج إليه كل يوم وما يحتاج إليه كل سنة من آلات الشتاء وما لا يحتاج إليه إلا في سنين، وشيء من ذلك لا حد له. والوجه في هذا مقاله عليه السلام: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". وكل ذلك في محل الريب إن توقف المفتي فلا وجه إلا التوقف وإن أفتى المفتي بظن وتخمين فالورع التوقف وهو أهم مواقع الورع. وكذلك ما يجب بقدر الكفاية من نفقة الأقارب وكسوة الزوجات وكفاية الفقهاء والعلماء على بيت المال إذ فيه طرفان يعلم أن أحدها قاصر وأن الآخر زائد وبينهما أمور متشابهة تختلف باختلاف الشخص والحال. والمطلع على الحاجات هو الله تعالى وليس للبشر وقوف على حدودها، فما دون الرطل المكي في اليوم قاصر عن كفاية الرجل الضخم وما فوق ثلاثة أرطال زائد على الكفاية وما بينهما لا يتحقق له حد. فليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه وهذا جار في كل حكم نيط بسبب يعرف ذلك السبب بلفظ العرب، إذ العرب وسائر أهل اللغات لم يقدروا متضمنات اللغات بحدود محدودة تنقطع أطرافها عن مقابلاتها كلفظ الستة فإنه لا يحتمل ما دونها وما فوقها من الأعداد وسائر ألفاظ الحساب والتقديرات، فليست الألفاظ اللغوية كذلك فلا لفظ في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ إلا ويتطرق الشك إلى أوساط في مقتضياتها تدور بين أطراف متقابلة فتعظم الحاجة إلى هذا الفن في الوصايا والأوقاف فالوقف على الصوفية مثلاً مما يصح ومن الداخل تحت موجب هذا اللفظ هذا من الغوامض، فكذلك سائر الألفاظ. وسنشير إلى مقتضى لفظ الصوفية على الخصوص ليعلم به طريق التصرف في الألفاظ وإلا فلا مطمع في استيفائها، فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة يجذب إلى طرفين متقابلين، وكل ذلك من الشبهات يجب اجتنابها إذا لم يترجح جانب الحل بدلالة يغلب على الظن أو باستصحاب بموجب قوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وبموجب سائر الأدلة التي سبق ذكرها. فهذه مثارات الشبهات وبعضها أشد من بعض ولو تظاهرت شبهات شتى على شيء واحد كان الأمر أغلظ، مثل أن يأخذ طعاماً مختلفاً فيه عوضاً عن عنب باعه من خمار بعد النداء يوم الجمعة والبائع قد خلط ماله حرام وليس هو أكثر ماله، ولكنه صار مشتبهاً به فقد يؤدي ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامها، فهذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها وليس في قوة البشر حصرها فما اتضح من هذا الشرح أخذ به وما التبس فليجتنب فإن الإثم حزاز القلب. وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي أما حيث حرمه فيجب الامتناع. ثم لا يعول على كل قلب فرب موسوس ينفر عن كل شيء ورب شره متساهل يطمئن إلى كل شيء ولا اعتبار بهذين القلبين، وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور، وما أعز هذا القلب في القلوب فمن لم يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب بهذه الصفة وليعرض عليه واقعته، وجاء في الزبور: "إن الله تعالى أوحى إلى داوود عليه السلام: قيل لبني إسرائيل إني لا أنظر إلى صلاتكم ولا صيامكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي فذاك الذي أنظر غليه وأؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي". 

========

الباب الثالث
في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها


اعلم أن كل من قدم إليك طعاماً أو هدية أو أردت أن تشتري منه أو تنهب فليس لك أن تفتش عنه وتسأل وتقول: هذا مما لا أتحقق حله فلا أخذه بل أفتش عنه، وليس لك أيضاً أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا تتيقن تحريمه بل السؤال واجب مرة وحرام مرة ومندوب مرة ومكروه مرة فلا بد من تفصيله، والقول الشافي فيه هو أن مظنة السؤال مواقع الريبة. ومنشأ الريبة ومثارها إما أمر يتعلق بالمال أو يتعلق بصاحب المال.

المثار الأول

أحوال المالك

وله بالإضافة إلى معرفتك ثلاثة أحوال: إما أن يكون مجهولاً، أو مشكوكاً فيه أو معلوماً بنوع ظن يستند إلى دلالة: الحالة الأولى: أن يكوم مجهولاً. هو الذي ليس معه قرينة تدل على فساده وظلمه كزي الأجناد، ولا ما يدل على صلاحه كثياب أهل التصوف والتجارة والعلم وغيرها من العلامات. فإذا دخلت قرية لا تعرفها فرأيت رجلاً لا تعرف من حاله شيئاً ولا عليه علامة تنسبه إلى أهل صلاح أو أهل فساد فهو مجهول، وإذا دخلت بلدة غريبة ودخلت سوقاً ووجدت رجلاً خبازاً أو قصاباً أو غيره ولا علامة تدل على كونه مريباً أو خائناً ولا ما يدل على نفيه فهو مجهول ولا يدرى حاله، ولا نقول إنه مشكوك فيه لأن الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين لهما سببان متقابلان، وأكثر الفقهاء لا يدركون الفرق بين ما لا يدري وبين ما يشك فيه، وقد عرفت مما سبق أن الورع ترك ما لا يدرى. قال يوسف بن أسباط: منذ ثلاثين سنة ما حاك في قلبي شيء إلا تركته. وتكلم جماعة في أشق الأعمال فقالوا: هو الورع، فقال لهم حان بن أبي سنان: ما شيء عندي أسهل من الورع، إذا حاك في صدري تركته. فهذا شرط الورع، وإنما نذكر الآن حكم الظاهر، فنقول: حكم هذه الحالة أن المجهول إن قدم إليك طعاماً أو حمل إليك هدية أو أردت أن تشتري من دكانه شيئاً فلا يلزمك السؤال بل يده وكونه مسلماً دلالتان كافيتان في الهجوم على أخذه. وليس لك أن تقول الفساد والظلم غالب على الناس فهذه وسوسة وسوء الظن بهذا المسلم بعينه وإن بعض الظلم إثم. وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك ألا نسيء الظن به فإن أسأت الظن به في عينه لأنك رأيت فساداً من غيره فقد جنيت عليه وأثمت به في الحال نقداً من غير شك، ولو أخذت المال لكان كونه حرماً مشكوكاً فيه. ويدل عليه أنا نعلم ان الصحابة رضي الله عنهم في غزواتهم واسفارهم كانوا ينزلون في القرى ولا يردون القرى ويدخلون البلاد ولا يحترزون من الأسواق، وكان الحرام أيضاً موجوداً في زمانهم وما نقل عنهم سؤال إلا عن ريبة إذ كنا ﷺ لا يسأل عن كل ما يحمل إليه بل سأل في أول قدومه إلى المدينة عما يحمل إليه: أصدقة أم هدية? لأن قرينة الحال تدل وهو دخول المهاجرين المدينة وهم فقراء فغلب على الظن أن ما يحمل إليهم بطريق الصدقة، ثم إسلام المعطي ويده لا يدلان على أنه ليس بصدقة. وكان يدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل: أصدقة أم لا? إذ العادة ما جرت بالتصدق بالضيافة. ولذلك دعته أم سليم، ودعاه الخياط، كما في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه وقدم إليه طعاماً فيه قرع، ودعاه الرجل الفارسي فقال عليه الصلاة والسلام: "أنا وعائشة?" فقال: لا، فقال: "فلا" ثم أجابه بعد فذهب هو وعائشة يتساوقان فقرب إليهما إهالة ولم ينقل السؤال في شيء من ذلك، وسأل أبو بكر رضي الله عنه عبده عن كسبه لما رابه من أمره، وسأل عمر رضي الله عنه الذي سقاه من لبن إبل الصدقة إذ رابه وكان أعجبه طعمه ولم يكن على ما كان يألفه كل مرة. وهذه أسباب الريبة وكل من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصياً بإجابته من غير تفتيش، بل لو رأى في داره تجملاً ومالاً كثيراً فليس له أن يقول الحلال عزيز وهذا كثير فمن أين يجتمع هذا من الحلال? بل هذا الشخص بعينه يحتمل ان يكون ورث مالاً أو اكتسبه فهو بعينه يستحق إحسان الظن به، وأزيد على هذا القول: ليس له أن يسأله بل إن كان يتورع فلا يدخل جوفه إلا ما يدري من أين هو فهو حسن فليتلطف في الترك وإن كان لا بد له من أكله فليأكل بغير سؤال إذ السؤال إيذاء وهتك ستر وإيحاش وهو حرام بلا شك.

فإن قلت: لعله لا يتأذى? فأقول: لعله يتأذى فأنت تسأل حذراً من "لعل" فإن قنعت فلعل ماله حلال وليس الإثم المحذور في إيذاء مسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة والحرام، والغالب على الناس الاستيحاش بالتفتيش ولا يجوز له أن يسأل من غيره من حيث يدري هو به لأن الإيذاء في ذلك اكثر. وإن سأل من حيث لا يدري هو ففيه إساءة ظن وهتك ستر وفيه تجسس وفيه تشبث بالغيبة وإن لم يكن ذلك صريحاً. وكل ذلك منهي عنه في آية واحدة قال الله تعالى: "اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً" وكم زاهد جاهل يوحش القلوب في التفتيش ويتكلم الكلام الخشن المؤذي وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده طلباً للشهرة بأكل الحلال، ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى أشد من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري وهو غير مؤاخذ بما لا يدري إذ لم يكن ثم علامة توجب الاجتناب فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس، وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظن، هذا هو المألوف من الصحابة رضي الله عنهم ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو انفق ما في الأرض جميعاً كيف وقد أكل رسول الله ﷺ طعام بريرة فقيل: إنه صدقة، فقال: "هو لها صدقة ولنا هدية" ولم يسأل على المتصدق عليها فكان مجهولاً عنده ولم يمتنع.

الحالة الثانية: أن يكون مشكوكاً فيه بسبب دلالة أورثت ريبة فلنذكر صورة ريبة ثم حكمها.

أما الخلقة: فبأن يكون على خلقه الأتراك والبوادي والمعروفين بالظلم وقطع الطريق، وأن يكون طويل الشارب، وأن يكون الشعر مفرقاً على رأسه على دأب أهل الفساد.

وأما الثياب: بالقباء والقلنسوة وزي أهل الظلم والفساد من الأجناد وغيرهم.

وأما الفعل والقول: فهو إن يشاهد منه الإقدام على ما لا يحل، فإن ذلك يدل على أنه يتساهل أيضاً في المال ويأخذ ما لا يحل، فهذه مواضع الريبة. فإذا أراد أن يشتري من مثل هذا شيئاً ويأخذ منه هدية أو يجيبه إلى ضيافة وهو غريب مجهول عنده لم يظهر له منه إلا هذه العلامات، فيحتمل أن يقال إن اليد تدل على الملك وهذه الدلالات ضعيفة بالإقدام جائز والترك من الورع. ويحتمل أن يقال: إن اليد دلالة ضعيفة وقد قابلها مثل هذه الدلالة فأورثت ريبة فالهجوم غير جائز، وهو الذي نختاره ونفتي به لقوله صلى الله عله وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فظاهره أمر وإن كان يحتمل الاستحباب لقوله ﷺ: "الإثم حزاز القلوب" وهذا له وقع في القلب لا ينكر ولأن النبي ﷺ سأل: أصدقة هو أو هدية وسأل أبو بكر رضي الله عنه غلامه. وسأل عمر رضي الله عنه. وكل ذلك كان في موضع الريبة وحمله على الورع، وإن كان ممكناً ولكن لا يحمل عليه إلا بقياس حكمي، والقياس ليس يشهد بتحليل هذا فإن دلالة اليد والإسلام وقد عارضتها هذه الدلالات أورثت ريبة فإذا تقبلا فالاستحلال لا مستند له. وإنما لا يترك حكم اليد والاستصحاب بشك لا يستند إلى علامة كما وجدنا الماء متغيراً واحتمل أن يكون بطول المكث، فإن رأينا ظبية بالت فيه ثم احتمل التغيير به تركنا الاستصحاب وهذا قريب منه. ولكن بين هذه الدلالات تفاوت فإن طول الشوارب ولبس القباء وهيئة الأجناد يدل على الظلم بالماء. أما القول والفعل المخالفان للشرع إن تعلقا بظلم المال فهو أيضا دليل ظاهر كما لو سمعه يأمر بالغضب والظلم أو يعقد عقد الربا. فأما إذا رآه قد شتم غيره في غضبه أو اتبع نظره امرأة مرت به فهذه الدلالة ضعيفة فكم من إنسان يتحرج في طلب المال ولا يكتسب إلا الحلال ومع ذلك فلا يملك نفسه عند هيجان الغضب والشهوة? فليتنبه لهذا التفاوت ولا يمكن أن يضبط هذا بحد فليستفت العبد في مثل ذلك قلبه. وأقول إن هذا إن رآه من مجهول فله حكم،وإن رآه ممن عرفه بالورع في الطهارة والصلاة وقراءة القرآن فله حكم آخر إذا تعارضت الدلالتان بالإضافة إلى المال وتساقطتا وعاد الرجل كالمجهول إذ ليست إحدى الدلالتين تناسب المال على الخصوص، فكم من متحرج في المال لا يتحرج في غيره وكم من محسن للصلاة والوضوء والقراءة ويأكل من حيث يجد فالحكم في هذه المواقع ما يميل إليه القلب فإن هذا أمر بين العبد وبين الله فلا يبعد أن يناط بسبب خفي لا يطلع عليه إلا ورب الأرباب وهو حكم حزازة القلب. ثم ليتنبه لدقيقة أخرى وهو أن هذه الدلالة ينبغي أن تكون بحيث تدل على أن أكثر ماله حرام بأن يكون جندياً أو عامل سلطان أو نائحة أو مغنية فإن دل على أن في ماله حراماً قليلاً لم يكن السؤال من الورع.

الحالة الثالثة: أن تكون الحالة معلومة بنوع خبرة وممارسة بحيث يوجب ذلك ظناً في حل المال أو تحريمه. مثل أن يعرف صلاح الرجل وديانته وعدالته في الظاهر وجوز أن يكون الباطن بخلافه فههنا لا يجب السؤال ولا يجوز كما في المجهول، فالأولى الإقدام. والإقدام ههنا أبعد عن الشبهة من الإقدام على طعام المجهول فإن ذلك بعيد عن الورع وإن لم يكن حراماً. وأما أكل طعام أهل الصلاح فدأب الأنبياء والأولياء قال ﷺ: "لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي"، فإما إذا علم بالخبرة أنه جندي أو مغن أو مرب واستغنى عن الاستدلال عليه بالهيئة والشكل والثياب، فههنا السؤال واجب لا محالة كما في موضع الريبة بل أولى.

المثار الثاني

ما يستند الشك فيه إلى سبب في حال المالك

وذلك بأن يختلط الحلال بالحرام كما إذا طرح في سوق أحمال من طعام غصب واشتراها أهل السوق فليس يجب على من يشتري في تلك البلدة وذلك السوق أن يسأل عما يشتريه إلا أن يظهر أن أكثر مل في أيديهم حرام فعند ذلك يجب السؤال فإن لم يكن هو الأكثر فالتفتيش من الورع وليس بواجب. والسوق الكبير حكمه حكم بلد.

والدليل على أنه لا يجب السؤال والتفتيش إذا لم يكن الأغلب الحرام أن الصحابة رضي الله عنهم لم يمتنعوا من الشراء من الأسواق وفيها دراهم الربا وغلول الغنيمة وغيرها، وكانوا لا يسألون في كل عقد، وإنما السؤال نقل عن آحادهم نادراً في بعض الأحوال وهي محال الريبة في حق ذلك في حق ذلك الشخص المعين، وكذلك كانوا يأخذون الغنائم من الكفار الذين كانوا قد قاتلوا المسلمين، وربما أخذوا أموالهم واحتمل أن يكون في تلك الغنائم شيء مما أخذوه من المسلمين وذلك لا يحل أخذه مجاناً بالاتفاق بل يرد على صاحبه عند الشافعي رحمه الله، وصاحبه أولى به بالثمن عند أبي حنيفة رحمه الله، ولم ينقل قط التفتيش عن هذا. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أزربيجان: إنكم في بلاد تذبح فيها الميتة فانظروا ذكيه من ميته. أذن في السؤال وأمر به ولم يأمر بالسؤال عن الدراهم التي هي أثمانها لأن أكثر دراهمهم لم تكن أثمان الجلود وإن كانت هي أيضاً تباع وأكثر الجلود كان كذلك. وكذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: إنكم في بلاد أكثر قصابيها المجوس فانظروا الذكي من الميتة فخص بالأكثر الأمر بالسؤال، ولا يتضح مقصود هذا الباب إلا بذكر صور وفرض مسائل يكثر وقوعها في العادات فلنفرضها:

مسألة: شخص معين خالط ماله الحرام مثل أن يباع على دكان طعام مغصوب أو مال منهوب، ومثل أن يكون القاضي أو الرئيس ا العامل أو الفقيه الذي له إدرار على سلطان ظالم له أيضاً مال موروث ودهقنة أو تجارة أو رجل تاجر يعامل بمعاملات صحيحة ويربي أيضاً، فإن ظهر أن المأخوذ من وجه حلال فذاك وإلا ترك، وإن كان الحرام أقل والمأخوذ مشتبه فهذا في محل النظر لأنه على رتبة بين الرتبتين، إذ قضينا بأنه لو اشتبه ذكية بعشر ميتات مثلاً وجب اجتناب الكل وهذا يشبه من وجه من حيث إن مال الرجل الواحد كالمحصور لا سيما إذا لم يكن كثير المال مثل السلطان، ويخالفه من وجه إذ الميتة يعلم وجودها في الحال يقيناً والحرام الذي خالطه ماله يحتمل أن يكون قد خرج من يده وليس موجودأً في الحال وإن كان المال قليلاً وعلم قطعاً أن الحرام موجود في الحال فهو ومسألة اختلاط الميتة واحد. وإن كثر المال واحتمل أن يكون الحرام غير موجود في الحال فهذا أخف من ذلك ويشبه من وجه الاختلاط بغير محصور كما في الأسواق والبلاد ولكنه أغلظ منه لاختصاصه بشخص واحد، ولا يشك في أن الهجوم عليه بعيد من الورع جداً ولكن النظر في كونه فسقاً مناقض للعدالة، وهذا من حيث النقل أيضاً غامض لتجاذب الأشياء، ومن حيث النقل أيضاً غامض لأن ما ينقل فيه عن الصحابة من الامتناع في مثل هذا، وكذا عن التابعين يمكن حمله على الورع ولا يصادف فيه نص على التحريم. وما ينقل من إقدام على الأكل كأكل أبي هريرة رضي الله عنه طعام معاوية مثلاً إن قدر في جملة ما في يده حرام فذلك أيضاً يحتمل أن يكون إقدامه بعد التفتيش واستبانة أن عين ما يأكله من وجه مباح. فالأفعال في هذا ضعيفة الدلالة ومذاهب العلماء المتأخرين مختلفة حتى قال بعضهم: لو أعطاني السلطان شيئاً لأخذته وطرد الإباحة فيما إذا كان الأكثر أيضاً حراماً مهماً لم يعرف عين المأخوذ واحتمل أن يكون حلالاً، واستدل بأخذ بعض السلف جوائز السلاطين. كما سيأتي في باب بيان أموال السلاطين. فأما إن كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون الأكل حراماً، وإن تحقق وجوده في الحال. كما في مسألة اشتباه الكية بالميتة. فهذا مما لا أدري ما أقول فيه وهو من المتشابهات التي يتحير المفتي فيها لأنها مترددة بين مشابهة المحصور وغير المحصور. والرضيعة إذا اشتبهت بقرية فيها عشر نسوة وجب الاجتناب وإن كانت ببلدة فيها عشرة آلاف لم يجب. وبينهما أعداد، ولو سئلت عنها لكنت لا أدري ما أقول فيها، ولقد توقف العلماء في مسائل هي أوضح من هذه إذ سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل رمى صيداً فوقع في ملك غيره أيكون الصيد للرامي أو لمالك الأرض? فقال: لا أدري، فروجع فيه مرات فقال: لا أدري. وكثيراً من ذلك حكيناه عن السلف في كتاب العلم فليقطع المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور. وقد سأل ابن المبارك صاحبه من البصرة عن معاملته قوماً يعاملون السلاطين، فقال: إن لم يعاملوا سوى السلطان فلا تعاملهم وإن عاملوا السلطان وغيره فعاملهم وهذا يدل على المسامحة في الأقل ويحتمل السامحة في الأكثر أيضاً. وبالجملة: فلم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا يهجرون بالكلية معاملة القصاب والخباز والتاجر لتعاطيه عقداً واحداً فاسداً أو لمعاملة السلطان مرة، وتقدير ذلك فيه بعد والمسألة مشكلة في نفسها.

فإن قيل فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه رخص فيه وقال: خذ ما يعطيك السلطان فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر من الحرام. وسئل ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك فقال له السائل: إن لي جاراً لا أعلمه إلا خبيثا يدعونا أو نحتاج فنستسلفه فقال: إذا دعاك فأجبه وإذا احتجت فاستسلفه فإن لك المهنأ وعليه المأثم وأفتي سلمان بمثل ذلك. وقد علل علي بالكثرة وعلل ابن مسعود رضي الله عنه بطريق الإشارة بأن عليه المأثم لأنه يعرفه ولك المهنأ أي أنت لا تعرفه. وروي أنه قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: إن لي جاراً يأكل الربا فيدعونا إلى طعامه أفنأتيه? فقال: نعم. وروي في ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه روايات كثيرة مختلفة، وأخذ الشافعي ومالك رضي الله عنهما جوائز الخلفاء والسلاطين مع العلم بأنه قد خالط مالهم الحرام? قلنا: أما ما روي عن علي رضي الله عنه فقد اشتهر من ورعه ما يدل على خلاف ذلك فإنه كان يمتنع من مال بيت المال حتى يبيع سيفه ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل لا يجد غيره، ولست أنكر أن رخصته صريح في الجواز وفعله محتمل للورع. ولكنه لو صح فمال السلطان له حكم آخر فإنه بحكم كثرته يكاد يلتحق بما لا يحصر. وسيأتي بيان ذلك. وكذا فعل الشافعي ومالك رضي الله عنهما بمال السلطان. وسيأتي حكمه. وإنما كلامنا في آحاد الخلق وأموالهم قريبة من الحصر. وأما قول ابن مسعود رضي الله عنه: فقيل إنه إنما نقله خوات التيمي وإنه ضعيف الحفظ، والمشهور عنه ما يدل على توقي الشبهات إذ قال: لا يقولن أحدكم أخاف وأرجو فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وقال: اجتنبوا الحكاكات ففيها الإثم.

فإن قيل: فلم قلتم إذا كان الأكثر حراماً لم يجز الأخذ مع أن المأخوذ ليس فيه علامة تدل على تحريمه على الخصوص، واليد علامة على الملك حتى أن من سرق مال مثل هذا الرجل قطعت يده والكثرة توجب ظناً مرسلاً لا يتعلق بالعين فليكن كغالب الظن في طين الشوارع وغالب الظن في الاختلاط بغير محصور إذا كان الأكثر هو الحرام، ولا يجوز أن يستدل على هذا بعموم قوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" لأنه مخصوص ببعض المواضع بالاتفاق وهو أن يريبه بعلامة في عين الملك بدليل اختلاط القليل بغير المحصور فإن ذلك يوجب ريبة ومع ذلك قطعتم بأنه لا يحرم?.

فالجواب: أن اليد دلالة ضعيفة كالاستصحاب وإنما تؤثر إذا سلمت عن معارض قوي. فإذا تحققنا الاختلاط وتحققنا إن الحرام المخالط موجود في الحال، والمال غير خال عنه، وتحققنا أن الأكثر هو الحرام وذلك في حق شخص معين يقرب ماله من الحصر ظهر وجوب الإعراض عن مقتضى اليد وإن لم يحمل عليه قوله عليه السلام: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" لا يبقى له محمل إذ لا يمكن أن يحمل على اختلاط قليل بحلال غير محصور إذ كان ذلك موجوداً في زمانه وكان لا يدعه. وعلى أي موضع حمل هذا كان هذا في معناه. وحمله على التنزيه صرف له عن ظاهره بغير قياس فإن تحريم هذا غير بعيد عن قياس العلامات والاستصحاب. وللكثرة تأثير في تحقيق الظن وكذا للحصر، وقد اجتمعا حتى قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا تجتهد في الأواني إلا إذا كان الطاهر هو الأكثر. فاشترط اجتماع الاستصحاب والاجتهاد بالعلامة وقوة الكثرة: ومن قال يأخذ أي آنية أراد بلا اجتهاد بناء على مجرد الاستصحاب فيجوز الشرب أيضاً فيلزمه التجويز ههنا بمجرد علامة اليد. ولا يجري ذلك في بول اشتبه بماء إذ لا استصحاب فيه ولا نطرده أيضاً في ميتة اشتبهت بذكية إذ لا استصحاب في الميتة، واليد لا تدل على أنه غير ميتة وتدل في الطعام المباح على أنه ملك. فههنا أربع متعلقات: استصحاب، وقلة في المخلوط أو كثرة، وانحصار أو اتساع في المخلوط، وعلامة خاصة في عين الشيء يتعلق بها الاجتهاد فمن يغفل عن مجموع الأربعة ربما يغلط فيشبه بعض المسائل بما لا يشبه. فحصل مما ذكرناه ان المختلط في ملك شخص واحد إما أن يكون الحرام أكثره أو اقله وكل واحد إما أن يعلم بيقين أو بظن عن علامة أو توهم. فالسؤال يجب في موضعين: وهو أن يكون الحرام أكثر يقيناً أو ظناً كما لو رأى تركياً مجهولاً يحتمل أن يكون كل ماله من غنيمة وإن كان الأقل معلوماً باليقين فهو محل التوقف وتكاد تسير سير أكثر السلف وضرورة الأحوال إلى الميل إلى الرخصة. وأما الأقسام الثلاثة الباقية فالسؤال واجب فيها أصلاً.

مسألة: إذا حضر طعام إنسان علم أنه دخل في يده حرام من إدرار كان قد أخذه أو وجه آخر ولا يدري أنه بقي إلى الآن أم لا، فله الأكل ولا يلزمه التفتيش وإنما التفتيش فيه من الورع، ولو علم أنه بقي منه شيء ولكن لم يدر أنه الأقل أو الأكثر فله أن يأخذ بأنه الأقل. وقد سبق أن الأمر مشكل وهذا يقرب منه.

مسألة: إذا كان يد المتولي للخبرات أو الأوقاف أو الوصايا مالان يستحق هو أحدهما ولا يستحق الثاني لأنه غير موصوف بتلك الصفة، فهل له أن يأخذ مل يسلمه إليه صاحب الوقف? نظر، فإن كانت تلك الصفة ظاهرة يعرفها المتولي وكان المتولي ظاهر العدالة فله أن يأخذ بغير بحث، لأن الظن بالمتولي أنه لا يصرف إليه ما يصرفه إلا من المال الذي يستحقه، وإن كانت الصفة خفية وإن كان المتولي ممن عرف حاله أنه يخلط ولا يبالي كيف يفعل فعليه السؤال، إذ ليس ههنا يد ولا استصحاب يعول عليه، وهو وزان سؤال رسول الله ﷺ عن الصدقة والهدية عند تردده فيهما، لأن اليد لا تخصص الهدية عن الصدقة ولا الاستصحاب فلا ينجي منه إلا السؤال، فإن السؤال حيث أسقطناه في المجهول أسقطناه بعلامة اليد والإسلام، حتى لو لم يعلم أنه مسلم وأراد أن يأخذ من يده لحماً من ذبيحته واحتمل أن يكون مجوسياً لم يجز له ما لم يعرف أنه مسلم إذ اليد لا تدل في الميتة ولا الصورة تدل على الإسلام إلا إذا كان أكثر أهل البلدة مسلمين، فيجوز أن يظن بالذي ليس عليه علامة الكفر أنه مسلم وإن كان الخطأ ممكناً فيه فلا ينبغي أن تلتبس المواضع التي تشهد فيها اليد والحال بالتي لا تشهد.

مسألة: له أن يشتري في البلد داراً وغن علم أنها تشتمل على دور مغصوبة لأن ذلك اختلاط بغير محصور ولكن السؤال احتياط وورع. وإن كان في سكة عشر دور مثلاً إحداهما مغصوب أو وقف لم يجز الشراء ما لم يتميز ويجب البحث عنه. ومن دخل بلدة وفيها رباطات خصص بوقفها أرباب المذاهب وهو على مذهب واحد من جملة تلك المذاهب فليس له أن يسكن أيها شاء ويأكل من وقفها بغير سؤال، لأن ذلك من باب اختلاط المحصور فلا بد من التمييز، ولا يجوز الهجوم مع الإبهام لأن الرباطات والمدارس في البلد لا بد أن تكون محصورة.

مسألة: حيث جعلنا السؤال من الورع فليس له أن يسأل صاحب الطعام والمال إذا لم يأمن غضبه وإنما أوجبنا السؤال إذا تحقق أن أكثر ماله حرام وعند ذلك لا يبالي بغضب مثله، إذ يجب إيذاء الظالم بأكثر من ذلك، والغالب أن مثل هذا لا يغضب من السؤال. نعم إن كان يأخذ من يد وكيله أو غلامه أو تلميذه أو بعض أهله ممن هو تحت رعايته فله أن يسأل مهما استراب لأنهم لا يغضبون من سؤاله، ولأن عليه أن يسأل ليعلمهم طريق الحلال، ولذلك سأل أبو بكر رضي الله عنه غلامه، وسأل عمر من سقاه من إبل الصدقة، وسأل أبا هريرة رضي الله عنه أيضاً لما أن قدم عليه بمال كثير فقال: ويحك أكل طيب? من حيث إنه تعجب من كثرته وكان هو من رعيته لا سيما وقد رفق في صيغة السؤال، وكذلك قال علي رضي الله عنه: ليس شيء أحب إلى الله تعالى من عدل إمام ورفقه ولا شيء أبغض إليه من جوره وخرقه.

مسألة: قال الحارث المحاسبي رحمه الله: لو كان له صديق أو أخ وهو يأمن غضبه لو سأله فلا ينبغي أن يسأله لأجل الورع، لأنه ربما يبدو له ما كان مستوراً عنه فيكون قد حمله على هتك الستر ثم يؤدي ذلك إلى البغضاء، وما ذكره حسن لأن السؤال إذا كان من الورع لا من الوجوب فالورع في مثل هذه الأمور الاحتراز عن هتك الستر، وإثارة البغضاء أهم. وزاد على هذا فقال: وإن رابه منه شيء أيضاً لم يسأله ويظن به أنه يطعمه من الطيب ويجنبه الخبيث فإن كان لا يطمئن قلبه إليه فيحترز متلطفاً ولا يهتك ستره بالسؤال، قال: لأني لم أر أحداً من العلماء فعله، فهذا منه عم ما اشتهر به من الزهد يدل على مسامحة فيما إذا خالط المال الحارم القليل ولكن ذلك عند التوهم لا عند التحقيق لأن لفظ الريبة يدل على التوهم بدلالة تدل عليه ولا يوجب اليقين فليراع هذه الدقائق بالسؤال.

مسألة:ربما يقول القائل: أي فائدة في سؤال ممن بعض ماله حرام ومن يستحل المال الحرام ربما يكذب فإن وثق بأمانته فليتق بديانته في الحلال? فأقول: مهما علم مخالطة الحرام لمال إنسان وكان له غرض في حضورك ضيافته أو قبولك هديته فلا تحصل الثقة بقوله فلا فائدة للسؤال منه، فينبغي أن يسأل من غيره، وكذا إن كان بائعاً وهو يرغب في البيع لطلب الربح فلا تحصل الثقة بقوله إنه حلال ولا فائدة في السؤال منه وإنما يسأل من غيره. وإنما يسأل من صاحب اليد إذا لم يكن متهماً كما يسأل المتولي على المال الذي يسلمه أنه من أي جهة، وكما سأل رسول الله ﷺ عن الهدية والصدقة فإن ذلك لا يؤذي ولا يتهم القائل فيه، وكذلك إذا اتهمه بأنه ليس يدري طريق كسب الحلال؛ فلا يتهم في قوله إذا أخبر عن طريق صحيح، وكذلك يسأل عبده وخادمه ليعرف طريق اكتسابه. فههنا يفيد السؤال فإذا كان صاحب المال متهماً فليسأل من غيره فإذا أخبره عدل واحد قبله وإن أخبره فاسق يعلم من قرينه حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه جاز قبوله لأن هذا أمر بينه وبين الله تعالى والمطلوب ثقة النفس، وقد يحصل من الثقة بقول فاسق ما لا يحصل بقول عدل في بعض الأحوال، وليس كل من فسق يكذب ولا كل من ترى العدالة في ظاهره يصدق. وإنما نيطت الشهادة بالعدالة الظاهرة لضرورة الحكم فإن البواطن لا يطلع عليها، وقد قبل أبو حنيفة رحمه الله شهادة الفاسق، وكم من شخص تعرفه وتعرف أنه قد يقتحم المعاصي ثم إذا أخبرك بشيء وثقت به. وكذلك إذا أخبر به صبي مميزممن عرفته بالتثبيت فقد تحصل الثقة بقوله فيحل الاعتماد عليه. فأما إذا أخبر به مجهول لا يدري من حاله شيء أصلاً فهذا ممن جوزنا الأكل من يده لأن يده دلالة ظاهرة على ملكه. وربما يقال إسلامه دلالة ظاهرة على صدقه؛ وهذا فيه نظر، ولا يخلو قوله عن أثر ما في النفس حتى لو اجتمع منهم جماعة تفيد ظناً قويأ إلا أن أثر الواحد فيه في غاية الضعف فلينظر إلى حد تأثيره في القلب فإن المفتي هو القلب في مثل هذا الموضع وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق فليتأمل فيه. ويدل على وجوب الالتفات إليه ما روي عن عقبة بن الحارث "أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فزعمت أنها أرضعتنا وهي كاذبة، فقال:"دعها" فقال: إنها سوداء. يصغر من شأنها فقال عليه السلام: "فكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما? لا خير لك فيها دعها عنك"، وفي لفظ آخر "كيف وقد قيل?" ومهما لم يعلم كذب المجهول ولم تظهر أمارة غرض له فيه كان له وقع في القلب لا محالة؛ فلذلك يتأكد الأمر بالاحتراز فإن اطمأن إليه القلب كان الاحتراز حتماً واجباً.

مسألة: حيث يجب السؤال فلو تعارض قول عدلين تساقط قول فاسقين، ويجوز أن يترجح في قلبه أحد العدلين أو أحد الفاسقين، ويجوز أن يرجح أحد الجانبين بالكثرة أو بالاختصاص بالخبرة والمعرفة وذلك مما يتشعب تصويره.

مسألة:لو نهب متاع مخصوص فصادف من ذلك النوع متاعاً في يد إنسا وأراد أن يشتريه واحتمل أن لا يكون من المغصوب فإن كان ذلك الشخص ممن عرفه بالصلاح جاز الشراء وكان تركه من الورع. وإن كان الرجل مجهولاً لا يعرف منه شيئاً فإن كان ذلك المتاع من غير المغصوب فله أن يشتري. وإن كان لا يوجد ذلك المتاع في تلك البقعة إلا نادراً وإنما كثر بسبب الغصب فليس يدل على الحل إلا اليد وقد عارضته علامة خاصة من شكل المتاع ونوعه، فالامتناع عن شرائه من الورع المهم، ولكن الوجوب فيه نظر فإن العلامة متعارضة. ولست أقدر على أن أحكم فيه بحكم إلا إن أرده إلى قلب المستفتي لينظر ما الأقوى في نفسه فإن كان الأقوى أنه مغصوب لزمه تركه وإلا حل شراؤه، وأكثر هذه الوقائع يلتبس الأمر فيها فهي من المتشابهات التي لا يعرفها كثير من الناس فمن توقاها فقد إسبرأ لعرضه ودينه ومن اقتحمها فقد حام حول الحمى وخاطر بنفسه.

مسألة: لو قال قائل: قد سأل رسول الله ﷺ عن لبن قدم إليه فذكر أنه من شاة فسأل عن الشاة من أين هي فذكر له فسكت عن السؤال، فيجب السؤال عن أصل المال أم لا، وإن وجب فعن أصل واحد أو اثنين أو ثلاثة وما الضبط فيه? فأقول: لا ضبط فيه ولا تقدير، بل ينظر إلى الريبة المقتضية للسؤال إما وجوباً أو ورعاً. ولا غاية للسؤال إلا حيث تنقطع الريبة المقتضية له وذلك يختلف باختلاف الأحوال، فإن كانت التهمة من حيث لا يدري صاحب اليد كيف عن طريق الكسب الحلال فإن قال: اشتريت، انقطع بسؤال واحد، وإن قال: من شاتي، وقع الشك في الشاة. فإذا قال: اشتريت، انقطع وإن كانت الريبة من الظلم وذلك مما في أيدي العرب ويتوال في أيديهم المغصوب فلا تنقطع الريبة بقوله: إنه من شاتي، ولا بقوله: إن الشاة ولدتها شاتي، فإن أسنده إلى الوراثة من أبيه وحالة أبيه مجهولة انقطع السؤال، وإن كان يعلم أن جميع مال أبيه حرام فقد ظهر التحريم وإن كان يعلم أن أكثره حرام فبكثرة التوالد وطول الزمان وتطرق الإرث إليه لا يغير حكمه فلينظر في هذه المعاني.

مسألة: سئلت عن جماعة من سكان خانقاه الصوفية وفي يد خادمهم الذي يقدم إليهم الطعام وقف على ذلك المسكن ووقف آخر على جهة أخرى غير هؤلاء، وهو يخلط الكل وينفق على هؤلاء وهؤلاء فأكل طعامه حلال أو حرام أو شبهة? فقلت: إن هذا يلتفت إلى سبعة أصول:

الأصل الأول: أن الطعام الذي يقدم إليهم في الغالب يشتريه بالمعاطاة والذي اخترناه صحة المعاطاة لا سيما في الأطعمة والمستحقرات فليس في هذا إلا شبهة الخلاف.

الأصل الثاني: أن ينظر الخادم هل يشتريه بعين المال الحرام أو في الذمة? فإن اشتراه بعين المال الحرام فهو حرام، وإن لم يعرف فالغالب أنه يشتري في الذمة ويجوز الأخذ بالغالب، ولا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال بعيد وهو شراؤه بعين مال حرام.

الأصل الثالث: أنه من أين يشتريه فإن اشترى ممن أكثر ماله حرام لم يجز وإن كان أقل ماله ففيه نظر قد سبق؛ وإذا لم يعرف جاز له الأخذ بأنه يشتريه ممن ماله حلال أو ممن لا يدري المشتري حاله بيقين كالمجهول، وقد سبق جواز الشراء من المجهول لأن ذلك هو الغالب فلا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال.

الأصل الرابع: أن يشتريه لنفسه أو للقوم فإن المتولي والخادم كالنائب وله أن يشتري له ولنفسه ولكن يكون ذلك بالنية أو صريح اللفظ،، وإذا كان الشراء يجري بالمعاطاة فلا يجري اللفظ، والغالب أنه لا ينوي عند المعاطاة والقصاب والخباز ومن يعامله يعول عليه ويقصد البيع منه لا ممن لا يحضرون فيقع عن جبهته ويدخل في ملكه، وهذا الأصل ليس فيه تحريم ولا شبهة ولكن يثبت أنهم يأكلون من ملك الخادم.

الأصل الخامس: أن الخادم يقدم الطعام إليهم فلا يمكن أن يجعل ضيافة وهدية بغير عوض فإنه لا يرضى بذلك وإنما يقدم اعتماداً على عوضه من الوقف، فهو معارضة ولكن ليس ببيع ولا إقراض لأنه لو انتهض لمطالبتهم بالثمن استبعد ذلك وقرينة الحال لا تدل عليه. فأشبه أصل ينزل عليه هذه الحالة الهبة بشرط الثواب. أعني هدية لا لفظ فيها من شخص تقتضي قرينة حاله أنه يطمع في ثواب. وذلك صحيح والثواب لازم وههنا ما طمع الخادم في أن يأخذ ثوابا فيما قدمه إلا حقهم من الوقف ليقضي به دينه من الخباز والقصاب والبقال، فهذا ليس فيه شبهة إذ لا يشترط لفظ في الهدية ولا في تقديم الطعام وإن كان مع انتظار الثواب، ولا مبالاة بقول من لا يصحح هدية في انتظار ثواب.

الأصل السادس: أن الثواب الذي يلزم فيه خلاف، فقيل إنه أقل متمول وقيل قدر القيمة وقيل ما يرضى به الواهب حتى له أن لا يرضى بأضعاف القيمة، والصحيح أنه يتبع رضاه فإذا لم يرضى يرد عليه وههنا الخادم قد رضي بما يأخذ من حق السكان على الوقف، فإن كان لهم من الحق بقدر ما أكلوه فقد تم الأمر وإن كان ناقصاً ورضي به الخادم صح أيضاً، وإن علم أن الخادم لا يرضى لولا أن في يده الوقف الآخر الذي يأخذه بقوة هؤلاء السكان فكأنه رضي في الثواب بمقدار بعضه حلال وبعضه حرام، والحرام لم يدخل في أيدي السكان، فهذا كالخلل المتطرق إلى الثمن. وقد ذكرنا حكمه من قبل. وأنه متى يقتضي التحريم ومتى يقتضي الشبهة? وهذا لا يقتضي تحريماً على ما فصلناه فلا تنقلب الهدية حراماً يتوصل المهدي بسبب الهدية إلى حرام.

الأصل السابع: أنه يقتضي دين الخباز والقصاب والبقال من ريع الواقفين فإن وفى ما أخذ من حقهم بقيمة ما أطعمهم فقد صح الأمر، وإن قصر عنه فرضي القصاب والخباز بأي ثمن كان حراماً أو حلالاً، فهذا خلل تطرق إلى ثمن الطعام أيضاً فليلتفت إلى ما قدمناه من الشراء في الذمة ثم قضاء الثمن من الحرام، هذا إذا علم أنه قضاه من حرام، فإن احتمل ذلك واحتمل غيره فالشبهة أبعد، وقد خرج من هذا أن أكل هذا ليس بحرام ولكنه أكل شبهة وهو بعيد من الورع، لأن هذه الأصول إذا كثرت وتطرق إلى كل واحد احتمال صار احتمال الحرام بكثرته أقوى في النفس، كما أن الخبر إذا طال إسناده صار احتمال الكذب والغلط فيه أقوى مما إذا قرب إسناده فهذا حكم هذه الواقعة وهي من الفتاوى وإنما أوردناها ليعرف كيفية تخريج الوقائع المتلفة الملتبسة وأنها كيف ترد إلى الأصول فإن ذلك مما يعجز عنه أكثر المفتين. 

==========

الباب الرابع
في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية


اعلم أن من تاب وفي يده مختلط فعليه وظيفة في تمييز الحرام وإخراجه ووظيفة أخرى في مصرف المخرج فلينظر فيهما.

النظر الأول: في كيفية التمييز والإخراج: اعلم أن كل من تاب وفي يده كل ما هو حرام معلوم العين من غصب أو وديعة أو غيره فأمره سهل؛ فعليه تمييز الحرام. وإن كان ملتبساً مختلطاً فلا يخلو إما أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال كالحبوب والنقود والأدهان، وإما أن يكون في أعيان متمايزة كالعبيد والدور والثياب. فإن كان في المتماثلات أو كان شائعاً في المال كله كمن اكتسب المال بتجارة يعلم أنه قد كذب في بعضها في المرابحة وصدق في بعضها، أو من غصب دهناً وخلطه بدهن نفسه، أو فعل ذلك في الحبوب، أو الدراهم والدنانير فلا يخلو ذلك إما أن يكون معلوم القدر أو مجهولاً. فإن كان معلوم القدر مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف. وإن كان أشكل فله طريقان أحدهما: الأخذ باليقين والآخر: الأخذ بغالب الظن، وكلاهما قد قال به العلماء في اشتباه ركعات الصلاة. ونحن لا نجوز في الصلاة إلا الأخذ باليقين فإن الأصل اشتغال الذمة فيستصحب ولا يغير إلا بعلامة قوية وليس في أعداد الركعات علامات يوثق بها، وأما ههنا فلا يمكن أن يقال: الأصل أن ما في يده حرام، بلهو مشكل فيجوز له الأخذ بغالب الظن اجتهاداً، ولكن الورع في الأخذ باليقين، فإن أراد الورع فطريق التحري والاجتهاد أن لا يستبقي إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال. وإن أراد الأخذ بالظن فطريقه مثلاً أن يكون في يده مال تجارة فسد بعضها فيتيقن أن النصف حلال وأن الثلث مثلاً حرام ويبقى سدس يشك فيه فيحكم فيه بغالب الظن. وهكذا طريق التحري في كل مال وهو أن يقتطع القدر المتيقن من الجانبين في الحل والحرمة. والقدر المتردد فيه إن غلب على ظنه التحريم أخرجه وإن غلب الحل جاز له الإمساك والورع في إخراجه، وهذا الورع آكد لأنه صار مشكوكاً فيه، وجاز إمساكه اعتماداً على أنه في يده فيكون الحل أغلب عليه وقد صار ضعيفاً بعد يقين اختلاط الحرام. ويحتمل أن يقال الأصل التحريم ولا يأخذ إلا ما غلب على ظنه أنه حلال وليس أحد الجانبين بأولى من الآخر وليس يتبين لي الحال ترجيح وهو من المشكلات.

فإن قيل: هب أنه أخذ اليقين لكن الذي يخرجه ليس يدري أنه عين الحرام فلعل الحرام ما بقي في يده فكيف يقدم عليه? ولو جاز هذا لجاز أن يقال: إذا اختلطت ميتة بتسع مذكاة فهي العشر فله أن يطرح واحدة. أي واحدة كانت. ويأخذ الباقي ويستحله ولكن يقال: لعل الميتة فيما استبقاه بل لو طرح واستبقى واحدة لم تحل لاحتمال أنها الحرام? فنقول: هذه الموازنة كانت تصح لولا أن المال يحل بإخراج البدل لتطرق المعارضة إليه، وأما الميتة فلا تتطرق المعارضة إليها فليكشف الغطاء عن هذه الأشكال بالفرض في درهم معين اشتبه بدرهم آخر فيمن له درهمان أحدهما حرام قد اشتبه عينه، وقد سئل احمد بن حنبل رضي الله عنه عن مثل هذا فقال: يدع الكل حتى يتبين، وكان قد رهن آنية فلما قضى الدين حمل إليه المرتهن آنيتين وقال: لا أدري أيتهما آنيتك? فتركهما فقال المرتهن: هذا هو الذي لك وإنما كنت أختبرك? فقضى دينه ولم يأخذ الرهن وإذا ورع ولكنا نقول إنه غير واجب. فلنفرض المسألة في درهم له مالك معين حاضر فنقول: إذا رد أحد الدرهمين عليه ورضي به مع العلم بحقيقة الحال حل له الدرهم الآخر، لأنه لا يخلو إما أن يكون المردود في علم الله هو المأخوذ فقد حصل المقصود وإن كان غير ذلك فقد حصل لكل واحد درهم في يد صاحبه، فالاحتياط أن يتبايعا باللفظ فإن لم يفعلا وقع التقاص والتبادل بمجرد المعاطاة، وإن كان المغصوب منه قد فات له درهم في يد الغاصب وعسر الوصول إلى عينه واستحق ضمانه فلما أخذ وقع عن الضمان بمجرد القبض وهذا في جانبه واضح، فإن المضمون له يملك الضمان بمجرد القبض من غير لفظ والإشكال في الجانب الآخر أنه لم يدخل في ملكه. فنقول: لأنه أيضاً إن كان قد تسلم درهم في يد الآخر فليس يمكن الوصول إليه فهو كالغالب فيقع هذا بدلاً عنه في علم الله إن كان الأمر كذلك، ويقع هذا التبادل في علم الله كما يقع التقاص لو أتلفه رجلان كل واحد منهما درهماً على صاحبه، بل في عين مسألتان لو ألقى كل واحد ما في يده في البحر أو أحرقه كأن قد أتلفه ولم يكن عليه عهدة للآخر بطريق التقاص، فكذا إذا لم يتلف فإن القول بهذا أولى من المصير إلى ان من يأخذ درهماً حراماً ويطرحه في ألف ألف درهم لرجل آخر يصير كل المال محجوراً عليه لا يجوز التصرف فيه وهذا المذهب يؤدي إليه، فانظر ما في هذا من البعد وليس فيما ذكرناه إلا ترك اللفظ. والمعاطاة بيع ومن لا يجعلها بيعاً فحيث يتطرق إليها احتمال إذ الفعل يضعف دلالته وحيث يمكن التلفظ، وههنا هذا التسليم والتسلم للمبادلة قطعاً والبيع غير ممكن لأن المبيع غير مشار إليه ولا معلوم في عينه وقد يكون مما لا يقبل البيع كما لو خلط رطل دقيق بألف رطل دقيق لغيره وكذا الدبس والرطب وكل ما لا يباع البعض منه بالبعض.

فإن قيل: فأنتم جوزتم تسليم قدر حقه في مثل هذه الصورة وجعلتموه بيعاً? قلنا: لا نجعله بيعاً بل نقول هو بدل عما فات في يده فيملكه كما يملك المتلف عليه من الرطب إذا أخذ مثله؛ هذا إذا ساعده صاحب المال فإن لم يساعده واضر به وقال: لا آخذ درهماً أصلاً إلا عين ملكي فإن استبهم فأتركه ولا أهبه وأعطل عليك مالك. فأقول على القاضي أن ينوب عنه في القبض حتى يطيب للرجل ماله فإن هذا محض التعنت والتضييق والشرع لم يرد به، فإن عجز عن القاضي ولم يجده فليحكم رجلاً متديناً ليقبض عنه فإن عجز فيتولى هو بنفسه ويفرد على نية الصرف إليه درهماً ويتعين ذلك له ويطيب له الباقي، وهذا في خلط المائعات أظهر وألزم.

فإن قيل: فينبغي أن يحل له الأخذ وينتقل الحق إلى ذمته فأي حاجة إلى الإخراج أولاً ثم التصرف في الباقي? قلنا: قال قائلون يحل له ما دام يبقى قدر الحرام ولا جوز أن يأخذ الكل ولو أخذ لم يجز له ذلك. وقال آخرون: ليس له أن يأخذ ما لم يخرج قدر الحرام بالتوبة وقصد الإبدال، وقال آخرون يجوز للآخذ في التصرف أن يأخذ منه وأما هو فلا يعطي فإن أعطى عصى هو دون الآخذ منه، وما جوز أحد أخذ الكل وذلك لأن المال لو ظهر فله أن يأخذ حقه من هذه الجملة إذ يقول لعل المصروف إلي يقع عين حقي. وبالتعيين وإخراج حق الغير وتمييزه يندفع هذا الاحتمال فهذا المال يترجح بهذا الاحتمال على غيره وما هو أقرب إلى الحق مقدم كما يقدم المثل على القيمة والعين على المثل فكذلك ما يحتمل فيه رجوع المثل مقدم على ما يحتمل فيه رجوع القيمة وما يحتمل فيه رجوع العين يقدم على ما يحتمل فيه رجوع المثل، ولو جاز لهذا أن يقول ذلك لجاز لصاحب الدرهم الآخر أن يأخذ الدرهمين ويتصرف فيهما ويقول على قضاء حقك من موضع آخر؛ إذ الاختلاط من الجانبين وليس ملك أحدهما بأن يقدر فائتاً بأولى من الآخر إلا أن ينظر إلى الأقل فيقدر أنه فائت فيه أو ينظر إلى الذي خلط فيجعل بفعله متلفاً لحق غيره وكلاهما بعيدان جداً. وهذا واضح في ذوات الأمثال فإنها تقع عوضاً في الإتلافات من غير عقد فأما إذا اشتبه دار بدور أو عبد بعبيد فلا سبيل إلى المصالحة والتراضي، فإن أبى أن يأخذ إلا عين حقه ولم يقدر عليه وأراد الآخر أن يعوق عليه جميع ملكه، فإن كانت متماثلة القيم فالطريق أن يبيع القاضي جميع الدور ويوزع عليهم الثمن بقدر النسبة وإن كانت متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل، ويوقف قدر التفاوت إلى البيان أو الاصطلاح لأنه مشكل، وإن لم يوجد القاضي فللذي يريد الخلاص وفي يده الكل أن يتولى ذلك بنفسه، هذه هي المصلحة وما عداها من الاحتمالات ضعيفة لا نختارها وفيما سبق تنبيه على العلة، وهذا في الحنطة ظاهر، وفي النقود دونه، وفي العروض أغمض، إذ لا يقع البعض بدلاً عن البعض، فلذلك احتيج إلى البيع، ولنرسم مسائل يتم بها بيان هذا الأصل.

مسألة: إذا ورث مع جماعة وكان السلطان قد غصب ضيعة لمورثهم فرد عليه قطعة معينة فهي لجميع الورثة. ولو رد من الضيعة نصفاً وهو قدر حقه ساهمه الورثة، فإن النصف الذي لا يتميز حتى يقال: هو المردود، والباقي هو المغصوب، ولا يصير مميزاً بنية السلطان، وقصده حصر الغضب في نصيب الآخرين.

مسألة: إذا وقع في يده مال أخذه من سلطان ظالم ثم تاب والمال عقار وكان قد حصل منه انتفاع؛ فينبغي أن يحسب أجر مثله لطول تلك المدة، وكذلك كل مغصوب له منفعة أو حصل منه زيادة، فلا تصح توبته ما لم يخرج أجرة المغصوب، وكذلك كل زيادة حصلت منه وتقدير أجرة العبيد والثياب والأواني وأمثال ذلك مما لا يعتاد إجارتها مما يعسر ولا يدرك ذلك إلا باجتهاد وتخمين،وهكذا كل التقويمات تقع بالاجتهاد وطريق الورع الأخذ بالأقصى، وما ربحه على المال المغصوب في عقود عقدها على الذمة وقضى الثمن منه، فهو ملك له ولكن فيه شبهة، إذ كان ثمنه حراماً كما سبق حكمه، وإن كان بأعيان تلك الأموال فالعقود كانت فاسدة، وقد قيل: تنفذ بإجارة المغصوب منه للمصلحة فيكون المغصوب منه أولى به، والقياس أن تلك العقود تفسخ وتسترد الثمن وترد الأعواض فإن عجز عنه لكثرته فهي أموال حرام حصلت في يده فللمغصوب منه قدر رأس ماله، والفضل حرام يجب إخراجه لتتصدق به، ولا يحل للغاصب ولا للمغصوب منه، بل حكمه حكم كل حرام يقع في يده.

مسألة: من ورث مالاً ولم يدر مورثه من أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ولم يكن ثم علامة، فهو حلال باتفاق العلماء، وإن علم أن فيه حراماً وشك في قدره أخرج مقدار الحرام بالتحري، فإن لم يعلم ذلك ولكن علم أن مورثه كان يتولى أعمال للسلاطين واحتمل أن لم يكن يأخذ في عمله شيئاً، أو كان قد أخذ ولم يبق في يده منه شيء لطول المدة، فهذه شبهة يحسن التورع عنها ولا يجب، وإن علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد. وقال بعض العلماء: لا يلزمه والإثم على المورث، واستدل بما روي أن رجلاً ممن ولي عمل السلطان مات، فقال صحابي: الآن طاب ماله: أي لوارثه، وهذا ضعيف، لأنه لم يذكر اسم الصحابي ولعله صدر من متساهل، فقد كان في الصحابة من يتساهل، ولكن لا نذكره لحرمة الصحبة، وكيف يكون موت الرجل مبيحاً للحرام المتيقن المختلط ومن أين يؤخذ هذا? نعم. إذا لم يتيقن يجوز أن يقال: هو غير مأخوذ بما لا يدري، فيطيب لوارث لا يدري أن فيه حراماً يقيناً.

النظر الثاني: في المصرف: فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال: إما أن يكون له مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه، وإن كان غائباً فينتظر حضوره أو الإيصال إليه، وإن كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره.

وإما أن يكون لمالك غيره معين وقع اليأس من الوقوف على عيبه ولا يدري أنه مات عن وارث أم لا، فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه، وربما لا يمكن الرد لكثرة الملاك، كغلول الغنيمة فإنها بعد تفرق الغزاة، كيف يقدر على جمعهم، وإن قدر فكيف يفرق ديناراً واحداً مثلاً على ألف أو ألفين، فهذا ينبغي أن يتصدق به.

وإما من مال الفيء والأموال المرصدة لمصالح المسلمين كافة، فيصرف ذلك إلى القناطر والمساجد والرباطات ومصانع طريق مكة، وأمثال هذه الأمور التي يشترك في الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين، ليكون عاماً للمسلمين، وحكم القسم الأول لا شبهة فيه. أما التصدق وبناء القناطر فينبغي أن يتولاه القاضي فيسلم إليه المال إن وجد قاضياً متدنياً، وإن كان القاضي مستحلاً فهو بالتسليم إليه ضامن لو ابتدأ به فيما لا يضمنه، فكيف يسقط عنه به ضمان قد استقر عليه، بل يحكم من أهل البلد عالماً متديناً، فإن التحكيم أولى من الانفراد، فإن عجز فليتول ذلك بنفسه، فإن المقصود الصرف. وأما عين الصارف فإنما نطلبه لمصارف دقيقة في المصالح، فلا يترك أصل الصرف بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه.

فإن قيل: ما دليل جواز التصدق بما هو حرام? وكيف يتصدق بما لا يملك? وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام. وحكي عن الفضيل أنه وقع في يده درهمان فلما علم أنهما غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي.

فنقول: نعم، ذلك له وجه واحتمال، وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس. أما الخبر فأمر رسول الله ﷺ بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام، إذ قال ﷺ: "أطعموها الأسارى". ولما نزل قوله تعالى: "آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعده غلبهم سيغلبون" كذبه المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم، يزعم أن الروم ستغلب. فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله ﷺ، فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر رضي الله عنه بما قامرهم به قال عليه الصلاة والسلام: "هذا سخت"، فتصدق به وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول الله ﷺ له في المخاطرة مع الكفار. وأما الأثر؛ فإن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن، فطلبه كثيراً فلم يجده، فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي. وسئل الحسن رضي الله عنه عن توبة الغال وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش، فقال: يتصدق به. وروي أن رجلاً سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة، ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له: تفرق الناس، فأتى معاوية فأبى أن يقبض؛ فأتى بعض النساك فقال: ادفع خمسها إلى معاوية، وتصدق بما يبقى، فبلغ معاوية قوله، فتلهف إذ لم يخطر له ذلك، وقد ذهب أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك.

وأما القياس فهو أن يقال: إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير، أولى من إلقائه في البحر، فإنا إن رميناه في البحر فقد فوتنا على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة. وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه وحصل للفقير سد حاجته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر. فإن في الخبر الصحيح: "إن للزارع والغارس أجراً في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه" وذلك بغير اختياره، وأما قول القائل: لا نتصدق إلا بالطيب، فذلك إذا طلبنا الأجر لنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر وترددنا بين التضييع وبين التصدق ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع. وقول القائل: ما لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا، فهو كذلك ولكنه علينا حرام لاستغنائنا عنه وللفقير حلال إذا أحله دليل الشرع، وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل وإذا حل فقد رضينا له الحلال ونقول إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيراً. أما عياله وأهله فلا يخفى لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله بل هم أولى من يتصدق عليهم، وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضاً فقير ولو تصدق به على فقير لجاز وكذا إذا كان هو الفقير، ولنرسم في بيان هذا الأصل أيضاً مسائل: مسألة: إذا وقع في يده مال من سلطان قال قوم: يرد إلى السلطان فهو أعلم بما تولاه فيقلده ما تقلده وهو خير من أن يتصدق به، واختار المحاسبي ذلك وقال: كيف يتصدق به فلعل له مالكاً معيناً? ولو جاز ذلك لجاز أن يسرق من السلطان ويتصدق به، وقال قوم: يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى المالك لأن ذلك إعانة للظالم وتكثير لأسباب ظلمه فالرد إليه تضييع لحق المالك، والمختار أنه إذا علم من عادة السلطان انه لا يرده إلى مالكه فيتصدق به عن مالكه فهو خير للمالك إن كان له مالك معين من أن يرد على السلطان، لأنه ربما لا يكون له مالك معين وكون حق المسلمين، فرده على السلطان تضييع، فإن كان له مالك معين فالرد على السلطان تضييع وإعانة للسلطان الظالم وتفويت لبركة دعاء الفقير على المالك وهذا ظاهر، فإذا وقع في يده من ميراث ولم يتعد هو بالأخذ من السلطان فإنه شبيه باللقطة التي أيس عن معرفة صاحبها إذ لم يكن له أن يتصرف فيها بالتصدق عن المالك ولكن له أن يتملكها، ثم وإن كان غنياً من حيث إنه اكتسبه من وجه مباح وهو الالتقاط وههنا لم يحصل المال من وجه مباح فيؤثر في منعه من التملك ولا في المنع من التصدق.

مسألة: إذا حصل في يده مال لا مالك له وجوزنا له أن يأخذ قدر حاجته لفقره ففي قدر حاجته نظر ذكرناه في كتاب أسرار الزكاة، فقد قال قوم: يأخذ كفاية سنة لنفسه وعياله وإن قدر على شراء ضيعة أو تجارة يكتسب بها للعائلة فعل، وهذا ما اختاره المحاسبي ولكنه قال: الأولى أن يتصدق بالكل إن وجد من نفسه قوة التوكل وينتظر لطف الله تعالى في الحلال، فإن لم يقدر فله أن يشتري ضيعة أو يتخذ رأس مال يتعيش بالمعروف منه وكل يوم وجد فيه حلالاً أمسك ذلك اليوم عنه، فإذا فني عاد إليه، فإذا وجد حلالاً معيناً بمثل ما أنفقه من قبل ويكون ذلك قرضاً عنده، ثم إنه يأكل الخبز ويترك اللحم إن قوي عليه وإلا أكل اللحم من غير تنعم وتوسع، وما ذكره لا مزيد عليه ولكن جعل ما أنفقه قرضاً عنده فيه نظر ولا شك في أن الورع ان يجعله قرضاً، فإذا وجد حلالاً تصدق بمثله. ولكن مهما لم يجب ذلك على الفقير الذي يتصدق به عليه فلا يبعد ان لا يجب عليه أيضاً إذا أخذه لفقره لا سيما إذا وقع في يده من ميراث ولم يكن متعدياً بغضبه وكسبه حتى يغلظ الأمر عليه فيه. مسألة: إذا كان في يده حلال وحرام أو شبهة وليس يفضل الكل عن حاجته، فإذا كان له عيال فليخص نفسه بالحلال لأن الحجة عليه أوكد في نفسه منه في عبده وعياله وأولاده الصغار والكبار من الأولاد يحرسهم من الحرام إن كان لا يفضي بهم إلى ما هو أشد منه فإن أفضى فيطعمهم بقدر الحاجة. وبالجملة؛ كل ما يحذره في غيره فهو محذور في نفسه وزيادة، وهو أنه يتناول مع العلم والعيال ربما تعذر إذا لم تعلم إذ لم تتول الأمر بنفسها فليبدأ بالحلال بنفسه ثم بمن يعول، وإذا تردد في حق نفسه بين ما يخص قوته وكسوته وبين غيره من المؤن كأجرة الحجام والصباغ والقصار والحمال والاطلاء بالنورة والدهن وعمارة المنزل وتعهد الدابة وتسجير التنور وثمن الحطب ودهن السراج فليخص بالحلال قوته ولباسه، فإن ما يتعلق ببدنه ولا غنى به عنه. هو أولى بأن يكون طيباً، وإذا دار الأمر بين القوت واللباس فيحتمل أن يقال يخص القوت بالحلال لأنه ممتزج بلحمه ودمه، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به. وأما الكسوة ففائدتها ستر عورته ودفع الحر والبرد والأبصار عن بشرته وهذا هو الأطهر عندي. وقال الحارث المحاسبي: يقدم اللباس لأنه يبقى عليه مدة والطعام لا يبقى عليه لما روي أنه: "لا يقبل الله صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام"، وهذا محتمل ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في "بطنه حرام ونبت لحمه من حرام" فمراعاة اللحم والعظم أن ينبته من الحلال أولى، ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه ما شربه مع الجهل حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى.

فإن قيل: فإذا كان الكل منصرفاً إلى أغراضه فأي فرق بين نفسه وغيره وبين جهة وجهة وما مدرك هذا الفرق? قلنا: عرف ذلك بما روي أن رافع بن خديج رحمه الله مات وخلف ناضحاً وعبداً حجاماً فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فنهى عن كسب الحجام فروجع مرات فمنع منه فقيل: إن له أيتاماً فقال: " أعلفوه الناضح"، فهذا يدل على الفرق بين ما يأكله هو أو دابته فإذا انفتح سبيل الفرق فقص عليه التفصيل الذي ذكرناه.

مسألة: الحرام الذي في يده لو تصدق به على الفقراء فله أن يوسع عليهم وإذا أنفق على نفسه فليضيق ما قدر وما أنفق على عياله فليقتصد، وليكن وسطاً بين التوسيع والتضييق فيكون الأمر على ثلاث مراتب. فإن أنفق على ضيف قدم عليه وهو فقير فليوسع عليه، وإن كان غنياً فلا يطعمه إلا إذا كان في برية أو قدم ليلاً ولم يجد شيئاً فإنه في ذلك الوقت فقير، وإن كان الفقير الذي حضر ضيفاً تقياً لو علم ذلك لتورع عنه فليعرض الطعام وليخبره جمعاً بين حق الضيافة وترك الخداع فلا ينبغي أن يكرم أخاه بما يكره، ولا ينبغي أن يعول على أنه لا يدري فلا يضره فإن الحرام إذا حصل في المعدة أثر في قساوة القلب وإن لم يعرفه صاحبه، ولذلك تقيأأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا قد شربا على جهل، وهذا وإن أفتينا بإنه حلال للفقراء أحللناه بحكم الحجة إليه فهو كالخنزير والخمر إذا أحللناهما بالضرورة فلا يلتحق بالطيبات.

مسألة: إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع، فهذا قد عارضه أن الورع طلب رضاهما بل هو واجب فليتلطف في الامتناع، فإن لم يقدر فليوافق وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان والأخ والأخت قريبان من ذلك لأن حقهما أيضاً مؤكد، وكذلك إذا ألبسته أمه ثوباً من شبهة وكانت تسخط برده فليقبل وليلبس بين يديها ولينزع في غيبتها وليجتهد أن يصلي فيه إلا عند حضورها فيصلي فبه صلاة المضطر،وعند تعارض أسباب الورع ينبغي أن يتفقد هذه الدقائق. وقد حكي عن بشر رحمه الله أنه سلمت إليه أمه رطبة وقالت: بحقي عليك أن تأكلها وكان يكرهه فأكل ثم صعد غرفة فصعدت أمه وراءه فرأته يتقيأ، وإنما فعل ذلك لأنه أراد أن يجمع بين رضاها وبين صيانة المعدة. وقد قيل لأحمد بن حنبل: سئل بشر هل للوالدين طاعة في الشبهة? فقال: لا. فقال أحمد: هذا شديد. فقيل له: سئل محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال: بر والديك؛ فماذا تقول? فقال للسائل: أحب أن تعفيني فقد سمعت ما قالا ثم قال: ما أحسن أن تداريهما. مسألة: من في يده مال حرام محض فلا حج عليه ولا يلزمه كفارة مالية لأنه مفلس ولا تجب عله الزكاة إذ معنى الزكاة وجوب إخراج ربع العشر مثلاً، وهذا يجب عليه إخراج الكل إما رداً على المالك إن عرفه أو صرفاً إلى الفقراء إن لم يعرف المال، وأما إذا كان مال شبهة يحتمل أنه لم يخرجه من يده لزمه الحج لأن كونه حلالاً ممكن ولا يسقط الحج إلا بالفقر ولم يتحقق فقره، وقد قال الله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" وإذا وجب عليه التصدق بما يزيد على حاجته حيث يغلب على ظنه تحريمه فالزكاة أولى بالوجوب، وإن لزمته كفارة فليجمع بين الصوم والإعتاق ليخلص بيقين. وقد قال قوم: يلزمه الصوم دون الإطعام إذ ليس له يسار معلوم. وقال المحاسبي: يكفيه الإطعام. والذي نختاره: أن كل شبهة حكمنا بوجوب اجتنابها وألزمناه إخراجها من يده لكون احتمال الحرام أغلب على ما ذكرناه فعليه الجمع بين الصوم والإطعام، أما الصوم فلأنه مفلس حكماً، وأما الإطعام فلأنه قد وجب عليه التصدق بالجميع ويحتمل أن يكون له اللزوم من جهة الكفارة.

مسألة: من في يده حرام امسكه للحاجة فأراد أن يتطوع بالحج فإن كان ماشياً فلا بأس به لأنه سيأكل هذا المال في غير عبادة أولى. وإن كان لا يقدر على أن يمشي ويحتاج إلى زيادة للمركوب فلا يجوز الأخذ لمثل هذه الحاجة في الطريق كما لا يجوز شراء المركوب في البلد. وإن كان يتوقع القدرة على حلال لو أقام بحيث يستغني به عن بقية الحرام فالإقامة في انتظاره أولى من الحج ماشياً بالمال الحرام.

مسألة: من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيب، فإن لم يقدر فمن وقت الإحرام إلى التحلل، فإن لم يقدر فليجتهد يوم عرفة أن لا يكون قيامه بين يدي الله ودعاؤه في وقت مطعمه حرام وملبسه حرام؛ فليجتهد أن لا يكون في بطنه حرام ولا على ظهره حرام فإنا وإن جوزنا هذا بالحاجة فهو نوع ضرورة، وما ألحقناه بالطيبات، فإن لم يقدر فليلازم قلبه الخوف والغم لما هو مضطر إليه من تناول ما ليس بطيب فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهته.

مسألة: سئل أحمد بن حنبل رحمه الله فقال له قائل: مات أبي وترك مالاً وكان يعامل من تكره معاملته، فقال: تدع من ماله بقدر ما ربح، فقال: له دين وعليه دين، فقال تقضي وتقضي، فقال افترى ذلك? فقال: أفتدعه محتبساً بدينه? وما ذكره صحيح وهو يدل على أنه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام إذ قال: يخرج قدر الربح، وأنه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلاً عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق التقاص والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد، وعول في قضاء دينه على أنه يقين فلا يترك بسبب الشبهة. 

========

الباب الخامس
في إدارات السلاطين وصلاتهم
وما يحل منها وما يحرم


اعلم أن من أخذ مالاً من سلطان فلا بد له من النظر في ثلاثة أمور: في مدخل ذلك إلى يد السلطان من أين هو? وفي صفته التي بها يستحق الأخذ. وفي المقدار الذي يأخذه هل يستحقه إذا أضيف إلى حاله وحال شركائه في الاستحقاق?.

النظر الأول: في جهات الدخل للسلطان: وكل ما يحل للسلطان سوى الإحياء وما يشترك فيه الرعية قسمان: مأخوذ من الكفار. وهو الغنيمة المأخوذة بالقهر. والفيء، وهو الذي حصل من مالهم في يده من غير قتال، والجزية وأموال المصالحة، وهي التي تؤخذ بالشروط والمعاقدة.

والقسم الثاني: المأخوذ من المسلمين فلا يحل منه إلا قسمان: المواريث وسائر الأموال الضائعة التي لا يتعين لها مالك، والأوقاف التي لا متولي لها. أما الصدقات فليست توجد في هذا الزمان. وما عدا ذلك من الخراج المضروب على المسلمين والمصادرات وأنواع الرشوة كلها حرام.

فإذا كتب لفقيه أو غيره إدرار أو صلة أو خلعة على جهة فلا يخلو من أحوال ثمانية: فإنه إما أن يكتب له ذلك على الجزية، أو على المواريث، أو على الأوقاف، أو على ملك أحياه السلطان، أو على عامل خراج المسلمين، أو على بياع من جملة التجار، أو على الخزانة.

فالأول: هو الجزية وأربعة أخماسها للمصالح وخمسها لجهات معينة. فما يكتب على الخمس من تلك الجهات أو على الأخماس الأربعة لما فيه مصلحة وروعي فيه الاحتياط في القدر فهو حلال، بشرط أن لا تكون الجزية إلا مضروبة على وجه شرعي ليس فيها زيادة على دينار أو على أربعة دنانير، فإنه أيضاً محل الاجتهاد وللسلطان أن يفعل ما هو في محل الاجتهاد، وبشرط أن يكون الذمي الذي تؤخذ الجزية منه مكتسباً من وجه لا يعلم تحريمه فلا يكون عامل السلطان ظالماً ولا بائع خمر ولا صبياً ولا امرأة، إذ لا جزية عليهما. فهذه أمور تراعى في كيفية ضرب الجزية ومقدارها وصفة من تصرف أليه ومقدار ما يصرف فيجب النظر في جميع ذلك.

الثاني: المواريث والأموال الضائعة فهي للمصالح والنظر أن الذي خلفه هل كان ماله كله حراماً أو أكثره أو أقله وقد سبق حكمه، فإن لم يكن حراماً بقي النظر في صفة من يصرف إليه بأن يكون في الصرف إليه مصلحة ثم في المقدار المصروف.

الثالث: الأوقاف، وكذا يجري النظر فيها كما يجري في الميراث مع زيادة امر وهو شرط الواقف حتى يكون المأخوذ موافقاً له في جميع شرائطه.

الرابع: ما أحياه السلطان، وهذا لا يعتبر فيه شرط إذ له أن يعطي من ملكه ما شاء لمن شاء أي قدر شاء. وإنما النظر في أن الغالب أنه أحياه بإكراه الأجراء أو بأداء أجرتهم من حرام. فإن الإحياء يحصل بحفر القناة والأنهار وبناء الجدران وتسوية الأرض ولا يتولاه السلطان بنفسه. فإن كانوا مكرهين على الفعل لم يملكه السلطان وهو حرام وإن كانوا مستأجرين ثم قضيت أجورهم من الحرام، فهذا يورث شبهة قد نبهنا عليها في تعلق الكراهة بالأعواض.

الخامس: ما اشتراه السلطان في الذمة من أرض أو ثياب خلعة أو فرس أو غيره فهو ملكه وله أن يتصرف فيه، ولكنه سيقضي ثمنه من حرام وذلك يوجب التحريم تارة والشبهة أخرى. وقد سبق تفصيله.

السادس: أن يكتب على عامل خرج المسلمين أو من يجمع أموال القسمة والمصادرة وهو الحرام السحت الذي لا شبهة فيه، وهو أكثر الإدرارات في هذا الزمان إلا ما على أراضي العراق فإنها وقف عند الشافعي رحمه الله على مصالح المسلمين.

السابع: ما يكتب على بياع يعامل السلطان فإنه كان لا يعامل غيره فماله كمال خزانة السلطان. وإن كان يعامل غير السلاطين أكثر فما يعطيه قرض على السلطان وسيأخذ بدله من الخزانة فالخلل يتطرق إلى العوض. وقد سبق حكم الثمن الحرام.

الثامن: ما يكتب على الخزانة أو على عامل يجتمع عنده من الحلال والحرام فإن لم يعرف للسلطان دخل إلا من الحرام فهو سحت محض. وإن عرف يقيناً أن الخزانة تشتمل على مال حلال ومال حرام واحتمل ان يكون ما يسلم إليه بعينه من الحلال احتمالاً قريباً له وقع في النفس، واحتمل أن يكون من الحرام وهو الأغلب لأن أغلب أموال السلاطين حرام في هذه الأعصار والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز فقد اختلف الناس في هذا فقال قوم: كل ما لا أتيقن أنه حرام فلي أن آخذه، وقال آخرون: لا يحل أن يأخذ ما لم يتحقق أنه حلال فلا تحل شبهة أصلاً. وكلاهما إسراف، والاعتدال ما قدمنا ذكره وهو الحكم بأن الأغلب إذا كان حراماً حرم وإن كان الأغلب حلالاً وفيه يقين حرام فهو موضع توقفنا فيه. كما سبق.

ولقد احتج من جوز اخذ أموال السلاطين إذا كان فيها حرام وحلال. مهما لم يتحقق أن عين المأخوذ حرام. بما روي عن جماعة من الصحابة أنهم أدركوا أيام الأئمة الظلمة وأخذوا الأموال: منهم أبو هريرة،وأبو سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري وجرير بن عبد الله، وجابر، وأنس بن مالك، والمسور بن مخرمة. فأخذ أبو سعيد وأبو هريرة من مروان ويزيد بن عبد الملك. وأخذ بن عمر وابن عباس من الحجاج. وأخذ كثير من التابعين منهم كالشعبي وإبراهيم والحسن وابن أبي ليلى. وأخذ الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار في دفعة. وأخذ مالك من الخلفاء أموالاً جمة، وقال علي رضي الله عنه: خذ ما يعطيك السلطان فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر. وإنما ترك من ترك العطاء منهم تورعاً مخافة على دينه أن يحمل على ما لا يحل. ألا ترى قول أبي ذر للأحنف بن قيس: خذ العطاء ما كان نحلة فإذا كان أثمان دينكم فدعوه? وقال أبو هريرة رضي الله عنه:إذا أعطينا قبلنا وإذا منعنا لم نسأل. وعن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أعطاه معاوية سكت وإن منعه وقع فيه. وعن الشعبي عن مسروق: لا يزال العطاء بأهل العطاء حتى يدخلهم النار. أي يحمله ذلك على الحرام لا لأنه في نفسه حرام. وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن المختار كان يبعث إليه المال فيقبله ثم يقول: لا أسأل أحداً ولا أرد ما رزقني الله. وأهدى إليه ناقة فقبلها وكان يقال لها ناقة المختار، ولكن هذا يعارضه ما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يرد هدية أحد إلا هدية المختار، والإسناد في رده أثبت. وعن نافع أنه قال: بعث ابن معمر إلى ابن عمر بستين ألفاً فقسمها على الناس، ثم جاءه سائل فاستقرض له من بعض من أعطاه وأعطى السائل. ولما قدم الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه فقال: لأجيزك بجائزة لم أجزها أحداً قبلك من العرب ولا أجيزها أحداً بعدك من العرب، قال: فأعطاه أربعمائة ألف درهم فأخذها. وعن حبيب بن أبي ثابت قال: لقد رأيت جائزة المختار لابن عمر وابن عباس فقبلاها فقيل ما هي? قال: مال وكسوة. وعن الزبير بن عدي أنه قال: قال سليمان: إذا كان لك صديق عامل أو تاجر يقارف الربا فدعاك إلى طعام أو نحوه أو أعطاك شيئاً فاقبل فإن المهنأ لك وعليه الوزر. فإن ثبت هذا في المربي فالظالم في معناه. وعن جعفر عن أبيه أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاوية. وقال حكيم بن جبير:مررنا على سعيد بن جبير وقد جعل عاملاً على أسفل الفرات فأرسل إلى العشارين أطعمونا مما عندكم فأرسلوا بطعام فأكل وأكلنا معه. وقال العلاء بن زهير الأزدي: أتى إبراهيم أبي. وهو عامل على حلوان. فأجازه فقبل وقال إبراهيم: لا بأس بجائزة العمال إن للعمال مؤنة ورزقاً. ويدخل بيت ماله الخبيث والطيب فما أعطاك فهو من طيب ماله. فقد أخذ هؤلاء كلهم جوائز السلاطين الظلمة وكلهم طعنوا على من أطاعهم في معصية الله تعالى. وزعمت هذه الفرقة أن ما ينقل من امتناع جماعة من السلف لا يدل على التحريم بل على الورع كالخلفاء الراشدين وأبي ذر وغيرهم من الزهاد فإنهم امتنعوا من الحلال المطلق زهداً ومن الحلال الذي يخاف إفضاؤه إلى محذور ورعاً وتقوى. فإقدام هؤلاء يدل على الجواز وامتناع أولئك لا يدل على التحريم. وما نقل عن سعيد بن المسيب أنه ترك عطاءه في بيت المال حتى اجتمع بضعة وثلاثين ألفاً، وما نقل عن الحسن من قوله لا أتوضأ من ماء صيرفي ولو ضاق وقت الصلاة لأني لا أدري أصل ماله، كل ذلك ورع لا ينكر، واتباعهم عليه أحسن من اتباعهم على الاتساع ولكن لا يحرم اتباعهم على الاتساع أيضاً. فهذه هي شبهة من يجوز أخذ مال السلطان الظلام.

والجواب، أن ما نقل من أخذ هؤلاء محصور قليل بالإضافة إلى ما نقل من ردهم وإنكارهم، وإن كان يتطرق إلى امتناعهم احتمال الورع فيتطرق إلى أخذ من أخذ ثلاثة احتمالات متفاوتة في الدرجة بتفاوتهم في الورع فإن للورع في حق السلاطين أربع درجات:

الدرجة الأولى: أن لا يأخذ من أموالهم شيئاً أصلاً كما فعله الورعون منهم، وكما كان يفعله الخلفاء الراشدون حتى أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقسم مال بيت المال يوماً فدخلت ابنة له وأخذت درهماً من المال فنهض عمر في طلبها حتى سقطت الملحفة من أحد منكبيه ودخلت الصبية إلى بيت أهلها تبكي وجعلت الدرهم في فيها فأدخل عمر إصبعه فأخرجه من فيها وطرحه على الخراج وقال: أيها الناس ليس لعمر ولا لآل عمر إلا ما للمسلمين قريبهم وبعيدهم. وكسح أبو موسى الأشعري بيت المال فوجد درهماً فمر بني لعمر رضي الله عنه فأعطاه إياه فرأى عمر ذلك في يد الغلام فسأله عنه فقال أعطانيه أبو موسى فقال: يا أبا موسى ما كان في أهل المدية بيت أهون عليك من آل عمر أردت أن لا يبقى من أمة محمد ﷺ أحد إلا طلبنا بمظلمة، وردهم الدرهم إلى بيت المال. هذا مع أن المال كان حلالاً ولكن خاف أن لا يستحق هو ذلك القدر فكان يستبرئ لدينه ويقتصر على الأقل امتثالاً لقوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ولقوله: "ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه"، ولما سمعه من رسول الله ﷺ من التشديدات في الأموال السلطانية حتى قال ﷺ حين بعث عبادة بن الصامت إلى الصدقة: "اتق الله يا أبا الوليد لا تجئ يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك له رعاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثؤاج" فقال: يا رسول الله أهكذا يكون? قال: "نعم، والذي نفسي بيده إلا من رحم الله". قال: فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على شيء أبداً،وقال ﷺ: "إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي إنما أخاف عليكم أن تنافسوا" وإنما خاف التنافس في المال. ولذلك قال عمر رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه مال بيت المال: إني لم أجد نفسي فيه إلا كالوا لي مال اليتيم؛ إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف. وروي أن ابناً لطاوس افتعل كتاباً عن لسانه إلى عمر بن عبد العزيز فأعطاه ثلاثمائة دينار؛ فباع طاوس ضيعة له وبعث من ثمنها إلى عمر بثلاثمائة دينار، هذا مع أن السلطان ليس مثل عمر بن عبد العزيز. فهذه الدرجة العليا في الورع.

الدرجة الثانية: هو أن يأخذ مال السلطان ولكن إنما يأخذ إذا علم أن ما يأخذه من جهة حلال فاشتمال يد السلطان على حرام آخر لا يضره وعلى هذا ينزل جميع ما نقل من الآثار أو أكثرها أو ما اختص منها بأكابر الصحابة والورعين منهم مثل ابن عمر فإنه كان من المبالغين في الورع فكيف يتوسع في مال السلطان، وقد كان من أشدهم إنكاراً عليهم وأشدهم ذماً لأموالهم? وذلك أنهم اجتمعوا عند ابن عامر. وهو في مرضه وأشفق على نفسه من ولايته وكونه مأخوذاً عند الله تعالى بها. فقالوا له: إنا لنرجو لك الخير، حفرت الآبار وسقيت الحاج وصنعت وصنعت وابن عمر ساكت، فقال: ماذا تقول يا ابن عمر? فقال: أقول ذلك إذا طاب المكسب وزكت النفقة وسترد فترى. وفي حديث آخر أنه قال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث وإنك قد وليت البصرة ولا أحسبك إلا قد أصبت منها شراً. فقال له ابن عامر: ألا تدعو لي، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" وقد وليت البصرة فهذا قوله فيما صرفه إلى الخيرات. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال في أيام الحجاج: ما شبعت من الطعام، منذ انتبهت الدار إلى يومي هذا وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان له سويق في إناء مختوم يشرب منه فقيل: أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه? فقال: أما إني لا أختمه بخلابه ولكن أكره أن يجعل فيه ما ليس منه وأكره أن يدخل بطني غير طيب، فهذا هو المألوف منهم وكان ابن عمر لا يعجبه شيء إلا خرج عنه فطلب منه نافع بثلاثين ألفاً فقال: إني أخاف أن تفتني دراهم ابن عامر وكان هو الطالب اذهب فأنت حر. وقال أبو سعيد الخدري: ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا إلا ابن عمر? فبهذا يتضح أنه لا يظن به وبمن كان في منصبه أنه أخذ مالاً يدري أنه حلال.

الدرجة الثالثة: أن يأخذ ما أخذه من السلطان ليتصدق به على الفقراء أو يفرقه على المستحقين، فإن ما لا يتعين مالكه هذا حكم الشرع فيه. فإذا كان السلطان إن لم يأخذ منه لم يفرقه واستعان به على ظلم فقد نقول أخذه منه وتفرقته أولى من تركه في يده، وهذا قد رآه بعض العلماء وسيأتي وجهه. وعلى هذا ينزل ما أخذه أكثرهم ولذلك قال ابن المبارك: إن الذين يأخذون الجوائز اليوم ويحتجون بابن عمر وعائشة ما يقتدون بهما? لأن ابن عمر فرق ما أخذ حتى استقرض في مجلسه بعد تفرقته ستين ألفاً، وعائشة فعلت مثل ذلك، وجابر بن زيد جاءه مال فتصدق به وقال: رأيت أن آخذه منهم وأتصدق أحب إلي من أن أدعها في أيديهم، وهكذا فعل الشافعي رحمه الله بما قبله من هارون الرشيد فإنه فرقه على قرب حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة.

الدرجة الرابعة: أن لا يتحقق انه حلال ولا يفرق بل يستبقي ولكن يأخذ من سلطان أكثر ماله حلال، وهكذا كان الخلفاء في زمان الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين بعد الخلفاء الراشدين ولم يكن أكثرهم مالهم حراماً. ويدل عليه تعليل علي رضي الله عنه حيث قال: فإن ما يأخذه من الحلال أكثر. فهذا مما قد جوزه جماعة من العلماء تعويلاً على الأكثر.

ونحن إنما توقفنا فيه في حق آحاد الناس، ومال السلطان أشبه بالخروج عن الحصر فلا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى جواز أخذ ما لم يعلم أنه حرام اعتماداً على الأغلب، وإنما منعناه إذا كان الأكثر حراماً فإذا فهمت هذه الدرجات تحققت أن ادرارات الظلمة في زماننا لا تجري مجرى ذلك وأنها تفارقه من وجهين قاطعين: أحدهما: أن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها، وكيف لا والحلال هو الصدقات والفيء والغنيمة لا وجود لها وليس يدخل منها شيء في يد السلطان? ولم يبق إلا الجزية وأنها تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ والمأخوذ منه والوفاء له بالشرط، ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين ومن المصادرات والرشا وصنوف الظلم لو يبلغ عشر معشار عشيره.

والوجه الثاني: أن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين كانوا مستشعرين من ظلمهم ومتشوفين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم، وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال وإذلال بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ويفرحون به، وكانوا يأخذون منهم ويفرقون ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم ولا يكثرون جمعهم ولا يحبون بقاءهم بل يدعون عليهم ويطلقون اللسان فيهم وينكرون المنكرات منهم عليهم، فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم ولم يكن يأخذهم بأس، فأما الآن فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم والتكثر بهم والاستعانة بهم على أغراضهم والتجمل بغشيان مجالسهم وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم. فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولاً، وبالتردد في الخدمة ثانياً وبالثناء والدعاء ثالثاً، وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعاً، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامساً، وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة له على أعدائه سادساً، وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوئ أعماله سابعاً، لم ينعم عليه بدرهم واحد ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلاً؛ فإذا لا يجوز أن يؤخذ منهم في هذا الزمان ما يعلم أنه حلال لإفضائه إلى هذه المعاني فكيف ما يعلم أنه حرام أو يشك فيه? فمن استجرأ على أموالهم وشبه نفسه بالصحابة والتابعين فقد قاس الملائكة بالحدادين. ففي أخذ الأموال منهم حاجة إلى مخالطتهم ومراعاتهم وخدمة عمالهم واحتمال الذل منهم والثناء عليهم والتردد إلى أبوابهم وكل ذلك معصية. على ما سنبين في الباب الذي يلي هذا. فإذا قد تبين مما تقدم مداخل أموالهم وما يحل منها وما لا يحل. فلو تصور أن يأخذ الإنسان منها ما يحل بقدر استحقاقه وهو جالس في بيته يساق إليه ذلك. لا يحتاج فيه إلى تفقد عامل وخدمته ولا إلى الثناء عليهم وتزكيتهم ولا إلى مساعدتهم. فلا يحرم الأخذ ولكن يكره لمعان سننبه عليها في الباب الذي يلي هذا.

النظر الثاني من هذا الباب: في قدر المأخوذ وصفة الآخذ:

ولنفرض المال من أموال المصالح كأربعة أخماس الفيء والمواريث فإن ما عداه مما قد تعين مستحقه إن كان من وقف أو صدقة أو خمس فيء أو خمس غنيمة، وما كان من ملك السطان مما أحياه أو اشتراه فله أن يعطي ما شاء لمن شاء. وإنما النظر في الأموال الضائعة ومال المصالح فلا يجوز صرفه إلا إلى من فيه مصلحة عامة أو هو محتاج إليه عاجز عن الكسب، فأما الغني الذي لا مصلحة فيه فلا يجوز صرف مال بيت المال إليه، هذا هو الصحيح وإن كان العلماء قد اختلفوا فيه. وفي كلام عمر رضي الله عنه ما يدل على أن لطل مسلم حقاً في بيت المال لكونه مسلماً مكثراً جمع الإسلام، ولكنه مع هذا ما كان يقسم المال على المسلمين كافة بل على مخصوصين بصفات. فإذا ثبت هذا فكل من يتولى أمراً يقوم به تتعدى مصلحته إلى المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه، فله في بيت المال حق الكفاية. ويدخل فيه العلماء كلهم؛ أعني العلوم التي تتعلق بمصالح الدين من علم الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتى يدخل فيه المعلمون والمؤذنون. وطلبة هذه العلوم أيضاً يدخلون فيه، فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب. ويدخل فيه العمال، وهم الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم وهم الأجناد المرتزقة الذين يحرسون المملكة بالسيوف عن أهل العداوة وأهل البغي وأعداء الإسلام. ويدخل فيه الكتاب والحساب والوكلاء وكل من يحتاج إليه في ترتيب ديوان الخراج، أعني العمال على الأموال الحلال لا على الحرام، فإن هذا المال للمصالح. والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا فبالعلماء حراسة الدين وبالأجناد حراسة الدنيا. والدين والملك توأمان فلا يستغني أحدهما عن الآخر. والطبيب وإن كان لا يرتبط بعلمه أمر ديني ولكن يرتبط به صحة الجسد والدين يتبعه، فيجوز أن يكون له ولمن يجري مجراه في العلوم المحتاج إليها في مصلحة الأبدان أو مصلحة البلاد إدرار من هذه الأموال ليتفرغوا لمعالجة المسلمين، أعني من يعالج منهم بغير أجرة، وليس يشترط في هؤلاء الحاجة بل يجوز أن يعطوا مع الغنى. فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطوا المهاجرين والأنصار ولم يعرفوا بالحاجة. وليس يتقدر أيضاً بمقدار بل هو إلى اجتهاد الإمام وله أن يوسع ويغني وله أن يقتصر على الكفاية على ما يقتضيه الحال وسعة المال. فقد أخذ الحسن عليه السلام من معاوية في دفعة واحدة أربعمائة ألف درهم. وقد كان عمر رضي الله عنه يعطي لجماعة اثني عشر ألف درهم نقرة في السنة. وأثبتت عائشة رضي الله عنها في هذه الجريدة ولجماعة عشرة ألف ولجماعة ستة آلاف وهكذا. فهذا مال هؤلاء فيوزع عليهم حتى لا يبقى منه شيء. فإن خص واحداً منهم بمال كثير فلا بأس. وكذلك للسلطان أن يخص من هذا المال ذوي الخصائص بالخلع والجوائز فقد كان يفعل ذلك في السلف ولكن ينبغي أن يلتفت فيه إلى المصلحة. ومهما خص عالم أو شجاع بصلة كان فيه بعث للناس وتحريض على الاشتغال والتشبه به، فهذه فائدة الخلع والصلات وضروب التخصيصات وكل ذلك منوط باجتهاد السلطان. وإنما النظر في السلاطين الظلمة في شيئين: أحدهما: أن السلطان الظالم عليه أن يكف عن ولايته، وهو إما معزول أو واجب العزل فكيف يجوز أن يأخذ من يده وهو على التحقيق ليس بسلطان?.

والثاني: أنه ليس يعمم بماله جميع المستحقين فكيف يجوز للآحاد أن يأخذوا? أفيجوز لهم الأخذ يقدر حصصهم أم لا يجوز أصلاً? أم يجوز كل واحد ما أعطى?.

أما الأول: فالذي نراه أنه لا يمنع أخذ الحق، لأن السلطان الظالم الجاهل مهما ساعدته الشوكة وعسر خلعه وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق وجب تركه ووجبت الطاعة له كما تجب طاعة الأمراء، إذ قد ورد في الأمر بطاعة الأمراء، والمنع من سل اليد عن مساعدتهم، أوامر وزواجر، فالذي نراه: أن الخلافة منعقدة للمتكفل بها من بني العباس رضي الله عنه، وأن الولاية نافذة للسلاطين في أقطار البلاد والمبايعين للخليفة. وقد ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه المصلحة فيه. والقول الوجيز أنا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوفاً إلى مزايا المصالح. ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأساً فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح? بل الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة. فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الخليفة. ومن استبد بالشوكة وهو مطيع للخليفة في أصل الخطبة والسكة فهو سلطان نافذ الحكم والقضاء في أقطار الأرض ولاية نافذة الأحكام. وتحقيق هذا قد ذكرناه في أحكام الإمامة من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد فلسنا نطول الآن به.

وأما الإشكال الآخر وهو أن السلطان إذا لم يعمم بالعطاء كل مستحق فهل يجوز للواحد أن يأخذ منه?فهذا مما اختلف العلماء فيه على أربع مراتب فغلا بعضهم وقال: كل ما يأخذه فالمسلمون كلهم فيه شركاء ولا يدري أن حصته منه دانق أو حبة فليترك الكل. وقال قوم:له أن يأخذ قدر قوت يومه فقط، فإن هذا القدر يستحقه لحاجته على المسلمين. وقال قوم: له قوت سنة، فإن أخذ الكفاية كل يوم عسير وهو ذو حق في هذا المال فكيف يتركه? وقال قوم: إنه يأخذ ما يعطى والمظلوم هم الباقون. وهذا هو القياس لأن المال ليس مشتركاً بين المسلمين كالغنيمة بين الغانمين ولا كالميراث بين الورثة لأن ذلك صار ملكاً لهم. وهذا لو لم يتفق قسمه حتى مات هؤلاء لم يجب التوزيع على ورثتهم بحكم الميراث. بل هذا الحق غير متعين وإنما يتعين بالقبض. بل هو كالصدقات ومهما أعطي الفقراء حصتهم من الصدقات وقع ذلك ملكاً لهم ولم يمتنع بظلم المالك بقية الأصناف بمنع حقهم، هذا إذا لم يصرف إليه كل المال بل صرف إليه من المال ما لو صرف إليه بطريق الإيثار والتفضيل مع تعميم الآخرين لجاز له أن يأخذه والتفضيل جائز في العطاء. سوى أبو بكر رضي الله عنه فراجعه عمر رضي الله عنه فقال: إنما فضلهم عند الله وإنما الدنيا بلاغ. وفضل عمر رضي الله عنه في زمانه فأعطى عائشة اثني عشر ألفاً وزينب عشرة آلاف وجويرية ستة آلاف وكذا صفية. وأقطع عمر لعلي خاصة رضي الله عنهما. وأقطع عثمان أيضاً من السواد خمس جنات، وآثر عثمان علياً رضي الله عنهما بها فقبل ذلك منه ولم ينكر. وكل ذلك جائز في محل الاجتهاد وهو من المجتهدات التي أقول فيها: إن كل مجتهد مصيب، وهي كل مسألة لا نص على عينها ولا على مسألة تقرب منها فتكون في معناها بقياس جلي كهذه المسألة ومسألة حد الشرب، فإنهم جلدوا أربعين وثمانين والكل سنة وحق، وأن كل واحد من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مصيب باتفاق الصحابة رضي الله عنهم، إذ المفضول ما رد في زمان عمر شيئاً إلى الفاضل مما قد كان أخذه في زمان أبي بكر، ولا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر، واشترك في ذلك كل الصحابة واعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق. فليؤخذ هذا الجنس دستوراً للاختلافات التي يصوب فيها كل مجتهد. فأما كل مسألة شذ عن مجتهد فيها نص أو قياس جلي بغفلة أو سوء رأي وكان في القوة بحيث ينقض حكم المجتهد فلا نقول فيها إن كل واحد مصيب بل المصيب من أصاب النص أو ما في معنى النص. وقد تحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا وأخذ من السلطان خلعة أو إدراراً على التركات أو الجزية لم يصر فاسقاً بمجرد أخذه، وإنما يفسق بخدمته لهم ومعاونته إياهم ودخوله عليهم وثنائه وإطرائه لهم إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال غالباً إلا بها كما سنبينه. 

=================

الباب السادس
فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة
وما يحرم وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام لهم


اعلم أن ذلك مع الأمراء والعمال الظلمة ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: وهي شرها أن تدخل عليهم.

والثانية: وهي دونها أن يدخلوا عليك.

والثالثة: وهي الأسلم أن تعتزل عنهم فلا تراهم ولا يرونك.

أما الحالة الأولى: وهي الدخول عليهم فهو مذموم جداً في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار، فنقلها لتعرف ذم الشرع له، ثم نتعرض لما يحرم منه وما يباح وما يكره على ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم.

أما الأخبار: فإنه لما وصف رسول الله ﷺ الأمراء الظلمة قال: "فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم أو كاد أن يسلم ومن وقع معهم في دنياهم فهو منهم" وذلك لأن من اعتزلهم سلم من إثمهم ولكن لم يسلم من عذاب يعمه معهم إن نزل بهم لتركه المنابذة والمنازعة. وقال ﷺ: "سيكون من بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم ليس مني ولست منه ولم يرد علي الحوض" وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال ﷺ: "أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء" وفي الخبر: "خير الأمراء الذين يأتون العلماء وشر العلماء الذين يأتون الأمراء" وفي الخبر: "العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا فعلوا لك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم" رواه أنس رضي الله عنه.

وأما الآثار: فقد قال حذيفة: إياكم ومواقف الفتن! قيل: وما هي? قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه. وقال أبو ذر لسلمة:يا سلمة. لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينك أفضل منه، وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك وقال الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً. وقال سمنون: ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسأل عنه فيقال: عند الأمير. وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى جربت ذلك، إذ ما دخلت قط على السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج فأرى عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم. وقال عبادة بن الصامت: حب القارئ الناسك الأمراء نفاق وحبه الأغنياء رياء. وقال أبو ذر: من كثر سواد قوم فهو منهم أي من كثر سواد الظلمة. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين له، قيل له: ولم? قال لأنه يرضيه بسخط من الله. واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلاً فقيل: كان عاملاً للحجاج، فعزله، فقال الرجل: إنما عملت له على شيء يسير، فقال له عمر: حسبك بصحبته يوماً أو بعض يوم شؤماً وشراً. وقال الفضيل: ما ازداد رجل من ذي سلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً. وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول: إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين. وقال وهيب: هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين. وقال محمد بن سلمة: الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء. ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن غرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً قد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه محمد ﷺ وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله تعالى: "لتبيننه للناس ولا تكتموه"، واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل البغي بدنوك ممن لم يؤد حقاً ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتخذوك قطباً تدور عليك رحى ظلمهم وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم وسلماً يصعدون فيه إلى ضلالتهم ويدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمن أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة" الآية. وإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله سقم وهيئ زادك فقد حضر سفر بعيد "وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء" والسلام.

فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد، ولكن نفصل ذلك تفصيلاً فقهياً نميز فيه المحظور عن المكروه والمباح. فنقول: الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله تعالى إما بفعله أو بكسوته، وإما بقوله وإما باعتقاده فلا ينفك عن أحد هذه الأمور.

أما الفعل: فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة وتخطيها والدخول فيها بغير إذن الملاك حرام، ولا يغرنك قول القائل: إن ذلك مما يتسامح به الناس كتمرة أو فتات خبز فإن ذلك صحيح في غير المغصوب، أما المغصوب فلا. لأنه إن قيل: إن كل جلسة خفيفة لا تنقص الملك فهي في محل التسامح? وكذلك الاجتياز فيجري هذا في كل واحد فيجري أيضاً في المجموع والغصب إنما تم بفعل الجميع، وإنما يتسامح به إذا انفرد إذ لو علم المالك به ربما لم يكرهه، فأما إذا كان ذلك طريقاً إلى الاستغراق بالاشتراك فحكم التحريم ينسحب على الكل، فلا يجوز أن يؤخذ ملك الرجل طريقاً اعتماداً على أن كل واحد من المارين إنما يخطو خطوة لا تنقص الملك، لأن المجموع مفوت للملك وهو ضريبة خفيفة في التعليم تباح ولكن بشرط الانفراد، فلو اجتمع جماعة بضربات توجب القتل وجب القصاص على الجميع مع أن كل واحدة من الضربات لو انفردت لكانت لا توجب قصاصاً. فإن فرض كونه الظالم في موضع غير مغصوب كالموات مثلاً فإن كانت تحت خيمة أو مظلة من ماله فهو حرام، والدخول إليه غير جائز لأنه انتفاع بالحرام واستظلال به، فإن فرض كل ذلك حلالاً فلا يعصى بالدخول من حيث إنه دخول ولا بقوله: السلام عليكم، ولكن إن سجد أو ركع أو مثل قائماً في سلامه وخدمته كان مكرماً للظالم بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه والتواضع للظالم معصية. بل من التواضع لغني ليس يظالم لأجل غناه. لا لمعنى آخر اقتضى التواضع. نقص ثلثا دينه فكيف إذا تواضع للظالم? فلا يباح إلا مجرد السلام. فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فهو معصية إلا عند الخوف، أو لإمام عادل أو لعالم أو لمن يستحق ذلك بأمر ديني.

قبل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يد علي كرم الله وجهه لما أن لقيه بالشام فلم ينكر عليه. وقد بالغ بعض السلف حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام والإعراض عنهم استحقاراً لهم وعد ذلك من محاسن القربات. فأما السكوت عن رد الجواب ففيه نظر، لأن ذلك واجب فلا ينبغي أن يسقط بالظلم. فإن ترك الداخل جميع ذلك واقتصر على السلام فلا يخلو من الجلوس على بساطهم وإذا كان أغلب أموالهم حراماً فلا يجوز الجلوس على فرشهم؛ هذا من حيث الفعل.

فأما السكوت: فهو أن سيرى في مجلسهم من الفرش الحرير وأواني الفضة والحرير الملبوس عليهم وعلى غلمانهم ما هو حرام. وكل من رأى سيئة وسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة. بل يسمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء والسكوت على جميع ذلك حرام. بل يراهم لابسين الثياب الحرام وآكلين الطعام الحرام وجميع ما في أيديهم حرام والسكوت على ذلك غير جائز. فيجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلسانه إن لم يقدر بفعله.

فإن قلت: إنه يخاف على نفسه فهو معذور في السكوت? فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر، فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة حتى يسقط عنه بالعذر. وعند هذا أقول من علم فساداً في موضع وعلم أنه لا يقدر على إزالته فلا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه وهو يشاهده ويسكت، بل ينبغي أن يحترز عن مشاهدته.

وأما القول: فهو أن يدعو للظالم أو يثني عليه أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله أو بتحريك رأسه أو باستبشار في وجهه، أو يظهر له الحب والموالاة والاشتياق إلى لقائه والحرص على طول عمره وبقائه، فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذه الأقسام.

أما الدعاء له: فلا يحل إلا أن يقول: أصلحك الله أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته أو ما يجري هذا المجرى. فأما الدعاء بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة مع الخطاب بالمولى وما في معناه فغير جائز. قال ﷺ: "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن عصى الله في أرضه"، فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فسيذكر ما ليس فيه فيكون به كاذباً ومنافقاً ومكرماً لظالم، وهذه ثلاث معاص. وقد قال ﷺ: "إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق" وفي خبر آخر: "من أكرم فاسقاً فقد أعان على هدم الإسلام" فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول، والتزكية والثناء على ما يعمل: كان عاصياً بالتصديق وبالإعانة؛ فإن التزكية والثناء إعانة على المعصية وتحريك للرغبة فيه كما أن التكذيب والمذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه. والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة. ولقد سئل سفيان الثوري رضي الله عنه عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء? فقال: لا، دعه حتى يموت فإن ذلك إعانة له. وقال غيره: يسقى إلى أن تثوب إليه نفسه ثم يعرض عنه. فإن جاوز ذلك إلى إظهار الحب والشوق إلى لقائه وطول بقائه: فإن كان كاذباً عصى معصية الكذب والنفاق، وإن كان صادقاً عصى بحبه بقاء الظالم وحقه أن يبغضه في الله ويمقته. فالبغض في الله واجب، ومحب المعصية والراضي بها عاص. ومن أحب ظالماً فإن أحبه لظلمه فهو عاص لمحبته وإن احبه لسبب آخر فهو عاص من حيث إنه لم يبغضه وكان الواجب عليه أن يبغضه. وإن اجتمع في شخص خير وشر وجب أن يحب لأجل ذلك الخير ويبغض لأجل ذلك الشر. وسيأتي في كتاب الإخوة والمتحابين في الله الجمع بين البغض والحب. فإن سلم من ذلك كله وهيهات فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدري نعم الله عليه ويكون مقتحماً نهي رسول الله ﷺ حيث قال: "يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق" وهذا مع ما فيه ن اقتداء غيره به في الدخول ومن تكثيره سواد الظلمة بنفسه وتجميله إياهم إن كان ممن يتجمل به، وكل ذلك إما مكروهات أو محظورات. دعي سعيد بن المسيب إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار فإن النبي ﷺ نهى عن بيعتين، فقال: ادخل من الباب واخرج من الباب الآخر، فقال: لا والله لا يقتدي بي أحد من الناس، فجلد مائة وألبس المسوح.

ولا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين: أحدهما: أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام وعلم أنه لو امتنع أو ذي أو فسد عليهم طاعة الرعية واضطرب عليهم أمر السياسة فيجب عليه الإجابة لا طاعة لهم بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية.

والثاني: أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه أو عن نفسه إما بطريق الحسبة أو بطريق التظلم، فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب ولا يثني ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولاً فهذا حكم الدخول.

الحالة الثانية: أن يدخل عليك السلطان الظالم زائر فجواب السلام لا بد منه. وأما القيام والإكرام له فلا يحرم مقابلة له على إكرامه. فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد. فالإكرام بالإكرام والجواب بالسلام. ولكن الأولى أن لا يقوم إن كان معه في خلوة ليظهر له بذلك عز الدين وحقارة الظلم، ويظهر غضبه للدين وإعراضه عمن أعرض عن الله فأعرض الله تعالى عنه. وإن كان الداخل عليه في جمع فمراعاة حشمة أرباب الولايات فيما بين الرعايا مهم فلا بأس بالقيام على هذه النية. وإن علم أن لا يورث فساداً في الرعية ولا يناله أذى من غضبه فترك الإكرام بالقيام أولى. ثم يجب عليه بعد أن وقع اللقاء أن ينصحه فإن كان يقارف ما لا يعرف تحريمه وهو يتوقع أن يتركه إذا عرف فليعرفه فذلك واجب. وأما ذكر تحريم ما يعلم تحريمه من السرف والظلم فلا فائدة فيه بل عليه أن يخوفه فيما يرتكبه من المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر فيه. وعليه أن يرشده إلى طريق المصلحة إن كان يعرف طريقاً على وفق الشرع بحيث يحصل بها غرض الظالم من غير معصية ليصده بذلك عن الوصول إلى غرضه بالظلم. فإذاً يجب عليه التعريف في محل جهله والتخويف فيما هو مستجرئ عليه والإرشاد إلى ما هو غافل عنه مما يغنيه عن الظلم، فهذه ثلاثة أمور تلزمه إذا توقع للكلام فيه أثراً، وذلك أيضاً لازم عاى كل من اتفق له دخول عل السلطان بعذر أو بغير عذر. وعن محمد بن صالح قال: كنت عند حماد بن سلمة وإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس عليه ومصحف يقرأ غيه وجراب فيه علمه ومطهرة يتوضأ منها? فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب فإذا هو محمد بن سليمان فأذن له فدخل وجلس بين يديه ثم قال له: ما لي إذا رأيتك امتلأت منك رعباً? قال حماد: لأنه قال عليه السلام "إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء وإن أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء" ثم عرض عليه أربعين ألف درهم وقال: تأخذها وتستعين بها قال:ارددها على من ظلمته بها، قال: والله ما أعطيتك إلا مما ورثته، قال: لا حاجة لي بها قال: فتأخذها فتقسمها، قال لعلي إن عدلت في قسمتها أخاف أن يقول بعض من لم يرزق منها إنه لم يعدل في قسمتها فيأثم فازوها عني.

الحالة الثالثة: أن يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه وهو الواجب إذ لا سلامة إلا فيه؛ فعليه أن يعتقد بغضهم على ظلمهم ولا يحب بقاءهم ولا يثني عليهم ولا يستخبر عن أحوالهم ولا يتقرب إلى المتصلين بهم ولا يتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم؛ وذلك إذا خطر بباله أمرهم، وإن غفل عنهم فهو الأحسن. وإذا خطر بباله تنعمهم فليذكر ما قاله حاتم الأصم: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد فأما أمس فلا يجدون لذته وإني وإياهم في غد لعلى وجل وإنما هو اليوم وما عسى أن يكون في اليوم، وما قاله أبو الدرداء إذ قال: أهل الأموال يأكلون ونأكل ويشربون ونشرب ويلبسون ونلبس ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر معهم إليها وعليهم حسابها ونحن منها براء. وكل من أحاط علمه بظلم ظالم ومعصية عاص فينبغي أن يحط ذلك من درجته في قلبه. فهذا واجب عليه لأن من صدر منه ما يكره نقص ذلك من رتبته في القلب لا محالة والمعصية ينبغي أن تكره فإنه إما أن يغفل عنها أو يرضى بها أو يكره ولا غفلة مع العلم ولا وجه للرضا فلا بد من الكراهة، فليكن جناية كل أحد على حق الله كجنايته على حقك فإن قلت: الكراهة لا تدخل تحت الاختيار فكيف تجب? قلنا: ليس كذلك فإن المحب يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه ومخالف له، فإن من لا يكره معصية الله لا يحب الله وإنما لا يحب الله من لا يعرفه والمعرفة واجبة والمحبة لله واجبة. وإذا أحبه كره ما كرهه واحب ما أحبه. وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة والرضا.

فإن قلت: فقد كان العلماء السلف يدخلون على السلاطين? فأقول: نعم تعلم الدخول منهم ثم ادخل؛ كما حكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجاً إلى مكة فلما دخلها قال ائتوني برجل من الصحابة فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا فقال: من التابعين، فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام? فغضب هشام غضباً شديداً حتى هم بقتله؛ فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك، فقال له: يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت? قال: وما الذي صنعت? فازداد غضباً وغيظاً؛ قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت: كيف يا هشام? قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي، وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقولك لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة، وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب، وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا يحيى يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: "تبت يدا أبي لهب". وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام. فقال له هشام: عظني، فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول: إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته. ثم قام وهرب.

وعن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى فقال لي: ارفع إلينا حاجتك، فقلت له: اتق الله فقد ملأت الأرض ظلماً وجوراً. قال: فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال: ارفع إلينا حاجتك، فقلت: إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعاً فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم، فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال: ارفع إلينا حاجتك، فقلت: حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه: كم أنفقت? قال: بضعة عشر درهماً، وأرى ههنا أموالاً لا تطيق الجمال حملها، وخرج فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا ألزموا وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم. ودخل ابن أبي شميلة على عبد الملك ابن مروان فقال له: تكلم، فقال له: إن الناس لا ينجون في القيامة من غصصها ومراراتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه، فبكى عبد الملك وقال: لأجعلن هذه الكلمة مثالاً نصب عيني ما عشت. ولما استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن عامر أتاه أصحاب رسول الله ﷺ وأبطأ عنها أبو ذر. وكان له صديقاً. فعاتبه؛ فقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنا لرجل إذا ولي ولاية تباعد الله عنه" ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال: أيها الأمير قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول ما أحمق من سلطان وما أجهل ممن عصاني! ومن اعز ممن اعتز بي? أيها الراعي السوء دفعت إليك غنماً سماناً صحاحاً فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركتها عظاماً تتقعقع، فقال له والي البصرة: أتدري ما الذي يجرئك علينا ويجنبنا عنك?. قال: لا، قال: قلة الطمع فينا وترك الإمساك لما في أيدينا. وكان عمر بن عبد العزيز واقفاً مع سليمان بن عبد الملك، فسمع سليمان صوت الرعد فجزع ووضع صدره على مقدمة الرحل، فقال له عمر: هذا صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه? ثم نظر سليمان إلى الناس فقال: ما أكثر الناس، فقال عمر: خصماؤك يا أمير المؤمنين فقال له سليمان: ابتلاك الله بهم. وحكي أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة فأرسل إلى أبي حازم فدعاه، فلما دخل عليه قال له سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت? فقال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب فقال: يا أبا حازم كيف القدوم على الله? قال: يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لي عند الله?قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال: "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم" قال سليمان: فأين رحمة الله? قال: قريب من المحسنين، ثم قال سليمان: يا أبا حازم أي عباد الله أكرم? قال: أهل البر والتقوى قال:فأي الأعمال أفضل? قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال: فأي الكلام أسمع? قال: قول الحق عند من تخاف وترجو قال: فأي المؤمنين أكيس? قال: رجل عمل بطاعة الله ودعا الناس إليها، قال: فأي المؤمنين أخسر? قال: رجل خطا في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه? قال: أو تعفيني? قال: لا بد فإنها نصيحة تسديها إلي، قال: يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة المسلمين ولا رضا منهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة وقد ارتحلوا، فلو شعرت بما قالوا وما قيل لهم? فقال له رجل من جلسائه: بئسما قلت قال أبو حازم: إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبننه للناس ولا يكتمونه. قال: وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد? قال: أن تأخذه من حله فتضعه في حقه، فقال سليمان: ومن يقدر على ذلك? فقال: من يطلب الجنة ويخاف من النار. فقال سليمان:ادع لي. فقال أبو حازم:اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيري الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى، فقال سليمان: أوصني، فقال: أوصيك وأوجز، عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك. وقال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني، فقال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم انظر إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ به الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن، فلعل تلك الساعة قريبة. ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك، فقال: تكلم يا أعرابي، فقال:

يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته، فقال: يا أعرابي إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا نأمن غشه فكيف بمن نأمن غشه ونرجو نصحه? فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك رجال أساؤوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله فيك، حرب الآخرة سلم الدنيا فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله تعالى عليه فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعاً وفي الأمة خسفاً وعسفاً وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا بمسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبناً من باع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: يا أعرابي أما إنك قد سللت لسانك وهو أقطع سيفيك. قال: أجل يا أمير المؤمنين ولكن لا عليك.

وحكي أن أبا بكرة دخل على معاوية فقال: اتق الله يا معاوية واعلم أنك في كل يوم يخرج عنك وفي كل ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعداً ومن الآخرة إلا قرباً، وعلى أثرك طالب لا تفوته وقد نصب لك علماً لا تجوزه فما أسرع ما تبلغ العلم وما أوشك ما يلحق بك الطالب، وإنا وما نحن فيه زائل وفي الذي نحن إليه صائرون باق إن خيراً فخير وإن شراً فشر. فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين أعني علماء الآخرة، فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم فيدلونهم عل الرخص ويستنبطون لهم بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم. وإن تكلموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الإصلاح بل اكتساب الجاه والقبول عندهم. وفي هذا غروران يغتر بهما الحمقى: أحدهما: أن يظهر أن قصدي في الدخول عليهم إصلاحهم بالوعظ. وربما يلبسون على انفسهم بذلك وإنما الباعث لهم شهوة خفيفة للشهرة وتحصيل المعرفة عندهم، وعلامة الصدق في طلب الإصلاح انه لو تولى ذلك الوعظ غيره ممن هو من أقرانه في العلم ووقع موقع القبول وظهر به أثر الصلاح فينبغي أن يفرح به ويسكر الله تعالى كفايته هذا المهم، كمن وجب عليه أن يعالج مريضاً ضائعاً فقام بمعالجته غيره فإنه يعظم به فرحه. فإن كان يصادف في قلبه ترجيحاً لكلامه على كلام غيره فهو مغرور.

الثاني: أن يزعم أني أقصد الشفاعة لمسلم في دفع ظلامة. وهذا أيضاً مظنة الغرور. ومعياره ما تقدم ذكره.

وإذا ظهر طريق الدخول عليهم فلنرسم في الأحوال العارضة في مخالطة السلاطين ومباشرة أموالهم مسائل: مسألة: إذا بعث إليك السلطان مالاً لتفرقه على الفقراء فإن كان له مالك معين فلا يحل أخذه، وإن لم يكن بل كان حكمه أنه يجب التصدق به على المساكين. كما سبق. فلك أن تأخذه وتتولى التفرقة ولا تعصى بأخذه، ولكن من العلماء من امتنع عنه فعند هذا ينظر في الأولى فنقول: الأولى أن تأخذه إن أمنت ثلاث غوائل: الغائلة الأولى: أن يظن السلطان بسبب أخذك أن ماله طيب ولولا أنه طيب لما كنت تمد يدك إليه ولا تدخله ضمانك، فإن كان ذلك فلا تأخذه، فإن ذلك محذور ولا يفي الخير في مباشرتك التفرقة بما يحصل لك من الجرأة على كسب الحرام.

الغائلة الثانية: أن ينظر إليك غيرك من العلماء والجهال فيعتقدون أنه حلال فيقتدون بك في الأخذ ويستدلون به على جوازه ثم لا يفرقون، فهذا أعظم من الأول. فإن جماعة يستدلون بأخذ الشافعي رضي الله عنه على جواز الأخذ ويغفلون عن تفرقته وأخذه على نية التفرقة، فالمقتدي والمشتبه به ينبغي أن يحترز عن هذا غاية الاحتراز فإنه يكون فعله سبب ضلال خلق كثير. وقد حكى وهب بن منبه أن رجلاً أتي به إلى ملك بمشهد من الناس ليكرهه على أكل لحم الخنزير فلم يأكل، فقدم إليه لحم غنم وأكره بالسيف فلم يأكل، فقيل له في ذلك فقال: إن الناس قد اعتقدوا أني طولبت بأكل لحم الخنزير، فإذا خرجت سالماً وقدأكلت فلا يعلمون ماذا أكلت فيضلون. ودخل وهب بن منبه وطاوس على محمد بن يوسف - أخي الحجاج - وكان عاملاً وكان في غداة باردة في مجلس بارز فقال لغلامه: هلم ذلك الطيلسان وألقه على أبي عبد الرحمن - أي طاوس- وكان قعد على كرسي فألقي عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى الطيلسان عنه، فغضب محمد بن يوسف فقال وهب: كنت غنياً عن أن تغضبه لو أخذت الطيلسان وتصدقت به قال: نعم لولا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس - ولا يصنع به ما أصنع به - إذن لفعلت.

الغائلة الثالثة: أنه يتحرك قلبك إلى حبه لتخصيصه إياك وإيثاره لك بما أنفذه إليك، فإن كان كذلك فلا تقبل ذلك هو السم القاتل والداء الدفين أعني ما يحبب الظلمة إليك، فإن من أحبته لا بد أن تحرص عليه وتداهن فيه. قالت عائشة رضي الله عنها: جبلت النفوس على حب من أحسن إليها. وقال عليه السلام: "اللهم لا تجعل لفاجر عندي يداً فيحبه قلبي" بين ﷺ أن القلب لا يكاد يمتنع من ذلك. وروي أن بعض الأمراء أرسل إلى مالك بن دينار بعشرة آلاف درهم فأخرجها كلها فأتاه محمد بن واسع فقال: ما صنعت بما أعطاك هذا المخلوق? قال: سل أصحابي? فقالوا: أخرجه كله، فقال: أنشدك الله أقلبك أشد حباً له الآن أم قبل أن أرسل إليك? قال: لا بل الآن، قال: إنما كنت أخاف هذا. وقد صدق فإنه إذا أحبه أحب بقاءه وكره عزله ونكبته وموته وأحب اتساع ولايته وكثرة ماله، وكل ذلك حب لأسباب الظلم وهو مذموم. قال سلمان وابن مسعود رضي الله عنهما: من رضي بأمر وإن غاب عنه كان كمن شهده قال تعالى: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا" قيل لا ترضوا بأعمالهم فإن كنت في القوة بحيث لا تزداد حباً لهم بذلك فلا بأس بالأخذ. وقد حكي عن بعض عباد البصرة أنه كان يأخذ أموالاً ويفرقها فقيل له: ألا تخاف أن تحبهم? فقال: لو أخذ رجل بيدي وأدخلني الجنة ثم عصى ربه ما أحبه قلبي، لأن الذي سخره للأخذ بيدي هو الذي أبغضه لأجله شكراً له على تسخيره إياه. وبهذا تبين أخذ المال الآن منهم وإن كان ذلك المال بعينه من وجه حلال محذور ومذموم لأنه لا ينفك عن هذه الغوائل.

مسألة: إن قال قائل: إذا جاز أخذ ماله وتفرقته فهل يجوز أن يسرق ماله أو تخفى وديعته وتنكر وتفرق على الناس? فنقول: ذلك غير جائز لأنه ربما يكون له مالك معين وهو على عزم أن يرده عليه، وليس هذا كما لو بعثه إليك، فإن العاقل لا يظن به أن يتصدق بمال يعلم مالكه فيدل تسليمه على أنه لا يعرف مالكه فإن كان ممن يشكل عليه مثله فلا يجوز أن يقبل منه المال ما لم يعرف ذلك ثم كيف يسرق ويحتمل أن يكون ملكه قد حصل له بشراء في ذمته? فإن اليد دلالة على الملك. فهذا لا سبيل إليه بل لو وجد لقطة وظهر أن صاحبها جندي واحتمل أن تكون له بشراء في الذمة أو غيره وجب الرد عليه. فإذاً لا يجوز سرقة ما لم لا منهم ولا ممن أودع عنده. ولا يجوز إنكار وديعتهم ويجب الحد على سارق مالهم إلا إذا ادعى السارق أنه ليس ملكاً لهم فعند ذلك يسقط الحد بالدعوى.

مسألة: المعاملة معهم حرام لأن أكثر مالهم حرام فما يؤخذ عوضاً فهو حرام، فإن أدى الثمن من موضع يعلم حله فيبقى النظر فيما سلم إليهم، فإن علم أنهم يعصون الله به كبيع الديباج منهم وهو يعلم أنهم يلبسونه فذلك حرام كبيع العنب من الخمار، وفي معناه بيع الفرس منهم، لا سيما في وقت ركوبهم إلى قتال المسلمين أو جباية أموالهم فإن ذلك إعانة لهم بفرسه وهي محظورة. فأما بيع الدراهم والدنانير منهم وما يجري مجراها مما لا يعصى في عينه بل يتوصل بها فهو مكروه لما فيه من إعانتهم على الظلم لنهم يستعينون على ظلمهم بالأموال والدواب وسائر الأسباب وهذه الكراهة جارية في الإهداء إليهم وفي العمل لهم من غير أجرة حتى في تعليمهم وتعليم أولادهم الكناية والترسل والحساب، وأما تعليم القرآن فلا يكره إلا من حيث أخذ الأجرة فإن ذلك حرام إلا من وجه يعلم حله، ولو انتصب وكيلاً لهم يشتري لهم في الأسواق من غير جعل أو أجرة فهو مكروه من حيث الإعانة، وإن اشترى لهم ما يعلم أنهم يقصدون به المعصية كالغلام والديباج للفرش واللبس والفرس للركوب إلى الظلم والقتل فذلك حرام. فمهما ظهر قصد المعصية بالمبتاع حصل التحريم ومهما لم يظهر واحتمل بحكم الحال ودلالتها عليه حصلت الكراهة.

مسألة: الأسواق التي بنوها بالمال الحرام تحرم التجارة فيها ولا يجوز سكناها، فإن سكنها تاجر واكتسب بطريق شرعي لم يحرم كسبه وكان عاصياً بسكناه، وللناس أن يشتروا منهم، ولكن لو وجدوا سوقاً أخرى فالأولى الشراء منها فإن ذلك إعانة لسكناهم وتكثيراً لكراء حوانيتهم، وكذلك معاملة السوق التي لا خراج لهم عليها أحب من معاملة سوق لهم عليها خراج، وقد بالغ القوم حتى تحرزوا من معاملة الفلاحين وأصحاب الأراضي التي لهم عليها الخراج فإنهم ربما يصرفون ما يأخذون إلى الخراج فيحصل به الإعانة، وهذا غلو في الدين وحرج على المسلمين فإن الخراج قد عم الأراضي ولا معنى للمنع منه، ولو جاز هذا لحرم على المالك زراعة الأرض حتى لا يطلب خراجها. وذلك مما يطول ويتداعى إلى حسم باب المعاش.

مسألة: معاملة قضاتهم وعمالهم وخدمهم حرام كمعاملتهم بل أشد. أما القضاة، فلأنهم يأخذون من أموالهم الحرام الصريح ويكثرون جمعهم ويغرون الخلق بزيهم فإنهم على زي العلماء ويختلطون بهم ويأخذون من أموالهم والطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بذوي الجاه والحشمة. فهم سبب انقياد الخلق إليهم. وأما الخدم والحشم فأكثر أموالهم من الغضب الصريح ولا يقع في أيديهم مال المصلحة وميراث وجزية ولا وجه حلال حتى تضعف الشبهة باختلاط الحلال بمالهم. قال طاوس: لا أشهد عندهم وإن تحققت لأني أخاف تعديهم على من شهدت عليه. وبالجملة، إنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفاً من إنكارهم. ولذلك قال ﷺ: "لا تزال هذه الأمة تحت يدي الله وكنفه ما لم يمالئ قراؤها أمراءها". وإنما ذكر القراء لأنهم كانوا هم العلماء وإنما كان علمهم بالقرآن ومعانيه المفهومة بالسنة. وما وراء ذلك من العلوم فهي محدثة بعدهم. وقد قال سفيان: لا تخالط السلطان ولا من يخالطه. وقال صاحب القلم وصاحب الدواة وصاحب القرطاس وصاحب الليطة بعضهم شركاء بعض. وقد صدق فإن رسول الله ﷺ لعن في الخمر عشرة حتى العاصر والمعتصر وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه ملعونون على لسان محمد ﷺ". وكذا رواه جابر وعمر عن رسول الله ﷺ وقال ابن سيرين: لا تحمل للسلطان كتاباً حتى تعلم ما فيه، وامتنع سفيان رحمه الله من مناولة الخليفة في زمانه دواة بين يديه وقال: حتى أعلم ما تكتب بها فكل من حواليهم من خدمهم وأتباعهم ظلمة مثلهم يجب بغضهم في الله جميعاً.

وروي عن عثمان بن زائدة أنه سأله رجل من الجند وقال: أين الطريق? فسكت وأظهر الصمم وخاف أن يكون متوجهاً إلى ظلم فيكون هو بإرشاده إلى الطريق معيناً. وهذه المبالغة لم تنقل عن السلف مع الفساق من التجار والحاكة والحجامين وأهل الحمامات والصاغة والصباغين وأرباب الحرف مع غلبة الكذب والفسق عليهم، بل مع الكفار من أهل الذمة، وإنما هذا في الظلمة خاصة الآكلين لأموال اليتامى والمساكين والمواظبين على إيذاء المسلمين الذين تعاونوا على طمس رسوم الشريعة وشعائرها. وهذا لأن المعصية تنقسم إلى لازمة ومتعدية، والفسق لازم لا يتعدى، وكذا الكفر وهو جناية على حق الله تعالى وحسابه على الله وأما معصية الولاة بالظلم وهو متعد فإنما يغلظ أمرهم لذلك وبقدر عموم الظلم وعموم التعدي يزدادون عند الله مقتاً فيجب أن يزداد منهم اجتناباً ومن معاملتهم احترازاً فقد قال ﷺك "يقال للشرطي دع سوطك وادخل النار" وقال ﷺ: "من أشراط الساعة رجال معهم سياط كأذناب البقر"، فهذا حكمهم ومن عرف بذلك منهم فقد عرف ومن لم يعرف فعلامته القباء وطول الشوارب وسائر الهيئات المشهورة. فمن رئي على تلك الهيئة تعين اجتنابه ولا يكون ذلك من سوء الظن لأنه الذي جنى على نفسه إذ تزيا بزيهم، ومساواة الزي تدل على مساواة القلب ولا يتجانن إلا مجنون ولا يتشبه بالفساق إلا فاسق، نعم الفاسق قد يلتبس فيستبه بأهل الصلاح فأما الصلح فليس له أن يتشبه بأهل الفساد لأن تكثير لسوادهم، وإنما نزل قوله تعالى: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" في قوم من المسلمين كانوا يكثرون جماعة المشركين بالمخالطة، وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستين ألفاً من شرارهم، فقال: ما بال الأخيار? قال: إنهم لا يغضبون لغضبي فكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم. وبهذا يتبين أن بعض الظلمة والغضب لله عليهم واجب، وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ: "إن الله لعن علماء بني إسرائيل إذ خالطوا الظالمين في معاشهم".

مسألة: المواضع التي بناها الظلمة كالقناطر والرباطات والمساجد والسقايات ينبغي أن يحتاط فيها وينظر. أما القنطرة فيجوز العبور عليها للحاجة، والورع الاحتراز ما أمكن وإن وجد عنه معدلاً تأكد الورع. وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلاً لأنه إذا لم يعرف لتلك الأعيان مالكاً كان حكمها أن ترصد للخيرات وهذا خير، فأما إذا عرف أن الآجر والحجر قد نقل من دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذا لا يحل العبور عليه أصلاً إلا لضرورة يحل بها مثل ذلك من مال الغير، ثم يجب عليه الاستحلال من المالك الذي يعرفه. وأما المسجد فإن بني في أرض مغصوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو ملك معين فلا يجوز دخوله أصلاً ولا للجمعة بل لو وقف الإمام فيه فليصل هو خلف الإمام وليقف خارج المسجد فإن الصلاة في الأرض المغصوبة تسقط الفرض وتنعقد في حق الاقتداء، فلذلك جوزنا للمقتدي الاقتداء بمن صلى في الأرض المغصوبة وإن عصى صاحبه بالوقوف في الغصب،. وإن كان من مال لا يعرف مالكه فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم يجد غيره فلا يترك الجمعة والجماعة به لأنه يحتمل أن يكون من الملك الذي بناه ولو على بعد وإن لم يكن له ملك معين فهو لمصالح المسلمين ومهما كان في المسجد الكبير بناء لسلطان ظالم فلا عذر لمن يصلي فيه مع اتساع المسجد، أعني في الورع، قيل لأحمد بن حنبل: ما حجتك في ترك الخروج إلى الصلاة في جماعة ة نحن بالعسكر? فقال: حجتي أن الحسن وإبراهيم التيمي خافا أن يفتنهما الحجاج وأن أخاف أن أفتن أيضاً. وأما الخلوق والتجصيص فلا يمنع من الدخول لأنه غير منتفع به في الصلاة وإنما هو زينة والأولى أنه لا ينظر إليه، وأما البواري التي فرشوها فإن كان لها مالك معين فيحرم الجلوس عليها وإلا فبعد أن أرصدت لمصلحة عامة جاز افتراشها، ولكن الورع العدول عنها فإنها محل شبهة. وأما السقاية فحكمها ما ذكرناه وليس من الورع الوضوء والشرب منها والدخول إليها إلا إذا كان يخاف فوات الصلاة فيتوضأ وكذا مصانع طريق مكة. وأما الرباطات والمدارس فإن كانت رقبة الأرض مغصوبة أو الآجر منقولاً من موضع معين يمكن الرد إلى مستحقه فلا رخصة للدخول فيه وإن التبس المالك فقد أرصد لجهة من الخير، والورع اجتنابه ولكن لا يلزم الفسق بدخوله. وهذه الأبنية إن أرصدت من خدم السلاطين فالأمر فيها أشد إذ ليس لهم صرف الأموال الضائعة إلى المصالح ولأن الحرام أغلب على أموالهم إذ ليس لهم أخذ مال المصالح وإنما يجوز ذلك للولاة وأرباب الأمر.

مسألة: الأرض المغصوبة إذا جعلت شارعاً لم يجز أن يتخطى فيه البتة وإن لم يكن له مالك معين جاز، والورع العدول إن أمكن، فإن كان الشارع مباحاً وفوقه ساباط جاز العبور وجاز الجلوس تحت الساباط على وجه لا يحتاج فيه إلى السقف كما يقف في الشارع لشغل، فإذا انتفع بالسقف في دفع حر الشمس أو المطر أو غيره فهو حرام لأن السقف لا يراد إلا لذلك، وهكذا حكم من يدخل مسجداً أو أرضاً مباحة سقف أو حوط بغصب فإنه بمجرد التخطي لا يكون منتفعاً بالحيطان والسقف إلا إذا كان له فائدة في الحيطان والسقف لحر أو برد تستر عن بصر أو غيره، فذلك حرام لأنه انتفاع بالحرام إذ لم يحرم الجلوس على الغصب لما فيه من المماسة بل للانتفاع، والأرض تراد للاستقرار عليها والسقف للاستظلال به فرق بينهما. 

==========

 

الباب السابع
في مسائل متفرقة يكثر مسيس الحاجة إليها


وقد سئل عنها في الفتاوي

مسألة: سئل عن خادم الصوفية يخرج إلى السوق ويجمع طعاماً أو نقداً ويشتري به طعاماً فمن الذي يحل له أن يأكل منه? وهل يختص بالصوفية أم لا? فقلت: أما الصوفية فلا شبهة في حقهم إذا أكلوه وأما غيرهم فيحل لهم إذا أكلوه برضا الخادم ولكن لا يخلو عن شبهة، أما الحل فلأن ما يعطى خادم الصوفية إنما يعطى بسبب الصوفية ولكن هو المعطى لا الصوفية فهو كالرجل المعيل يعطى بسبب عياله لأنه متكفل بهم وما يأخذه يقع ملكاً له للعيال وله أن يطعم غير العيال إذ يبعد أن يقال لم يخرج عن ملك المعطي ولا يتسلط الخادم على الشراء به والتصرف فيه? لأن ذلك مصير إلى أن المعاطاة لا تكفي وهو ضعيف، ثم لا صائر إليه الصدقات والهدايا، ويبعد أن يقال زال الملك إلى الصوفية الحاضرين الذين هم وقت سؤاله في الخانقاه إذ لا خلاف أن له ن يطعم منه من يقدم بعدهم ولو ماتوا كلهم أو واحد منهم لا يجب صرف نصيبه إلى وارثه، ولا يمكن أن يقال إنه وقع لجهة التصرف ولا يتعين له مستحق لأن إزالة الملك إلى الجهة لا توجب تسليط الآحاد على التصرف فإن الداخلين فيه لا ينحصرون بل يدخل فيه من يولد إلى يوم القيامة، وإنما يتصرف فيه الولاة،والخادم لا يجوز له أن ينتصب نائباً عن الجهة فلا وجه إلا أن يقال هو ملكه وإنما يطعم الصوفية بوفاء شرط التصوف والمروءة فإن منعهم عنه منعوه عن أن يظهر نفسه في معرض التكفل بهم حتى ينقطع وقفه لما ينقطع عمن مات عياله.

مسألة: سئل عن مال أوصى به للصوفية فمن الذي يجوز أن يصرف إليه? فقلت: التصوف أمر باطن لا يطلع عليه ولا يمكن ضبط الحكم بحقيقته بل بأمور ظاهرة يعول عليها أهل العرف في إطلاق اسم الصوفي، والضابط الكلي أن كل من هو بصفة إذا نزل في خانقاه الصوفية لم يكن نزوله فيها واختلاطه بهم منكراً عندهم فهو داخل في غمارهم. والتفصيل أن يلاحظ فيه خمس صفات الصلاح والفقر وزي الصوفية وأن لا يكون مشتغلاً بحرفة وأن يكون مخالطاً لهم بطريق المساكنة في الخانقاه. ثم بعض هذا الصفات مما يوجب زوالها زوال الاسم وبعضها ينجبر بالبعض فالفسق يمنع هذا الاستحقاق لأن الصوفي بالجملة عبارة عن رجل من أهل الصلاح بصفة مخصوصة، فالذي يظهر فسقه وإن كان على زيهم لا يستحق ما أوصى به للصوفية ولسنا نعتبر فيه الصغائر. وأما الحرفة والاشتغال بالكسب فإنه يمنع هذا الاستحقاق فالدهقان والعامل والتاجر والصانع في حانوته أو داره والأجير الذي يخدم بأجرة كل هؤلاء لا يستحقون ما أوصى به الصوفية ولا ينجبر هذا بالزي والمخالطة، فأما الوراقة والخياطة وما يقرب منهما مما يليق بالصوفية تعاطيها، فإذا تعاطاها لا في حانوت ولا على جهة اكتساب وحرفة فذلك لا يمنع الاستحقاق وكان ذلك ينجبر بمساكنته إياهم مع بقية الصفات، وأما القدرة على الحرف من غير مباشرة لا تمنع، وأما الوعظ والتدريس فلا ينافى اسم التصوف إذا وجدت بقية الخصال من الزي والمساكنة والفقر إذ لا يتناقض أن يقال صوفي مقرئ وصوفي واعظ وصوفي عالم أو مدرس، ويتناقض أن يقال صوفي دهقان وصوفي تاجر وصوفي عامل، وأما الفقر فإن زال بغنى مفرط ينسب الرجل إلى الثروة الظاهرة فلا يجوز معه أخذ وصية الصوفية، وإن كان له مال ولا يفي دخله بخرجه لم يبطل حقه،وكذا إذا كان له مال قاصر عن وجوب الزكاة وإن لم يكن خرج وهذه أمور لا دليل لها إلا العادات. وأما المخالطة لهم ومساكنتهم فلها أثر ولكن من لا يخالطهم وهو في داره أو في مسجد على زيهم ومتخلق بأخلاقهم فهو شريك في سهمهم وكأن ترك المخالطة يجبرها ملازمة الزي فإن لم يكن على زيهم ووجد فيه بقية الصفات فلا يستحق إلا إذا كان مساكناً لهم في الرباط فينسحب عليه حكمهم بالتبعية. فالمخالطة والزي ينوب كل واحد منهما عن الآخر. والفقيه الذي ليس على زيهم هذا حكمه فإن كان خارجاً لم يعد صوفياً وإن كان ساكناً معهم ووجدت بقية الصفات لم يبعد أن ينسحب بالتبعية عليه حكمهم. وأما لبس المرقعة من يد شيخ من مشايخهم فلا يشترط ذلك في الاستحقاق، وعدمه لا يضره مع وجود الشرائط المذكورة. وأما المتأهل المتردد بين الرباط والمسكن فلا يخرج بذلك عن جملتهم.

مسألة: ما وقف على رباط الصوفية وسكانه فالأمر فيه أوسع مما أوصى لهم به لأن معنى الوقوف الصرف إلى مصالحهم، فلغير الصوفي أن يأكل معهم برضاهم على مائدتهم مرة أو مرتين فإن أمر الأطعمة مبناه على التسامح حتى جاز الانفراد بها في الغنائم المشتركة وللقوال أن يأكل معهم في دعوتهم من ذلك الوقف وكان ذلك من مصالح معايشهم، وما أوصى به للصوفية لا يجوز أن يصرف إلى قوال الصوفية بخلاف الوقف، وكذلك من أحضروه من العمال والتجار والقضاة والفقهاء ممن لهم غرض في استمالة قلوبهم يحل لهم الأكل برضاهم، فإن الواقف لا يقف إلا معتقداً فيه ما جرت به عادات الصوفية فينزل على العرف ولكن ليس هذا على الدوام، فلا يجوز لمن ليس صوفياً أن يسكن معهم على الدوام ويأكل وإن رضوا به إذ ليس لهم تغيير شرط الواقف بمشارة غير جنسهم. وأما الفقيه إذا كان على زيهم وأخلاقهم فله النزول عليهم، وكونه فقيهاً لا ينافي كونه صوفياً، والجهل ليس بشرط في التصوف عند من يعرف التصوف، ولا يلتفت إلى خرافات بعض الحمقى بقولهم: إن العلم حجاب فإن الجهل هو الحجاب. وقد ذكرنا تأويل هذه الكلمة في كتاب العلم، وأن الحجاب هو العلم المذموم دمن المحمود، وذكرنا المحمود والمذموم وشرحهما. وأما الفقيه إذا لم يكن على زيهم وأخلاقهم فلهم منعه من النزول عليهم فإن رضوا بنزوله فيحل له الأكل معهم بطريق التبعية فكان عدم الزي تجبره المساكنة ولكن برضا أهل الزي، وهذه أمور تشهد لها العادات ومنها أمور متقابلة لا يخفى أطرافها في النفي والإثبات ومتشابه أوساطها فمن احترز في مواضع الاشتباه فقد استبرأ لدينه كما نبهنا عليه في أبواب الشبهات.

مسألة: سئل عن الفرق بين الرشوة والهدية مع أن كل واحد منهما يصدر عن الرضا ولا يخلو عن غرض وقد حرمت إحداهما دون الأخرى. فقلت: باذل المال لا يبذله قط إلا لغرض، ولكن الغرض إما آجل كالثواب وإما عاجل، والعاجل إما مال وإما فعل وإعانة على مقصود معين وإما تقرب إلى قلب المهدي إليه بطلب محبته إما للمحبة في عينها وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض وراءها فالأقسام الحاصلة من هذه خمسة: الأول: ما غرضه الثواب في الآخرة وذلك إما أن يكون لكون المصروف إليه محتاجاً أو عالماً أو منتسباً بنسب ديني أو صالحاً في نفسه متديناً. فما علم الآخذ أنه يعطاه لحاجته لا يحل له أخذه إن لم يكن محتاجاً، وما علم أنه يعطاه لشرف نسبه لا يحل له أنه كاذب في دعوى النسب، وما يعطى لعلمه فلا يحل له أن يأخذه إلا أن يكون في العلم كما يعتقده المعطي، فإن كان خيل إليه كمالاً في العلم حتى بعثه بذلك على التقرب ولم يكن كاملاً لم يحل له، وما يعطى لدينه وصلاحه لا يحل له أن يأخذه إن كان فاسقاً في الباطن فسقاً لو علمه المعطي ما أعطاه، وقلما يكون الصالح بحيث لو انكشف باطنه لبقيت القلوب مائلة إليه وإنما ستر الله الجميل هو الذي يحبب الخلق إلى الخلق. وكان المتورعون يوكلون في الشراء من لا يعرف أنه وكيلهم حتى لا يتسامحوا في المبيع خيفة من أن يكون ذلك أكلاً بالدين فإن ذلك مخطر والتقي خفي لا كالعلم والنسب والفقر فينبغي أن يجتنب الأخذ بالدين ما أمكن.

القسم الثاني: ما يقصد به العاجل غرض معين كالفقير يهدي إلى الغني طمعاً في خلعته فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفى حكمها وإنما تحل عند الوفاء بالثواب المطموع فيه وعند وجود شروط العقود.

الثالث: أن يكون المراد إعانة بفعل معين كالمحتاج إلى السلطان يهدي إلى وكيل السلطان وخاصته ومن له مكانة عنده فهذه هدية بشرط ثواب يعرف بقرينة الحال، فلينظر في ذلك العمل الذي هو الثواب فإن كان حراماً كالسعي في تنجيز إدرار حرام أو ظلم إنسان أو غيره حرم الأخذ، وإن كان واجباً كدفع ظلم متعين على كل من يقدر عليهأو شهادة متعينة فيحرم عليه ما يأخذه وهي الرشوة التي لا يشك في تحريمها، وإن كان مباحاً لا واجباً ولا حراماً وكان فيه تعب بحيث لو عرف لجاز الاستئجار عليه فما يأخذه حلال مهما وفى بالغرض، وهو جار مجرى الجعالة كقوله: أوصل هذه القصة إلى يد فلان أو يد السلطان ولك دينار وكان بحيث يحتاج إلى يعب وعمل متقوم، أو قال اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا أو ينعم علي بكذا وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام طويل، فذلك جعل كما يأخذه الوكيل بالخصومة بين يدي القاضي فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام، وإن كان مقصوده يحصل بكلمة لا تعب فيها ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه أو تلك الفعلة من ذي الجاه يفيد كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان أو كوضعه قصة بين يدي السلطان فقط، فهذا حرام لأنه عوض عن الجاه، ولم يثبت في الشرع جواز ذلك بل ثبت ما يدل على النهي عنه. كما سيأتي في هدايا الملوك. وإذا كان لا يجوز العوض عن إسقاط الشفعة والرد بالعيب ودخول الأغصان في هواء الملك وجملة من الأغراض مع كونها مقصودة فكيف يؤخذ عن الجاه? ويقرب من هذا أخذ الطبيب العوض على كلمة واحدة ينبه بها على دواء ينفرد بمعرفته كواحد ينفرد بالعلم بنبت يقلع البواسير أو غيره فلا يذكره إلا بعوض فإن عمله بالتلفظ به غير متقوم كحبة من سمسم فلا يجوز أخذ العوض عليه ولا على علمه، إذ ليس ينتقل علمه على غيره وإنما يحصل لغيره مثل علمه ويبقى هو عالماً به، ودون هذا: الحاذق في الصناعة كالصيقلي مثلاً الذي يزيل اعوجاج السيف أو المرآة بدقة واحدة لحسن معرفته بموضع الخلل، ولحذقه بإصابته فقد يزيد بدقة واحدة مال كثير في قيمة السيف والمرآة فهذا لا أرى بأساً بأخذ الأجرة عليه، لأن مثل هذه الصناعات يتعب الرجل في تعلمها ليكتسب ويخفف عن نفسه كثرة العمل.

الرابع: ما يقصد به المحبة وجلبها من قبل المهدي إليه لا لغرض معين ولكن طلباً للاستئناس وتأكيداً للصحبة وتودداً إلى القلوب فذلك مقصود للعقلاء ومندوب إليه في الشرع. قال ﷺ: "تهادوا تحابوا"، وعلى الجملة فلا يقصد الإنسان في الغالب أيضاً محبة غيره لعين المحبة بل لفائدة في محبته ولكن إذا لم تتعين تلك الفائدة ولم يتمثل في نفسه غرض معين يبعثه في الحال أو المآل سمي ذلك هدية وحل أخذها.

الخامس:

 

 

 

= أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته لا للأنس به من حيث إنه أنس فقط بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها وإن لم ينحصر عينها وكان لولا جاهه وحشمته لكان لا يهدي إليه، فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب فلأمر فيه أخف وأخذه مكروه فإن فيه مشابهة الرشوة ولكنها هدية في ظاهرها، فإن كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية حتى ولاية الأوقاف مثلاً، وكان لولا تلك الولاية لكان لا يهدي إليه فهذه رشوة عرضت في معرض الهدية إذ القصد بها في الحال طلب التقرب واكتساب المحبة ولكن الأمر ينحصر في جنسه إذ ما يمكن التوصل إليه بالآيات لا يخفى وآية أنه لا يبغي المحبة أنه لو ولى في الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير، فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة واختلفوا في كونه حراماً، والمعنى فيه متعارضاً فإنه دائر بين الهدية المحضة وبين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه في غرض معين، وإذا تعارضت المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحمدهما تعين الميل إليه، وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك قال ﷺ: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية والقتل بالموعظة يقتل البريء لتوعظ به العامة"، وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن السحت فقال: يقضي الرجل الحاجة فتهدى له الهدية ولعله أراد قضاء الحاجة بكلمة لا تعب فيها أو تبرع بها لا على قصد أجرة، فلا يجوز أن يأخذ بعده شيئاً في معرض العوض، شفع مسروق شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها. وسئل طاوس عن هدايا السلطان فقال: سحت.

 

 

 

= وأخذ عمر رضي الله عنه ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال وقال: إنما أعطيتما لمكانكما مني إذ علم أنهما أعطيا لأجل جاه الولاية. وأهدت امرأة أبي عبيدة بن الجراح إلى خاتون ملكة الروم خلوقاً فكافأتها بجوهر فأخذه عمر رضي الله عنه فباعه وأعطاها ثمن خلوقها ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين. 

 

 

 

= وقال جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما: هدايا الملوك غلول. ولم رد عمر بن عبد العزيز الهدية قيل له: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية فقال: كان ذلك له هدية وهو لنا رشوة" أي كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ونحن إنما نعطى الولاية. وأعظم من ذلك كله ما روى أبو حميد الساعدي "أن رسول الله ﷺ بعث والياً على صدقات الأزد فلما جاء إلى رسول الله ﷺ أمسك بعض ما معه وقال: هذا لكم وهذا لي هدية، فقال عليه السلام: "ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً"، ثم قال: "مالي أستعمل الرجل منكم فيقول: هذا لكم وهذا لي هدية ألا أجلس في بيت أمه ليهدى له والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئاً بغير حقه إلا أتى الله يحمله فلا يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر"، ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم هل بلغت". وإذا ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والولي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه فما بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته، وما يعلم أنه، إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه، وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولاً? فهو شبهة فليجتنبه.

 يستكمل الصفحة التالي ان شاء الله←←←←←

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب : الفتن لنعيم بن حماد المروزي {من حديث رقم 1 الي2001 -}

  مكتبة العلوم الشاملة كتاب : الفتن   لنعيم بن حماد المروزي ما كان من رسول الله صلى عليه وسلم من التقدم ومن أصحابه في الفتن التي ه...