ليس للنشر

 

ليس للنشر

دليل المدونة


كتاب:عجائب النباتات والفواكه والحيوانات/السراج الدي...**3 مراحل زمنية في/*موقع1./يشوع يخلف موسى*حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج صدق رسول الله صلي ع وسلم*مناظرة بين الإسلام*و...*إنجيل*توما*دلائل تحريف الكتاب المقدس - د\شريف سالم (سلسلة جدي...*بولس و أثره في النصرانية// دراسـة تحلـيلية إعداد ط.../تراجم الكتاب المقدس العربية/سفر الخروج/موقع المسيحية في الميزان/فرق القاديانية/القاديانية إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي/فوائد من مصنفات العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد/الفرق والملل المنتسبة للاسلام/ـ حزب التحرير - الشيخ عبدالرحمن دمشقية/الرد علي/القاديانيين وغيرهم/مواقع وأدلة وكتب/من موقع روح الإسلام./مؤلفات ابن تيمية للتحميل/الأشاعرة من هم وماذا غيروا في الاسلام/الأشاعرة/فرقة الإباضية/فرقة المعتزلة /روابط مكتبة صيد الفوائد/رابط مكتبة صيد الفوائد/ صفة الوضوء صفحة الصلاة صفة الجنازة صفحة الع.../روابط الحديث/روابط مكتبات جديدة/روابط الكتب المطبوعة  pdf--/مكتبة الإمام الذهبي - الإصدار الثاني المؤلف موقع ر.../الفوائد البهية من كتب شيخ الاسلام ابن تيمية في .../روابط كتب الغزالي حسب {مواقعها}/التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة .../ج1== كتاب/إحياء علوم الدين للغزالي/كتاب أسرار الصلاة ومهماتها/الباب الثالث /الي بداية.../تابع كتاب إحياء علوم الدين/ للغزالي {من الي كتاب أو.../كتاب آداب النكاح{ كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء .../كتاب آداب النكاح وهو/الكتاب/الثاني من ربع العادات .../تابع كتاب إحياء علوم الدين للغزالي { من كتاب آداب .../تابع كتاب إحياء علوم/الدين للغزالي { 10- كتاب آداب.../تابع كتاب احياء علوم الدين للغزالي الامام [ من كتا.../تابع [إحياء علوم/الدين/كتاب ذم الجاه والرياء/الشطر.../آداب المشي إلى الصلاة لمحمد بن عبد الوهاب./جمع النهاية في بدء الخير والغاية ابن أبي جمرة الأزدي



الأربعاء، 2 مارس 2022

كتاب آداب النكاح{ كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء الليل -- الي أول كتاب آداب النكاح}



كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء الليل 
 
 
 
وهو الكتاب العاشر من إحياء علوم الدين وبه اختتام ربع العبادات نفع الله به المسلمين 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم 
 
 
 
نحمد الله على آلائه حمداً كثيراً ونذكره ذكراً لا يغادر في القلب استكباراً ولا نفوراً ونشكره إذ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ونصلي على نبيه الذي بعثه بالحق بشيراً ونذيراً وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين الذين اجتهدوا في عبادة الله غدوة وعشياً وبكرة وأصيلاً حتى أصبح كل واحد منهم نجماً في الدين هادياً وسراجاً منيراً. 
 
 
 
أما بعد: فإن الله تعالى جعل الأرض ذلولاً لعباده لا ليستقروا في مناكبها بل ليتخذوها منزلاً فيتزودوا منها زاداً يحملهم في سفرهم إلى أوطانهم ويكتنزون منها تحفاً لنفوسهم عملاً وفضلاً محترزين من مصايدها ومعاطبها ويتحققون أن العمر يسير بهم سير السفينة براكبها. فالناس في هذا العالم سفر وأول منازلهم المهد وآخرها اللحد والوطن هو الجنة أو النار. والعمر مسافة السفر؛ فسنوه مراحله، وشهوره فراسخه، وأيامه أمياله وأنفاسه خطواته وطاعته بضاعته وأوقاته رءوس أمواله، وشهواته وأغراضه قطاع طريقه، وربحه الفوز بلقاء الله تعالى في دا السلام مع الملك الكبير والنعيم المقيم، وخسرانه البعد من الله تعالى مع الأنكال والأغلال والعذاب الأليم في دركات الجحيم. فالغافل في نفس من أنفاسه حتى ينقضي في غير طاعة تقربه إلى الله زلفى متعرض في يوم التغابن لغبينة وحسرة ما لها منتهى ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد ودعوا بالكلية ملاذ النفس واغتنموا بقايا العمر. ورتبوا بحسب تكرر الأوقات وظائف الأوراد حرصاً على إحياء الليل والنهار في طلب القرب من الملك الجبار والسعي إلى دار القرار فصار من مهمات علم طريق الآخرة تفصيل القول في كيفية قسمة الأوراد وتوزيع العبادات التي سبق شرحها على مقادير الأوقات ويتضح هذا المهم بذكر بابين. الباب الأول في فضيلة الأوراد وترتيبها في الليل والنهار. الباب الثاني في كيفية إحياء الليل وفضيلته وما يتعلق به. 
 
 
====يستكمل بعده ان شاء الله
======
 
 
 
 
الباب الأول
في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها
فضيلة الأوراد وبيان أن المواظبة عليها هي الطريق إلى الله تعالى
 
 
 
اعلم أن الناظرين بنور البصيرة علموا أنه لا نجاة إلا في لقاء الله تعالى وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محباً لله تعالى وعارفاً بالله سبحانه. وأن المحبة والأنس لا تحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة عليه. وأن المعرفة به لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه وفي صفاته وأفعاله. وليس في الوجود سوى الله تعالى وأفعاله. ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقدر البلغة والضرورة وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار.
 
 
 
=  والنفس لما جبلت عليه من السآمة والملال لا تصبر على فن واحد من الأسباب المعينة على الذكر والفكر بل إذا ردت إلى نمط واحد أظهرت الملال والاستثقال وأن الله تعالى لا يمل حتى تملوا. فمن ضرورة اللطف بها أن تروح بالتنقل من فن إلى فن ومن نوع إلى نوع بحسب كل وقت لتغرز بالانتقال لذتها وتعظم باللذة رغبتها وتدوم بدوام الرغبة مواظبتها. فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة فالذكر والفكر ينبغي أن يستغرقا جميع الأوقات أو أكثرها فإن النفس بطبعها مائلة إلى ملاذ الدنيا. فإن صرف العبد شطر أوقاته إلى تدبيرات الدنيا وشهواتها المباحة مثلاً والشطر الآخر إلى العبادات رجح جانب الميل إلى الدنيا لموافقتها الطبع إذ يكون الوقت متساوياً؛ فأنى يتقاومان والطبع لأحدهما مرجح إذ الظاهر والباطن يتساعدان على أمور الدنيا ويصفو في طلبها القلب ويتجرد. وأما الرد إلى العبادات فمتكلف ولا يسلم إخلاص القلب فيه وحضوره إلا في بعض الأوقات فمن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في الطاعة. ومن أراد أن تترجح كفة حسناته وتثقل موازين خيراته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته فإن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فأمره محظر ولكن الرجاء غير منقطع والعفو من كرم الله منتظر فعسى الله تعالى أن يغفر له بجوده وكرمه؛ فهذا ما انكشف للناظرين بنور البصيرة؛ فإن لم تكن من أهله فانظر إلى خطاب الله تعالى لرسوله واقتبسه بنور الإيمان فقد قال الله تعالى لأقرب عباده إليه وأرفعهم درجة لديه "إن لك في النهار سبحاً طويلاً واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً" وقال تعالى "واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً" وقال تعالى "وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود" وقال سبحانه "وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم" وقال تعالى "إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً" وقال تعالى "ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى" وقال عز وجل "وأقم الصلاة طرفي الليل وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات" ثم انظر كيف وصف الفائزين من عباده وبماذا وصفهم فقال تعالى "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" وقال تعالى "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً" وقال عز وجل "والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً" وقال عز وجل "كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون" وقال عز وجل "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون" وقال تعالى "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه" فهذا كله يبين لك أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على سبيل الدوام. ولذلك قال ﷺ "أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله تعالى" وقد قال تعالى "الشمس والقمر بحسبان" وقال تعالى "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً" وقال تعالى "والقمر قدرناه منازل" وقال تعالى "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر" فلا تظنن أن المقصود من سير الشمس والقمر بحسبان منظوم مرتب ومن خلق الظل والنور والنجوم أن يستعان بها على أمور الدنيا بل لتعرف بها مقادير الأوقات فتشتغل فيها بالطاعات والتجارة للدار الآخرة يدلك عليه قوله تعالى "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً" أي يخلف أحدهما الآخر ليتدارك في أحدهما ما فات في الآخر وبين أن ذلك للذكر والشكر لا غير. وقال تعالى "وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب" وإنما الفعل المبتغى هو الثواب والمغفرة ونسأل الله حسن التوفيق لما يرضيه. 
 
 
 
 
بيان أعداد الأوراد وترتيبها اعلم أن أوراد النهار سبعة: فما بين طلوع الصبح إلى طلوع قرص الشمس ورد، وما بين طلوع الشمس إلى الزوال وردان، وما بين الزوال إلى وقت العصر وردان، وما بين العصر إلى المغرب وردان. والليل ينقسم إلى أربعة أوراد: وردان من المغرب إلى وقت نوم الناس، ووردان من النصف الأخير من الليل إلى طلوع الفجر.
 
 
= فلنذكر فضيلة كل ورد ووظيفته وما يتعلق به. 
 
 
 
فالورد الأول: ما بين طلوع الصبح إلى طلوع الشمس وهو وقت شريف ويدل على شرفه وفضله إقسام الله تعالى به إذ قال "والصبح إذا تنفس" وقدحه به إذ قال "فالق الإصباح" وقال تعالى "قل أعوذ برب الفلق" وإظهاره القدرة بقبض الظل فيه إذ قال تعالى "ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً" وهو وقت قبض ظل الليل ببسط نور الشمس وإرشاده الناس إلى التسبيح فيه بقوله تعالى "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون" وبقوله تعالى "فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" وقوله عز وجل "ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى" وقوله تعالى "واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً". 
 
 
 
فأما ترتيبه: فليأخذ من وقت انتباهه من النوم فإذا انتبه فينبغي أن يبتدىء بذكر الله تعالى فيقول الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور إلى آخر الأدعية والآيات التي ذكرناها في دعاء الاستيقاظ من كتاب الدعوات وليلبس ثوبه وهو في الدعاء وينوي به ستر عورته امتثالاً لأمر الله تعالى واستعانة به على عبادته من غير قصد رياء ولا رعونة ثم يتوجه إلى بيت الماء إن كان به حاجة إلى بيت الماء ويدخل أولاً رجله اليسرى ويدعو بالأدعية التي ذكرناها فيه في كتاب الطهارة عند الدخول والخروج. ثم يستاك على السنة - كما سبق - ويتوضأ مراعياً لجميع السنن والأدعية التي ذكرناها في الطهارة فإنا إنما قدمنا آحاد العبادات لكي نذكر في هذا الكتاب وجه التركيب والترتيب فقط. فإذا فرغ من الوضوء صلى ركعتي الفجر أعني السنة في منزله كذلك كان يفعل رسول الله ﷺ ويقرأ بعد الركعتين سواء أداهما في البيت أو المسجد الدعاء الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما ويقول "اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي إلى آخر الدعاء..." ثم يخرج من البيت متوجهاً إلى المسجد ولا ينسى دعاء الخروج إلى المسجد ولا يسعى إلى الصلاة سعياً بل يمشي وعليه السكينة والوقار كما ورد به الخبر ولا يشبك بين أصابعه. ويدخل المسجد ويقدم رجله اليمنى ويدعو بالدعاء المأثور لدخول المسجد ثم يطلب من المسجد الصف الأول إن وجد متسعاً ولا يتخطى رقاب الناس ولا يزاحم - كما سبق ذكره في كتاب الجمعة - ثم يصلي ركعتي الفجر إن لم يكن صلاهما في البيت ويشتغل بالدعاء المذكور بعدهما. وإن كان قد صلى ركعتي الفجر صلى ركعتي التحية وجلس منتظراً للجماعة. والأحب التغليس بالجماعة فقد كان ﷺ يغلس بالصبح ولا ينبغي أن يدع الجماعة في الصلاة عامة وفي الصبح والعشاء خاصة فلهما زيادة فضل. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال في صلاة الصبح "من توضأ ثم توجه إلى المسجد ليصلي فيه الصلاة كان له بكل خطوة حسنة ومحي عنه سيئة والحسنة بعشر أمثالها، فإذا صلى ثم انصراف عند طلوع الشمس كتب له بكل شعرة في جسده حسنة وانقلب بحجة مبرورة فإن جلس حتى يركع الضحى كتب له بكل ركعة ألفا ألف حسنة، ومن صلى العتمة فله مثل ذلك وانقلب بعمرة مبرورة" وكان من عادة السلف دخول المسجد قبل طلوع الفجر. قال رجل من التابعين "دخلت المسجد قبل طلوع الفجر فلقيت أبا هريرة قد سبقني فقال لي: يا ابن أخي لأي شيء خرجت من منزلك في هذه الساعة? فقلت: لصلاة الغداة فقال: أبشر فإنا كنا نعد خروجنا وقعودنا في المسجد في هذه الساعة بمنزلة غزوة في سبيل الله تعالى - أو قال - مع رسول الله ﷺ. وعن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة رضي الله عنهما وهما نائمان فقال: ألا تصليان قال علي: فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله تعالى فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف ﷺ فسمعته وهو منصرف يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً. ثم ينبغي أن يشتغل بعد ركعتي الفجر ودعائه بالاستغفار والتسبيح إلى أن تقام الصلاة فيقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه سبعين مرة وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة ثم يصلي الفريضة مراعياً جميع ما ذكرناه من الآداب الباطنة والظاهرة في الصلاة والقدوة. فإذا فرغ منها قعد في المسجد إلى طلوع الشمس في ذكر الله تعالى كما سنرتب فقد قال ﷺ "لأن أقعد في مجلسي أذكر الله تعالى فيه من صلاة الغداة إلى طلوع المس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب" وروي "أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس - وفي بعضها - ويصلي ركعتين" أي بعد الطلوع وقد ورد في فضل ذلك ما لا يحصى.
 
 
= وروى الحسن "أن رسول الله ﷺ كان فيما يذكره من رحمة ربه يقول إنه قال: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الفجر ساعة وبعد صلاة العصر ساعة أكفك ما بينهما" وإذا ظهر فضل ذلك فليقعد ولا يتكلم إلى طلوع الشمس بل ينبغي أن تكون صلاة العصر ساعة أكفك ما بينهما" وإذا ظهر فضل ذلك فليقعد ولا يتكلم إلى طلوع الشمس بل ينبغي أن تكون وظيفته إلى الطلوع أربعة أنواع أدعية وأذكار ويكررها في سبحة وقراءة قرآن وتفكر. أما الأدعية: فكلما يفرع من صلاته فليبدأ وليقل "اللهم صل عىل محمد وعلى آل محمد وسلم اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا بالسلام وأدخلنا دار السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" ثم يفتتح الدعاء بما كان يفتتح به رسول الله ﷺ وهو قوله "سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله أهل النعمة والفضل والثناء الحسن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرو" ثم يبدأ بالأدعية التي أوردناها في الباب الثالث والرابع من كتاب الأدعية فيدعو بجميعها إن قدر عليه أو يحفظ من جملتها ما يراه أو وفق بحاله وأرق لقلبه وأخف على لسانه. 
 
 
 
وأما الأذكار المكررة فهي كلمات ورد في تكرارها فضائل لم نطول بإيرادها وأقل ما ينبغي أن يكرر كل واحد منها ثلاثاً أو سبعاً وأكثره مائة أو سبعون وأوسطه عشر. فليكررها بقدر فراغه وسعة وقته وفضل الأكثر أكثر. والأوسط الأقصد أن يكررها عشر مرات فهو أجدر بأن يدوم عليه وخير الأمور أدومها وإن قل. وكل وظيفة لا يمكن المواظبةعلى كثيرها فقليلها مع المداومة أفضل وأشد تأثيراً في القلب مع كثيرها مع الفترة. ومثال القليل الدائم كقطرات ماء تتقاطر على الأرض على التوالي فتحدث فيها حفيرة ولو وقع ذلك على الحجر. ومثال الكثير المتفرق ماء يصب دفعة أو دفعات متفرقة متباعدة الأوقات فلا يبين لها أثر ظاهر وهذه الكلمات عشرة الأولى قوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير الثانية قوله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الثالثة قوله: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
 
= الرابعة قوله: سبحان الله العظيم وبحمده الخامسة قوله: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة السادسة قوله: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد السابعة قوله: لا إله إلا الله الملك الحق المبين الثامنة قوله: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم التاسعة اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم العاشرة قوله: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون فهذه العشر كلمات إذا كرر كل واحدة عشر مرات حصل له مائة مرة "فهو أفضل من أن يكرر ذكراً واحداً مائة مرة" لأن لكل واحدة من هؤلاء الكلمات فضلاً على حياله وللقلب بكل واحد نوع تنبه وتلذذ وللنفس في الانتقال من كلمة إلى كلمة نوع استراحة وأمن من الملل. فأما القراءة فيستحب له قراءة جملة من الآيات وردت الأخبار بفضلها وهو أن يقرأ سورة الحمد وآية الكرسي وخاتمة البقرة من قوله آمن الرسول وشهد الله وقل اللهم مالك الملك الآيتين وقوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخرها وقوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق إلى آخرها وقوله سبحانه الحمد لله لم يتخذ ولداً الآية وخمس آيات من أول الحديد وثلاثاً من آخر سورة الحشر وإن قرأ المسبعات العشر التي أهداها الخضر عليه السلام إلى إبراهيم التيمي رحمه الله ووصاه أن يقولها غدوة وعشية فقد استكمل الفضل وجمع له ذلك فضيلة جملة الأدعية المذكورة. فقد روي عن كرز بن وبرة رحمه الله وكان من الأبدال قال "أتاني أخ لي من أهل الشام فأهدى لي هدية وقال: يا كرز اقبل مني هذه الهدية فإنها نعمت الهدية" فقلت: يا أخي ومن أهدى لك هذه الهدية? قال: أعطانيها إبراهيم التيمي، قلت أفلم تسأل إبراهيم من أعطاه إياها? قال: كنت جالساً في فناء الكعبة وأنا في التهليل والتسبيح والتحميد والتمجيد فجاءني رجل فسلم علي وجلس عن يميني فلم أر في زماني أحسن منه وجهاً ولا أحسن منه ثياباً ولا أشد بياضاً ولا أطيب ريحاً مه فقلت يا عبد الله من أنت ومن أين جئت? فقال: أنا الخضر، فقلت: في أي شيء جئتني? فقال: جئتك للسلام عليك وحباً لك في الله وعندي هدية أريد أن أهديها لك فقلت: ما هي? قال: أن تقول قبل طلوع الشمس وقبل انبساطها على الأرض وقبل الغروب سورة الحمد وقل أعوذ برب الناس وقل أعوذ برب الفلق وقل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون وآية الكرسي كل واحدة سبع مرات وتقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر سبعاً وتصلي على النبي ﷺ سبعاً وتستغفر لنفسك ولوالديك وللمؤمنن والمؤمنات سبعاً وتقول: اللهم افعل بي وبهم عاجلاً وآجلاً في الدين والدنيا والآخرة ما أنت له أهل ولا تفعل بنا يا مولانا ما نحن له أهل إنك غفور حليم جواد كريم رءوف رحيم سبع مرات وانظر أن لا تدع ذلك غدوة وعشية فقلت: أحب أن تخبرني من أعطاك هذه العطية العظيمة? فقال: أعطانيها محمد ﷺ فقلت: أخبرني بثواب ذلك? فقال: إذا لقيت محمداً ﷺ فاسأله عن ثوابه فإنه يخبرك بذلك، فذكر إبراهيم التيمي: أنه رأى ذات يوم في منامه كأن الملائكة جاءته فاحتملته حتى أدخلوه الجنة فرأى مافيها ووصف أموراً عظيمة مما رآه في الجنة قال. فسألت الملائكة فقلت: لمن هذا? فقالوا: الذي يعمل مثل عملك وذكر أنه أكل من ثمرها وسقوه من شرابها قال: فأتاني النبي ﷺ ومعه سبعون نبياً وسبعون صفاً من الملائكة كل صف مثل ما بين المشرقو المغرب فسلم علي وأخذ بيدي فقلت: يا رسول الله الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث فقال: صدق الخضر صدق الخضر وكل ما يحكيه فهو حق وهو عالم أهل الأرض وهو رئيس الأبدال وهو من جنود الله تعالى في الأرض فقلت يا رسول الله فمن فعل هذا أو عمله ولم ير مثل الذي رأيت في منامي هل يعطى شيئاً مما أعطيته? فقال والذي بعثني بالحق نبياً إنه ليعطى العامل بهذا وإن لم يرني ولم ير الجنة إنه ليغفر له جميع الكبائر التي عملها ويرفع الله تعالى عنه غضبه ومقته ويأمر صاحب الشمال أن لا يكتب عليه خطيئة من السيئات إلى سنة والذي بعثني بالحق نبياً ما يعمل بهذا إلا من خلقه الله سعيداً ولا يتركه إلا من خلقه الله شقياً" وكان إبراهيم التيمي يمكث أربعة أشهر لم يطعم ولم يشرب فلعله كان بعد هذه الرؤيا. فهذه وظيفة القراءة؛ فإن أضاف إليها شيئاً مما انتهى إليه ورده من القرآن أو اقتصر عليه فهو حسن فإن القرآن جامع لفضل الذكر والفكر والدعاء مهما كان بتدبر كما ذكرنا فضله وآدابه في باب التلاوة. وأما الأفكار: فليكن ذلك إحدى وظائفه - وسيأتي تفصيل ما يتفكر فيه وكيفيته في كتاب التفكر من ربع المنجيات - ولكن مجامعة ترجع إلى فنين؛ أحدهما: أن يتفكر فيما ينفعه من المعاملة بأن يحاسب نفسه فيما سبق من تقصيره ويرتب وظائفه في يومه الذي بين يديه ويدبر في دفع الصوارف والعوائق الشاغلة له عن الخير ويتذكر تقصيره وما يتطرق إليه الخلل من أعماله ليصلحه ويحضر في قلبه النيات الصالحة من أعماله في نفسه وفي معاملته للمسلمين. والفن الثاني: فيما ينفعه في علم المكاشفة وذلك بأن يتفكر مرة في نعم الله تعالى وتواتر آلاته الظاهرة والباطنة لتزيد معرفته بها ويكثر شكره عليها أو في عقوباته ونقماته لتزيد معرفته بقدرة الإله واستغنائه ويزيد خوفه منها. ولكل واحد من هذه الأمور شعب كثيرة يتسع التفكر فيها على بعض الخلق دون البعض وإنما نستقضي ذلك في كتاب التفكر. ومهما تيسير الفكر فهو أشرف العبادات إذ فيه معنى الذكر لله تعالى وزيادة أمرين، أحدهما: زيادة المعرفة إذ الفكر مفتاح المعرفة والكشف. والثاني: زيادة المحبة إذ لا يحب القلب إلا من اعتقد تعظيمه ولا تنكشف عظمة الله سبحانه وجلاله إلا بمعرفة صفاته ومعرفة قدرته وعجائب أفعاله. فيحصل من الفكر المعرفة ومن المعرفة التعظيم ومن التعظيم المحبة. والذكر أيضاً يورث الأنس وهو نوع من المحبة ولكن المحبة التي سببها المعرفة أقوى وأثبت وأعظم. ونسبة محبة العارف إلى أنس الذاكر من غير تمام الاستبصار كنسبة عشق من شاهد جمال شخص بالعين واطلع على حسن أخلاقه وأفعاله وفضائله وخصاله الحميدة بالتجربة إلى أنس من كرر على سمعه وصف شخص غائب عن عينه بالحسن في الخلق والخلق مطلقاً من غير تفصيل وجوه الحسن فيهما فليس محبته له كمحبة المشاهد وليس الخبر كالمعاينة. فالعباد المواظبون على ذكر الله بالقلب واللسان الذين يصدقون بما جاءت به الرسل بالإيمان التقليدي ليس معهم من محاسن صفات الله تعالى إلا أمور جميلة اعتقدوها بتصديق عن وصفها لهم. والعارفون هم الذين شاهدوا ذلك الجلال والجمال بعين البصيرة الباطنة التي هي أقوى من البصر الظاهر لأن أحداً لم يحط بكنه جلاله وجماله فإن ذلك غير مقدور لأحد من الخلق ولكن كل واحد شاهد بقدر ما رفع له من الحجاب ولا نهاية لجمال حضرة الربوبية ولا لحجبها. وإنما عدد حجبها التي استحقت أن تسمى نوراً وكاد يظن الواصل إليها أنه قد تم وصوله إلى الأصل سبعون حجاباً. قال ﷺ "إن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وتلك الحجب أيضاً مترتبة وتلك الأنوار متفاوتة في الرتب تفاوت الشمس والقمر والكواكب ويبدو في الأول أصغرها ثم ما يليه وعليه أول بعض الصوفية درجات ما كان يظهر لإبراهيم الخليل ﷺ في ترقيه وقال "فلما جن عليه الليل" أي أظلم عليه الأمر "رأى كوكباً" أي وصل إلى حجاب من حجب النور فعبر عنه بالكوكب وما أريد به هذه الأجسام المضيئة فإن آحاد العوام لا يخفى عليهم أن الربوبية لا تليق بالأجسام بل يدركون ذلك بأوائل نظرهم فما لا يضلل العوام لا يضلل الخليل عليه السلام. والحجب المسماة أنواراً ما أريد بها الضوء المحسوس بالبصر بل أريد بها ما أريد بقوله تعالى "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح" الآية ولنتجاوز هذه المعاني فإنها خارجة عن علم المعاملة ولا يوصل إلى حقائقها إلا الكشف التابع للفكر الصافي وقل م ينفتح له بابه والمتيسر على جماهير الخلائق الفكر فيما يفيد في علم المعاملة وذلك أيضاً مما تغزر فائدته ويعظم نفعه. فهذه الوظائف الأربعة أعني: الدعاء والذكر والقراءة والفكر، ينبغي أن تكون وظيفة المريد بعد صلاة الصبح بل في كل ورد بعد الفراغ من وظيفة الصلاة فليس بعد الصلاة وظيفة سوى هذه الأربع" ويقوى على ذلك بأن يأخذ سلاحه ومجنته والصوم هو الجنة التي تضيق مجاري الشيطان المعادي الصارف له عن سبيل الرشاد. وليس بعد طلوع الصبح صلاة سوى ركعتي الفجر وفرض الصبح إلى طلوع الشمس كان رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم يشتغلون في هذا الوقت بالأذكار وهو الأولى إلى أن يغلبه النوم قبل الفرض ولم يندفع إلا بالصلاة فلو صلى لذلك فلا بأس به. 
 
 
 
الورد الثاني:
 
 
= ما بين طلوع الشمس إلى ضحوة النهار وأعني بالضحوة منتصف ما بين طلوع الشمس إلى الزوال وذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار إذا فرض النهار اثنتي عشرة ساعة وهو الربع. وفي هذا الربع من النهار وظيفتان زائدتان؛ إحداهما: صلاة الضحى - وقد ذكرناها في كتاب الصلاة - وأن الأولى أن يصلي ركعتين عند الإشراق وذلك إذا انبسطت الشمس وارتفعت قدر نصف رمح ويصلي أربعاً أو ستاً أو ثمانياً إذا رمضت الفصال وضحيت الأقدام بحر الشمس. فوقت الركعتين هو الذي أراد الله تعالى بقوله "يسبحن بالعشي والإشراق" فإنه وقت إشراق الشمس وهو ظهور تمام نورها بارتفاعها عن موازات البخارات والغبارات التي على وجه الأرض فإنها تمنع إشراقها التام، ووقت الركعات الأربع هو الضحى الأعلى الذي أقسم الله تعالى به فقال "والضحى والليل إذا سجى" وخرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يصلون عند الإشراق فنادى بأعلى صوته: ألا إن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال" فلذلك نقول إذا كان يقتصر على مرة واحدة في الصلاة فهذا الوقت أفضل لصلاة الضحى وإن كان أصل الفضل يحصل بالصلاة بين طرفي وقت الكراهة وهو ما بين ارتفاع الشمس بطلوع نصف رمح بالتقريب إلى ما قبل الزوال في ساعة الاستواء. واسم الضحى ينطلق على الكل وكأن ركعتي الإشراق تقع في مبتدأ وقت الإذن في الصلاة وانقضاء الكراهة إذ قال ﷺ "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها" فأقل ارتفاعها أن ترتفع عن بخارات الأرض وغبارها وهذا يراعى بالتقريب. 
 
 
 
الوظيفة الثانية في هذا الوقت: الخيرات المتعلقة بالناس التي جرت بها العادات بكرة من عيادة مريض وتشييع جنازة ومعاونة على بر وتقوى وحضور مجلس علم وما يجري مجراه من قضاء حاجة لمسلم وغيرها. فإن لم يكن شيء من ذلك عاد إلى الوظائف الأربع - التي قدمناها من الأدعية والذكر والقراءة والفكر والصلوات - المتطوع بها إن شاء فإنها مكروهة بعد صلاة الصبح وليست مكروهة الآن. فتصير الصلاة قسماً خامساً من جملة وظائف هذا الوقت لمن أراده أما بعد فريضة الصبح فتكره كل صلاة لا سبب لها. وبعد الصبح الأحب أن يقتصر على ركعتي الفجر وتحية المسجد ولا يشتغل بالصلاة بل بالأذكار والقراءة والدعاء والفكر. 
 
 
 
 
الورد الثالث: 
 
 
= من ضحوة النهار إلى الزوال ونعني بالضحوة المنتصف وما قبله بقليل، وإن كان بعد كل ثلاث ساعات أمر بصلاة فإذا انقضى ثلاث ساعات بعد الطلوع فعندها وقبل مضيها صلاة الضحى. فإذا مضت ثلاث ساعات أخرى فالظهر.
 
 
= فإذا مضت ثلاث ساعات أخرى فالعصر. فإذا مضت ثلاث أخرى فالمغرب.
 
 
= ومنزلة الضحى بين الزوال والطلوع كمنزلة العصر بين الزوال والغروب، إلا أن الضحى لم تفرض لأنه وقت انكباب الناس على أشغالهم فخفف عنهم. الوظيفة الرابعة: في هذا الوقت الأقسام الأربعة، وزيد أمران:
 
 
= أحدهما? الاشتغال بالكسب وتدبير المعيشة وحضور السوق. فإن كان تاجراً فينبغي أن يتجر بصدقو أمانة وإن كان صاحب صناعة فبنصح وشفقة ولا ينسى ذكر الله تعالى في جميع أشغاله ويقتصر من الكسب على قدر حاجته ليومه مهما قدر على أن يكتسب في كل يوم لقوته. فإذا حصل كفاية يومه فليرجع إلى بيت ربه وليتزود لآخرته فإن الحاجة إلى زاد الآخرة أشد والتمتع به أدوم فاشتغاله بكسبه أهم من طلب الزيادة على حاجة الوقت. فقد قيل: لا يوجد المؤمن إلا في ثلاث مواطن مسجد يعمره أو بيت يستره أو حاجة لابد له منها. وقل من يعرف القدر فيما لابد منه بل أكثر الناس يقدرون فيما عنه بد أنه لابد لهم منه وذلك لأن الشيطان يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فيصغون إليه ويجمعون ما لا يأكلون خيفة الفقر والله يعدهم مغفرة منه وفضلاً فيعرضون عنه ولا يرغبون فيه. الأمر الثاني: القيلولة وهي سنة يستعان بها على قيام الليل كما أن التسحر سنة يستعان به على صيام النهار. فإن كان لا يقوم بالليل لكن لو لم ينم لم يشتغل بخير وربما خالط أهل الغفلة وتحدث معهم فالنوم أحب له إذا ان لا ينبعث نشاطه للرجوع إلى الأذكار والوظائف المذكورة إذ في النوم الصمت والسلامة، وقد قال بعضهم: يأتي على الناس زمان الصمت والنوم فيه أفضل أعمالهم. وكم من عابد أحسن أحواله النوم وذلك إذا كان يرائي بعبادته ولا يخلص فيها فكيف بالغافل الفاسق? قال سفيان الثوري رحمه الله: كان يعجبهم إذا تفرغوا أن يناموا طلباً للسلامة فإذا كان نومه على قصد طلب السلامة ونية قيام الليل كان نومه قربة. ولكن ينبغي أن يتنبه قبل الزوال بقدر الاستعداد للصلاة بالوضوء وحضور المسجد قبل دخول وقت الصلاة فإن ذلك من فضائل الأعمال وإن لم ينم ولم يشتغل بالكسب واشتغل بالصلاة والذكر فهو أفضل أعمال النهار لأنه وقت غفلة الناس عن الله عز وجل واشتغالهم بهموم الدنيا فالقلب المتفرغ لخدمة ربه عند إعراض العبيد عن بابه جدير بأن يزكيه الله تعالى ويصطفيه لقربه ومعرفته. وفضل ذلك كفضل إحياء الليل فإن الليل وقت الغفلة بالنوم وهذا وقت الغفلة باتباع الهوى والاشتغال بهموم الدنيا وأحد معنى قوله تعالى: "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر" أي يخلف أحدهما الآخر في الفضل والثاني: أنه يخلفه فيتدارك فيه ما فات في أحدهما. 
 
 
 

الورد الرابع:
 
 
= ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر وراتبته وهذا أقصر أوراد النهار وأفضلها: فإذا كان قد توضأ قبل الزوال وحضر المسجد فهمهما زالت الشمس وابتدأ المؤذن الأذان فليصبر إلى الفراغ من جواب أذانه ثم ليقم إلى إحياء ما بين الأذان والإقامة فهو وقت الإظهار الذي أراده الله تعالى بقوله "وحين تظهرون" وليصل في هذا الوقت أربع ركعات لا يفصل بينهن بتسليمة واحدة وهذه الصلاة وحدها من بين سائر صلوات النهار نقل بعض العلماء أنه يصليها بتسليمة واحدة ولكن طعن في تلك الرواية، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يصلي مثنى مثنى كسائر النوافل ويفصل بتسليمة وهو الذي صحت به الأخبار وليطول هذه الركعات إذ فيها تفتح أبواب السماء كما أوردنا الخبر فيه في باب صلاة التطوع وليقرأ فيها سورة البقرة أو سورة من المئين أو أربعاً من المثاني فهذه ساعات يستجاب فيها الدعاء. وأحب رسول الله ﷺ أن يرتفع له فيها عمل، ثم يصلي الظهر بجماعة بعد أربع ركعات طويلة - كما سبق - أو قصيرة لا ينبغي أن يدعها. ثم ليصل بعد الظهر ركعتين ثم أربعاً فقد كره ابن مسعود أن تتبع الفريضة بمثلها من غير فاصل. ويستحب أن يقرأ في هذه النافلة آية الكرسي وخر سورة البقرة والآيات التي أوردناها في الورد الأول ليكون ذلك جامعاً له بين الدعاء والذكر والقراءة والصلاة والتحميد والتسبيح مع شرف الوقت. 
 
 
 
الورد الخامس: ما بعد ذلك إلى العصر ويستحب فيه العكوف في المسجد مشتغلاً بالذكر والصلاة أو فنون الخير ويكون في انتظار الصلاة معتكفاً. فمن فضائل الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة وكان ذلك سنة السلف. كان الداخل يدخل المسجد بين الظهر والعصر فيسمع المصلين دوياً كدوي النحل من التلاوة. فإن كان بيته أسلم لدينه وأجمع لهمه فالبيت أفضل في حقه فإحياء هذا الورد وهو أيضاً وقت غفلة الناس كإحياء الورد الثالث في الفضل.
 
 
= وفي هذا الوقت يكره النوم لم نام قبل الزوال إذ يكره نومتان بالنهار. قال بعض العلماء: ثلاث يمقت الله عليها، الضحك بغير عجب والأكل من غير جوع والنوم بالنهار من غير سهر بالليل. والحد في النوم أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة فالاعتدال في نومه ثمان ساعات في الليل والنهار جميعاً فإن نام هذا القدر بالليل فلا معنى للنوم بالنهار، وإن نقص منه مقداراً استوفاه بالنهار فحسب ابن آدم إن عاش ستين سنة أن ينقص من عمره عشرون سنة. ومهما نام ثمان ساعات وهو الثلث فقد نقص من عمره الثلث ولكن لما كان النوم غذاء الروح كما أن الطعام غذاء الأبدان وكما أن العلم والذكر غذاء القلب لم يمكن قطعه عنه وقدر الاعتدال هذا والنقصان منه ربما يفضي إلى اضطراب البدن إلا من يتعود السهر تدريجاً فقد يمرن نفسه عليه من غير اضطراب. وهذا الورد من أطول الأوراد وأمتعها للعباد وهو أحد الآصال التي ذكرها الله تعالى إذ قال "ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال" وإذا سجد لله عز وجل الجمادات فكيف يجوز أن يغفل العبد العاقل عن أنواع العبادات? الورد السادس: إذا دخل وقت العصر دخل وقت الورد السادس وهو الذي أقسم الله تعالى به فقال تعالى "والعصر" هذا أحد معنيي الآية وهو المراد بالآصال في أحد التفسيرين وهو العشي المذكور في قوله "وعشياً" وفي قوله "بالعشي والإشراق" وليس في هذا الورد صلاة إلا أربع ركعات بين الأذان والإقامة - كما سبق في الظهر - ثم يصلي الفرض ويشتغل بالأقسام الأربعة المذكورة في الورد الأول إلى أن ترتفع الشمس إلى رءوس الحيطان وتصفر. والأفضل فيه إذ منع عن الصلاة تلاوة القرآن بتدبر وتفهم إذ يجمع ذلك بين الذكر والدعاء والفكر فيندرج في هذا القسم أكثر مقاصد الأقسام الثلاثة.
الورد السابع: إذا اصفرت الشمس بأن تقرب من الأرض بحيث يغطي نورها العبارات والبخارات التي على وجه الأرض ويرى صفرة في ضوئها دخل وقت هذا الورد وهو مثل الورد الأول من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لأنه قبل الغروب كما أن ذلك قبل الطلوع وهو المراد بقوله تعالى "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون" وهذا هو الطرف الثاني المراد بقوله تعالى "فسبح وأطراف النهار" قال الحسن. كانوا أشد تعظيماً للعشي منهم لأول النهار. وقال بعض السلف: كانوا يجعلون أول النهار للدنيا وآخره للآخرة: فيستحب في هذا الوقت التسبيح والاستغفار خاصة وسائر ما ذكرناه في الورد الأول مثل أن يقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة وسبحان الله العظيم وبحمده، مأخوذ من قوله تعالى "واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار" والاستغفار على الأسماء التي في القرآن أحب كقوله "أستغفر الله إنه كان غفاراً - أستغفر الله إنه كان تواباً - رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين - فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين - فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " ويستحب أن يقرأ قبل غروب الشمس: والشمس وضحاها والليل إذا يغشى والمعوذتين. ولتغرب الشمس عليه وهو في الاستغفار فإذا سمع الأذان قال، اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك - كما سبق - ثم يجيب المؤذن ويشتغل بصلاة المغرب. وبالغروب قد انتهت أوراد النهار فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه فقد انقضى من طريقه مرحلة، فإن ساوى يومه أمسه فيكون مغبوناً وإن كان شراً منه فيكون ملعوناً فقد قال ﷺ "لا بورك لي في وم لا أزداد فيه خيراً" فإن رأى نفسه متوفراً على الخير جميع نهاره مترفهاً عن التجشم كانت بشارة فليشكر الله تعالى على توفيقه وتسديده إياه لطريقه وإن تكن الأخرى فالليل خلقة النهار فليعزم على تلافي ما سبق من تفريطه فإن الحسنات يذهبن السيئات. وليشكر الله تعالى على صحة جسمه وبقاء بقية من عمره طول ليله ليشتغل بتدارك تقصيره وليحضر في قلبه أن نهار العمر له آخر تغرب فيه شمس الحياة فلا يكون لها بعدها طلوع. وعند ذلك يغلق باب التدارك والاعتذار فليس العمر إلا أياماً معدودة تنقضي لا محالة جملتها بانقضاء آحادها.
بيان أوراد الليل وهي خمسة الأول: إذا غربت الشمس صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين فآخر هذا الورد عند غيبوبة الشفق أعني الحمرة التي بغيبوبتها يدخل وقت العتمة وقد أقسم الله تعالى به فقال "فلا أقسم بالشفق" والصلاة فيه هي ناشئة الليل لأنه أول نشو ساعاته وهو آن من الآناء المذكورة في قوله تعالى "ومن آناء الليل فسبح" وهي صلاة الأوابين. وهي المراد بقوله تعالى "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" روي ذلك عن الحسن وأسنده ابن أبي زياد إلى رسول الله ﷺ "أنه سئل عن هذه الآية فقال ﷺ: الصلاة بين العشاءين، ثم قال ﷺ: عليكم بالصلاة بين العشاءين فإنها تذهب بملاغات النهار وتهذب آخره" والملاغات جمع ملغاة من اللغو. وسئل أنس رحمه الله عمن ينام بين العشاءين فقال: لا تفعل فإنها الساعة المعنية بقوله تعالى "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" وسيأتي فضل إحياء ما بين العشاءين في الباب الثاني. وترتيب هذا الورد أن يصلي بعد المغرب ركعتين أولاً يقرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ويصليهما عقيب المغرب من غير تخلل كلام ولا شغل ثم يصلي أربعاً يطيلها ثم يصلي إلى غيبوبة الشفق ما تيسر له. وإن كان المسجد قريباً من المنزل فلابأس أن يصليها في بيته إن لم يكن عزمه العكوف في المسجد وإن عزم عن العكوف في انتظار العتمة فهو الأفضل إذا كان آمناً من التصنع والرياء.
والورد الثاني: يدخل بدخول وقت العشاء الآخرة إلى حد نومة الناس وهو أول استحكام الظلام وقد أقسم الله تعالى به إذ قال "والليل وما وسق" أي وما جمع من ظلمته وقال "إلى غسق الليل" فهناك يغسق الليل وتستوسق ظلمته. وترتيب هذا الورد بمراعاة ثلاثة أمور الأول أن يصلي سوى فرض العشاء عشر ركعات: أربعاً قبل الفرض إحياء لما بين الأذانين وستاً بعد الفرض ركعتين ثم أربعاً ويقرأ فيها من القرآن الآيات المخصوصة كآخر البقرة وآية الكرسي وأول الحديد وآخر الحشر وغيرها. والثاني أن يصلي ثلاث عشرة ركعة آخرهن الوتر فإنه أكثر ما روي أن النبي ﷺ صلى بها من الليل والأكياس يأخذون أوقاتهم من أول الليل والأقوياء من آخره. والحزم التقديم فإنه ربما لا يستيقظ أو يثقل عليه القيام إلا إذا صار ذلك عادة له فآخر الليل أفضل. ثم ليقرأ في هذه الصلاة قدر ثلثمائة آية من السور المخصوصة التي كان النبي ﷺ يكثر قراءتها مثل يس وسجدة لقمان وسورة الدخان وتبارك الملك والزمر والواقعة فإن لم يصل فلا يدع قراءة هذه السور أو بعضها قبل النوم فقد روي في ثلاث أحاديث ما كان يقرؤه رسول الله ﷺ في كل ليلة أشهرها: السجدة وتبارك الملك والزمر والواقعة وفي رواية: الزمر وبني إسرائيل وفي أخرى: أنه كان يقرأ المسبحات في كل ليلة ويقول فيها آية أفضل من ألف آية وكان العلماء يجعلونها ستاً فيزيدون سبح اسم ربك الأعلى إذ في الخبر "أنه ﷺ كان يحب سبح اسم ربك الأعلى. وكان يقرأ في ثلاث ركعات الوتر ثلاث سور سبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون والإخلاص فإذا فرغ قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات" الثالث الوتر: وليوتر قبل النوم إن لم يكن عادته القيام قال أبو هريرة رضي الله عنه: أوصاني رسول الله ﷺ أن لا أنام إلا على وتر وإن كان معتاداً صلاة الليل فالتأخير أفضل. قال ﷺ "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة" وقالت عائشة رضي الله عنها "أوتر رسول الله ﷺ أول الليل وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر" وقال علي رضي الله عنه: الوتر على ثلاثة أنحاء إن شئت أوترت أول الليل ثم صليت ركعتين ركعتين يعني أنه يصير وتراً بما مضى وإن شئت أوترت بركعة فإذا استيقظت شفعت إليها أخرى ثم أوترت من آخر الليل وإن شئت أخرت الوتر ليكون آخر صلاتك، هذا ما روي عنه والطريق الأول والثالث لابأس به وأما نقض الوتر فقد صح فيه نهي فلا ينبغي أن ينقض وروي مطلقاً أنه ﷺ قال "لا وتران في ليلة" ولمن يتردد في استيقاظه تلطف استحسنه بعض العلماء وهو أن يصلي بعد الوتر ركعتين جالساً على فراشه عند النوم كان رسول الله ﷺ يزحف إلى فراشه ويصليهما ويقرأ فيهما إذا زلزت وألهاكم لما فيهما من التحذير والوعيد وفي رواية قل يا أيها الكافرون لما فيها من التبرئة وإفراد العبادة لله تعالى، فقيل إن استيقظ قامتا مقام ركعة واحدة وكان له أن يوتر بواحدة في آخر صلاة الليل وكأنه صار ما مضى شفعا بهما. وحسن استئناف الوتر واستحسن هذا أبو طالب المكي وقال فيه ثلاثة أعمال قصر الأمل وتحصيل الوتر والوتر آخر الليل، وهو كما ذكره لكن ربما يخطر أنهما لو شفعتا ما مضى لكان كذلك، وإن لم يستيقظ وأبطل وتره الأول فكونه شافعاً إن استيقظ غير مشفع إن نام فيه نظر إلا أن يصح من رسول الله ﷺ إيتاره قبلهما وإعادته الوتر فيفهم منه أن الركعتين شفع بصورتهما وتر بمعناهما فيحسب وتراً إن لم يستيقظ وشفعاً إن استيقظ. ثم يستحب بعد التسليم من الوتر أن يقول سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت السموات والأرض بالعظمة والجبروت، وتعززت بالقدرة وقهرت العباد بالموت روي "أنه ﷺ ما مات حتى كان أكثر صلاته جالساً إلا المكتوبة وقد قال "للقاعد نصف أجر القائم وللنائم نصف أجر القاعد" وذلك يدل على صحة النافلة دائماً.
الورد الثالث: النوم ولابأس أن يعد ذلك في الأوراد فإنه إذا روعيت آدابه احتسب عبادة فقد قيل: إن للعبد إذا نام على طهارة وذكر الله تعالى يكتب مصلياً حتى يستيقظ ويدخل في شعاره ملك فإن تحرك في نومه فذكر الله تعالى دعا له الملك واستغفر له الله" وفي الخبر "إذا نام على طهارة رفع روحه إلى العرش" هذا في العوام فكيف بالخواص والعلماء وأرباب القلوب الصافية? فإنهم يكاشفون بالأسرار في النوم ولذلك قال ﷺ "نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح" وقال معاذ لأبي موسى: كيف تصنع في قيام الليل? فقال أقوم الليل أجمع لا أنام منه شيئاً وأتفوق القرآن فيه تفوقاً قال معاذ: لكني أنا أنام ثم أقوم واحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي. فذكرا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: معاذ أفقه منك وآداب النوم عشرة الأول الطهارة والسواك: قال ﷺ "إذا نام العبد على طهارة عرج بروحه إلى العرش فكانت رؤياه صادقة وإن لم ينم على طهارة قصرت روحه عن البلوغ فتلك المنامات أضغاث أحلام لا تصدق" وهذا أريد به طهارة الظاهر والباطن جميعاً، وطهارة الباطن هي المؤثرة في انكشاف حجب الغيب الثاني أن يعد عنه رأسه سواكه وطهوره وينوي القيام للعبادة عند التيقظ وكلما يتنبه يستاك؛ كذلك كان يفعله بعض السلف. وروي عن رسول الله ﷺ "أنه كان يستاك في كل ليلة مراراً عند كل نومة وعند التنبه منها وإن لم يتسير له الطهارة يستحب له مسح الأعضاء بالماء فإن لم يجد فليقعد وليستقبل القبلة وليشتغل بالذكر والدعاء والتفكر في آلاء الله تعالى وقدرته فذلك يقوم مقام قيام الليل. وقال ﷺ "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من الله تعالى" الثالث أن لا يبيت من له وصية إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه فإنه لا يأمن القبض في النوم فإن من مات من غير وصية لم يؤذن له في الكلام بالبرزخ إلى يوم القيامة، يتزاوره الأموات ويتحدثون وهو لا يتكلم فيقول بعضهم لبعض هذا المسكين مات من غير وصية، وذلك مستحب خوف موت الفجأة وموت الفجأة تخفيف إلا لمن ليس مستعداً للموت بكونه مثقل الظهر بالمظالم الرابع أن ينام تائباً من كل ذنب سليم القلب لجميع السملمين لا يحدث نفسه بظلم أحد، ولا يعزم على معصية إن استيقظ، قال صلى الله عليه وآله وسلم "من أوى إلى فراشه لا ينوي ظلم أحد ولا يحدق على أحد غفر له ما اجترم" الخامس أن لا يتنعم بتمهيد الفرش الناعمة بل يترك ذلك أو يقتصد فيه. كان بعض السلف يكره التمهيد للنوم ويرى ذلك تكلفاً. وكان أهل الصفة لا يجعلون بينهم وبين التراب حاجزاً ويقولون منها خلقنا وإليها نرد وكانوا يرون ذلك أرق لقلوبهم وأجدر بتواضع نفوسهم فمن لم تسمح بذلك نفسه فليقتصد السادس أن لا ينام ما لم يغلبه النوم ولا يتكلف استجلابه إلا إذا قصد به الاستعانة على القيام في آخر الليل فقد كان نومهم غلبة وأكلهم فاقة وكلامهم ضرورة ولذلك وصفوا بأنهم كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وإن غلبة النوم عن الصلاة والذكر وصار لا يدري ما يقول فلينم حتى يعقل ما يقول. وكان ابن عباس رضي الله عنه يكره النوم قاعداً وفي الخبر "لا تكابدوا الليل" وقيل لرسول الله ﷺ "إن فلانة تصلي بالليل فإذا غلبها النوم تعلقت بحبل فنهى عن ذلك وقال: ليصل أحدكم من الليل ما تيسر له فإذا غلبه النوم فليرقد" وقال ﷺ "تكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا" وقال ﷺ "خير هذا الدين أيسره" وقيل له ﷺ "إن فلاناً يصلي ف لا ينام ويصوم فلا يفطر فقال لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر هذه سنتي فمن رغب عنها فليس مني" وقال ﷺ "لا تشادوا هذا الدين فإنه متين فمن يشاده يغلبه فلا تبغض إلى نفسك عبادة الله" السابع أن ينام مستقبل القبلة. والاستقبال على ضربين أحدهما. استقبال المحتضر - وهو المستلقي على قفاه - فاستقباله أن يكون وجهه وأخمصاه إلى القبلة. والثاني: استقبال اللحد وهو أن ينام على جنب بأن يكون وجهه إليها مع قبالة بدنه إذا نام على شقه الأيمن الثامن الدعاء عند النوم فيقول باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه إلى آخر الدعوات المأثورة التي أوردناها في كتاب الدعوات ويستحب أن يقرأ الآيات المخصوصة مثل آية الكرسي وآخر البقرة وغيرهما وقوله تعاالى "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو" إلى قوله "لقوم يعقلون" يقال إن من قرأها عند النوم حفظ الله عليه القرآن فلم ينسه ويقرأ من سورة الأعراف هذه الآية "إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام" إلى قوله "قريب من المحسنين" وآخر بني آسرائيل "قل ادعوا اله" الآيتين فإنه يدخل في شعاره ملك يوكل بحفظه فيستغفر له ويقرأ المعوذتين وينفث بهن في يديه ويمسح بهما وجهه وسائر جسده، كذلك روي من فعل رسول الله ﷺ وليقرأ عشراً من أول الكهف وعشراً من آخرها وهذه الآي للاستيقاظ لقيام الليل. وكان علي كرم الله وجهه يقول: ما أرى أن رجلاً مستكملاً عقله ينام قبل أن يقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة وليقل خمساً وعشرين مرة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ليكون مجموع هذه الكلمات الأربع مائة مرة التاسع أن يتذكر عند النوم أن النوم نوع وفاة والتيقظ نوع بعث قال الله تعالى "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها" وقال "وهو الذي يتوفاكم بالليل" فسماه توفياً وكما أن المستيقظ تنكشف له مشاهدات لا تناسب أحواله في النوم فكذلك المبعوث يرى ما لم يخطر قط بباله ولا شاهده حسه. ومثل النوم بين الحياة والموت مثل البرزخ بين الدنيا والآخرة. وقال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم فكما أنك تنام كذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فلا تنتبه فكما أنك تنتبه فكما أنك تنتبه بعد نومك فكذك تبعث بعد موتك. وقال كعب الأحبار: إذا نمت فاضطجع على شقك الأيمن واستقبل القبلة بوجهك فإنها وفاة. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ آخر ما يقول حين ينام وهو واضع خده على يده اليمنى وهو يرى أنه ميت في ليلته تلك اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء ومليكه" الدعاء إلى آخره كما ذكرناه في كتاب الدعوات. فحق على العبد أن يفتش عن ثلاثة عند نومه: أنه على ماذا ينام وما الغالب عليه حب الله تعالى وحب لقائه أو حب الدنيا? وليتحقق أنه يتوفى على ما هو الغالب عليه ويحشر على ما يتوفى عليه فإن المرء مع من أحب ومع ما أحب العاشر الدعاء عند التنبه فليقل في تيقظاته وتقلباته مهما كان يقوله رسول الله ﷺ "لا إله إلا الله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار" وليجتهد أن يكون آخر ما يجري على قلبه عند النوم ذكر الله تعالى وأول ما يريد على قلبه عند التيقظ ذكر الله تعالى فهو علامة الحب. ولا يلازم القلب وإنما استحبت هذه الأذكار لتستجر القلب إلى ذكر الله تعالى، فإذا استيقظ ليقوم قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. إلى آخر ما أوردناه من أدعية التيقظ.
الورد الرابع: يدخل بمضي النصف الأول من الليل إلى أن يبقى من الليل سدسه وعد ذلك يقوم العبد المتهجد. فاسم التهجد يختص بما بعد الهجود والهجوع وهو النوم وهذا وسط الليل ويشبه الورد الذي بعد الزوال وهو وسط النهار وبه أقسم الله تعالى فقال "والليل إذا سجى" أذ إذا سكن وسكونه هدوه في هذا الوقت فلا تبقى عين إلا نائمة سوى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. وقيل إذا سجى إذا امتد وطال وقيل إذا أظلم. وسئل رسول الله ﷺ "أي الليل أسمع? فقال جوف الليل" وقال داود ﷺ: إلهي إني أحب أن أتعبد لك فأي وقت أفضل? فأوحى الله تعالى إليه يا داود لا تقم أول الليل ولا آخره، فإن من قام أوله نام آخره، ومن قام آخره لم يقم أوله، ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك، وارفع إلي حوائجك وسئل رسول الله ﷺ "أي الليل أفضل? فقال: نصف الليل الغابر" يعني الباقي وفي آخر الليل وردت الأخبار باهتزاز العرش وانتشار الرياح من جنات عدن ومن نزول الجبار تعالى إلى سماء الدنيا وغير ذلك من الأخبار. وترتيب هذا الورد أنه بعد الفراغ من الأدعية التي للاستيقاظ ويتوضأ وضوءاً - كما سبق - بسننه وآدابه وأدعيته. ثم يتوجه إلى مصلاه ويقوم مستقبلا القبلة، ويقول "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً" ثم يسبح عشراً وليحمد الله عشراً ويهلل عشراً وليقل "الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة والجلال والقدرة" وليقل هذه الكلمات فإنها مأثورة عن رسول الله ﷺ في قيامه للتهجد "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ولك الحمد أنت بهاء السموات والأرض ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ومن عليهن أنت الحق ومنك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنشور حق والنبيون حق ومحمد ﷺ حق. اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وأسرفت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم اهدني لأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت أسألك مسألة البائس المسكين وأدعوك دعاء المفتقر الذليل فلا تجعلني بدعائك رب شقياً وكن بي رءوفاً رحيماً يا خير المسئولين وأكرم المعطين وقالت عائشة رضي الله عنها "كان ﷺ إذا قام من الليل الفتتح صلاته قال: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ثم يفتتح الصلاة ويصلي ركعتين خفيفتين. ثم يصلي مثنى مثنى ما تيسر له ويختم بالوتر إن لم يكن قد صلى الوتر. ويستحب أن يفصل بين الصلاتين عند تسليمه بمائة تسبيحة ليستريح ويزيد نشاطه للصلاة وقد صح في صلاة رسول الله ﷺ بالليل أنه صلى أولاً ركعتين خفيفتين ثم ركعتين طويلتين ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم لم يزل يقصر بالتدريج إلى ثلاث عشرة ركعة وسئلت عائشة رضي الله عنها "أكان رسول الله ﷺ يجهر في قيام الليل أم يسر? فقالت: ربما جهر وربما أسر وقال ﷺ "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة" وقال "صلاة المغرب أوترت صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل" وأكثر ما صح عن رسول الله ﷺ في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة ويقرأ في هذه الركعات من ورده من القرآن أو من السور المخصوصة ما خف عليه وهو في حكم هذا الورد قريب من السدس الأخير من الليل.
الورد الخامس: السدس الأخير من الليل وهو وقت السحر فإن الله تعالى قال "وبالأسحار هم يستغفرون" قيل يصلون لما فيها من الاستغفار وهو مقارب للفجر الذي هو وقت انصراف ملائكة الليل وإقبال ملائكة النهار وقد أمر بهذا الورد سلمان أخاه أبا الدرداء رضي الله عنهما ليلة زاره في حديث طويل قال في آخره "فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان: نم فنام ثم ذهب ليقوم فقال له: نم فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن، فقاما فصليا فقال: إن لنفسك عليك حقاً وإن لضيفك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه، وذلك أن امرأة أبي الدرداء أخبرت سلمان أنه لا ينام الليل قال: فأتيا النبي ﷺ فذكرا ذلك له فقال: صدق سلمان. وهذا هو الورد الخامس وفيه يستحب السحور وذلك عند خوف طلوع الفجر والوظيفة في هذين الوردين الصلاة. فإذا طلع الفجر انقضت أوراد الليل ودخلت أوراد النهار فيقوم ويصلي ركعتي الفجر وهو المراد بقوله تعالى "ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم" ثم يقرأ "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة" إلى آخرها. ثم يقول وأنا أشهد بما شهد الله به لنفسه وشهدت به ملائكته وأولو العلم من خلقه وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله تعالى وديعة وأسأله حفظها حتى يتوفاني عليها. اللم احطط عني بها وزراً واجعلها لي عندك ذخراً واحفظها علي وتوفني عليها حتى ألقاك بها غير مبدل تبديلاً. فهذا ترتيب الأوراد للعباد وقد كانوا يستحبون أن يجمعوا مع ذلك في كل يوم بين أربعة أمور صوم وصدقة وإن قلت وعيادة مريض وشهود جنازة ففي الخبر "من جمع بين هذه الأربع في يوم غفر له" وفي رواية "دخل الجنة" فإن أنفق بعضها وعجز عن الآخر كان له أجر الجميع بحسب نيته وكانوا يكرهون أن ينقضي اليوم ولم يتصدقوا فيه بصدقة ولو بتمرة أو بصلة أو كسرة خبز لقوله ﷺ "الرجل في صدقته حتى يقضى بين الناس" ولقوله ﷺ "اتقوا النار ولو بشق تمرة" ودفعت عائشة رضي الله عنها إلى سائل عنبة واحدة فأخذها فنظر من كان عندها بعضهم إلى بعض فقالت: ما لكم إن فيها لمثاقيل ذر كثير? وكانوا لا يستحبون رد السائل إذ كان من أخلاق رسول الله ﷺ ذلك ما سأله أحد شيئاً فقال: لا، ولكنه إن لم يقدر عليه سكت وفي الخبر "يصبح ابن آدم وعلى كل سلامى من جسده صدقة يعني المفصل وفي جسده ثلثمائة وستون مفصلاً فأمرك بالمعروف صدقة ونهيك عن المنكر صدقة وحملك عن الضعيف صدقة وهدايتك إلى الطريق صدقة وإماطتك الأذى صدقة حتى ذكر التسبيح والتهليل. ثم قال وركعتا الضحى تأتي على ذلك كله أو تجمعن لك ذلك كله".
بيان اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال
اعلم أن المريد لحرث الآخرة السالك لطريقها لا يخلو عن ستة أحوال فإنه: إما عابد وإما عالم وإما متعلم وإما وال وإما محترف وإما موحد مستغرق بالواحد الصمد عن غيره الأول العابد: وهو المتجرد للعبادة الذي لا شغل له غيرها أصلاً ولو ترك العبادة لجلس بطالاً فترتيب أوراده ما ذكرناه، نعم لا يبعد أن تختلف وظائفه بأن يستغرق أكثر أوقاته إما في الصلاة أو القراءة أو التسبيحات فقد كان في الصحابة رضي الله عنهم من ورده في اليوم اثنا عشر ألف تسبيحة. وكان فيهم من ورده ثلاثون ألفاً. وكان فيهم من ورده ثلثمائة ركعة إلى ستمائة وإلى ألف ركعة. وأقل ما نقل في أورادهم من الصلاة مائة ركعة في اليوم والليلة. وكان بعضهم أكثر ورده القرآن وكان يختم الواحد منهم في اليوم مرة وروى مرتين عن بعضهم: وكان بعضهم يقضي اليوم أو الليل في التفكر في آية واحدة يرددها. وكان كرز بن وبرة مقيماً بمكة فكان يطوف في كل يوم سبعين أسبوعاً وفي كل ليلة سبعين أسبوعاً وكان مع ذلك يختم القرآن في اليوم والليلة مرتين. فحسب ذلك فكان عشرة فراسخ ويكون مع كل أسبوع ركعتان فهو مائتان وثمانون ركعة ةختمتان وعشرة فراسخ. فإن قلت: فما الأولى أن يصرف إليه أكثر الأوقات من هذه الأوراد فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائماً مع التدبر يجمع الجميع ولكن ربما تعسر المواظبة عليه فالأفضل يختلف باختلاف حال الشخص ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره وتحليته بذكر الله تعالى وإيناسه به فلينظر المريد إلى قلبه فما يراه أشد تأثيراً فيه فليواظب عليه. فإذا أحس بملالة منه فلينتقل إلى غيره ولذلك نرى الأصوب لأكثر الخلق توزيع هذه الخيرات المختلفة على الأوقات - كما سبق - والانتقال فيها من نوع إلى نوع لأن الملال هو الغالب على الطبع وأحوال الشخص الواحد في ذلك أيضاً تختلف. ولكن إذا فهم فقه الأوراد وسرها فليتبع المعنى فإن سمع تسبيحة مثلاً وأحس لها بوقع قلبه فليواظب على تكرارها مادام يجد لها وقعاً. وقد روي عن إبراهيم بن أدهم عن بعض الأبدال أنه قام ذات ليلة يصلي على شاطىء البحر فسمع صوتاً عالياً بالتسبيح ولم ير أحداً فقال من أنت أسمع صوتك ولا أرى شخصك? فقال: أنا ملك من الملائكة موكل بهذا البحر أسبح الله تعالى بهذا التسبيح منذ خلقت قلت: فما اسمك? قال: مهلهيائيل قلت: فما ثواب من قاله? قال: من قاله مائة مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له. والتسبيح هو قوله "سبحان الله العي الديان سبحان الله الشديد الأركان سبحان من يذهب بالليل ويأتي بالنهار سبحان من لا يشغله شأن عن شأن سبحان الله الحنان المنان سبحان الله المسبح في كل مكان" فهذا وأمثاله إذا سمعه المريد ووجد له في قلبه وقعاً فيلازمه. وأياً ما وجد القلب عنده وفتح له فيه خير فليواظب عليه الثاني العالم الذي ينفع الناس بعلمه في فتوى أو تدريس أو تصنيف فترتيبه الأوراد يخالف ترتيب العابد؛ فإنه يحتاج إلى المطالعة للكتب وإلى التصنيف والإفادة، ويحتاج إلى مدة لها لا محالة فإن أمكنه استغراق الأوقات فيه فهو أفضل ما يشتغل به بعد المكتوبات ورواتبها. ويدل على ذلك جميع ما ذكرناه في فضيلة التعليم والتعلم في كتاب العلم. وكيف لا يكون كذلك وفي العلم المواظبة على ذكر الله تعالى? وتأمل ما قال الله تعالى وقال رسوله. وفيه منفعة الخلق وهدايتهم إلى طريق الآخرة ورب مسألة واحدة يتعلمها المتعلم فيصلح بها عبادة عمره ولو لم يتعلمها لكان سعيه ضائعاً. وإنما نعني بالعلم المقدم على العبادة العلم الذي يرغب الناس في الآخرة ويزهدهم في الدنيا أو العلم الذي يعينهم على سلوك طريق الآخرة إذا تعلموه على قصد الاستعانة به على السلوك" دون العلوم التي تزيد بها الرغبة في المال والجاه وقبول الخلق والأولى بالعالم أن يقسم أوقاته أيضاً فإن استغراق الأوقات في ترتيب العلم لا يحتمله الطبع. فينبغي أن يخصص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد كما ذكرناه في الورد الأول. وبعد الطلوع إلى ضحوة النهار في الإفادة والتعليم إن كان عنده من يستفيد علماً لأجل الآخرة، وإن لم يكن فيصرفه إلى الفكر ويتفكر فيما يشكل عليه من علوم الدين فإن صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات. ومن ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف والمطالعة لا يتركها إلا في وقت أكل وطهارة ومكتوبة وقيلولة خفيفة إن طال النهار. ومن العصر إلى الاصفرار يشتغل بسماع ما يقرأ بين يديه من تفسير أو حديث أو علم نافع. ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالذكر والاستغفار والتسبيح فيكون ورده الأول قبل طلوع الشمس في عمل اللسان. وورده الثاني في عمل القلب بالفكر إلى الضحوة. وورده الثالث إلى العصر في عمل العين واليد بالمطالعة والكتابة. وورده الرابع بعد العصر في عمل السمع ليروح فيه العين واليد فإن المطالعة والكتابة بعد العصر ربما أضر بالعين. وعند الاصفرار يعود إلى ذكر اللسان فلا يخلو جزء من النهار عن عمل له بالجوارح مع حضور القلب في الجميع. وأما الليل فأحسن قسم فيه قسمة الشافعي رضي الله عنه إذ كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً للمطالعة وترتيب العلم وهو الأول وثلثاً للصلاة وهو الوسط وثلثاً للنوم وهو الأخير. وهذا يتيسر في ليالي الشتاء، والصيف ربما لا يحتمل ذلك إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار فهذا ما نستحبه من ترتيب أوراد العالم الثالث المتعلم: والاشتغال بالتعلم أفضل من الاشتغال بالأذكار والنوافل فحكمه حكم العالم في ترتيب الأوراد ولكن يشتغل بالاستفادة حيث يشتغل العالم بالإفادة وبالتعليق والنسخ حيث يشتغل العالم بالتصنيف ويرتب أوقاته كما ذكرنا. وكل ما ذكرناه في فضيلة التعلم والعلم من كتاب العلم يدل على أن ذلك أفضل. بل إن لم يكن متعلماً على معنى أنه يعلق ويحصل ليصير عالماً. بل كان من العوام فحضوره مجالس الذكر والوعظ والعلم أفضل من اشتغاله بالأوراد التي ذكرناها بعد الصبح وبعد الطلوع وفي سائر الأوقات. ففي حديث أبي ذر رضي الله عنه "أن حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وشهود ألف جنازة وعيادة ألف مريض" وقال رضي الله عنه "إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا فيها فقيل يا رسول الله وما رياض الجنة? قال حلق الذكر" وقال كعب الأحبار رضي الله عنه: لو أن ثواب مجالس العلماء بدا للناس لاقتتلوا عليه حتى يترك كل ذي إمارة إمارته وكل ذي سوق سوقه. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة، فإذا سمع العالم خاف واسترجع عن ذنوبه وانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب، فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله عز وجل لم يخلق على وجه الأرض تربة أكرم من مجالس العلماء. وقال رجل للحسن رحمه الله أشكو إليك قساوة قلبي فقال: أدنه من مجالس الذكر.
ورأى عمار الزاهدي مسكينة الطفاوية في المنام وكانت من المواظبات على حلق الذكر فقال: مرحباً يا مسكينة فقالت: هيهات هيهات ذهبت المسكينة وجاء الغنى! فقال: هيه! فقالت: ما تسأل عمن أبيح لها الجنة بحذافيرها? قال: وبم ذلك? قالت: بمجالسة أهل الذكر. وعلى الجملة فما ينجل عن القلب من عقد حب الدنيا بقول واعظ حسن الكلام زكي السيرة أشرف وأنفع من ركعات كثيرة مع اشتمال القلب على حب الدنيا الرابع المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع العيال ويستغرق الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق والاشتغال بالكسب ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته بل يواظب على التسبيحات الأذكار وقراءة القرآن فإن ذلك يمكن أن يجمع إلى العمل. وإنما لا يتيسر مع العمل الصلاة إلا أن يكون ناظوراً فإنه لا يعجز عن إقامة أوراد الصلاة معه. ثم مهما فرغ من كفايته ينبغي أن يعود إلى ترتيب الأوراد. وإن داود على الكسب وتصدق بما فضل عن حاجته فهو أفضل من سائر الأوراد التي ذكرناها لأن العبادات المتعدية فائدتها أنفع من اللازمة والصدقة والكسب على هذه النية عبادة له في نفسه تقربه إلى الله تعالى ثم يحصل به فائدة للغير وتتجذب إليه بركات دعوات المسلمين ويتضاعف به الأجر الخامس الوالي: مثل الإمام والقاضي والمتولي في أمور المسلمين فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم على وفق الشرع وقصد الإخلاص أفضل من الأوراد المذكورة فحقه أن يشتغل بحقوق الناس نهاراً ويقتصر على المكتوبة ويقيم الأوراد المذكورة بالليل، كما كان عمر رضي الله عنه يفعله إذ قال: مالي وللنوم فلو نمت بالنهار ضيعت المسلمين ولو نمت بالليل ضيعت نفسي. وقد فهمت بما ذكرناه أنه يقدم على العبادات البدنية أمران أحدهما: العلم، والآخر: الرفق بالمسلمين، لأن كل واحد من العلم وفعل المعروف عمل في نفسه وعبادة تفضل سائر العبادات يتعدى فائدته وانتشار جدواه فكانا مقدمين عليه السادس الموحد المستغرق بالواحد الصمد الذي أصبح وهمومه هم واحد فلا يحب إلا الله تعالى ولا يخاف إلا منه ولا يتوقع الرزق من غيره ولا ينظر في شيء إلا ويرى الله تعالى فيه. فمن ارتفعت رتبته إلى هذه الدرجة لم يفتقر إلى تنويع الأوراد واختلافها بل كان ورده بعد المكتوبات واحد وهو حضور القلب مع الله تعالى في كل حال، فلا يخطر بقلوبهم أمر ولا يقرع سمعهم قارع ولا يلوح لأبصارهم لائح إلا كان لهم فيه عبرة وفكر ومزيد، فلا محرك لهم ولا مسكن إلا الله عز وجل كما قال تعالى "لعلكم تذكرون ففروا إلى الله" وتحقق فيها قوله تعالى "وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته" وإليه الإشارة بقوله "إني ذاهب إلى ربي سيهدين" وهذه منتهى درجات الصديقين ولا وصول إليها إلا بعد ترتيب الأوراد والمواظبة عليها دهراً طويلاً فلا ينبغي أن يغتر المريد بما سمعه من ذلك فيدعيه لنفسه ويفتر عن وظائف عبادته فذلك علامته أن لا يهجس في قلبه وسواس ولا يخطر في قلبه معصية ولا تزعجه هواجم الأهوال ولا تستفزه عظائم الأشغال. وأنى ترزق هذه الرتبة لكل أحد. فيتعين على الكافة ترتيب الأوراد كما ذكرناه وجميع ما ذكرناه طرق إلى الله تعالى قال تعالى "قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً" فكلهم مهتدون وبعضهم أهدى من بعض. وفي الخبر "الإيمان ثلاث وثلاثون وثلثمائة طريقة من لقي الله تعالى على طريق منها دخل الجنة" وقال بعض العلماء: الإيمان ثلثمائة وثلاثة عشر خلقاً بعدد الرسل فكل مؤمن على خلق منها فهو سالك الطريق إلى الله. فإذن الناس وإن اختلفت طرقهم في العبادة فكلهم على الصواب "أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب" وإنما يتفاوتون في درجات القرب لا في أصله، وأقربهم إلى الله تعالى أعرفهم به، وأعرفهم به لابد وأن يكون أعبدهم له؛ فمن عرفه لم يعبد غيره. والأصل في الأوراد في حق كل صنف من الناس المداومة فإن المراد منه تغيير الصفات الباطنة. وآحاد الأعمال يقل آثارها بل لا يحس بآثارها وإنما يترتب الأثر على المجموع فإذا لم يعقب العمل الواحد أثراً محسوساً ولم يردف بثان وثالث على القرب انمحى الأثر الأول وكان كالفقيه يريد أن يكون فقيه النفس فإنه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير؛ فلو بالغ ليلة في التكرار وترك شهراً أو أسبوعاً ثم عاد وبالغ ليلة لم يؤثر هذا فيه. ولو وزع ذلك القدر على الليالي المتواصلة لأثر فيه. ولهذا السر قال رسول الله ﷺ "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". وسئلت عائشة رضي الله عنها عن عمل رسول الله ﷺ? فقالت: "كان عمله ديمة وكان إذا عمل عملاً أثبته" ولذلك قال ﷺ "من عوده الله عبادة فتركها ملالة مقته الله" وهذا كان السبب في صلاة بعد العصر تداركاً لما فاته من ركعتين شغله عنهما الوفد ثم لم يزل بعد ذلك يصليهما بعد العصر ولكن في منزله لا في المسجد كيلا يقتدى به روته عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. فإن قلت: فهل لغيره أن يقتدي به في ذلك مع أن الوقت وقت كراهية? فاعلم أن المعاني الثلاثة التي ذكرناها في الكراهية من الاحتراز عن التشبه بعبدة الشمس أو السجود وقت ظهور قرن الشيطان أو الاستراحة عن العبادة حذراً من الملال لا يتحقق في حقه فلا يقاس عليه في ذلك غيره. ويشهد لذلك فعله في المنزل حتى لا يقتدى به ﷺ.
======
الباب الثاني
في الأسباب الميسرة لقيام الليل
وفي الليالي التي يستحب إحياؤها وفي فضيلة إحياء الليل وما بين العشاءين وكيفية قسمة الليل
فضيلة إحياء ما بين العشاءين
قال رسول الله ﷺ فيما روت عائشة رضي الله عنها "إن أفضل الصوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا عن مقيم فتح بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصر في الجنة" وقال الراوي: لا أدري من ذهب أو فضة? "ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر له ذنب عشرين سنة أو قال أربعين سنة" وروت أم سلمة وأبو هريرة رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال "من صلى ست ركعات بعد المغرب عدلت له عبادة سنة كاملة أو كأنه صلى ليلة القدر" وعن سعيد بن جبير عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ "من عكف نفسه فيما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو قرآن كان حقاً على الله أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراساً لو طافه أهل الدنيا لوسعهم" وقال ﷺ "من ركع عشر ركعات ما بين المغرب والعشاء بنى الله له قصراً في الجنة فقال عمر رضي الله عنه: إذاً تكثر قصورنا يا رسول الله فقال: الله أكثر وأفضل - أو قال - أطيب" وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ "من صلى المغرب في جماعة ثم صلى بعدها ركعتين ولم يتكلم بشيء فيما بين ذلك من أمر الدنيا ويقرأ في الركعة الأولى فاتحة الكتاب وعشر آيات من أول سورة البقرة وآيتين من وسطها وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السموات والأرض إلى آخر الآية وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة ثم يركع ويسجد فغذا قام في الركعة الثانية قرأ فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين بعدها إلى قوله "أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" وثلاث آيات من آخر سورة البقرة من قوله لله ما في السموات وما في الأرض إلى آخرها وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة" وصف من ثوابه في الحديث ما يخرج عن الحصر وقال كرز بن وبرة وهو من الأبدال: قلت للخضر عليه السلام علمني شيئاً أعمله في كل ليلة فقال إذا صليت المغرب فقم إلى وقت صلاة العشاء مصلياً من غير أن تكلم أحداً وأقبل على صلاتك التي أنت فيها وسلم من كل ركعتين واقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد - ثلاثاً - فإن فرغت من صلاتك انصرف إلى منزلك ولا تكلم أحداً وصل ركعتين واقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد سبع مرات في كل ركعة ثم اسجد بعد تسليمك واستغفر الله تعالى سبع مرات وقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا اله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبع مرات، ثم ارفع رأسك من اسجود واستو جالساً وارفع يديك وقل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا إله الأولين والآخرين يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما يا رب يا رب يا رب يا الله يا الله يا الله، ثم قم وأنت رافع يديك وادع بهذا الدعاء، ثم نم حيث شئت مستقبل القبلة على يمينك وصل على النبي ﷺ وأدم الصلاة عليه حتى يذهب بك النوم. فقلت له: أحب أن تعلمني ممن سمعت هذا? فقال: إني حضرت محمداً ﷺ حيث علم هذا الدعاء وأوحي إليه به فكنت عنده وكان ذلك بمحضر مني فتعلمته ممن علمه إياه ويقال إن هذا الدعاء وهذه الصلاة من دوام عليهما بحسن يقين وصدق نية رأى رسول الله ﷺ في منامه قبل أن يخرج من الدنيا؛ وقد فعل ذلك بعض الناس فرأى أنه أدخل الجنة ورأى فيها الأنبياء ورأى فيها رسول الله ﷺ وكلمه وعلمه. وعلى الجملة ما ورد في فضل إحياء ما بين العشاءين كثير حتى قيل لعبيد الله مولى رسول الله ﷺ: هل كان رسول الله ﷺ يأمر بصلاة غير المكتوبة? قال: ما بين المغرب والعشاء" وقال ﷺ "من صلى ما بين المغرب والعشاء تلك صلاة الأوابين" وقال الأسود ما أتيت ابن مسعود رضي الله عنه في هذا الوقت إلا ورأيته يصلي فسألته فقال: نعم هي ساعة الغفلة: وكان أنس رضي الله عنه يواظب عليها ويقول: هي ناشئة الليل، ويقول: فيها نزل قوله تعالى "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" وقال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان الداراني أصوم النهار وأتعشى بين المغرب والعشاء أحب إليك أو أفطر بالنهار وأحيي ما بينهما? فقال: اجمع بينهما، فقلت: إن لم يتيسر? قال أفطر وصل ما بينهما.
فضيلة قيام الليل
أما من الآيات: فقوله تعالى "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل" الآية وقوله تعالى "إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً" وقوله سبحانه وتعالى "تتجافى جنوبهم عن المضاجع" وقوله تعالى "أمن هو قانت آناء الليل" الآية وقوله عز وجل "والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً" وقوله تعالى "واستعينوا بالصبر والصلاة" قيل هي قيام الليل يستعان بالصبر عليه على مجاهدة النفس. ومن الأخبار: قوله ﷺ "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ وذكر الله تعالى انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" وفي الخبر "أنه ذكر عنده رجل ينام كل الليل حتى يصبح فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه" وفي الخبر "إن للشيطان سعوطاً ولعوقاً وذروراً فإذا أسعط العبد ساء خلقه وغذا ألعقه ذرب لسانه بالشر وإذا ذره نام الليل حتى يصبح" وقال ﷺ "ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل خير له من الدنيا وما فيها ولولا أن أشق على أمتي لفرضتهما عليهم" وفي الصيحح عن جابر أن النبي ﷺ قال "إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيراً إلا أعطاه إياه" وفي رواية "يسأل الله تعالى خيراً من الدنيا والآخرة وذلك في كل ليلة" وقال المغيرة بن شعبة: قام رسول الله ﷺ حتى تفطرت قدماه فقيل له: أما قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر? فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً ويظهر من معناه أن ذلك كناية عن زيادة الرتبة فإن الشكر سبب المزيد قال تعالى "لئن شكرتم لأزيدنكم" وقال ﷺ "يا أبا هريرة أتريد أن تكون رحمة الله عليك حياً وميتاً ومقبوراً ومبعوثاً من الليل فصل وأنت تريد رضا ربك يا أبا هريرة صل في زوايا بيتك يكن نور بيتك في السماء كنور الكواكب والنجم عند أهل الدنيا" وقال ﷺ "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم. فإن قيام الليل قربة إلى الله عز وجل وتكفير للذنوب ومطردة للداء عن الجسد ومنهاة عن الإثم" وقال ﷺ "ما من امرىء تكون له صلاة بالليل فغله عليها النوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه" وقال ﷺ لأبي ذر "لو أردت سفراً أعددت له عدة? قال: نعم، قال: فكيف سفر طريق القيامة ألا أنبئك يا أبا ذر بما ينفعك ذلك اليوم? قال: بلى بأبي أنت وأمي، قال: صم يوماً شديد الحر ليوم النشور وصل ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور وحج حجة لعظائم الأمور وتصدق بصدقة على مسكين أو كلمة حتى تقولها أو كلمة شر تسكت عنها" وروي "أنه كان على عهد النبي ﷺ رجل إذا أخذ الناس مضاجعهم وهدأت العيون قام يصلي ويقرأ القرآن ويقول: يا رب النار أجرني منها، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إذا كان ذلك فآذنوني فأتاه فاستمع فلما أصبح قال: يا فلان هلا سألت الله الجنة? قال: يا رسول الله إني لست هناك ولا يبلغ عملي ذاك فلم يلبث إلا يسيراً حتى نزل جبرائيل عليه السلام وقال: أخبر فلاناً أن الله قد أجاره من النار وأدخله الجنة"
ويروى "أن جبرائيل عليه السلام قال للنبي ﷺ: نعم الرجل ابن عمر لو كان يصلي بالليل، فأخبره النبي ﷺ بذلك فكان يداوم بعده على قيام الليل" قال نافع: كان يصلي بالليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا? فأقول: لا، فيقوم لصلاته ثم يقول يا نافع أسحرنا? فأقول: نعم، فيقعد فيستغفر الله تعالى حتى يطلع الفجر. وقال علي بن أبي طالب شبع يحيى بن زكريا عليهما السلام من خبز شعير فنام على ورده حتى أصبح فأوحى الله تعالى إليه: يا يحيى أوجدت داراً خيراً ك من داري? أم وجدت جواراً خيراً لك من جواري? فوعزتي وجلالي يا يحيى لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعه لذاب شحمك ولزهقت نفسك اشتياقاً ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لذاب شحمك ولبكيت الصديد بعد الدموع ولبست الجلد بعد المسوح". وقيل لرسول الله ﷺ: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق فقال: سينهاه ما يعمل" وقال ﷺ "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء" وقال ﷺ "من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات" وقال ﷺ "أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل" وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال ﷺ "من نام عن حزبه أو عن شيء منه بالليل فقرأه بين صلاة الفجر والظهر كتب له كأنما قرأه من الليل" الآثار: روي أن عمر رضي الله عنه كان يمر بالآية من ورده بالليل فيسقط حتى يعاد منها أياماً كثيرة كما يعاد المريض. وكان ابن معسود رضي الله عنه إذا هدأت العيون قام فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح ويقال: إن سفيان الثوري رحمه الله شبع ليلة فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله فقام تلك الليلة حتى أصبح. وكان طاوس رحمه الله إذا اضطجع على فراشه يتقلى عليه كما تتقلى الحبة على المقلاة ثم يثب ويصلي إلى الصباح ثم يقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين. وقال الحسن رحمه الله: ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل ونفقة هذا المال فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهاً? قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره. وقدم بعض الصالحين من سفره فمهد له فراش فنام عليه حتى فاته ورده فحلف ألا ينام بعدها على فراش أبداً. وكان عبد العزيز بن رواد إذا جن عليه الليل يأتي فراشه فيمد يده عليه ويقول: إنك للين ووالله إن في الجنة لألين منك ولا يزال يصلي الليل كله. وقال الفضيل: إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأصبح وما قضيت نهمتي. وقال الحسن: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل. وقال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك. وكان صلة بن أشيم رحمه الله يصلي الليل كله فإذا كان في السحر قال: إلهي ليس مثلي يطلب الجنة ولكن أجرني برحمتك من النار. وقال رجل لبعض الحكماء: إني لأضعف عن قيام الليل، فقال له "يا أخي لا تعص الله تعالى ولا تقم بالليل. وكان للحسن بن صالح جارية فباعها من قوم فلما كان في جوف الليل قامت الجارية فقالت؛ يا أهل الدار الصلاة الصلاة! فقالوا: أصبحنا أطلع الفجر? فقالت: وما تصلون إلا المكتوبة? قالوا: نعم؛ فرجعت إلى الحسن فقالت: يا مولاي بعتني من قوم لا يصلون إلا المكتوبة? ردني. فردها، وقال الربيع: بت في منزل الشافعي رضي الله عنه ليالي كثيرة فلم يكن ينام من الليل إلا يسيراً. وقال أبو الجويرية. لقد صحبت أبا حنيفة رضي الله عنه ستة أشهر فما فيها ليلة وضع جنبه على الأرض. وكان أبو حنيفة يحيي نصف الليل فمر بقوم فقالوا: إن هذا يحيي الليل كله: فقال: إني أستحيي أن أوصف بما لا أفعل فكان بعد ذلك يحيي اليل كله. ويروى أنه ما كان له فراش بالليل. ويقال: إن مالك بن دينار رضي الله عنه بات يردد هذه الآية ليلة حتى أصبح "أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات" الآية: وقال المغيرة بن حبيب رمقت مالك بن دينار فتوضأ بعد العشاء ثم قام إلى مصلاه فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول حرم شيبة مالك على النار إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك? وأي الدارين دار مالك? فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر. وقال مالك بن دينار: سهوت ليلة عن وردي ونمت فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون وفي يدها رقعة فقالت لي: أتحسن تقرأ? فقلت: نعم، فدفعت إلي الرقعة فإذا فيها:
أألهتك اللذائذ والأماني
عن البيض الأوانس في الجنان
تعيش مخلداً لا موت فيها
وتلهو في الجنان مع الحسان
تنبه من منامك إن خيراً
من النوم التهجد بالقران
وقيل حج مسروق فما بات ليلة إلا ساجداً. ويروى عن أزهر بن مغيث وكان من القوامين أنه قال: رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء أهل الدنيا فقلت لها: من أنت? قالت: حوراء؛ فقلت: زوجيني نفسك؛ فقالت اخطبني إلى سيدي وأمهرني؛ فقلت: وما مهرك? قالت: طول التهجد. وقال يوسف بن مهران: بلغني أن تحت العرش ملكاً في صورة ديك براثنه من لؤلؤ وصئصئه من زبرجد أخضر فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم القائمون فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم المتهجدون؛ فإذا مضى ثلثا الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم المصلون؛ فإذا طلع الفجر ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم. وقيل إن وهب بن منبه اليماني ما وضع جنبه إلى الأرض ثلاثين سنة وكان يقول: لأن أرى في بيتي شيطاناً أحب إلي من أن أرى في بيتي وسادة لأنها تدعو إلى النوم، وكانت له مسورة من أدم إذا غلبه النوم وضع صدره عليها وخفق خفقات ثم يفزع إلى الصلاة. وقال بعضهم: رأيت رب العزة في النوم فسمعته يقول: وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلى لي الغدا بوضوء العشاء أربعين سنة. ويقال كان مذهبه أن النوم إذا خامر القلب بطل الوضوء، وروي في بعض الكتب القديمة عن الله تعالى أنه قال: إن عبدي الذي هو عبدي حقاً الذي لا ينتظر بقيامه صياح الديكة.
بيان الأسباب التي بها يتيسر قيام الليل اعلم أن قيام الليل عسير عن الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهراً وباطناً
فأما الظاهرة فأربعة أمور الأول أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام. كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتتحسروا عند الموت كثيراً. وهذا هو الأصل الكبير وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام الثاني أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب فإن ذلك أيضاً مجلبة للنوم الثالث أن لا يترك القيلولة بالنهار فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل الرابع أن لا يحتقب الأوزار بالنهار فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم? فقال: ذنوبك قيدتك. وكان الحسن رحمه الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول: أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون. وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل وما ذاك الذنب? فقال: ذنوبك قيدتك. وكان الحسن رحمه الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول: أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون. وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل وما ذاك الذنب? قال: رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي هذا مراء وقال بعضهم: دخلت على كرز بن وبرة وهو يبكي فقلت أتاك نعي بعض أهلك? فقال: اشد؛ فقلت: وجع يؤلمك? قال: أشد؛ قلت: فما ذاك? قال: بابي مغلق وستري مسبل ولم أقرأ حزبي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته. وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير والشر يدعو إلى الشر والقليل من كل واحد منهما يجر إلى الكثير. ولذلك قال أبو سليمان الداراني: لا تفوت أحداً صلاة الجماعة إلا بذنب وكان يقول الاحتلام بالليل عقوبة والجنابة بعد. وقال بعض العلماء: إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر وعلى أي شيء تفطر فإن العبد ليأكل أكلة فينقلب قلبه عما كان عليه ولا يعود إلى حالته الأولى. فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل، وأخصها بالتأثير تناول الحرام. وتؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها ويعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له. ولذلك قال بعضهم: كم من أكلة منعت قيام ليلة وكم من نظرة منعت قراءة سورة? وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة. وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات. وقال بعض السجانين كنت سجاناً نيفاً وثلاثين سنة أسأل كل مأخوذ بالليل أنه هل صلى العشاء في جماعة فكانوا يقولون: لا? وهذا تنبيه على أن بركة الجماعة تنهى عن تعاطي الفحشاء والمنكر.
وأما الميسرات الباطنة فأربعة أمور: الأول سلامة القلب عن الحقد على المسلمين وعن البدع وعن فضول هموم الدنيا فالمستغرق الهم بتدبير الدنيا لا يتيسر له القيام، وإن قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته ولا يجول إلا في وساوسه وفي مثل ذلك يقال: يخبرني البـواب أنـك نـائم وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم
الثاني: خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره كما قال طاوس: إن ذكر جهنم طير نوم العابدين. وكما حكي أن غلاماً بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم الليل كله فقالت له سيدته: إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار، فقال: إن صهيباً إذا ذكر النار لا يأتيه النوم وقيل لغلام آخر وهو يقوم كل الليل فقال: إذا ذكرت النار اشتد خوفي وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي فلا أقدر أن أنام وقال ذو النون المصري رحمه الله:
منع القرآن بوعده ووعيده
مقل العيون بليلها أن تهجعا
فهموا عن الملك الجليل كلامه
فرقابهم ذلت إليه تخضعا
وأنشدوا أيضاً:
يا طويل الرقاد والغفلات
كثرة النوم تورث الحسرات
إن في القبر إن نزلت إليه
لرقاداً يطول بعد الممات
ومهاداً ممهداً لك فيه
بذنوب عملت أو حسنات
أأمنت البيات من ملك المو
ت وكم نال آمناً ببيات
وقال ابن المبارك:
إذا ما الليل أظلم كابدوه
فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا
وأهل الأمن في الدنيا هجوع
الثالث أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات الجنان؛ كما حكي أن بعض الصالحين رجع من غزوته فمهدت امرأته فراشها وجلست تنتظره فدخل المسجد ولم يزل يصلي حتى أصبح فقالت له زوجته: كنا ننتظرك مدة فلما قدمت صليت إلى الصبح? قال: والله إني كنت أتفكر في حوراء من حور الجنة طول الليل فنسيت الزوجة والمنزل فقمت طول ليلتي شوقاً إليها.
الرابع وهو أشرف البواعث؛ الحب لله وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه وأن تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه، فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ بالمناجاة فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام. ولا ينبغي أن يستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل. فأما العقل فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله أو الملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف يتلذذ به في الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله. فإن قلت: إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه وإن الله تعالى لا يرى? فاعلم أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحب يتلذذ بمجاورته المجردة دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه. وكان يتنعم بإظهار حبه عليه وذكره بلسانه بمسمع منه وإن كان ذلك أيضاً معلوماً عنده. فإن قلت: إنه ينتظر جوابه فليتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام الله تعالى? فاعلم أنه إن كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت له أيضاً لذة في عرض أحواله عليه ورفع سريرته إليه كيف والموقن يسمع من الله تعالى كل ما يرد على خاطره في أثناء مناجاته فيتلذذ به? وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه. والرجاء في حق الله تعالى أصدق وما عند الله خير وأبقى وأنفع مما عند غيره فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات?
وأما النقل فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب حتى قيل لبعضهم: كيف أنت والليل? قال: ما راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد. وقال آخر: أنا والليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر. وقيل لبعضهم: كيف الليل عليك? فقال: ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع، ما تم فرحي به قط وقال علي بن بكار: منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر. وقال الفضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي. وقال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال أيضاً: لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم. وقال بعض العلماء: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة. وقال بعضهم: لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم، وقال ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام لليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة. وقال بعض العارفين: إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنواراً فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين. وقال بعض العلماء من القدماء: إن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين إن لي عباداً من عبادي أحبهم ويحبونني ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكرونني وأذكرهم وينظرون إلي وأنظر إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك، قال يا رب وما علامتهم? قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إلي بإنعامي فبين صارخ وباكي وبين متأوه وشاكي بعيني ما يتحملون من أجلي وبسمعي ما يشتكون من حبي أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم. والثانية: لو كانت السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم. والثالثة: أقبل بوجهي عليهم أفترى من أقبلت بوجهي عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه? وقال مالك بن دينار رحمه الله إذا قام العبد يتهجد من الليل قرب منه الجبار عز وجل. وكانوا يرون ما يجدون من الرقة والحلاوة في قلوبهم والأنوار من قرب الرب تعالى من القلب وهذا له سر وتحقيق ستأتي الإشارة إليه في كتاب المحبة. وفي الأخبار عن الله عز وجل "أي عبدي أنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري" وشكا بعض المريدين إلى أستاذه طول سهر الليل وطلب حيلة يجلب بها النوم فقال أستاذه: يا بني إن لله نفحات في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة وتخطىء القلوب النائمة فتعرض لتلك النفحات؛ فقال: يا سيدي تركتني لا أنام بالليل ولا بالنهار.
واعلم أن هذه النفحات بالليل أرجى لما في قيام الليل من صفاء القلب واندفاع الشواغل وفي الخبر الصحيح عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال "إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيراً إلا أعطاه إياه" وفي رواية أخرى "يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه وذلك كل ليلة" ومطلوب القائمين تلك الساعة وهي مهمة في جملة الليل كليلة القدر في شهر رمضان وكساعة يوم الجمعة وهي ساعة النفحات المذكورة والله أعلم.
بيان طرق القسمة لأجزاء الليل
اعلم أن إحياء الليل من حيث المقدار له سبع مراتب الأولى إحياء الليل وهذا شأن الأقوياء الذين تجردوا لعبادة الليل وتلذذوا بمناجاته وصار ذلك غذاء لهم وحياة لقلوبهم فلم يتعبوا بطول القيام وردوا المنام إلى النهار وفي وقت اشتغال الناس، وقد كان ذلك طريق جماعة من السلف كانوا يصلون الصبح بوضوء العشاء. حكى أبو طالب المكي أن ذلك حكي على سبيل التواتر والاشتهار عن أربعين من التابعين وكان فيهم من واظب عليه أربعين سنة، قال: منهم سعيد بن المسيب وصفوان بن سليم - المدنيان - وفضيل بن عياض ووهيب بن الورد - المكيان - وطاوس ووهب بن منبه - اليمانيان - والربيع بن خيثم والحكم - الكوفيان - وأبو سليمان الداراني وعلي بن بكار - الشاميان - وأبو عبد الله الخواص وأبو عاصم - العباديان - وحبيب أبو محمد وأبو جابر السلماني - الفارسيان - ومالك بن دينار سليمان التيمي ويزيد الرقاشي وحبيب بن أبي ثابت ويحيى البكاء - البصريون - وكهمس بن المنهال وكان يختم في الشهر تسعين ختمة وما لم يفهمه رجع وقرأه مرة أخرى.
وأيضاً من أهل المدينة: أبو حازم ومحمد بن المنكدر في جماعة يكثر عددهم المرتبة الثانية أن يقوم نصف الليل: وهذا لا ينحصر عدد المواظبين عليه من السلف. وأحسن فيه أن ينام الثلث الأول من الليل والسدس الأخير منه حتى يقع قيامه في جوف الليل ووسطه فهو الأفضل المرتبة الثالثة أن يقوم ثلث الليل: فينبغي أن ينام النصف الأول والسدس الأخير، وبالجملة نوم آخر الليل محبوب لأنه يذهب النعاس بالغداة، وكانوا يكرهون ذلك، ويقلل صفرة الوجه والشهرة به فلو قام أكثر الليل ونام سحراً قلت صفرة وجهه وقل نعاسه. وقالت عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله ﷺ إذا أوتر من آخر الليل فإن كانت له حاجة إلى أهله دنا منهن وإلا اضطجع في مصلاه حتى يأتيه بلال فيؤذنه للصلاة" وقالت أيضاً رضي الله عنها "ما ألفيته بعد السحر إلا نائماً" حتى قال بعض السلف: هذه الضجعة قبل الصبح سنة، منهم أبو هريرة رضي الله عنه. وكان نوم هذا الوقت سبباً للمكاشفة والمشاهدة من وراء حجب الغيب وذلك لأرباب القلوب وفيه استراحة تعين على الورد الأول من أوراد النهار وقيام ثلث الليل من النصف الأخير. ونوم السدس الأخير قيام داود ﷺ المرتبة الرابعة أن يقوم سدس الليل أو خمسه وأفضله أن يكون في النصف الأخير وقبل السدس الأخير منه المرتبة الخامسة أن لا يراعي التقدير فإن ذلك إنما يتيسر لنبي يوحى إليه أو لمن يعرف منازل القمر ويوكل به من يراقبه ويواظبه ويوقظه ثم ربما يضطرب في ليالي الغيم، ولكنه يقوم من أول الليل إلى أن يغلبه النوم فإذا انتبه قام فإذا غلبه النوم عاد إلى النوم.
فيكون له في الليل نومتان وقومتان وهو من مكابدة الليل وأشد الأعمال وأفضلها، وقد كان هذا من أخلاق رسول الله ﷺ، وهو طريقة ابن عمر وأولي العزم من الصحابة وجماعة من التابعين رضي الله عنهم. وكان بعض السلف يقول: هي أول نومة فإذا انتبهت ثم عدت إلى النوم فلا أنام الله لي عيناً. فأما قيام رسول الله ﷺ من حيث المقدار فلم يكن على ترتيب واحد بل ربما كان يقوم نصف الليل أو ثلثه أو سدسه يختلف ذلك في الليالي ودل عليه قوله تعالى في الموضعين من سورة المزمل "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه" فأدنى من ثلثي الليل كأنه نصفه ونصف سدسه فإن كسر قوله "ونصفه وثلثه" كان نصف الثلثين وثلثه فيقرب من الثلث والربع. وإن نصب كان نصف الليل وقالت عائشة رضي الله عنها كان ﷺ يقوم إذا سمع الصارخ" يعني الديك وهذا يكون السدس فما دونه. وروى غير واحد أنه قال "راعيت صلاة رسول الله ﷺ في السفر ليلاً فنام بعد العشاء زماناً ثم استيقظ فنظر في الأفق فقال "ربنا ما خلقت هذا باطلاً" حتى بلغ "إنك لا تخلف الميعاد" ثم استل من فراشه سواكاً فاستاك به وتوضأ وصلى حتى قلت: صلى مثل الذي نام. ثم اضطجع حتى قلت نام مثل ما صلى. ثم استيقظ فقال ما قال أول مرة وفعل ما فعل أول مرة" المرتبة السادسة وهي الأقل: أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين أو تتعذر عليه الطهارة فيجلس مستقبل القبلة ساعة مشتغلاً بالذكر والدعاء فيكتب في جملة قوام الليل برحمة الله وفضله. وقد جاء في الأثر: صل من الليل ولو قدر حلب شاة فهذه طرق القسمة فليختر المريد لنفسه ما يراه أيسر عليه. وحيث يتعذر عليه القيام في وسط الليل فلا ينبغي أن يهمل إحياء ما بين العشاءين والورد الذي بعد العشاء. ثم يقوم قبل الصبح وقت السحر فلا يدركه الصبح نائماً ويقوم بطرفي الليل "وهذه هي المرتبة السابعة ومهما كان النظر إلى المقدار فترتيب هذه المراتب بحسب طول الوقت وقصره: وأما في الرتبة الخامسة والسابعة لم ينظر فيهما إلى القدر فليس يجري أمرهما في التقدم والتأخر على الترتيب المذكور إذ السابعة ليست دون ما ذكرناه في السادسة، ولا الخامسة دون الرابعة.
بيان الليالي والأيام الفاضلة اعلم أن الليالي المخصوصة بمزيد الفضل التي يتأكد فيها استحباب الإحياء في السنة خمس عشرة ليلة لا ينبغي أن يغفل المريد عنها فإنها مواسم الخيرات ومظان التجارات. ومتى غفل التاجر عن المواسم لم يربح ومتى غفل المريد عن فضائل الأوقات لم ينجح. فستة من هذه الليالي في شهر رمضان: خمس في أوتار العشر الأخير إذ فيها يطلب ليلة القدر. وليلة سبع عشرة من رمضان - فهي ليلة صبيحتها يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، فيه كانت وقعة بدر، وقال ابن الزبير رحمه الله: هي ليلة القدر - وأما التسع الأخر: فأول ليلة من المحرم. وليلة عاشوراء وأول ليلة من رجب وليلة النصف منه. وليلة سبع وعشرين منه وهي ليلة المعراج وفيها صلاة مأثورة فقد قال ﷺ "للعامل في هذه الليلة حسنات مائة سنة" فمن صلى في هذه الليلة اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة من القرآن ويتشهد في كل ركعتين ويسلم في آخرهن ثم يقول "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة ثم يستغفر الله مائة مرة ويصلي على النبي ﷺ مائة مرة ويدعو لنفسه بما شاء من أمر دنياه وآخرته ويصبح صائماً فإن الله يستجيب دعاءه كله إلا أن يدعو في معصية - وليلة النصف من شعبان - ففيها مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص عشر مرات كانوا لا يتركونها كما أوردناه في صلاة التطوع - وليلة عرفة. وليلتا العيدين: قال ﷺ "من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب".
وأما الأيام الفاضلة فتسعة عشر يستحب مواصلة الأوراد فيها: يوم عرفة. ويوم عاشوراء. ويوم سبعة وعشرين من رجب - له شرف عظيم روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال "من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهراً" وهو اليوم الذي أهبط الله فيه جبرائيل عليه السلام على محمد ﷺ بالرسالة - ويوم سبعة عشر من رمضان - وهو يوم وقعة بدر - ويوم النصف من شعبان. ويوم الجمعة، ويوما العيدين والأيام المعلومات وهي عشر من ذي الحجة. والأيام المعدودات وهي أيام التشريق. وقد روى أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال "إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة" وقال بعض العلماء: من أخذه مهناة في الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناة في الآخرة وأراد به العيدين والجمعة وعرفة وعاشوراء ومن فواضل الأيام في الأسبوع يوم الخميس والاثنين ترفع فيهما الأعمال إلى الله تعالى: وقد ذكرنا فضائل الأشهر والأيام للصيام في كتاب الصوم فلا حاجة إلى الإعادة والله أعلم، وصلى الله على كل عبد مصطفى من كل العالمين.
===================
كتاب آداب الأكل
وهو الكتاب الأول من ربع العادات من كتاب إحياء العلوم
الحمد لله الذي أحسن تدبير الكائنات، فخلق الأرض والسموات. وأنزل الماء الفرات من المعصرات، فأخرج به الحب والنبات. والصلاة على محمد ذي المعجزات الباهرات، وعلى آله وأصحابه صلاة تتوالى على ممر الأوقات وتتضاعف بتعاقب الساعات، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد،فإن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل ولا تمكن المواظبة عليها إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجة على تكرار الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين "كلوا من الطيبات واعملوا صالحا" فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويقوي به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملاً سدى، يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى، فإن ما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه. وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي بلجامها، حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامها وإحجامها، فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أوفى حظ للنفس. قال ﷺ "إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه وإلى في امرأته" وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين مراعياً فيه آدابه ووظائفه.
وها نحن نرشد إلى وظائف الدين في الأكل فرائضها وسننها وآدابها ومروءاتها وهيئاتها في أربعة أبواب، وفصل في آخرها. -الباب الأول- فيما لا بد للآكل من مراعاته وإن انفرد بالأكل -الباب الثاني- فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع على الأكل -الباب الثالث- فيما يخص تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين -الباب الرابع- فيما يخص الدعوة والضيافة وأشباهها.
========
الباب الأول
فيما لابد للمنفرد منه
وهو ثلاثة أقسام: قسم قبل الأكل، وقسم مع الأكل، وقسم بعد الفراغ منه:
القسم الأول
في الآداب التي تتقدم على الأكل
وهي سبعة:
الأول: أن يكون الطعام بعد كونه حلالاً في نفسه طيباً في جهة مكسبه موافقاً للسنة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين - على ما سيأتي في معنى الطيب المطلق في كتاب الحلال والحرام - وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيماً لأمر الحرام وتعظيماً لبركة الحلال فقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" إلى قوله "ولا تقتلوا أنفسكم" الآية، فالأصل في الطعام كونه طيباً وهو من الفرائض وأصول الدين.
الثاني:غسل اليد قال ﷺ "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم"وفي رواية "ينفي الفقر قبل الطعام وبعده" ولأن لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة. ولأن الأكل لقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة.
الثالث: أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل رسول الله ﷺ من رفعه على المائدة كان رسول الله ﷺ إذا أتى بطعام وضعه على الأرض فهذا أقرب إلى التواضع فإن لم يكن فعلى السفرة فإنها تذكر السفر ويتذكر من السفر سفر الآخرة وحاجته إلى زاد التقوى. وقال أنس بن مالك رحمه الله "ما أكل رسول الله ﷺ على خوان ولا في سكرجة" قيل فعلى ماذا كنتم تأكلون? قال على السفرة. وقيل: أربع أحدثت بعد رسول الله ﷺ: الموائد والمناخل والأشنان والشبع واعلم أن وإن قلنا الأكل على السفرة أولى فلسنا نقول الأكل على المائدة منهي عنه كراهة أو تحريم إذا لم يثبت فيه نهي. وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله ﷺ فليس كل ما أبدع منهياً، بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه. والأربع التي جمعت في أنها مبدعة ليست متساوية بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة فإن الغسل مستحب للنظافة والأشنان أتم في التنظيف، وكانوا لا يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم أو لا يتيسر، أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة في النظافة فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضاً، وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم وذلك لا يمنع كون الغسل مستحباً. وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ما لم ينتهي إلى التنعم المفرط. وأما المائدة فتيسير للأكل وهو أيضاً مباح ما لم ينتهي إلى الكبر والتعاظم. وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء في البدن فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات.
الرابع: أن يحسن الجلسة على السفرة في أول جلوسه ويستديمها كذلك، كان رسول الله ﷺ ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى وكان يقول "لا آكل متكئاً إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" والشرب متكئاً مكروه للمعدة أيضاً ويكره الأكل نائماً ومتكئاً إلا ما يتنقل به من الحبوب. روى عن علي كرم الله وجهه أنه أكل كعكعاً على ترس وهو مضطجع ويقال منبطح على بطنه والعرب قد تفعله.
الخامس: أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بأكل ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل. قال إبراهيم بن شيبان: منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئاً لشهوتي. ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل فإنه إذا أكل لأجل قوة العبادة لم تصدق نيته إلا بأكل مادون الشبع فإن الشبع يمنع من العبادة ولا يقوى عليها فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة وإيثار القناعة على الإتساع. قال رسول الله ﷺ "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب وثلث للنفس" ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع فيكون الجوع أحد ما لابد من تقديمه على الأكل. ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب وسيأتي فائدة قلة الأكل وكيفية التدريج في التقليل منه في كتاب كسر شهوة الطعام من ربع المهلكات .
السادس: أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام ولا يجتهد في التنعم وطلب الزيادة وانتظار الأدم بل من كرامة الخبز أن لا ينتظر به الأدم وقد ورد الأمر بإكرام الخبز فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو خير كثير لا ينبغي أن يستحقر بل لا ينتظر بالخبز الصلاة إن حضر وقتها إذا كان في الوقت متسع. قال ﷺ "إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء" وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه. ومهما كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة. فأما إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة وكان في التأخير ما يبرد الطعام أو يشوش أمره فتقديمه أحب عند اتساع الوقت، تاقت النفس أو لم تتق، لعموم الخير ولأن القلب لا يخلو عن الإلتفات إلى الطعام الموضوع وإن لم يكن الجوع غالباً.
السابع: أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده. قال ﷺ "اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه" وقال أنس رضي الله عنه "كان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده وقال ﷺ "خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي".
القسم الثاني
في آداب حالة الأكل
وهو أن يبدأ ب "بسم الله" في أوله وب "الحمد لله" في أخره. ولو قال مع كل لقمة "بسم الله" فهو حسن حتى لا يشغله الشره عن ذكر الله تعالى. ويقول مع القمة الأولى "بسم الله الرحمن الرحيم" ومع الثالثة "بسم الله الرحمن الرحيم" ويجهر به ليذكر غيره. ويأكل باليمنى ويبدأ بالملح ويختم به ويصغر اللقمة ويجود مضغها وما لم يبتلعها لم يمد اليد إلى الأخرى فإن ذلك عجلة في الأكل وأن لا يذم مأكولاً "كان ﷺ لا يعيب مأكولاً كان إذا أعجبه أكله وإلا يتركه" وأن يأكل مما يليه إلا الفاكهة فإن له أن يجيل يده فيها قال ﷺ "كل مما يليك" ثم كان ﷺ يدور على الفاكهة، فقيل له في ذلك فقال "ليس هو نوعاً واحداً" وأن لا يأكل من دورة القصعة ولا من وسط الطعام بل يأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قل الخبز فيكسر الخبز ولا يقطع بالسكين ولا يقطع اللحم أيضاً فقد نهى عنه وقال " انهشوه نهشاً" ولا يضع على الخبز ولا غيرها إلا ما يأكل به قال ﷺ "أكرموا الخبز فإن الله تعالى أنزله من بركات السماء" وال يمسح يده بالخبز. وقال ﷺ "إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" ولا ينفخ في الطعام الحار فهو منهي عنه بل يصبر إلى إن يسهل أكله ويأكل من التمر وتراً سبعاً أو إحدى عشرة أو إحدى وعشرين أو ما اتفق ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا يجمع في كفه بل يضع النواة من فيه على ظهر كفه ثم يلقيها، وكذا كل ما له عجم وثفل. وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه فقد قيل إن ذلك مستحب في الطب وإنه دباغ المعدة.
وأما الشرب؛ فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول "بسم الله" ويشربه مصاً لا عباً قال ﷺ "مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب" ولا يشرب قائماً ولا مضطجعاً فإنه ﷺ نهى عن الشرب قائماً وروي أنه ﷺ شرب قائما ولعله لعذر. ويراعي أسفل الكوز حتى لا يقطر عليه وينظر في الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ ولا يتنفس في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية. وقد قال ﷺ بعد الشرب "الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا" والكوز وكل ما يدار على القوم يدار يمنة وقد شرب رسول الله ﷺ لبناً وأبو بكر رضي الله عنه على يمينه شماله وأعرابي عن يمينه وعمر ناحيته فقال عمر رضي الله عنه" أعط أبا بكر فناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن ويشب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في أواخرها ويسمي الله في أوائلها ويقول في آخر النفس الأول "الحمد لله" وفي الثاني يزيد "رب العالمين" وفي الثالث يزيد "الرحمن الرحيم" فهذا قريب من عشرين أدباً في حالة الأكل والشرب دلت عليه الأخبار والآثار.
القسم الثالث
ما يستحب بعد الطعام
وهو أن يمسك قبل الشبع ويلعق أصابعه ثم يمسح بالمنديل ثم يغسلها ويلتقط فتات الطعام قال ﷺ "من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده" ويخلل ولا يبتلع كل ما يخرج من بين أسنانه بالخلال إلا ما يجمع من أصول أسنانه بلسانه أما المخرج بالخلال فيرميه وليتمضمض بعد الخلال ففيه أثر عن أهل البيت عليهم السلام. وأن يلعق القصعة ويشرب ماءها. ويقال: من لعق القصعة وغسلها وشرب ماءها كان له عتق رقبة. وأن التقاط الفتات مهور الحور العين وأن يشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى "كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله" ومهما أكل حلالاً قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات اللهم أطعمنا طيباً واستعملنا صالحاً". وإن أكل شبهة فليقل: "الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك،ويقرأ بعد الطعام قل هو الله أحد ولإيلاف قريش. ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولاً فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل: اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته ويسر له أن يفعل فيه خيراً وقنعه بما أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين. وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة. وليكثر الإستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفئ بدموعه وحزنه حر النار التي تعرض لها لقوله ﷺ "كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به" وليس من يأكل ويبكي كمن يأكل ويلهو. ولقل إذا أكل لبناً: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه فإن أكل غيره قال: "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه"، فذلك الدعاء مما خص به رسول الله ﷺ اللبن لعموم نفعه. ويستحب عقب الطعام أن يقول: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا سيدنا ومولانا كافي من كل شيء ولا يكفى منه شيء أطعمت من جوع وآمنت من خوف فلك الحمد آويت من يتم وهديت من ضلالة وأغنيت من عيلة فلك الحمد حمداً كثيراً دائماً طيباً نافعاً مباركاً فيه كما أنت أهله ومستحقه اللهم أطعمنا طيباً فاستعملنا صالحاً واجعله عوناً لنا عن طاعتك ونعوذ بك أن نستعين به على معصيتك"، وأما غسل اليدين بالأشنان فيكفيه أن يجعل الأشنان في كفه اليسرى ويغسل الأصابع الثلاث من اليمنى أول، ويضرب أصابعه على الأشنان اليابس فيمسح به شفتيه، ثم ينعم غسل الفم بإصبعه ويدلك ظاهر أسنانه وباطنها والحنك واللسان، ثم يغسل أصابعه من ذلك بالماء ثم يدلك ببقية الأشنان اليابس أصابعه ظهراً وبطناً ويستغني بذلك عن إعادة الأشنان إلى الفم وإعادة غسله.
=======
الباب الثاني
فيما يزيد بسبب الاجتماع والمشاركة في الأكل
وهي سبعة:
الأول: أن لا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له الثاني: أن لا يسكتوا على الطعام فإن ذلك من سيرة العجم ولكن يتكلمون بالمعروف ويتحد?ثون بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها.
الثالث: أن يرفق برفيقه بالقصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله فإن ذلك حرام إن لم موافقاً لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا. بل ينبغي أن يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم. فإن قلل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له: "كل" ولا يزيد في قوله " كل" على ثلاث مرات فإن ذلك إلحاح وإفراط. كان رسول الله ﷺ إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع بعد ثلاث وكان ﷺ يكرر الكلام ثلاثاً فليس من الأدب الزيادة عليه. فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع قال الحسن بن علي رضي الله عنهما: الطعام أهون من أن يحلف عليه.
الرابع: أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: كل. قال بعض الأدباء: أحسن الآكلين أكلاً من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل وحمل عن أخيه مؤنة القول. ولا ينبغي أن يدع شيئاً مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئاً في الوحدة، ولكن يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع. نعم لو قلل من أكله إيثاراً لإخوانه ونظراً لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن، وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فلا بأس به بل هو حسن. وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول: من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهماً. وكان يعد النوى ويعطي كل من له فضل نوى بعدده دراهم وذلك لدفع الحياء وزيادة النشاط في الإنبساط، وقال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: أحب إخواني إلي أكثرهم أكلاً وأعظمهم لقمةً وأثقلهم على من يحوجني إلى تعهده في الأكل وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع. وقال جعفر رحمه الله أيضاً: تتبين جودة محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله.
الخامس: أن غسل اليد في الطست لا بأس به وله أن يتنخم فيه إن أكل وحده وإن أكل مع غيره فلا ينبغي أن يفعل ذلك. فإن قدم الطست إليه غيره إكراماً له فليقبله. اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني رضي الله عنهما على طعام فقدم أنس الطست إليه فامتنع ثابت فقال أنس " إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها فإنما يكرم الله عز وجل". وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد على يده في الطست فلما فرغ قال: يا أبا معاوية تدري من صب على يديك? فقال لا، قال: صبه أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله. ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة فهو أقرب إلى التواضع وأبعد عن طول الإنتظار. فإن لم يفعلوه فلا ينبغي أن يصب ماء كل واحد بل يجمع الماء في الطست قال ﷺ: "أجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم" قيل إن المراد هذا. وكتب عمرو بن عبد العزيز إلى الأمصار "لا يرفع الطست من بين يدي قوم إلا مملوءة ولا تشبهوا بالعجم". وقال ابن مسعود "اجتمعوا على غسل اليد في طست واحد ولا تستنوا بسنة الأعاجم". والخادم الذي يصب الماء على اليد كره بعضهم أن يكون قائماً وأحب أن يكون جالساً لأنه أقرب إلى التواضع، وكره بعضهم جلوسه فروي أنه صب الماء على يد واحد خادم جالساً فقام المصبوب عليه فقيل له:لم قمت? فقال: أحدنا لابد وأن يكون قائماً. وهذا أولى لأنه أيسر للصب والغسل وأقرب إلى تواضع الذي يصب وإذا كان له نية فيه فتمكينه من الخدمة ليس فيه تكبر فإن العادة جارية بذلك: ففي الطست إذاً سبعة آداب: أن لا يبزق فيه، وأن يقدم المتبوع، وأن يقبل الإكرام بالتقديم؛ وأن يدار يمنة، وأن يجتمع فيه جماعة، وأن يجمع الماء فيه وأن يكون الخادم قائماً وأن يمج الماء من فيه ويرسل من يده برفق حتى لا يرش على الفراش وعلى أصحابه،وليصب صاحب المنزل بنفسه الماء على يد ضيفه، هكذا فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما في أول نزوله عليه وقال: لا يروعك ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض.
السادس: أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون بل يغضوا بصرهم عنهم ويشتغل بنفسه ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده بل يمد اليد ويقبضها ويتناول قليلاً قليلا إلى أن يستوفوا فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء وقلل الأكل حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيراً، فقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم، فإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعاً للخجلة عنهم.
السابع: أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة ولا يقدم إليها رأسه عند وضع في فيه، وإن أخرج شيئاً من فيه صرف وجهه عن الطعام وأخذه بيساره ولا يغمس اللقمة في الخل ولا الخل في الدسومة فقد يكرهه غيره واللقمة التي قطعها بسنه ولا يغمس بقيتها في الرقة والخل، ولا يتكلم بما يذكر المستقذرات.
=======
الباب الثالث
في آداب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين
تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير. قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فتقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير. قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: "إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم. وقال الحسن رحمه الله: كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها البتة إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام فإن الله يستحي أن يسأله عن ذلك. هذا مع ما ورد من الأخبار في الإطعام قال ﷺ "لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم مادامت مائدته موضوعة بين يديه حتى ترفع" وروي عن بعض علماء خراسان: أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاماً كثيراً لا يقدرون على أكل جميعه وكان يقول بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال "إن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك" فأنا أحب أن أستكثر مما أقدمه إليكم لنأكل فضل ذلك. لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه" وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك ويقلل إذا أكل وحده. وفي الخبر "ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان" وقال علي رضي الله عنه "لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق. وقيل اجتماع الإخوان على الكفاية مع الأنس والألفة ليس هو من الدنيا. وفي الخبر يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة "يا ابن آدم جعت فلم تطعمني فيقول كيف أطعمك وأنت رب العالمين? فيقول: جاع أخوك فلم تطعمه ولو أطعمته كنت أطعمتني" وقال ﷺ "إذا جاءكم الزائر فأكرموه" وقال ﷺ "إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها هي لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام" وقال ﷺ "خيركم من أطعم الطعام" وقال ﷺ "من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه حتى يرويه بعده الله من النار بسبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة خمس مائة عام".
وأما آدابه: فبعضها في الدخول وبعضها في تقديم الطعام. أما الدخول فليس من السنة أن يقصد قوماً متربصاً لوقت طعامهم فيدخل عليهم وقت الأكل فإن ذلك من المفاجأة وقد نهى عنه قال الله تعالى " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه" يعني منتظرين حينه ونضجه. وفي الخبر: من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراما ولكن حق الداخل إذا لم يتربص وأتفق أن صادفهم على طعام أن لا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له: كل نظر فإن علم أنهم يقولونه على محبة لمساعدته فليساعد، وإن كانوا يقولونه حياء منه فلا ينبغي أن يأكل، بل ينبغي أن يتعلل، أما إذا كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به. قصد رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعاً والدخول على مثل هذه الحالة إعانة لذلك المسلم على حيازة ثواب الإطعام وهي عادة السلف وكان عون بن عبد الله المسعودي له ثلاثمائة وستون صديقاً يدور عليهم في السنة ولآخر ثلاثون يدور عليهم في الشهر ولآخر سبعة يدور عليهم في الجمعة فكان إخوانهم معلومهم بدلاً عن كسبهم وكان قيام أولئك بهم على قصد التبرك عبادة لهم فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقاً بصداقته عالماً بفرحه إذا أكل من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه، إذا المراد من الإذن الرضا لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة. فرب رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه. ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب. وقد قال تعالى "أو صديقكم" ودخل رسول الله ﷺ دار بريرة وأكل طعامها وهي غائبة وكان الطعام من الصدقة فقال؛ "بلغت الصدقة محلها" وذلك لعلمه بسرورها بذلك. لذلك يجوز أن يدخل الدار بغير استئذان اكتفاء بعلمه بالإذن، فإن لم يعلم فلابد من الاستئذان أولاً ثم الدخول. وكان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن. وكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول: هكذا كنا. وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه كان قائماً يأكل من متاع بقالٍ في السوق يأخذ من هذه الجونة تينةً ومن هذه قسبةً فقال له هشام: ما بدا لك يا أبا سعيدٍ في الورع تأكل متاع رجلٍ بغير إذن? فقال:يا لكع اتل علي آية الأكل فتلا إلى قوله تعالى "أو صديقكم" فقال: فمن الصديق يا أبا سعيدٍ? قال: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب . ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول: ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال. كلوا فجاء رب المنزل فلم ير شيئاً فقيل له قد أخذ فلان فقال:قد أحسن فلما لقيه قال:يا أخي إن عادوا فعد. فهذه آداب الدخول.
وأما آداب التقديم: فترك التكلف أولاً وتقديم ما حضر فإن لم يحضره شيء ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك فيشوش على نفسه وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ولم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن يقدم. دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل فقال: لولا أني أخذته بدين لأطعمتك منه وقال بعض السلف في تفسير التكلف "أن تطعم أخاك مالا تأكله أنت بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة" وكان الفضيل يقول: "إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيمنعه من الرجوع إليه وقال بعضهم ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته. وقال بعضهم:كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي فقلت له إنك لا تأكل وحدك هذا ولا أنا فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه فإما أن تقطع هذا التكلف أو أقطع المجيء فقطع التكلف ودام اجتماعنا بسببه ومن التكلف أن يقدم ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم. روي أن رجلاً دعا علياً رضي الله عنه فقال علي: أجيبك على ثلاث شرائط لا تدخل من السوق شيئا ولا تدخر ما في البيت ولا تجحف بعيالك وكان بعضهم يقدم من كل ما في البيت فلا يترك نوعا إلا ويحضر شيئا وقال بعضهم:دخلنا على جابر بن عبد الله فقدم إلينا خبزاً وخلاً وقال: لولا أن نهينا عن التكلف لتكلفت لكم وقال بعضهم: إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر وإن استزرت فلا تبق ولا تذر. وقال سلمان أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا وأن نقدم إليه ما حضرنا وفي حديث يونس النبي ﷺ: أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسراً وجزلهم بقلاً كان يزرعه ثم قال لهم: "كلوا لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم" وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة: أنهم كانوا يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون: لا ندري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه?.
الأدب الثاني: وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليتخير أيسرهما عليه؛ كذلك السنة ففي الخبر أنه ما خير رسول الله ﷺ بين شيئين إلا اختار أيسرهما وروى الأعمش عن أبي وائلٍ أنه قال:مضيت مع صاحبٍ لي نزور سلمان فقدم إلينا خبز شعيرٍ وملحاً جريشاً؛فقال صاحبي: لو كان في هذا الملح سعتراً كان أطيب،فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعتراً، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة. هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له فإن علم أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح، فعل الشافعي رضي الله عنه ذلك مع الزعفراني إذ كان نازلاً عنده ببغداد وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام وألحق بها لوناً آخر بخطه،فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال:ما أمرت بهذا? فعرضت عليه الرقعة ملحقاً فيها خط الشافعي فلما وقعت عينه على خطه فرح بذلك وأعتق الجارية سروراً باقتراح الشافعي عليه. وقال أبو بكر الكتاني: دخلت على السري فجاء بفتيت وأخذ يجعل نصفه في القدح فقلت له:أي شيءٍ تعمل وأنا أشربه كله في مرةٍ واحدةٍ? فضحك وقال:هذا أفضل لك من حجة. وقال بعضهم:الأكل على ثلاثة أنواع،مع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان بالانبساط ومع أبناء الدنيا بالأدب.
الأدب الثالث: أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت نفسه طيبة بفعل ما يقترح فذلك حسن وفيه أجر وفضلٌ جزيلٌ. قال رسول الله ﷺ:"من صادف من أخيه شهوة غفر له ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى" وقال ﷺ فيما رواه جابر:"من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنةٍ ومحى عنه ألف ألف سيئةٍ ورفع له ألف ألف درجةٍ وأطعمه الله من ثلاث جناتٍ جنة الفردوس وجنة عدنٍ وجنة الخلد". الأدب الرابع: أن لا يقول له:هل أقدم لك طعاماً? بل ينبغي أن يقدم كان. قال الثوري: إذا زارك أخوك فلا تقل له:أتأكل? أو أقدم إليك? ولكن قدم فإن أكل وإلا فارفع. وإن كان يريد أن يطعمهم طعاماً فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو يصفه لهم. قال الثوري: إذا أردت أن لا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك. وقال بعض الصوفية: إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاماً وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألةٍ فإذا دخل القراء فدلوهم على المحراب.
======
الباب الرابع
في آداب الضيافة
ومظان الآداب فيها ستةٌ:الدعوة أولاً ثم الإجابة ثم الحضور ثم تقديم الطعام ثم الأكل ثم الانصراف ولنقدم على شرحها إن شاء الله تعالى.
فضيلة الضيافة: قال ﷺ "لا تكلفوا الضيف فتبغضوه فإنه من أبغض الضيف فقد أبغض الله ومن أبغض الله أبغضه الله" وقال ﷺ "لا خير فيمن لا يضيف" ومر رسول الله ﷺ برجل له إبل وبقر كثيرة فلم يضفه ومر بامرأة لها شويهات فذبحت له فقال ﷺ "انظروا إليهما إنما هذه الأخلاق بيد الله فمن شاء أن يمنحه خلقاً حسناً فعل" وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ إنه نزل به ﷺ ضيف فقال. "قل لفلان اليهودي نزل بي ضيف فأسلفني شيئاً من الدقيق إلى رجب، فقال اليهودي: والله ما أسلفه إلا برهن فأخبرته فقال؛ والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني لأديته فاذهب بدرعي وارهنه عنده" وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه إذا أراد ان يأكل خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغدى عنده وكان يكنى أبا الضيفان، ولصدق نيته فيه دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا، فلا تنقضي ليلة إلا ويأكل عنده جماعة من بين ثلاثة إلى عشرة إلى مائة. وقال قوام الموضع إنه لم يخل إلى الآن ليلة عن ضيف وسئل رسول الله ﷺ: ما الإيمان? فقال: "إطعام الطعام وبذل السلام" وقال ﷺ "في الكفارات والدرجات إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام" وسئل عن الحج المبرور فقال "إطعام الطعام وطيب الكلام" وقال أنس رضي الله عنه: كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة. والأخبار الواردة في فضل الضيافة والإطعام لا تحصى فلنذكر آدابها.
أما الدعوة:فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق قال ﷺ "أكل طعامك الأبرار" في دعائه لبعض من دعا له وقال ﷺ " لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي" ويقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص. قال ﷺ "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء" وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيجاش وقطع رحم وكذلك يراعى الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيجاشاً لقلوب الباقين. وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب الإخوان والتسنن بسنة رسول الله ﷺ في إطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب المؤمنين. وينبغي أن لا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب. وينبغي أن لا يدعو إلا من أحب إجابته قال سفيان: من دعا أحداً إلى الطعام وهو يكره الإجابة فعليه خطيئة فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان. لأنه حمله على الأكل مع كراهة ولو علم ذلك لما كان يأكله. وإطعام التقي إعانة على الطاعة وإطعام الفاسق تقوية على الفسق. قال رجل خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من أعوان الظلمة? قال: لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت فمن الظلمة نفسهم. وأما الإجابة فهي سنة مؤكدة وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع. قال ﷺ "لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت".
وللإجابة خمسة آداب: الأول: أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه ولأجل ذلك امتنع بعضهم عن أصل الإجابة وقال: انتظار المرقة ذل، وقال آخر: إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي ومن المتكبرين من يجيب الأغنياء دون الفقراء وهو. خلاف السنة. كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين "ومر الحسن بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض في الرمل وهم يأكلون وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له: هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله عليه وسلم فقال: نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب وقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا فقدم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم. وأما قول القائل إن من وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي؛ فقد قال بعضهم هذا خلاف السنة وليس كذلك فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد منة وكان يرى ذلك يداً له على المدعو. ورسول الله ﷺ كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ويرى ذلك شرفاً وذخراً لنفسه في الدنيا والآخرة فهذا يختلف باختلاف الحال فمن ظن به أن يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاةً أو تكلفاً فليس من السنة إجابته بل الأولى التعلل، ولذلك قال بعض الصوفية. لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه. وقال سري السقطي رحمه الله: آه على لقمة ليس علي لله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة. فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد. وقال أبو تراب النخشي رحمة الله عليه: عرض علي طعام فامتنعت فابتليت بالجوع أربعة عشرة يوماً فعلمت أنه عقوبته. وقيل لمعروف الكرخي رضي الله عنه كل من دعاك تمر إليه فقال أنا ضيف أنزل حيث أنزلوني.
الثاني: أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجل ذلك. يقال في التوراة أو بعض الكتب سر ميلاً عد مريضاً سر ميلين شيع جنازة سر ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربعة أميال زر أخاً في الله. وإنما قدم الدعوة والزيارة لأن فيه قضاء حق الحي فهو أولى من الميت وقال ﷺ "لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت" وهو موضع على أميال من المدينة أفطر فيه رسول الله ﷺ في رمضان لما بلغه وقصر عنده في سفره.
الثالث: ألا يمتنع لكونه صائماً فليحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره فليفطر وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم وأفضل وذلك في صوم التطوع وإن لم يتحقق سرور قلبه فليصدقه بالظاهر وليفطر وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل. وقد قال ﷺ لمن امتنع بعذر الصوم "تكلف لك أخوك وتقول إني صائم" وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما:من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار فالإفطار عبادة بهذه النية وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم. ومهما لم يفطر فضيافته الطيب والمجمرة والحديث الطيب. وقد قيل الكحل والدهن أحد القرائين.
الرابع: أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو الموضع أو البساط المفروش من غير حلال،أو كان يقام في الموضع منكر من فرش ديباج أو إناء فضة أو تصوير حيوان على سقف أو حائط أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو التشاغل بنوع من اللهو والعزف والهزل واللعب واستماع الغيبة والنميمة والزور والبهتان والكذب وشبه ذلك مما يمنع الإجابة واستحبابها ويوجب تحريمها أو كراهيتها،وكذلك إذا كان الداعي ظالماً أو مبتدعاً أو فاسقاً أو شريراً أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر.
الخامس: أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملاً في أبواب الدنيا بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملاً للآخرة وذلك بأن تكون نيته الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ في قوله "لو دعيت إلى كراع لأجبت" وينوي الحذر من معصية الله تعالى لقوله ﷺ "من لم يجب الداعي فقد عصى الله ورسوله" وينوي إكرام أخيه المؤمن اتباعاً لقوله ﷺ "من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله" وينوي إدخال السرور على قلبه امتثالاً لقوله ﷺ "من سر مؤمناً فقد سر الله" وينوي مع ذلك زيارته ليكون من المتحابين في الله إذ شرط رسول الله ﷺ فيه التزاور والتباذل لله. وقد حصل البذل من أحد الجانبين فتحصل الزيارة من جانبه أيضاً،وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو سوء خلق أو استحقار أخ مسلم أو ما يجري مجراه. فهذه ست نيات تلحق إجابته بالقربات آحادها فكيف مجموعها? وكان بعض السلف يقول:أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب وفي مثل هذا قال ﷺ "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" والنية إنما تؤثر في المباحات والطاعات أما المنهيات فلا. فإنه لو نوى أن يسر إخوانه بمساعدتهم على شرب الخمر أو حرام آخر لم تنفع النية ولم يجز أن يقال الأعمال بالنيات. بل لو قصد بالغزو الذي هو طاعة المباهاة وطلب المال انصرف عن جهة الطاعة. وكذلك المباح المردد بين وجوه الخيرات وغيرها يلتحق بوجوه الخيرات بالنية فتؤثر النية في هذين القسمين لا في القسم الثالث.
وأما الحضور: فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ولا يطول الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد،ولا يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع إكراماً فليتواضع قال ﷺ "إن من التواضع لله الرضى بالدون من المجلس" ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء وسترهم. ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره. ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه إذا جلس. وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء، كذلك فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما. وغسل مالك يده قبل الطعام قبل القوم وقال:الغسل قبل الطعام لرب البيت أولى: لأنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يتقدم بالغسل وفي آخر الطعام يتأخر بالغسل لينتظر أن يدخل من يأكل فيأكل معه. وإذا دخل فرأى منكراً غيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف. والمنكر فرش الديباج واستعمال أواني الفضة والذهب والتصوير على الحيطان وسماع الملاهي والمزامير وحضور النسوة المتكشفات الوجوه وغير ذلك من المحرمات حتى قال أحمد رحمه الله:إذا رأى مكحلةً رأسها مفضض ينبغي أن يخرج، ولم يأذن في الجلوس إلا في ضبة وقال: إذا رأى كلةً فينبغي أن يخرج فإن ذلك تكلف لا فائدة فيه ولا تدفع حراً ولا برداً ولا تستر شيئاً؛وكذلك قال:يخرج إذا رأى حيطان البيت مستورة بالديباج كما تستر الكعبة. وقال:إذا اكترى بيتاً فيه صورة أو دخل الحمام ورأى صورة فينبغي أن يحكها فإن لم يقدر خرج. وكلما ذكره صحيح وإنما النظر في الكلة وتزيين الحيطان بالديباج فإن ذلك لا ينتهي إلى التحريم إذ الحرير يحرم على الرجال قال رسول الله ﷺ "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها" وما على الحائط ليس منسوباً إلى الذكور ولو حرم هذا لحرم تزيين الكعبة بل الأولى إباحته بموجب قوله تعالى:"قل من حرم زينة الله" لا سيما في وقت الزينة إذا لم يتخذ عادة للتفاخر. وإن تخيل أن الرجال ينتفعون بالنظر إليه ولا يحرم على الرجال الانتفاع بالنظر إلى الديباج مهما لبسه الجواري والنساء. والحيطان في معنى النساء إذ لسن موصوفات بالذكورة.
وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة: الأول: تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف وقد قال ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" ومهما حضر الكثيرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضر في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير؛إلا أن يكون المتأخر فقيراً أو ينكسر قلبه بذلك فلا بأس في التأخير وأحد المعنتين في قوله تعالى: "هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين" أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى: "فما لبث أن جاء بعجل حنيذ" وقوله "فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين" والروغان: الذهاب بسرعة وقيل في خفية. وقيل جاء بفخذ من لحم وإنما سمي عجلاً لأنه عجله ولم يلبث. . قال حاتم الأصم: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله ﷺ إطعام الضيف وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب ويستحب التعجيل في الوليمة. قيل الوليمة في أول يوم سنة وفي الثاني معروف وفي الثالث رياء.
الثاني: ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالةً فينبغي أن تقع في أسفل المعدة. وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى "وفاكهة مما يتخيرون" ثم قال "ولحم طير مما يشتهون" ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فقد قال عليه السلام "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات. ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل الحنيذ. أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه. وهو أحد معنى الإكرام أعني تقديم اللحم. وقال تعالى في وصف الطيبات "وأنزلنا عليكم المن والسلوى" المن: العسل، والسلوى: اللحم؛ سمي سلوى لأنه يتسلى به عن جميع الإدام ولا يقوم غيره مقامه ولذلك قال ﷺ " كلوا من طيبات ما رزقناكم" فاللحم والحلاوة من الطيبات. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه أكل الطيبات يورث الرضا عن الله. وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل. قال المأمون: شرب الماء بثلج يخلص الشكر وقال بعض الأدباء: إذا دعوت إخوانك فأطعمتهم حصرمية وبورانية وسقيتهم ماءً بارداً فقد أكملت الضيافة. وأنفق بعضهم دراهم في ضيافة، فقال بعض الحكماء: لم نكن نحتاج إلى هذا إذا كان خبزك جيداً وماؤك بارداً وخلك حامضاً فهو كفاية. وقال بعضهم: الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان، والتمكن على المائدة خير من زيادة لونين. ويقال أن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل فذلك أيضاً مستحب ولما فيه من التزين بالخضرة. وفي الخبر: إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من البقول إلا الكرات، وكان عليها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح، وسبعة أرغفة على كل رغيف زيتون وحب رمان، فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة.
الثالث: أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل. وكان من سنة المتقدمين أن يقوموا جملة الألوان دفعة واحدة ويصففون القصاع من الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي. وإن لم يكن عنده إلا لون واحد ذكره ليستوفوا منه ولا ينتظروا أطيب منه. ويحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان. وقال بعض الشيوخ: قدم إلى بعض المشايخ لوناً بالشام فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخراً، فقال: وكذا عندنا بالشام، ولم يكن له لون غيره فخجلت منه. وقال آخر: كنا جماعة في ضيافة فقدم إلينا ألوان من الرؤوس المشوية طبيخاً وقديداً فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لوناً أو حملاً، بالطست ولم يقدم غيرها، فنظر بعضنا إلى بعض فقال بعض الشيوخ وكان مزاحاً: إن الله تعالى يقدر أن يخلق رؤوسا بلا أبدان، قال: وبتنا تلك الليلة جياعاً نطلب فتيتاً إلى السحور. فلهذا يستحب أن يقدم الجميع أو يخبره بما عنده.
الرابع: أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغص عليه بالمبادرة وهي من التمكن على المائدة التي يقال إنها خير من لونين فيحتمل أن يكون المراد به قطع الاستعجال ويحتمل أن يكون أراد به سعة المكان. حكى عن الستوري وكان صوفياً مزاحاً فحضر عند واحد من أبناء الدنيا على مائدة فقدم إليهم حمل وكان صاحب المائدة بخل فلما رأى القوم مزقوا الحمل كل ممزق ضاق صدره وقال: يا غلام ارفع إلى الصبيان، فرفع الحمل إلى داخل الدار فقام الستوري يعدو خلف الحمل فقيل له: إلى أين? فقال: آكل مع الصبيان فاستحيا الرجل وأمر برد الحمل. ومن هذا الفن أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلاً. كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأكل وقال. بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم، وكان السلف يستحسنون ذلك منه.
الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة والزيادة عليه تصنع ومراءاة لاسيما إذا كانت نفسه لا تسمح بأن يأكلوا الكل إلا أن يقدم الكثير وهو طيب النفس لو أخذوا الجميع ونوى أن يتبرك بفضلة طعامهم إذ في الحديث لا يحاسب عليه. أحضر إبراهيم بن أدهم رحمه الله طعاماً كثيراً على مائدته فقال له سفيان: يا أبا إسحق أما تخاف أن يكون هذا سرفاً? فقال إبراهيم: ليس في الطعام سرف. فإن لم تكن هذه النية فالتكثير تكلف. قال ان مسعود رضي اله عنه: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة. ومن ذلك كان لا يرفع من بين يدي رسول الله ﷺ فضلة طعام قط لأنهم كانوا لا يقدمون إلا قدر الحاجة ولا يأكلون تمام الشبع. وينبغي أن يعزل أولاً نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتهم ويكون قد أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم وذلك خيانة في حقهم. وما بقي من الأطعمة فليس للضيفان أخذه وهو الذي تسميه الصوفية الزلة إلا إذا صرح صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راض أو علم ذلك بقرينة حاله وأنه يفرح به فإن كان يظن كراهية فلا ينبغي أن يؤخذ وإذا علم رضاه فينبغي مراعاة العدل والنصفة مع الرفقاء، فلا ينبغي أن يأخذ الواحد إلا ما يخصه أو ما يرضى به رفيقه عن طوع لا عن حياء.
فأما الانصراف: فله ثلاثة آداب: الأول: أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف وقد أمر بإكرامه قال عليه الصلاة والسلام" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" وقال عليه السلام"إن من سنة الضيف أن يشيع إلى باب الدار" قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله فقال: "كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم" وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج على المائدة. قيل للأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف? قال طلاقة الوجه وطيب الحديث. وقال يزيد بن أبي زياد ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حسناً وأطعمنا حسناً الثاني أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن الخلق والتواضع قال ﷺ "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" ودعي بعض السلف برسول فلم يصادفه الرسول فلما سمع حضر وكانوا قد تفرقوا وفرغوا وخرجوا فخرج إليه صاحب المنزل وقال: قد غسلتها? فانصرف يحمد الله تعالى فقيل له في ذلك فقال: قد أحسن الرجل دعانا بنية وردنا بنية فهذا هو معنى التواضع وحسن الخلق. وحكى أن أستاذ أبى القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه أربع مرات فرده الأب في المرات الأربع وهو يرجع في كل مرة تطيباً لقلب الصبي بالحضور ولقلب الأب بالانصراف فهذه نفوس قد ذللت بالتواضع لله تعالى واطمأنت بالتوحيد وصارت تشاهد في كل رد وقبول عبرة فيما بينها وبين ربها فلا تنكسر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري منهم من الإكرام بل يرون الكل من الواحد القهار. ولذلك قال بعضهم: أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة أي هو طعام طيب يحمل عنا كده ومؤنته وحسابه.
الثالث: أن لا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ويراعى قلبه في قدر الإقامة وإذا نزل ضيفاً فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى إخراجه قال ﷺ "الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدقة" نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك ويستحب أن يكون عنده فراش للضيف النازل. قال رسول الله ﷺ "فراش للرجل وفراش للمرأة وفراش للضيف والرابع للشيطان"
فصل
يجمع آداباً ومناهي طبية وشرعية متفرقة
الأول: حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الأكل في السوق دناءة، وأسنده إلى رسول الله ﷺ وإسناده قريب. وقد نقل ضده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام. ورئي بعض المشايخ من المتصوفة يأكل في السوق فقيل له في ذلك فقال: ويحك أجوع في السوق وآكل في البيت، فقيل تدخل المسجد? قال أستحي أن أدخل بيته للأكل فيه. ووجه الجمع أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن وخرق مروءة من بعضهم فهو مكروه، وهو مختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا يليق ذلك بسائر أعماله حمل ذلك على قلة المروءة وفرط الشره ويقدح ذلك في الشهادة ومن يليق ذلك بجميع أحواله وأعماله في ترك التكلف كان ذلك منه تواضعاً.
الثاني: قال علي رضي الله عنه:من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من البلاء، ومن أكل في يوم سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه، ومن أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبةً حمراء لم ير في جسده شيئاً يكرهه واللحم ينبت اللحم والثريد طعام العرب والبسقارجات تعظم البطن وترخي الأليتين،ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء والشحم يخرج مثله من الداء، ولن تستشفي النفساء بشيء أفضل من الرطب، والسمك يذيب الجسد، وقراءة القرآن والسواك يذهبان البلغم، ومن أراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغداء وليكرر العشاء وليلبس الحذاء،ولن يتداوى الناس بشيء مثل السمن وليقل غشيان النساء وليخف الرداء وهو الدين.
الثالث: قال الحجاج لبعض الأطباء: صف لي صفةً آخذ بها ولا أعدوها قال: لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتياً ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشربن دواءً إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها،ولا تأكلن طعاماً إلا أجدت مضغه،وكل ما أحببت من الطعام ولا تشربن عليه فإذا شربت فلا تأكلن عليه شيئاً،ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة. وفي معناه قول العرب: تغد تمد تعش تمش يعني تمدد كما قال الله تعالى: "ثم ذهب إلى أهله يتمطى" أي يتمطط. ويقال إن حبس البول يفسد الجسد كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه.
الرابع: في الخبر: "قطع العروق مسقمة وترك العشاء مهرمة" والعرب تقول ترك الغداء يذهب بشحم الكاذة - يعني الآلية - وقال بعض الحكماء لابنه: يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك أي تتغذى، إذ به يبقى الحلم ويزول الطيش وهو أيضاً أقل لشهوته لما يرى في السوق. وقال حكيم لسمين: أرى عليك قطيفةً من نسج أضراسك فمم هي? قال من أكل لباب البر وصغار المعز وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان.
الخامس: الحمية تضر بالصحيح كما يضر تركها بالمريض، هكذا قيل. وقال بعضهم: من احتمى فهو على يقين من المكروه وعلى شك من العوافي،وهذا حسن في حال الصحة ورأى رسول الله ﷺ صهيباً يأكل تمراً وإحدى عينيه رمداء فقال:أتأكل التمر وأنت رمد? فقال:يا رسول الله إنما آكل بالشق الآخر يعني جانب السليمة فضحك رسول الله ﷺ.
السادس: أنه يستحب أن يحمل طعام إلى أهل الميت، ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب قال عليه السلام: "إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم فاحملوا إليهم ما يأكلون" فذلك سنة. وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه ما يهيأ للنوائح والمعينات بالبكاء والجزع فلا ينبغي أن يؤكل معهم.
السابع: لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل ولا يقصد الطعام الأطيب رد بعض المزكين شهادة من حضر طعام سلطان فقال: كنت مكرهاً ، فقال: رأيتك تقصد الأطيب وتكبر اللقمة وما كنت مكرهاً عليه? وأجبر السلطان هذا المزكي على الأكل فقال: إما أن آكل وأخلي التزكية أو أزكي ولا آكل فلم يجدوا بداً من تزكيته فتركوه . وحكي أن ذا النون المصري حبس ولم يأكل أياماً في السجن فكانت له أخت في الله فبعثت إليه طعاماً من مغزلها على يد السجان فامتنع فلم يأكل، فعاتبته المرأة بعد ذلك فقال: كان حلال ولكن جاءني على طبق ظالم وأشار به إلى يد السجان وهذا غاية الورع.
الثامن: حكي عن فتح الموصلي رحمه الله أنه دخل على بشر الحافي زائراً فأخرج بشر درهماً فدفعه لأحمد الجلاء خادمه وقال: اشتر به طعاماً جيداً وأدماً طيباً، قال: فاشتريت خبزاً نظيفاً وقلت: لم يقل رسول الله ﷺ لشيء اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه سوى اللبن فاشتريت اللبن واشتريت تمراً جيداً فقدمت إليه فأكل وأخذ الباقي. فقال بشر: أتدرون لم قلت اشتر طعاماً? لأن الطعام الطيب يستخرج خالص الشكر، أتدرون لم لم يقل لي كل? لأنه ليس للضيف أن يقول لصاحب الدار كل، أتدرون لم حمل ما بقي? لأنه إذا صح التوكل لم يضر الحمل. وحكى أبو علي الروذباري رحمه الله تعالى أنه اتخذ ضيافة فأوقد فيها ألف سراج فقال له رجل: قد أسرفت فقال له: ادخل فكل ما أوقدته لغير الله فأطفئه فدخل الرجل فلم يقدر على إطفاء واحد منها فانقطع. واشترى أبو علي الروذباري أحمالاً من السكر وأمر الحلاويين حتى بنوا جداراً من السكر عليه شرف وَمحاريب على أعمدة منقوشة كلها من سكر ثم دعا الصوفية حتى هدموها وانتهبوها.
التاسع: قال الشافعي رضي الله عنه الأكل على أربعة أنحاء: الأكل بإصبع من المقت، وبإصبعين من الكبر، وبثلاث أصابع من السنة، وبأربع وخمس من الشره. وأربعة أشياء تقوي البدن: أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان. وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحموضة. وأربعة تقوي البصر: الجلوس تجاه القبلة، والكحل عند النوم، والنظر إلى الخضرة، وتنظيف الملبس. وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر، والنظر إلى المصلوب، والنظر إلى فرج المرأة، والقعود في استدبار القبلة. وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير، وأكل الإطريفل الأكبر، وأكل الفستق، وأكل الجرجير،. والنوم على أربعة أنحاء: فنوم على القفا وهو نوم الأنبياء عليهم السلام يتفكرون في خلق السموات والأرض، ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد، ونوم على الشمال وهو نوم الملوك لهضمهم طعامهم، ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين. وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين والعلماء. وأربعة هن من العبادة: لا يخطو خطوةً إلا على وضوء وكثرة السجود ولزوم المساجد وكثرة قراءة القرآن. وقال أيضاً: عجبت لمن يدخل الحمام على الريق ثم يؤخر الأكل بعد أن يخرج كيف لا يموت? وعجبت لمن احتجم ثم يبادر الأكل كيف لا يموت? وقال:لم أر شيئاً أنفع في الوباء من البنفسج يدهن به ويشرب. والله أعلم بالصواب.
======
كتاب آداب النكاح وهو الكتاب الثاني من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين
الحمد لله الذي لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعه مجرى ولا ترجع العقول عن أوائل بدائعها إلا والهة حيرى ولا تزال لطائف نعمه على العالمين تترى فهي تتوالى عليهم اختياراً وقهراً. ومن بدائع ألطافه أن خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وسلط على الخلق شهوةً اضطرهم بها الحراثة جبراً واستبقى بها نسلهم إقهاراً وقسراً. ثم عظم أمر الأنساب وجعل لها قدراً فحرم بسببها السفاح وبالغ في تقبيحه ردعاً وزجراً وجعل اقتحامه جريمةً فاحشةً وأمر إمراً، وندب إلى النكاح وحث عليه استحباباً وأمراً. فسبحان من كتب الموت على عباده فأذلهم به هدماً وكسراً ثم بث بذور النطف في أراضي الأرحام وأنشأ منها خلقاً وجعله لكسر الموت جبراً تنبيهاً على أن بحار المقادير فياضة على العالمين نفعاً وضراً وخيراً وشراً وعسراً ويسراً وطياً ونشراً والصلاة والسلام على محمد المبعوث بالإنذار والبشرى وعلى آله وأصحابه صلاةً لا يستطيع لها الحساب عداً ولا حصراً وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:فإن النكاح معين على الدين ومهين للشياطين وحصن دون عدو الله حصين وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين فما أحراه بأن تتحرى أسبابه وتحفظ سننه وآدابه وتشرح مقاصده وآرابه وتفصل فصوله وأبوابه. والقدر المهم من أحكامه ينكشف في ثلاثة أبواب الباب الأول في الترغيب فيه وعنه. الباب الثاني في الآداب المرعية في العقد والعاقدين. الباب الثالث في آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق.
======================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب : الفتن لنعيم بن حماد المروزي {من حديث رقم 1 الي2001 -}

  مكتبة العلوم الشاملة كتاب : الفتن   لنعيم بن حماد المروزي ما كان من رسول الله صلى عليه وسلم من التقدم ومن أصحابه في الفتن التي ه...