إحياء علوم الدين/كتاب ذم البخل وذم حب المال
وهو الكتاب السابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مستوجب الحمد برزقه المبسوط، وكاشف الضر بعد القنوط، الذي خلق الخلق، ووسع الرزق، وأفاض على العالمين أصناف الأموال، وابتلاهم فيها بتقلب الأحوال، ورددهم فيها بين العسر واليسر، والغنى والفقر، والطمع واليأس، والثروة والإفلاس، والعجز والاستطاعة، والحرص والقناعة، والبخل والجود، والفرح بالموجود، والأسف على المفقود، والإيثار والإنفاق، والتوسع والإملاق، والتبذير والتقتير، والرضا بالقليل واستحقار الكثير، كل ذلك ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وينظر أيهم آثر الدنيا على الآخرة بدلاً، وابتغى عن الآخرة عدولاً وحولاً، واتخذ الدنيا ذخيرة وخولا، والصلاة على محمد الذي نسخ بملته مللاً، وطوى بشريعته أدياناً ونحلاً، وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبيل ربهم ذللاً، وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: فإن فتن الدنيا كثيرة الشعب والأطراف واسعة الأرجاء والأكناف، ولكن الأموال أعظم فتنها وأطم محنها، وأعظم فتنة فيها أنه لا غنى لأحد عنها، ثم إذا وجدت فلا سلامة منها، فإن فقد المال حصل منه الفقر الذي يكاد أن يكون كفراً، وإن وجد حصل منه الغطيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلى خسرا. وبالجملة فهي لا تخلو من الفوائد والآفات، وفوائدها من المنجيات، وآفاتها من المهلكات، وتمييز خيرها عن شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصائر في الدين من العلماء الراسخين دون المسترسمين المغترين. وشرح ذلك مهم على الانفراد، فإن ما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظراً في المال خاصة بل في الدنيا عامة؛ إذ الدنيا تتناول كل حظ عاجل، والمال بعض أجزاء الدنيا، والجاه بعضها، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها، وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها، والكبر وطلب العلو بعضها. ولها أبعاض كثيرة. ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه حظ عاجل. ونظرنا الآن في هذا الكتاب في المال وحده، إذ فيه آفات وغوائل. وللإنسان من فقده صفة الفقر، ومن وجوده وصف الغنى. وهما حالتان يحصل بهما الاختبار والامتحان.
ثم للفاقد حالتان: القناعة والحرص، وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة. وللحريص حالتان: طمع فيما في أيدي الناس، وتشمر للحرف والصناعات مع اليأس عن الخلق، والطمع شر الحالتين.
وللواجد حالتان: إمساك بحكم البخل والشح، وإنفاق. وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة. وللمنفق حالتان: تبذير واقتصاد، والمحمود هو الاقتصاد.
وهذه أمور متشابهة وكشف الغطاء عن الغموض فيها مهم. ونحن نشرح ذلك في أربعة عشر فصلاً إن شاء الله تعالى وهو: بيان ذم المال، ثم مدحه ثم تفصيل فوائد المال وآفاته ثم ذم الحرص والطمع ثم علاج الحرص والطمع. ثم فضيلة السخاء. ثم حكايات الأسخياء، ثم ذم البخل، ثم حكايات البخلاء. ثم الإيثار وفضله. ثم حد السخاء والبخل. ثم علاج البخل. ثم مجموع الوظائف في المال. ثم ذم الغنى ومدح الفقر؛ إن شاء الله تعالى.
بيان ذم المال وكراهة حبه
قال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون" وقال تعالى "إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم" فمن اختار ماله وولده على ما عند الله فقد خسر وغبن خسراناً عظيماً. وقال عز وجل "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها" الآية. وقال تعالى "إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى" فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقال تعالى "ألهاكم التكاثر".
وقال رسول الله ﷺ "حب المال والشرف ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وقال ﷺ "ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفساداً فيها من حب الشرف والمال والجاه في دين الرجل المسلم وقال ﷺ "هلك المكثرون إلا من قال به في عباد الله هكذا وهكذا وقليل ما هم وقيل: يا رسول الله أي أمتك شر? قال "الأغنياء وقال ﷺ "سيأتي بعدكم قوم يأكلون أطايب الدنيا وألوانها ويركبون فره الخيل وألوانها وينكحون أجمل النساء وألوانها ويلبسون أجمل الثياب وألوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع وأنفس بالكثير لا تقنع، عاكفون على الدنيا يغدون ويروحون إليها، اتخذوها آلهة من دون إلههم ورباً دون ربهم، إلى أمرها ينتهون ولهواهم يتبعون، فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدركه ذلك الزمان من عقب عقبكم وخلف خلفكم أن لا يسلم عليهم ولا يعود مرضاهم ولا يتبع جنائزهم ولا يوقر كبيرهم، فمن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام وقال ﷺ "دعوا الدنيا لأهلها، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر وقال ﷺ "يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت? وقال رجل: يا رسول الله مالي لا أحب الموت! فقال "هل معك من مال?" قال: نعم يا رسول الله؛ قال "قدم مالك فإن قلب المؤمن مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه وإن خلفه أحب أن يتخلف معه وقال ﷺ "أخلاء بن آدم ثلاثة. واحد يتبعه إلى قبض روحه، والثاني إلى قبره، والثالث إلى محشرة. فالذي يتبعه إلى قبض روحه فهو ماله، والذي يتبعه إلى قبره فهو أهله، والذي يتبعه إلى محشره فهو عمله .
وقال الحواريون لعيسى عليه السلام: مالك تمشي على الماء ولا نقدر على ذلك? فقال لهم؛ ما منزلة الدينار والدرهم عندكم? قالوا: حسنة، قال: لكنهما والمدر عندي سواء. وكتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما: يا أخي إياك أن تجمع من الدنيا مالاً تؤدي شكره، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها وماله بين يديه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله امض فقد أديت حق الله في، ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله ويلك ألا أديت حق الله في فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور .
وكل ما أوردناه في كتاب الزهد والفقر في ذم الغنى ومدح الفقر يرجع جميعه إلى ذم المال، فلا نطول بتكريره، وكذا كل ما ذكرناه في ذم الدنيا فيتناول ذم المال بحكم العموم، لأن المال أعظم أركان الدنيا. وإنما نذكر الآن ما ورد في المال خاصة.
قال ﷺ "إذا مات العبد قالت الملائكة ما قدم وقال الناس ما خلف وقال ﷺ "لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا .
الآثار: روي أن رجلاً نال من أبي الدرداء وأراه سوءاً فقال: اللهم من فعل بي سوءاً فأصح جسمه وأطل عمره وأكثر ماله. فانظر كيف رأى كثرة المال غاية البلاء مع صحة الجسم وطول العمر? لأنه لا بد وأن يفضي إلى الطغيان ووضع علي كرم الله وجهه درهماً على كفه ثم قال: أما إنك ما لم تخرج عني لا تنفعني. وروي أن عمر رضي الله عنه أرسل إلى زينت بنت جحش بعطائها فقالت: ما هذا? قالوا: أرسل إليك عمر بن الخطاب، قال: غفر الله له، ثم سلت ستراً كان لها فقطعته وجعلته صرراً وقسمته في أهل بيتها ورحمها وأيتامها، ثم رفعت يديها وقالت اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا. فكانت أول نساء رسول الله ﷺ لحوقاً به. وقال الحسن: والله ما أعز الدرهم أحد إلا أذله الله. وقيل: إن أول ما ضرب الدينار والدرهم رفعها إبليس ثم وضعهما على جبهته ثم قبلهما وقال. من أحبكما فهو عبدي حقاً. وقال سميط بن عجلان: إن الدراهم والدنانير أزمة المنافقين يقادون بها إلى النار. وقال يحيى بن معاذ: الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه، قيل: وما رقيته? قال: أخذه من حله ووضعه في حقه. وقال العلاء بن زياد: تمثلت لي الدنيا وعليها من كل زينة فقلت: أعوذ بالله من شرك فقالت: إن سرك أن يعيذك الله مني فابغض الدرهم والدينار. وذلك لأن الدرهم والدينار هما الدنيا كلها إذ يتوصل بهما إلى جميع أصنافها، فمن صبر عنهما صبر عن الدنيا وفي ذلك قيل: إني وجدت فلا تظنوا غيره أن التورع عند هذا الدرهم
فإذا قدرت عليه ثم تركتـه فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم
وفي ذلك قيل أيضاً: لا يغرنك من الـمـر قيمـص رقـعــه
أو إزار فوق عظم الس اق مـنـه رفـعـه
أو جـبـين لاح فـيه أثـر قـد خـلـعـه
أره الدرهم تـعـرف حبـه أو ورعـــه
ويروى عن مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند موته فقال يا أمير المؤمنين صنعت صنيعاً لم يصنعه أحد قبلك، تركت ولدك ليس له درهم ولا دينار -وكان له ثلاثة عشر من الولد- فقال عمر: أقعدوني! فأقعدوه فقال: أما قولك لم أدع لهم ديناراً ولا درهماً فإني لم أمنعهم حقاً لهم ولم أعطهم حقاً لغيرهم! وإنما ولدي أحد رجلين: إما مطيع لله فالله كافيه والله يتولى الصالحين، وإما عاص لله فلا أبالي على ما وقع. وروي أن محمد بن كعب القرظي أصاب مالاً كثيراً فقيل له: لو ادخرته لولدك من بعدك? قال: لا ولكني أدخره لنفسي عند ربي وأدخر ربي لولدي. ويروى أن رجلاً قال لأبي عبد ربه: يا أخي لا تذهب بشر وتترك أولادك بخير! فأخرج أبو عبد ربه من ماله مائة ألف درهم. وقال يحيى بن معاذ: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته، قيل: وما هما? قال: يؤخذ منه كله ويسئل عنه كله.
بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم
اعلم أن الله تعالى قد سمى المال خيراً في مواضع من كتابه العزيز فقل جل وعز "إن ترك خيراً" الآية وقال رسول الله ﷺ "نعم المال الصالح للرجل الصالح وكل ما جاء في ثواب الصدقة والحج فهو ثناء على المال إذ لا يمكن الوصول إليهما إلا به. وقال تعالى "ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك" وقال تعالى ممتناً على عباده "ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً" وقال ﷺ "كاد الفقر أن يكون كفراً وهو ثناء على المال. ولا تقف على وجه الجمع بعد الذم والمدح إلا بأن تعرف حكمة المال ومقصوده وآفاته وغوائله؛ حتى ينكشف لك أنه خير من وجه وشر من وجه، وأنه محمود من حيث هو خير ومذموم من حيث هو شر، فإنه ليس بخير محض ولا شر محض، بل هو سبب للأمرين جميعاً وما هذا وصفه فيمدح لا محالة تارة ويذم أخرى، ولكن البصير المميز يدرك أن المحمود منه غير المذموم، وبيانه بالاستمداد مما ذكرناه في كتاب الشكر من بيان الخيرات وتفصيل درجات النعم، والقدر المقنع فيه هو أن مقصد الأكياس وأرباب البصائر سعادة الآخرة التي هي النعيم الدائم والملك والمقيم. والقصد إلى هذا دأب الكرام والأكياس، إذ قيل لرسول الله ﷺ: من أكرم الناس وأكيسهم? فقال "أكثرهم للموت ذكراً وأشدهم له استعداداً وهذه السعادة لا تنال إلا بثلاث وسائل في الدنيا وهي الفضائل النفسية، كالعلم وحسن الخلق، والفضائل البدنية: كالصحة والسلامة، والفضائل الخارجة عن البدن: كالمال وسائر الأسباب. وأعلاها النفسية، ثم البدنية، ثم الخارجة.
فالخارجة أخسها والمال من جملة الخارجات،وأدناها الدراهم والدنانير، فإنهما خادمان ولا خادم لهما، ومرادان لغيرهما. ولا يرادان لذاتهما؛ إذ النفس هي الجوهر النفيس المطلوب سعادتها، وأنها تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق لتحصلها صفة في ذاتها، والبدن يخدم النفس بواسطة الحواس والأعضاء، والمطاعم والملابس تخدم البدن. وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن. ومن المناكح إبقاء النسل، ومن البدن تكميل النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والأخلاق. ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال ووجه شرفه، وأنه من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس التي هي ضرورة بقاء البدن الذي هو ضرورة كمال النفس الذي هو خير ومن عرف فائدة الشيء وغايته ومقصده واستعمله لتلك الغاية ملتفتاً إليها غير ناس لها فقد أحسن وانتفع، وكان ما حصل له الغرض محموداً في حقه، فإذا المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح، ويصلح أن يتخذ آلة ووسيلة إلى مقاصد فاسدة وهي المقاصد الصادة عن سعادة الآخرة وتسد سبيل العلم والعمل. فهو إذا محمود مذموم، محمود بالإضافة إلى المقصد المحمود، ومذموم بالإضافة إلى المقصد المذموم. فمن أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه فقد أخذ حتفه وهو لا يشعر كما ورد به الخبر.
ولما كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله وكان المال مسهلاً لها وآلة إليها، عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية فاستعاذ الأنبياء من شره حتى قال نبينا عليه الصالة والسلام "الله اجعل قوت آل محمد كفافاً فلم يطلب من الدنيا غلا ما يتمحض خيره وقال "الله أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين واستعاذ إبراهيم ﷺ فقال "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" وعنى بها هذين الحجرين الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الإلهية في شيء من هذه الحجارة، إذ قد كفى قبل النبوة مع الصغر، وإنما معنى عبادتهما حبهما والاغترار بهما والركون إليهما قال نبينا ﷺ تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم تعس ولا انتعش وإذا شيك فلا انتفش فبين أن محبهما عابد لهما ومن عبد حجراً فهو عابد صنم. بل كل من كان عبداً لغير الله فهو عابد صنم، أي قطعه ذلك عن الله تعالى وعن أداء حقه فهو كعابد صنم، وهو شرك إلا أن الشرك شركان: شرك خفي لا يوجب الخلود في النار وقلما ينفك عنه المؤمنون فإنه أخفى من دبيب النمل، وشرك جلي يوجب الخلود في النار نعوذ بالله من الجميع.
بيان تفصيل آفات المال وفوائده
اعلم أن المال مثل حية فيها سم وترياق، ففوائده ترياقه، وغوائله سمومه. فمن عرف غوائله وفوائده أمكنه أن يحترز من شره ويستدر من خيره.
أما الفوائد: فهي تنقسم إلى دنيوية ودينية: أما الدنيوية فلا حاجة إلى ذكرها فإن معرفتها مشهورة مشتركة بين أصناف الخلق، ولولا ذلك لم يتهالكوا على طلبها. وأما الدينية فتنحصر جميعها في ثلاثة أنواع.
النوع الأول أن ينفقه على نفسه إما في عبادة أو في الاستعانة على عبادة. أما في العبادة: فهو كالاستعانة به على الحج والجهاد فإنه لا يتوصل إليهما إلا بالمال، وهما من أمهات القربات والفقير محروم من فضلهما. وأما فيما يقويه على العبادة: فذلك هو المطعم والملبس والمسكن والمنكح وضرورات المعيشة فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر كان القلب مصروفاً إلى تدبيرها فلا يتفرغ للدين، ومالا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة، فأخذ الكفاية من الدنيا لأجل الاستعانة على الدين من الفوائد الدينية. ولا يدخل في هذا التنعم والزيادة عن الحاجة فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط.
النوع الثاني ما يصرفه إلى الناس، وهو أربعة أقسام: الصدقة، والمروءة، ووقاية العرض، وأجرة الاستخدام.
أما الصدقة فلا يخفى ثوابها وإنها لتطفئ غضب الرب تعالى، وقد ذكرنا فضلها فيما تقدم.
وأما المروءة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة ما يجري مجراها، فإن هذه لا تسمى صدقة، بل الصدقة ما يسلم إلى المحتاج إلا أن هذا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء وبه يكتسب صفة السخاء ويلتحق بزمرة الأسخياء. فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف ويسلك سبيل المروءة والفتوة، وهذا أيضاً مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها.
وأما وقاية العرض فنعني بها بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب السفهاء وقطع ألسنتهم ودفع شرهم، وهو أيضاً مع تنجز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدينية. قال رسول الله ﷺ "وما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة وكيف لا وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكافأة والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة.
وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة، ولو تولاه بنفسه ضاعت أوقاته وتعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين، ومن لا مال له فيفتقر إلى أن يتولى بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام وطحنه وكنس البيت حتى نسخ الكتاب الذي يحتاج إليه، وكل ما يتصور أن يقوم به غيرك ويحصل به غرضك فأنت متعوب إذا اشتغلت به، إذ عليك من العلم والعمل والذكر والفكر ما ر يتصور أن يقوم به غيرك فتضييع الوقت في غيره خسران.
النوع الثالث ما لا يصرفه إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام كبناء المساجد والقناطر والرباطات ودور المرضى ونصب الجباب في الطريق، وغير ذلك من الأوقاف المرصدة للخيرات، وهي من الخيرات المؤبدة الدارة بعد الموت المستجلبة بركة أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية، وناهيك بها خيراً. فهذه جملة فوائد المال في الدين سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر، والوصول إلى العز والمجد بين الخلق، وكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء، والوقار والكرامة في القلوب، فكل ذلك مما يقتضيه المال من الحظوظ الدنيوية.
وأما الآفات فدينية ودنيوية أما الدينية فثلاث.
الأول أن تجر إلى المعاصي فإن الشهوات متفاضلة والعجز قد يحول بين المرء والمعصية، ومن العصمة أن لا يجد. ومهما كان الإنسان آيساً عن نوع من المعصية لم تتحرك داعيته، فإذا استشعر القدرة عليها انبعث داعيته والمال نوع من القدرة يحرك داعية المعاصي وارتكاب الفجور، فإن اقتحم ما اشتهاه هلك وإن صبر وقع في شدة؛ إذ الصبر مع القدرة أشد، وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء.
الثانية أن يجر إلى التنعم في المباحات، وهذا أول الدرجات، فمتى يقدر صاحب المال على أن يتناول خبز الشعير ويلبس الثوب الخشن ويترك لذائذ الأطعمة كما كا يقدر عليه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في ملكه فأحسن أحواله أن لا يتنعم بالدنيا ويمرن عليها نفسه، فيصير التنعم مألوفاً عنده ومحبوباً لا يصبر عنه، ويجره البعض منه إلى البعض، فإذا اشتد أنسه به ربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في المراءاة والمداهنة والكذب والنفاق وسائر الأخلاق الرديئة، لينتظم له أمر دنياه ويتيسر له تنعمه، فإن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس، ومن احتاج إلى الناس فلا بد وأن ينافقهم ويعصي الله في طلب رضاهم، فإن سلم الإنسان من الآفة الأولى وهي مباشرة الحظوظ فلا يسلم عن هذه أصلاً. ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصداقة، وينشأ عنه الحسد والحقد والرياء والكبر والكذب والنميمة والغيبة وسائر المعاصي التي تخص القلب واللسان، ولا يخلو عن التعدي أيضاً إلى سائر الجوارح. وكل ذلك يلزم من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه.
الثالثة وهي التي لا ينفك عنها أحد وهو أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله تعالى، وكل ما شغل العبد عن الله فهو خسران، ولذلك قال عيسى عليه الصلاة والسلام: في المال ثلاث آفات، أن يأخذه من غير حله، فقيل: إن أخذه من حله? فقال: يضعه في غير حقه، فقيل: إن وضعه في حقه? فقال: يشغله إصلاحه عن الله تعالى. وهذا هو الداء العضال. فإن أصل العبادات ومخها وسرها ذكر الله والتفكر في جلاله، وذلك يستدعي قلباً فارغاً وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكراً في خصومة الفلاح ومحاسبته، وفي خصومة الشركاء ومنازعتهم في الماء والحدود، وخصومة أعوان السلطان في الخراج، وخصومة الأجراء على التقصير في العمارة، وخصومة الفلاحين في خيانتهم وسرقتهم. وصاحب التجارة يكون متفكراً في خيانة شريكه وانفراده بالربح وتقصيره في العمل وتضييعه للمال. وكذلك صاحب المواشي. وهكذا سائر أصناف الأموال. وأبعدها عن كثرة الشغل: النقد المكنوز تحت الأرض، ولا يزال الفكر متردداً فيما يصرف إليه وفي كيفية حفظه وفي الخوف مما يعثر عليه وفي دفع أطماع الناس عنه. وأودية أفكار الدنيا لا نهاية لها، والذي معه قوت يومه في سلامة من جميع ذلك. فهذه جملة الآفات الدنيوية سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا من الخوف والحزن والغم والهم والتعب في دفع الحساد وتجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه، فإذن ترياق المال أخذ القوت منه وصرف الباقي إلى الخيرات وما عدا ذلك سموم وآفات. نسأل الله تعالى السلامة وحسن العون بلطفه وكرمه إنه على ذلك قدير.
بيان ذم الحرص والطمع
ومدح القناعة واليأس مما في أيدي الناس
اعلم أن الفقر محمود -كما أوردناه في كتاب الفقر- ولكن ينبغي أن يكون الفقير قانعاً منقطع الطمع عن الخلق غير ملتفت إلى ما في أيديهم ولا حريصاً على اكتساب المال كيف كان، ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس والمسكن، ويقتصر على أقله قدراً وأخسه نوعاً، ويرد أمله إلى يومه أو إلى شهره، ولا يشغل قلبه بما بعد شهر. فإن تشوق إلى الكثير أو طول أمله فاته عز القناعة وتدنس لا محالة بالطمع وذل الحرص، وجره الحرص والطمع إلى مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات الخارقة للمروءات، وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة القناعة. قال رسول الله ﷺ "لو كان لبن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وعن أبي واقد الليثي قال: كان رسول الله ﷺ إذا أوحىإليه أتيناه بعلمنا مما أوحى إليه، فجئته ذات يوم فقال "إن الله عز وجل يقول: إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له ثان ولو كان له الثاني لأحب أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وقال أبو موسى الأشعري: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب . وقال ﷺ "منهومان لا يشعبان منهوم العلم ومنهوم المال وقال ﷺ "يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان: الأمل وحب المال" أو كما يقال .
ولما كانت هذه جبلة للآدمي مضلة وغريزة مهلكه أثنى الله تعالى ورسوله على القناعة فقال ﷺ "طوبى لمن هدى للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به وقال ﷺ "ما من أحد فقير ولا غني إلا ود يوم القيامة أن كان أوتى قوتاً في الدنيا وقال ﷺ "ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ونهى عن شدة الحرص والمبالغة في الطلب فقال "أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له من الدنيا وهي راغمة وروى أن موسى عليه السلام سأل ربه تعالى فقال: أي عبادك أغنى? قال: أقنعهم مما أعطيته، قال: فأيهم أعدل? قال: من أنصف من نفسه. وقال ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ "إن روح القدس نفث في روعى إن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب وقال أبو هريرة: قال لي رسول الله ﷺ "يا أبا هريرة إذا اشتد بك الجوع فعليك برغيف وكوز من ماء وعلى الدنيا الدمار" وقال أبو هريرة رضي الله عنه. قال رسول الله ﷺ "كن ورعاً، تكن أعبد الناس وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً ونهى رسول الله ﷺ عن الطمع فيما رواه أبو أبو أيوب الأنصاري: أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال" يا رسول الله عظني وأوجز فقال "إذا صليت فصل صلاة مودع ولا تحدثن بحديث تعتذر منه غداً، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس وقال عوف بن مالك الأشجعي: كنا عند رسول الله ﷺ -تسعة أو ثمانية أو سبعة- فقال "ألا تبايعون رسول الله" قلنا: أوليس قد بايعناك يا رسول الله? ثم قال "ألا تبايعون رسول الله" فبسطنا أيدينا فبايعناه فقال قائل منا: قد بايعناك فعلى ماذا نبايعك? قال "أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وتصلوا الخمس، وأن تسمعوا وتطيعوا" وأسر كلمة خفية "ولا تسألوا الناس شيئاً قال: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه.
الآثار: قال عمر رضي الله عنه: إن الطمع فقر وإن اليأس غنى وإنه من ييأس عما في أيدي الناس استغنى عنهم وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى? قال: قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك، وفي ذلك قيل: العيش ساعـات تـمـر وخطـب أيام تـكـر
أقنع بعيشـك تـرضـه واترك هواك تعيش حر
فلرب حتـف سـاقـه ذهـب وياقـوت ودر
وكان محمد بن واسع يبل الخبز بالماء ويأكل ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد. وقال سفيان: خير دنياكم ما لم تبتلوا به وخير ما ابتليتم به ما خرج من أيديكم وقال ابن مسعود: ما من يوم إلا ومسلك ينادى؛ يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك. وقال سميط بن عجلان: إنما بطنك يا بن آدم شبر فلم يدخلك النار? وقيل لحكيم: ما مالك? قال: التجمل في الظاهر والقصد في الباطن واليأس مما في أيدي الناس. ويروى أن الله عز وجل قال: يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت، وإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن. وقال ابن مسعود: إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلباً يسيراً ولا يأتي الرجل فيقول: إنك وإنك فيقطع ظهره، فإنما يأتيه ما قسم له من الرزق أو ما رزق. وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم -يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه- فكتب إليه: قد رفعت حوائجي إلى موالاي فما أعطاني منها قبلت وما أمسك عني قنعت. وقيل لبعض الحكماء: أي شيء أسر للعاقل وإيما شيء أعون على دفع الحزن? فقال: أسرها إليه ما قدم من صالح العمل، وأعونها له على دفع الحزن الرضا بمحتوم القضاء وقال بعض الحكماء: وجدت أطول الناس غماً الحسود، وأهنأهم عيشاً القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص إذ طمع، وأخفضهم عيشاً أرفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط. وفي ذلك قيل: آرفه ببال فتى أمسى على ثقة أن الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون لا يدنسه والوجه منه جديد ليس يخلقه
إن القناعة من يحلل بساحتهـا لم يلق في دهره شيئاً يؤرقه
وقد قيل أيضاً: حتى متى أنـا فـي حـل وتـرحـال وطـول سـعـي وإدبـار إقـبــال
ونازح الدار لا أنـفـك مـغـتـربـاً عن الأحـبة لا يدرون مـا حـالــي
بمشرق الأرض طوراً ثم مغـربـهـا لا يخطر الموت من حرصي على بالي
ولو قنعت أتانـي الـرزق فـي دعـه إن القنوع الغنى لا كـثـرة الـمـال
وقال عمر رضي الله عنه: ألا أخبركم بما أستحل من مال الله تعالى: حلتان لشتائي وقيظي، وما يسعني من الظهر لحجي وعمرتي، وقوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش لست بأرفعهم ولا بأوضعهم، فوالله ما أدري أيحل ذلك أم لا? كأنه شك في أن هذا القدر هل هو زيادة على الكفاية التي تجب القناعة بها? وعاتب أعرابي أخاه على الحرس فقال يا أخي أنت طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته وتطلب أنت ما قد كفيته، وكأن ما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، كأنك يا أخي لم تر حريصاً محروماً وزاهداً مرزوقاً. وفي ذلك قيل: أراك يزيدك الإثراء حرصاً على الدنيا كأنك لا تمـوت
فهل لك غاية إن صرت يوماً إليها قلت حسبي قد رضيت
وقال الشعبي: حكي أن رجلاً صاد قنبرة فقالت: ما تريد أن تصنع بي? قال: أذبحك وآكلك، قالت: والله ما أشفى من قرم ولا أشبع من جوع ولكن أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي: أما واحدة: فأعلمك وأنا في يدك، وأما الثانية: فإذا صرت على الشجرة، وأما الثالثة: فإذا صرت على الجبل، قال: هات الأولى، قالت: لا تلهفن على ما فاتك، فخلاها فلما صارت على الشجرة قال: هات الثانية: لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون، ثم طارت فصارت على الجبل فقالت: يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين زنة كل درة عشرون مثقالاً، قال: فعض على شفته وتلهف وقال: هات الثالثة: قالت: أنت قد نسيت اثنتين فكيف أخبرك الثالثة? ألم أقل لك لا تلهفن على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون، أنا لحمي ودمي وريش لا يكون عشرين مثقالاً فكيف يكون في حوصلتي درتان كل واحدة عشرون مثقالاً? ثم طارت فذهبت. وهذا مثال لفرط طمع الآدمي فإنه يعميه عن درك الحق حتى يقدر ما لا يكون أنه يكون. وقال ابن السماك: إن الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك فأخرج الرجاء من قلبك يخرج القيد من رجلك. وقال أبو محمد اليزيدي: دخلت على الرشيد فوجدته ينظر في ورقة مكتوب فيها بالذهب، فلما رآني ابتسم، فقلت: فائدة أصلح الله أمير المؤمنين? قال: نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما وقد أضفت إليهما ثالثاً. وأنشدني:
إذا سد باب عنك من دون حاجة فدعه لأخرى ينفتح لك بابـهـا
فإن قراب البطن يكفيك ملـؤه ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
ولا تك مبذالاً لعرضك واجتنب ركوب المعاصي يجتنبك عقابها
وقال عبد الله بن سلام لكعب: ما يذهب العلوم من قلوب العلماء إذ وعوها وعقلوها? قال: الطمع وشره النفس وطلب الحوائج. وقال رجل للفضيل: فسر لي قول كعب، قال: يطمع الرجل في الشيء يطلبه فيذهب عليه دينه، وأما الشره فشره النفس في هذا حتى لا تحب أن يفوتها شيء، ويكون لك إلى هذا حاجة وإلى هذا حاجة فإذا قضاها لك خرم أنفك وقادك حيث شاء واستمكن منك وخضعت له. فمن حبك للدنيا سلمت عليه إذا مررت به وعدته إذا مرض؛ لم تسلم عليه لله عز وجل ولم تعده لله، فلو لم يكن لك إليه حاجة كان خيراً لك. ثم قال: هذا خير لك من مائة حديث عن فلان عن فلان. قال بعض الحكماء: من عجيب أمر الإنسان أنه لو نودي بدوام البقاء في أيام الدنيا لم يكن في قوى خلقته من الحرص على الجمع أكثر مما قد استعمله مع قصر مدة التمتع وتوقع الزوال. وقال عبد الواحد بن زيد: مررت براهب فقلت له: من أين تأكل? قال: من بيدر اللطيف الخبير، الذي خلق الرحا يأتيها بالطحين -وأومأ بيده إلى رحل أضراسه- فسبحان القدير الخبير.
بيان علاج الحرص والطمع
والدواء الذي يكتسب به صفة القناعة
اعلم أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان: الصبر والعلم والعمل، ومجموع ذلك خمسة أمور: الأول: وهو العمل؛ الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق، فمن أراد عز القناعة فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخروج ما أمكنه ويرد نفسه إلا ما لا بد له منه، فمن كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة، بل إن كان وحده فينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن، ويقنع بأي طعام كان؛ ويقلل من الإدم ما أمكنه، ويوطن نفسه عليه وإن كان له عيال فيرد كل واحد إلى هذا القدر؛ فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد. ويمكن معه الإجمال في الطلب والاقتصاد في المعيشة وهو الأصل في القناعة؛ ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق فيه، قال رسول الله ﷺ "إن الله يحب الرفق الأمر كله" وقال ﷺ "ما عال من اقتصد وقال ﷺ "ثلاث منجيات؛ خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب وروي أن رجلاً أبصر أبا الدرداء يلتقط حباً من الأرض وهو يقول: إن من فقهك رفقك في معيشتك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي ﷺ "الاقتصاد وحسن السمت والهدى الصالح جزء من بضع وعشرين جزءاً من النبوة .
وفي الخبر "التدبير نصف المعيشة وقال ﷺ "من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ومن ذكر الله عز وجل أحبه الله وقال ﷺ "إذا أردت أمراً فعليك بالتؤدة حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً والتؤدة في الإنفاق من أهم الأمور.
الثاني: أنه إذا تيسر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد الاضطراب لأجل المستقبل، ويعينه على ذلك قصر الأمل، والتحقق بأن الرزق الذي قدر له لا بد وأن يأتيه وإن لم يشتد حرصه، فإن شدة الحرص ليست هي السبب لوصول الأرزاق، بل ينبغي أن يكون واثقاً بوعد الله تعالى إذ قال عز وجل "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" وذلك لأن الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ويقول: إن لم تحرص على الجمع والادخار فربما تمرض وربما تعجز وتحتاج إلى احتمال الذل في السؤال، فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب خوفاً من الفقر، ويضحك عليه في احتماله التعب نقداً مع الغفلة عن الله لتوهم تعب في ثاني الحال وربما لا يكون وفي مثله قيل: ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل: الفقـر
وقد دخلا ابنا خالد على رسول الله ﷺ فقال لهما، "لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله تعالى ومر رسول الله ﷺ بابن مسعود وهو حزين فقال له "لا تكثر همك ما قدر يكن وما ترزق يأتك وقال ﷺ "ألا أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له من الدنيا وهي راغمة ولا ينفك الإنسان عن الحرص إلا بحسن ثقته بتدبير الله تعالى في تقدير أرزاق العباد، وأن ذلك يحصل لا محالة مع الإجمال في الطلب، بل ينبغي أن يعلم أن رزق الله للعبد من حيث لا يحتسب أكثر قال الله تعالى "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب" فإذا انسد عليه الباب كان ينتظر الرزق منه فلا ينبغي أن يضطرب قلبه لأجله، وقال ﷺ "أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب وقال سفيان: اتق الله فما رأيت تقياً محتاجاً. أي لا يترك التقى فاقداً لضرورته، بل يلقى الله في قلوب المسلمين أن يوصلوا إليه رزقه.
= وقال المفضل الضبي: قلت لأعرابي من أين معاشك? قال نذر الحاج، قلت: فإذا صدروا، فبكى وقال: لو لم نعش إلا من حيث ندري لم نعش. وقال أبو حازم رضي الله عنه: وجدت الدنيا شيئين: شيئاً منهما هو لي، فيما أعجله قبل وقته ولو طلبته بقوة السماوات والأرض. وشيئاً منهما هو لغيري فلذلك لم أنله فيما مضى فلا أرجوه فيما بقى، يمنع الذي لغيري مني كما يمنع الذي لي من غيري، ففي أي هذين أفني عمري? فهذا دواء من جهة المعرفة لا بد منه لدفع تخويف الشيطان. وإنذاره بالفقر.
الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء وما في الحرص والطمع من الذل، فإذا تحقق عنده ذلك انبعث رغبته إلى القناعة لأنه في الحرص لا يخلو من تعب، وفي الطمع لا يخلو من ذل. وليس في القناعة إلا ألم الصبر عن الشهوات والفضول. وهذا ألم لا يطلع عليه أحد إلا الله وفيه ثواب الآخرة. وذلك مما يضاف إليه نظر الناس وفيه الوبال والمأثم. ثم يفوته عز النفس والقدرة على متابعة الحق فإن من كثر طمعه وحرصه كثرت حاجته إلى الناس فلا يمكنه دعوتهم إلى الحق ويلزمه المداهنة، وذلك يهلك دينه ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان، قال ﷺ "عز المؤمن استغناؤه عن الناس ففي القناعة الحرية والعز. ولذلك قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره.
الرابع: أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى من الأكراد والأعراب الأجلاف ومن لا دين لهم ولا عقل. ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء وإلى سمت الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم.
= ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة أراذل الناس أو على الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله، حتى يهون عليه بذلك الصبر على الضنك والقناعة باليسير، فإنه إن تنعم في البطن فالحمار أكثر أكلاً منه وإن تنعم في الوقاع فالخنزير أعلى رتبة منه، وإن تزين في الملبس والحلي ففي اليهود من هو أعلى رتبة منه، وإن قنع بالقليل ورضي به لم يساهمه في رتبته إلا الأنبياء والأولياء.
الخامس: أن يفهم ما في جمع المال من الخطر -كما ذكرنا في آفات المال- وما فيه من خوف السرقة والنهب والضياع؛ وما في خلو اليد من الأمن والفراغ، ويتأمل ما ذكرناه في آفات المال مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنة إلى خمسمائة عام، فإنه إذا لم يقنع مما يكفيه ألحق بزمرة الأغنياء وأخرج من جريدة الفقراء. ويتم ذلك بأن ينظر أبداً إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فوقه، فإن الشيطان أبداً يصرف نظره في الدنيا إلى من فوقه فيقول: لم تفتر عن الطلب وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم والملابس? ويصرف نظره في الدين إلى من دونه فيقول: ولم تضيق على نفسك وتخاف الله وفلان أعلم منك وهو لا يخاف الله? والناس كلهم مشغولون بالتنعم فلم تريد أن تتميز عنهم? قال أبو ذر: أوصاني خليلي صلوات الله عليه أن أنظر إلى من هو دوني لا إلى من هو فوقي أي في الدنيا.
= وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ "إذا نظر أحدكم إلى من فضله الله عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة. وعماد الأمر الصبر وقصر الأمل، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل للتمتع دهراً طويلاً، فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة طعمه في انتظار الشفاء.
بيان فضيلة السخاء
اعلم أن المال إن كان مفقوداً فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة الحرص، وإن كان موجوداً فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء واصطناع المعروف والتباعد عن الشح والبخل، فإن السخاء من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وهو أصل من أصول النجاة. وعنه عبر النبي ﷺ حيث قال "السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدلية إلى الأرض فمن أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة وقال جابر.
= قال رسول الله ﷺ "قال جبريل عليه السلام. قال الله تعالى إن هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما استطعتما وفي رواية "فأكرموه بهما ما صحبتموه" وعن عائشة الصديقية رضي الله عنها قال. قال رسول الله ﷺ "ما جبل الله تعالى ولياً له إلا على حسن الخلق والسخاء وعن جابر قال. قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل? قال "الصبر والسماحة وقال عبد الله بن عمرو. قال رسول الله ﷺ "خلقان يحبهما الله عز وجل وخلقان يبغضهما الله عز وجل، فأما اللذان يحبهما الله تعالى فحسن الخلق والسخاء، وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل، وإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله في قضاء حوائج الناس وروى المقدام بن شريح عن أبيه عن جده قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال "إن موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ "السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخياً أخذ بغصن منها فلم يتركه ذلك الغصن حتى يدخله الجنة وقال أبو سعيد الخدري. قال النبي ﷺ "يقول الله تعالى أطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي وعن ابن عباس قال. قال رسول الله ﷺ "تجافوا عن ذنب السخي فإن الله أخذ بيده كلما عثر وقال ابن مسعود قال ﷺ "الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير وإن الله تعالى لباهى بمطعم الطعام الملائكة عليهم السلام وقال ﷺ "إن الله جواد يحب الجود ويحب مكارم الأخلاق ويكرف سفسافها وقال أنس. إن رسول الله ﷺ لم يسأل على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، وأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، فرجع قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة وقال ابن عمر: قال صلى الله عليهوآله وسلم "إن لله عباداً يخصهم بالنعم لمنافع العباد، فمن يخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله تعالى عنه وحولها إلى غيره وعن الهلالي قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسرى من بني العنبر فأمر بقتلهم وأفرد منهم رجلاً، فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا رسول الله الرب واحد والدين واحد والذنب واحد فما بال هذا من بينهم? فقال صلى الله عليه وآله وسلم "نزل علي جبريل فقال "اقتل هؤلاء واترك هذا فإن الله تعالى شكر له سخاء فيه وقال صلى الله عليه وآله وسلم "إن لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح وعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء وقال ﷺ "من عظمن نعمة الله عنده عظمت مؤنة الناس عليه فمن لم يحتمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال. وقال عيسى عليه السلام: استكثروا من شيء لا تأكله النار، وقيل: وما هو? قال: المعروف. وقالت عائشة رضي الله عنها.
= قال رسول الله ﷺ "الجنة دار الأسخياء وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد عن النار، وإن البخيل بعيد من الله من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، وجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل، وأدوأ الداء البخل وقال ﷺ "اصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من ليس بأهله، فإن أصبت أهله فقد أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت من أهله وقال صلى الله تعالى عليه وسلم "إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا صيام ولكن دخلوها بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للمسلمين وقال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله ﷺ "إن الله عز
وجل جعل للمعروف وجوهاً من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى البلدة الجدية فيحييها ويحيي به أهلها وقال ﷺ "كل معروق صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها وقال ﷺ "كل معروف فعلته إلى غني أو فقير صدقة وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام لا تقتل السامري فإنه سخي وقال جابر: بعث رسول الله ﷺ بعثاً عليهم قيس بن سعد بن عبادة فجهدوا فنحر لهم قيس تسع ركائب فحدثوا رسول الله ﷺ بذلك فقال ﷺ "إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت . الآثار: قال علي كرم الله وجهه: إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عليك فأنفق منها فإنها لا تبقى وأنشد: لا تبخلن بدنيا وهي مـقـبـلة فليس ينقصها التبذير والسرف
وإن تولت فأحرى أن تجود بها فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
وسأل معاوية الحسن بن علي رضي الله عنهم عن المروءة والنجدة والكرم فقال: أما المروءة فحفظ الرجل دينه وحذره نفسه وحسن قيامه بضيفه وحسن المنازعة والأقدام في الكراهية. وأما النجد فالذب عن الجار والصبر في المواطن وأما الكرم فالتبرع بالمعروف قبل السؤال والإطعام في المحل والرأفة بالسائل مع بذل النائل. ورفع رجل إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما رقعة فقال حاجتك مقضية فقيل له يا ابن رسول الله لو نظرت في رقعته ثم رددت الجواب على قدر ذلك فقال يسألني الله عز وجل عن ذل مقامه بين يدي حتى أقرأ رقعته. وقال ابن السماك عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه. وسئل بعض الأعراب من سيدكم فقال من احتمل شتمنا وأعطى سائلنا وأغضى عن جاهلنا وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما من وصف ببذل ماله لطلابه لم يكن سخياً وإنما السخي من يبتدئ بحقوق الله تعالى في أهل طاعته ولا تنازعه نفسه إلى حب الشكر له إذا كان يقينه بثواب الله تعالى تاماً. وقيل للحسن البصري ما السخاء? فقال أن تجود بمالك في الله عز وجل. قيل فما الحزم? قال أن تمنع مالك فيه قيل فما الإسراف? قال الإنفاق لحب الرياسة. وقال جعفر الصادق رحمة الله عليه لا مال أعون من العقل ولا مصيبة أعظم من الجهل ولا مظاهرة كالمشاورة ألا وإن الله عز وجل يقول: إني جواد كريم لا يجاورني لئيم واللؤم من الكفر وأهل الكفر في النار والجود والكرم من الإيمان وأهل الإيمان في الجنة. وقال حذيفة رضي الله عنه رب فاجر في دينه أخرق في معيشته يدخل الجنة بسماحته. وروي أن الأحنف بن قيس رأى رجلاً في يده درهم فقال لمن هذا الدرهم فقال لي فقال أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك وفي معناه قيل: أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك
وسمي واصل بن عطاء: الغزال، لأنه كان يجلس إلى الغزلين؛ فإذا رأى امرأة ضعيفة أعطاها شيئاً. وقال الأصمعي كتب الحسن بن علي إلى الحسين بن علي رضوان الله عليهم يعتب عليه في إعطاء الشعراء فكتب إليه خير المال ما وقي به العرض. وقيل لسفيان بن عيينة ما السخاء? قال السخاء البر بالإخوان والجود بالمال. قال وورث أبي خمسين ألف درهم فبعث بها صرراً إلى إخوانه. وقال قد كنت أسأل الله تعالى لإخواني الجنة في صلاتي أفأبخل عليهم بالمال? وقال الحسن بذل المجهود في بذل الموجود منتهى الجود. وقيل لبعض الحكماء من أحب الناس إليك? قال: من كثرت أياديه عندي، قيل: فإن لم يكن، قال من كثرت أيادي عنده. وقال عبد العزيز بن مروان إذا الرجل أمكنني من نفسه حتى أضع معروف عنده فيده عندي مثل يدي عنده. وقال المهدي لشبيب بن شبة كيف رأيت الناس في داري? فقال يا أمير المؤمنين إن الرجل منهم ليدخل راجياً ويخرج راضياً وتمثل متمثل عند عبد الله بن جعفر فقال: إن الصنيعة لا تكون صـنـيعة حتى يصاب بها طريق المصنع
فإذا اصطنعت صنيعة فاعمد بها لله أو لـذوي الـقـرابة أو دع
فقال عبد الله بن جعفر إن هذين البيتين ليبخلان الناس، ولكن أمطر المعروف مطراً، فإن أصاب الكرام كانوا له أهلاً وإن أصاب اللئام كنت له أهلاً.
حكايات الأسخياء
عن محمد بن المنكدر عن أم درة -وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها- قالت إن معاوية بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قالت يا جارية هلم فطوري فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم درة. ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه? فقالت: لو كنت ذكرتيني لفعلت.
وعن أبان بن عثمان قال أراد رجل أن يضار عبيد الله بن عباس فأتى وجوه قريش فقال يقول لكم عبيد الله تغدوا عندي اليوم، فأتوه حتى ملئوا عليه الدار، فقال ما هذا? فأخبر الخبر، فأمر عبيد الله بشراء فاكهة، وأمر قوماً فطبخوا وخبزوا، وقدمت الفاكهة إليهم فلم يفرغوا منها حتى وضعت الموائد فأكلوا حتى صدروا، فقال عبيد الله لوكلائه أو موجود لنا هذا كل يوم? قالوا: نعم، قال فليتغد عندنا هؤلاء في كل يوم.
وقال مصعب بن الزبير حج معاوية فلما انصرف مر بالمدينة، فقال الحسين بن علي لأخيه الحسن لا تلقه ولا تسلم عليه، فلما خرج معاوية، قال الحسن إن علينا ديناً فلا بد لنا من إتيانه فركب في أثره ولحقه فسلم عليه وأخبره بدينه، فمروا عليه ببخي عليه ثمانون ألف دينار وقد أعيا وتخلف عن الإبل وقوم يسوقونه، فقال معاوية ما هذا? فذكر له، فقال اصرفوه بما عليه إلى أبي محمد.
وعن واقد بن محمد الواقدي قال حدثن يأبي أنه رفع رقعة إلى المأمون يذكر فيها كثرة الدين وقلة صبره عليه، فوقع المأمون على ظهر رقعته إنك رجل اجتمع فيك خصلتان، السخاء والحياء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك، وأما الحياء فهو الذي يمنعك عن تبليغنا ما أنت عليه، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فإن كنت قد أصبت فازدد في بسط يدك، وإن لم أكن قد أصبت فجنايتك على نفسك. وأنت حدثتني وكنت على قضاء الرشيد؛ عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس: أن النبي ﷺ قال للزبير بن العوام "يا زبير اعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش يبعث الله عز وجل إلى كل عبد بقدر نفقته، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل له وأنت أعلم قال الواقدي: فوالله لمذاكرة المأمون إياي بالحديث أحب إلى من الجائزة وهي مائة ألف درهم.
وسأل رجل الحسن بن علي رضي الله عنهما حاجة فقال له: يا هذا حق سؤالك إياي يعظم لدي ومعرفتي بما بحب لك تكبر علي، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات الله تعالى قليل، وما في ملكي وفاه لشكرك، فإن قبلت الميسور ورفعت عني مؤنة الاحتمال والاهتمام لما أتكلفه من واجب حقك فعلت، فقال: يا ابن رسول الله أقبل وأشكر العطية، وأعذر علي المنع، فدعا الحسن بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال: هات الفضل من الثلثمائة ألف درهم، فأحضر خمسين ألفاً قال: فما فعلت بالخمسمائة دينار? قال: هي عندي، قال أحضرها، فأحضرها فدفع الدنانير والدراهم إلى الرجل وقال: هات من يحملها لك، فأتاه بحمالين فدفع إليه الحسن رداءه لكراء الحملين، فقال له مواليه: والله ما عندنا درهم! فقال: أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم.
واجتمع قراء البصرة إلى ابن عباس وهو عامل بالبصرة فقالوا: لنا جار صوام قوام يتمنى كل واحد منا أن يكون مثله، وقد زوج بنته من ابن أخيه وهو فقير وليس عنده ما يجهزها به، فقام عبد الله بن عباس فأخذ بأيديهم وأدخلها داره وفتح صندوقاً فأخرت من ست بدر فقال: احملوا، فحملوا فقال: ابن عباس ما أنصفناه أعطيناه ما يشغله عن قيامه وصيامه، ارجعوا بنا نكن أعوانه على تجهيزها فليس للدنيا من القدر ما يشغل مؤمناً عن عبادة ربه، وما بنا من الكبر ما لا نخدم أولياء الله تعالى ففعل وفعلوا.
وحكي أنه لما أجدب الناس بمصر وعبد الحميد بن سعد أميرهم فقال: والله لأعلمن الشيطان أني عدوه؛ فعال محاويجهم إلى أن رخصت الأسعار، ثم عزل عنهم فرحل وللتجار عليه ألف ألف درهم، فرهنهم بها حلي نسائه وقيمتها خمسمائة ألف ألف، فلما تعذر عليه ارتجاعها كتب إليهم ببيعها ودفع الفاضل منها عن حقوقهم إلى من لم تنله صلاته.
وكان أبو طاهر بن كثير شيعياً فقال له رجل. بحق عليبن أبي طالب لما وهب لي نخلتك بموضع كذا وكذا، فقال: قد فعلت، وحقه لأعطينك ما يليها، وكان ذلك أضعاف ما طلب الرجل.
وكان أبو مرثد أحد الكرماء فمدحه بعض الشعراء فقال للشاعر: والله ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادع علي بعشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها ثم احبسني، فإن أهلي لا يتركوني محبوساً، ففعل ذلك فلم يمس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم وأخرج أبو مرثد من الحبس.
وكان معن بن زائدة عاملاً على العراقين بالبصرة فحضر بابه شاعر فأقام مدة وأراد الدخول على معن فلم يتهيأ له فقال يوماً لبعض خدام معن: إذا دخل الأمير البستان فعرفني، فلما دخل الأمير البستان أعلمه، فكتب الشاعر بيتاً على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان وكان معن على رأس المال فلما بصر بالخشبة أخذها وقرأها فإذا مكتوب عليها: أيا جود معن ناج معنا بحاجتي فما لي إلى معن سواك شفيع
فقال: من صاحب هذه? فدعي بالرجل، فقال له: كيف قلت? فقال له، فأمر له بعشر بدر، فأخذها ووضع الأمير الخشية تحت بساطه، فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط وقرأها ودعا بالرجل فدفع إليه مائة ألف درهم، فلما أخذها الرجل تفكر وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه فخرج، فلما كان في اليوم الثالث قرأ ما فيها ودعا بالرجل فطلب فلم يوجد فقال معن: حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي ولا دينار.
وقال أبو الحسن المدائني: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجاً ففاتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا، فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا: هل من شراب? فقالت نعم، فأناخوا إليها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت: احلبوها وامتذقوا لبنها. ففعلوا ذلك ثم قالوا لها: هل من طعام? قالت: لا، إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيئ لكم ما تأكلون، فقام إليها أحدهم وذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاماً فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون بك خيراً ثم ارتحلوا وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشاة فغضب الرجل وقال: ويلك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفينهم، ثم تقولين نفر من قريش? قال: ثم بعد مدة ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة، فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويتعيشان بثمه، فمرت العجوز ببعض سكك المدينة، فإذا الحسن بن علي جالس على باب داره فعرف العجوز وهي له منكرة، فبعث غلامه فدعا بالعجوز وقال لها: يا أمة الله أتعرفيني? قالت: لا، قال: أنا ضيفك يوم كذا ويوم كذا، فقالت العجوز: بأبي أنت وأمي أنت هو? قال: نعم. ثم أمر الحسن فاشتروا لها من شياه الصدقة ألف شاة، وأمر لها معها بألف دينار، وبعث بها مع غلامه إلى الحسين فقال لها الحسين: بكم وصلك أخي? قالت: بألف شاة وألف دينار، فأمر لها الحسين أيضاً بمثل ذلك ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر، فقال لها بكم وصلك الحسن والحسين? قالت: بألفي شاة وألفي دينار، فأمر لها عبد الله بألفي شاة وألفي دينار، وقال لها: لو بدأت بي لأتعبتهما، فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف شاة وأربعة آلاف دينار.
وخرج عبد الله بن عامر بن كريز من المسجد يريد منزله وهو وحده، فقام إليه غلام من ثقيف فمشى إلى جانبه فقال له عبد الله: ألك حاجة يا غلام? قال: صلاحك وفلاحك رأيتك تمشي وحدك فقلت أقيك بنفسي وأعوذ بالله إن طار بجنابك مكروه، فأخذ عبد الله بيده ومشى معه إلى منزله، ثم دعا بألف دينار فدفعها إلى الغلام وقال: استنفق هذه فنعم ما أدبك أهلك.
وحكي أن قوماً من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم للزيارة، فنزلوا عند قبره وباتوا عنده وقد كانوا جاءوا من سفر بعيد؛ فرأى رجل منهم في النوم صاحب القبر وهو يقول له: هل لك أن تبادل بعيرك بنجيبي? وكان السخي الميت قد خلف نجيباً معروفاً به، ولهذا الرجل بعير سمين، فقال له في النوم: نعم، فباعه في النوم بعيره بنجيبه، فملا وقع بينهما العقد عمد هذا الرجل إلى بعيره فنحره في النوم، فانتبه الرجل من نومه فإذا الدم يثج من نحر بعيره، فقام الرجل فنحره وقسم لحمه فطبخوه وقضوا حاجتهم منه ثم رحلوا وساروا، فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق استقبلهم ركب، فقال رجل منهم: من فلان بن فلان منكم? -باسم ذلك الرجل- فقال: أنا، فقال له هل بعث من فلان بن فلان شيئاً? وذكر الميت صاحب القبر، قال: نعم بعث بعيري بنجيبه في النوم، فقال: خذ هذا نجيبه، ثم قال: هو أبي وقد رأيته في النوم وهو يقول: إن كنت ابني فادفع نجيبي إلى فلان بن فلان وسماه.
وقدم رجل من قريش من السفر فمر برجل من الأعراب على قارعة الطريق قد أقعده الدهر وأضر به المرض، فقال: يا هذا أعنا على الدهر فقال الرجل لغلامه: ما بقي معك من النفقة فادفعه إليه، فصب الغلام في حجر الأعرابي أربعة آلاف درهم، فذهب لينهض فلم يقدر من الضعف، فبكى فقال له الرجل ما يبكيك لعلك استقللت ما أعطيناك? قال: لا، ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني.
واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره في السوق بتسعين ألف درهم، فلما كان الليل سمع بكاء أهل خالد فقال لأهله: ما لهؤلاء? قالوا يبكون لدارهم، فقال يا غلام ائتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعاً.
وقيل بعث هارون الرشيد إلى مالك بن أنس رحمه الله بخمسمائة دينار، فبلغ ذلك الليث بن سعد فأنفذ إليه ألف دينار، فغضب هارون وقال أعطيته خمسمائة وتعطيه ألفاً وأنت من رعيتي? فقال يا أمير المؤمنين إن لي من غلتي كل يوم ألف دينار؛ فاستحييت أن أعطى مثل أقل من دخل يوم. وحكي أنه لم تجب عليه الزكاة مع أن دخله كل يوم ألف دينار. وحكي أن امرأة سألت الليث بن سعد رحمة الله عليه شيئاً من عسل، فأمر لها بزق من عسل، فقيل له إنها كانت تقنع بدون هذا? فقال: إنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر النعمة علينا. وكان الليث ابن سعد لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلثمائة وستين مسكيناً.
وقال الأعمش: اشتكت شاة عندي فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغداة والعشي ويسألني هل استوفت علفها? وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها? وكان تحت لبد أجلس عليه فإذا خرج قال: خذ ما تحت اللبد، حتى وصل إلي في علة الشاة أكثر من ثلثمائة دينار من بره حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ.
وقال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة: بلغني عنك خصال فحدثني لها، فقال: هي من غيري أحسن منها مني، فقال: عزمت عليك إلا حدثتني بها? فقال: يا أمير المؤمنين ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط، ولا صنعت طعاماً قد فدعوت عليه قوماً إلا كانوا أمن علي مني عليهم، ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني شيئاً فاستكثرت شيئاً أعطيته إياه.
ودخل سعيد بن خالد على سليمان بن عبد الملك وكان سعيد رجلاً جواداً فإذا لم يجد شيئاً كتب لمن سأله صكاً على نفسه حتى يخرج عطاؤه، فلما نظر إليه سليمان تمثل بهذا البيت فقال: إني سمعت مع الصباح منـاديا يا من يعين على الفتى المعوان
ثم قال: ما حاجتك? قال: ديني، قال: وكم هو? قال: ثلاثون ألف درهم، قال: لك دينك ومثله.
وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل لهم: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزي الله ما لا يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً فنادى من كان عليه لقيس بن سعد حق فهو منه بريء، قال: فانكسرت درجته بالعشي لكثرة من زاره وعاده.
وعن أبي إسحاق قال: صليت العصر في مسجد الأشعث بالكوفة أطلب غريماً لي، فلما صليت وضع بين يدي حلة ونعلان، فقلت: لست أهل هذا المسجد، فقالوا: إن الأشعث بن قيس الكندي قدم البارحة من مكة فأمر لكل من صلى في المسجد بحلة ونعلين.
وقال الشيخ أبو سعد الحركوشي النيسابوري رحمه الله: سمعت محمد بن محمد الحافظ يقول، سمعت الشافعي المجاور بمكة يقول: كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء شيئاً، فولد لبعضهم مولود قال: فجئت إليه وقلت له: ولد لي مولود وليس معي شيء فقام معي ودخل على جماعة فلم يفتح بشيء، فجاء إلى قبر رجل وجلس عنده وقال: رحمك الله كنت تفعل وتصنع وإني درت اليوم على جماعة فكلفتهم دفع شيء لمولود فلم يتفق لي شيء، قال: ثم قام وأخرج ديناراً وقسمه نصفين وناولني نصفه، وقال: هذا دين عليك إلى أن يفتح الله عليك بشيء، قال: فأخذته وانصرفت فأصلحت ما اتفق لي به قال: فرأى ذلك المحتسب تلك الليلة ذلك الشخص في منامه فقال: سمعت جميع ما قلت وليس لنا إذن في الجواب، ولكن أحضر منزلي وقل لأولادي يحفروا مكان الكانون يخرجوا قرابة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا الرجل فلما كان من الغد تقدم إلى منزل الميت وقص عليهم القصة فقالوا له: اجلس وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بين يديه، فقال: هذا مالكم وليس لرؤياي حكم، فقالوا: هو يتسخى ميتاً ولا نتسخى نحن أحياء? فلما ألحوا عليه حمل الدنانير إلى رجل صاحب المولود وذكر له القصة، قال: فأخذ منها ديناراً فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه وحمل النصف الآخر، وقال: يكفيني هذا وتصدق به على الفقراء، فقال أبو سعيد: فلا أدري أي هؤلاء أسخى?
وروي أن الشافعي رحمه الله لما مرض مرض موته بمصر قال: مروا فلاناً يغسلني، فلما توفي بلغه خبر وفاته فحضر وقال: ائتوني بتذكرته، فأتي بها فنظر فيها فإذا على الشافعي سبعون ألف درهم دين، فكتبها على نفسه وقضاها عنه، وقال هذا غسلي إياه؛ أي أراد به هذا. وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشي لما قدمت مصر طلبت منزل ذلك الرجل فدلوني عليه، فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم فرأيت فيهم سيما الخير وآثار الفضل فقلت بلغ أثره في الخير إليهم وظهرت بركته فيهم مستدلاً بقوله تعالى "وكان أبوهما صالحاً" وقال الشافعي رحمه الله لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان لشيء بلغني عنه أنه كان ذات يوم راكباً حماره فحركه فانقطع زره، فمر على خياط فأراد أن ينزل إليه ليسوي زره فقال الله والله لا نزلت فقام الخياط إليه فسوى زره فأخرج إليه صرة فيها عشرة دنانير فسلمها إلى الخياط واعتذر إليه من قلتها، وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه: يا لهف قلب على مال أجـود بـه على المقلين من أهل المـروءات
إن اعتذاري إلى من جاء يسألـنـي ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
وعن الربيع بن سليمان قال أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله فقال يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني وقال الربيع سمعت الحميدي يقول قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فضرب خباءه في موضع خارج عن مكة ونثرها على ثوب، ثم أقبل على كل من دخل عليه يقبض له قبضة ويعطيه حتى صلى الظهر ونفض الثوب وليس عنده شيء. وعن أبي ثور قال أراد الشافعي الخروج إلى مكة ومعه مال، وكان قلما يمسك شيئاً من سماحته، فقلت له ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك، قال فخرج ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال، فقال ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها بمعرفتي بأصلها وقد وقفف أكثرها، ولكني بنيت بمنى مضرباً يكون لأصحابنا إلى حجوا أن ينزلوا فيه. وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه يقول: أرى نفسي تتوق إلى أمور يقصر دون مبلغهن مالي
فنفسي لا تطاوعني ببخـل ومالي لا يبلغني فعالـي
وقال محمد بن عباد المهبلي: دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم فلما قام من عنده تصدق بها فأخبر بذلك المأمون، فلما عاد إليه عاتبه المأمون في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين منع الموجود سوء ظن بالمعبود، فوصله بمائة ألف أخرى.
وقام رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فأمر له بمائة ألف درهم فبكى، فقال له سعيد: ما يبكيك! قال: أبكي على الأرض أن تأكل مثلك، فأمر له بمائة ألف أخرى.
ودخل أبو تمام على إبراهيم بن شكلة بأبيات امتدحه بها فوجده عليلاً فقبل منه المدحة وأمر حاجبه بنيله ما يصلحه، وقال: عسى أن أقوم من رضي فأكافئه، فأقام شهرين فوحشه طول المقام فكتب إليه يقول: إن حـرامـاً قـبـول مـدحــتـــنـــا وتـرك مـا نـرتـجـي مـن الـصـفـد
كما الدراهم والدنانير في البيع حرام إلا يدا بيد
فلما وصل البيتان إلى إبراهيم قال لحاجبه. كم أقام بالباب? قال: شهرين، قال: أعطه ثلاثين ألفاً وجئني بدواة، فكتب إليه: أعجبتنا فأتاك عاجل برنـا قلا ولو أمهلتنا لم نقـلـل
فخذ القلي وكن كأنك لم تقل ونقول ونحن كأننا لم نفعل
وروي أنه كان لعثمان على طلحة رضي الله عنهما خمسون ألف درهم، فخرج عثمان يوماً إلى المسجد فقال له طلحة. قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك. وقالت سعدى بنت عوف: دخلت على طلحة فرأيت منه ثقلاً فقلت له مالك? فقال اجتمع عندي مال وقد غمني، فقلت وما يغمك ادع قومك? فقال يا غلام علي بقومي، فقسمه فيهم فسألت الخادم كم كان? قال: أربعمائة ألف. وجاء أعرابي إلى طلحة فسأله وتقرب إليه برحم فقال: إن هذه الرحم ما سألني بها أحد قبلك، إن لي أرضاً قد أعطاني بها عثمان ثلثمائة ألف فإن شئت فاقبضها، وإن شئت فعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن، فقال: الثمن، فباعها من عثمان ودفع إليه الثمن.
وقيل بكى علي كرم الله وجهه يوماً فقيل: ما يبكيك? فقال: لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام، أخاف أن يكون الله قد أهانيي.
وأتى رجل صديقاً له فدفق عليه الباب فقال، ما جاء بك? قال علي أربعمائة درهم دين، فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليه وعاد يبكي، فقالت امرأته لم أعطيته إذ شق عليك? فقال إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتيحي. فرحم الله من هذه صفاتهم وغر لهم أجمعين.
بيان ذم البخل
قال الله تعالى "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" وقال تعالى "ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة" وقال تعالى "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله" وقال ﷺ "إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم وقال ﷺ "إياكم والشح فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم ودعاهم فاستحلوا محارمهم ودعاهم فقطعوا أرحامهم وقال ﷺ "لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن لا سيئ الملكة وفي رواية "ولا جبار" وفي رواية "ولا منان" وقال ﷺ "ثلاث مهلكات؛ شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وقال ﷺ "إن الله يبغض ثلاثة: الشيخ الزاني، والبخيل المنان، والمعيل المختال وقال ﷺ "مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق شيئاً إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا قلصت ولزمت كل حلقه مكانه حتى أخذت بتراقيه فهو يوسعها ولا تتسع وقال ﷺ "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق وقال ﷺ "اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى ارذل العمر وقال ﷺ "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحشين، وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح أمرهم بالكذب فكذبوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وقال ﷺ "شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع وقتل شهيد على عهد رسول الله ﷺ فبكته باكية فقالت: واشهيداه! فقال ﷺ "وما يدريك أنه شهيد فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه وقال جبير بن مطعم: بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفلة من خيبر إذا علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف ﷺ فقال "أعطوني ردائي فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد هذه العصاة نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً وقال عمر رضي الله عنه: قسم رسول الله ﷺ قسماً فقلت غير هؤلاء كان أحق به منهم? فقال "إنهم يخيروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل وقال أبو سعيد الخدري: دخل رجلان على رسول الله ﷺ فسألاه ثمن بعير فأعطاهما دينارين؛ فخرجا من عنده فلقيهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأثنيا وقالا معروفاً وشكراً ما صنع بهما، فدخل عمر على رسول الله ﷺ فأخبره بما قالا. فقال ﷺ "لكن فلان أعطيته ما بين عشرة إلى مائة ولم يقل ذلك إن أحدكم ليسألني فينطلق في مسألته متأبطها وهي نار؛ فقال عمر فلم تعطهم ما هو نار؛ فقال "يأبون إلا أن يسألون ويأبى الله لي البخل وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "الجود من جود الله تعالى فجودوا يجد الله لكم ألا إن الله عز وجل خلق الجود فجعله في صورة رجل وجعل رأسه راسخاً في أصل شجرة طوبى، وشد أغصانها بأغصان سدرة المنتهى، ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا، فمن تعلق بغضن منه أدخله الجنة، ألا إن السخاء من الإيمان، والإيمان في الجنة. وخلق البخل من مقته وجعل رأسه راسخاً في أصل شجرة الزقوم ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدخله النار، ألا إن البخل من الكفر والكفر في النار وقال ﷺ "السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج الجنة إلا سخي، والبخل شجرة تنبت في النار فلا يلج النار إلا بخيل وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ لوفد بني لحيان "من سيدكم يا بني لحيان?" قالوا: سيدنا جد بن قيس إلا أنه رجل فيه بخل، فقال ﷺ "وأي داء أدوأ من البخل ولكن سيدكم عمرو بن الجموح وفي رواية أنهم قالوا: سيدنا جد بن قيس، فقال "بما تسودونه?" قالوا: إنه أكثر مالاً وأنا على ذلك لنرى منه البخل، فقال عليه
السلام "وأي داء أدوأ من البخل ليس ذلك سيدكم" قالوا" فمن سيدنا يا رسول الله? قال "سيدكم بشر بن البراء" وقال علي رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ "إن الله يبغض البخيل في حياته السخي عند موته وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ السخي الجهول أحب إلى الله من العابد البخيل وقال أيضاً: قال ﷺ "الشح والإيمان لا يجتمعان في قلب عبد وقال أيضاً "خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق وقال ﷺ "لا ينبغي لمؤمن أن يكون بخيلاً ولا جباناً وقال ﷺ "يقول قائلكم الشحيح أعذر من الظالم وأي ظلم أظلم عند الله من الشح، حلف الله تعالى بعزته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل .
وروي أن رسول الله ﷺ: كان يطوف بالبيت فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي ذنبي فقال ﷺ "وما ذنبك صفه لي?" فقال: هو أعظم من أن أصفه لك! فقال "ويحك ذنبك أعظم أم الأرضون?" فقال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله، قال: "فذنبك أعظم أم الجبال?" قال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله، قال "فذنبك أعظم أم البحار?" قال" بل ذنبي أعظم يا رسول الله، قال "فذنبك أعظم أم السموات?" قال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله، قال "فذنبك أعظم أم العرش?" قال: بل ذنبي أعظم يا رسول الله، قال "فذنبك أعظم أم الله?" قال: بل الله أعظم وأعلى، قال "ويحك فصف لي ذنبك" قال: يا رسول الله إني رجل ذو ثروة من المال وإن السائل ليأتيني يسألني فكأنما يستقبلني بشعلة من نار، فقال ﷺ "إليك عني لا تحرقني بنارك فو الذي بعثني بالهداية والكرامة لو قمت بين الركن والمقام ثم صلت ألفي ألف عام ثم بكيت حتى تجري من دموعك الأنهار وتسقى بها الأشجار ثم مت وأنت لئيم لأكبك الله في النار، ويحك! أما علمت أن البخل كفر وأن الكفر في النار، ويحك! أما علم أن الله تعالى يقول "ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه... ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" .
الآثار، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما خلق الله جنة عدن قال لها تزيني فتزينت، ثم قال لها: أظهري أنهارك فأظهرت عين السلسبيل وعين الكافور وعين التنسيم فتفجر منها في الجنان أنهار الخمر وأنها العسل واللبن ثم قال لها أظهري سررك وحجالك وكراسيك وحليك وحللك وحور عينك فأظهرت فنظر إليها فقال تكلمى فقالت طوبى لمن دخلني فقال الله تعالى وعزتي لا أسكنك بخيلاً. وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز: أف للبخيل لو كان البخل قميصاً ما لبسته ولو كان طريقاً ما سلكته. وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاً لكننا نتبصر. وقال محمد بن المنكدر: كان يقال إذا أراد الله بقوم شراً أمر الله عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم. وقال علي كرم الله وجهه في خطبته: إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما فيده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى "ولا تنسوا الفضل بينكم" وقال عبد الله بن عمرو: الشح أشد من البخل لأن الشحيح هو الذي يشح على ما في يد غيره حتى يأخذه ويحش بما في يده فيحبسه، والبخيل هو الذي يبخل بما في يده. وقال الشعبي لا أدري أيهما أبعد غوراً في نار جهنم البخل أو الكذب? وقيل ورد على أنوشروان حكيم الهند وفيلسوف الروم فقال للهندي: تكلم، فقال: خير الناس من ألفى سخياً وعند الغضب وقوراً وفي القول متأنياً وفي الرفعة متواضعاً وعلى كل ذي رحم مشفقاً. وقام الرومي فقال: من كان بخيلاً ورث عدوه ماله ومن قل شكره لم ينل النجح وأهل الكذب مذمومون وأهل النميمة يموتون فقراء ومن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه. وقال الضحاك في قوله تعالى "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً" قال: البخل، أمسك الله تعالى أيديهم عن النفقة في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى. وقال كعب: ما من صباح إلى وقد وكل به ملكان يناديان اللهم عجل لممسك تلفاً وعجل لمنفق خلفاً. وقال الأصمعي سمعت أعرابياً وقد وصف رجلاً فقال لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه، وكأنما يرى السائل ملك الموت إذا أتاه. وقال أبو حنيفة رحمه الله لا أرى أن أعدل بخيلاً لأن البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن، فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة. وقال علي كرم الله وجهه والله ما استقصى كريم قط حقه. قال الله تعالى "عرف بعضه وأعرض عن بعض" وقال الجاحظ ما بقي من اللذات إلا ثلث ذم البخلاء، وأكل القديد، وحك الجرب. وقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة له قال النبي ﷺ "إنك إذاً لبخيل" ومدحت امرأة عند رسول الله ﷺ فقالوا صوامة قوامة إلا أنها فيها بخلاً قال "فما خيرها إذاً وقال بشر النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين. وقال يحيى بن معاذ ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجاراً، وللبخلاء إلا بعض ولو كانوا أبراراً. وقال ابن المغتر: أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه، ولقي يحيى بن زكريا عليهما السلام. إبليس في صورته فقال له: يا إبليس أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك قال: أحب الناس إلي المؤمن البخيل، وأبغض الناس إلي الفاسق السخي، قال له: لم? قال: لأن البخيل قد كفاني بخله والفاسق السخي أتخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله، ثم ولى وهو يقول لولا أنك يحيى لما أخبرتك.
حكايات البخلاء
قيل كان بالبصرة رجل موسر بخيل، فدعاه بعض جيرانه وقدم إليه طباهجة بببيض فأكل منه فأكثر وجعل يشرب الماء فانتفخ بطنه ونزل به الكرب والموت، فجعل يتلوى فلما جهده الأمر وصف حاله للطبيب فقال: لا بأس عليك، تقيأ ما أكلت، فقال: هاه! أتقيأ طباهجة ببيض!? الموت ولا ذلك. وقيل: أقبل أعرابي يطلب رجلاً، وبين يديه تين فغطى التين بكسائه، فجلس الأعرابي فقال له الرجل: هل تحسن من القرآن شيئاً? قال: نعم، فقرأ "...والزيتور وطور سينين" فقال: وأين التين? قال: هو تحت كسائك. ودعا بعضهم أخاً له ولم يطعمه شيئاً، فحبسه إلى العصر حتى اشتد جوعه وأخذه مثل الجنون، فأخذ صاحب البيت العود وقال له: بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك? قال: صوت المقلى. ويحكى أن محمد بن يحيى بن خالد بن برمك كان بخيلاً قبيح البخل، فسئل نسيب له كان يعرفه عنه فقال له قائل: صف لي مائدته فقال: هي فتر في فتر، وصحافه منقورة من حب الخشخاش، قيل فمن يحضرها? قال: الكرام الكاتبون! قال: فما يأكل معه أحد? قال: بلى الذباب، فقال: سوأتك بدت وأنت خاص به وثوبك مخرق، قال أنا والله ما أقدر على إبرة أخطيه بها، ولو ملك محمد بيتاً من بغداد إلى النوبة مملوءاً إبراً، ثم جاءه جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي عليه السلام يطلبون منه إبرة ويسألونه إعارتهم إياها ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ما فعل ويقال كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلاً حتى يقرم غليه فإذا قرم غليه أرسل غلامه فاشترى له رأساً فأكله فقيل له. نراك لا تأكل إلا الرؤوس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك? قال نعم الرأس أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه، وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه، إن مس عيناً أو أذناً أو خداً وقفت على ذلك، وآكل منه ألواناً، عينه لوناً، وأذنه لوناً، ولسانه لوناً، وغلصمته لوناً، ودماغه لوناً، وأكفي مؤونة طبخه؛ فقد اجتمعت لي فيه مرافق. وخرج يوماً يريد الخليفة المهدي فقالت له امرأة من أهله: ما لي عليك إن رجعت بالجائزة? فقال: إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهماً! فأعطي ستين ألفاً فأعطاها أربعة دوانق. واشترى مرة لحماً بدرهم فدعاه صديق له فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق! وقال: أكره الإسراف. وكان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول: لو دخلت فأكلت كسرة وملحاً! فيأبى عليه الأعمش فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال: سر بنا، فدخل منزله فقرب إليه كسرة وملحاً، فجاء سائل فقال له رب المنزل: بورك فيك، فأعاد عليه المسألة فقال له بورك فيك، فلما سأل الثالثة قال له اذهب والله وإلا خرجت إليك بالعصا! قال فناداه الأعمش وقال اذهب ويحك! فلا والله ما رأيت أحداً أصدق مواعيد منه! هو منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فوالله ما زادني عليهما!.
بيان الإيثار وفضله
اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات. فأرفع درجة السخاء الإيثار، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة. وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج، والبذل مع الحاجة أشد. وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن؛ ولو وجدها مجاناً لأكلها. فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة؛ وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه. فانظر ما بين الرجلين? فإن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة في السخاء. وقد أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم به فقال "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" وقال النبي ﷺ "أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له وقالت عائشة رضي الله عنها ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، ولو شئنا لشبعنا ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا ونزل برسول الله ﷺ ضيف فلم يجد عند أهله شيئاً، فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله، ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج، وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل، حتى أكل الضيف، فلما اصبح قال له رسول الله ﷺ "لقد عجب الله من صنيعكم الله إلى ضيفكم" ونزلت "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فالسخاء خلق من أخلاق الله تعالى؛ والإيثار أعلى درجات السخاء. وكان ذلك من أدب رسول الله ﷺ حتى سماه الله تعالى عظيماً فقال تعالى "وإنك لعلى خلق عظيم" وقلا سهل بن عبد الله التستري قال موسى عليه السلام، يا رب أرني بعض درجات محمد ﷺ وأمته! فقال يا موسى إنك لن تطيق ذلك، ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي، قال فكشف له عن ملكوت السموات فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله تعالى، فقال: يا رب بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة? قال: بخلق اختصصته به من بينهم وهو الإيثار، يا موسى لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتاً من عمره إلا استحييت من محاسبته، وبوأته من جنتي حيث يشاء: وقيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه؛ إذ أتى الغلام بقوته، فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله، ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله، وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم? قال ما رأيت! قال فلم آثرت به هذا الكلب? قال ما هي بأرض كلاب، إنه جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت أن أشبع وهو جائع! قال فما أنت صانع اليوم? قال: أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ألام على السخاء! إن هذا الغلام لأسخى مني، فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه. وقال عمر رضي الله عنه: أهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ رأس شاة فقال: إن أخي كان أحوج مني إليه فبعث به إليه، فلم يزل واحد يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول. وبات علي كرم الله وجهه على فراش رسول الله ﷺ فأوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل عليهما السلام: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة? فاختارا كلاهما الحياة وأحباها؛ فأوحى الله عز وجل إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمد ﷺ فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة? اهطبا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل عليه السلام يقول: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب والله تعالى يباهى بك الملائكة! فأنزل الله تعالى "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد" وعن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون نفساً -وكانوا في قرية بقرب الري- ولهم أرغفة معدودة لم تشبع جميعهم "فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام، فلما رفع فإذا الطعام بحاله ولم يأكل أحد منه شيئاً إيثاراً لصاحبه على نفسه. وروي أن شعبة جاءه سائل وليس عنده شيء؛ فنزع خشبة
من سقف بيته فأعطاه ثم اعتذر غليه: وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه، فإذا أنا به فقلت: أسقيك? فأشار إلي أن نعم، فإذا رجل يقول: آه.. فأشار ابن عمي إلى أن أنطلق به إليه، فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك? فسمع به آخر فقال: آه... فأشار هشام انطق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين. وقال عباس بن دهقان: ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلى بشر بن الحرث فإنه أتاه رجل في مرضه فشكا إليه الحاجة فنزع قميصه وأعطاه إياه، واستعار ثوباً فمات فيه. وعن بعض الصوفية قال: كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد، فتبعنا كلب من البلد، فلما بلغنا ظاهر الباب إذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى موضع عال وقعدنا. فلما نظر الكلب إلى الميتة رجع إلى البلد ثم عاد بعد ساعة ومعه مقدار عشرين كلباً، فجاء إلى تكل الميتة وقعد ناحية ووقعت الكلاب في الميتة، فما زالت تأكلها وذلك الكلب قاعد ينظر إليها حتى أكلت الميتة وبقي العظم ورجعت الكلاب إلى البلد، فقام ذلك الكلب وجاء إلى تلك العظام فأكل مما بقي عليها قليلاً ثم انصرف.
وقد ذكرنا جملة من أخبار الإيثار وأحوال الأولياء في كتاب الفقر والزهد فلا حاجة إلى الإعادة ههنا وبالله التوفيق وعليه التوكل فيما يرضيه عز وجل.
بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما
لعلك تقول: قد عرف بشواهد الشرع أن البخل من المهلكات، ولكن ما حد البخل وبماذا يصير الإنسان بخيلاً? وما من إنسان وهو يرى نفسه سخياً وربما يراه غيره بخيلاً، وقد يصدر فعل من إنسان فيختلف فيه الناس فيقول قوم: هذا بخل ويقول آخرون ليس هذا من البخل. وما من إنسان إلا ويجد من نفسه حباً للمال ولأجله يحفظ المال ويمسكه، فإن كان يصير بإمساك المال بخيلاً فإذا لا ينفك أحد عن البخل. وإذا كان الإمساك مطلقاً لا يوجب البخل، ولا معنى للبخل إلا الإمساك فما البخل الذي يوجب الهلاك? وما حد السخاء الذي يستحق به البعد صفة السخاوة وثوابها? فنقول: قد قال قائلون حد البخل منه الواجب، فكل من أدى مايجب عليه فليس ببخيل، وهذا غير كاف؛ فإن من يرد اللحم مثلاً إلى القصاب والخبز للخباز بنقصان حبة أو نصف حبة فإنه يعد بخيلاً بالاتفاق. وكذلك من يسلم إلى عياله القدر الذي يفرضه القاضي ثم يضايقهم في لقمة ازدادوها عليه أو تمرة أكلوها من ماله يعد بخيلاً. ومن كان بين يديه رغيف فحضر من يظن أنه يأكل معه فأخفاه عنه عد بخيلاً. وقال قائلون البخيل هو الذي يستصعب العطية، وهو أيضاً قاصر، فإنه إن أريد به أنه يستصعب كل عطية فكم من بخيل لا يستصعب العطية القليلة كالحبة وما يقرب منها، ويستصعب ما فوق ذلك? وإن أريد به أن يستصعب بعض العطايا فما من جواد إلا وقد يستصعب بعض العطايا? وهو ما يستغرق جميع ماله أو المال العظيم. فهذا لا يوجب الحكم بالبخل. وكذلك تكلموا في الجود، فقيل الجور عطاء بلا منن وإسعاف من غير روية. وقيل: الجود عطاء من غير مسألة على رؤية التقليل. وقيل: الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء لما أمكن. وقيل: الجود عطاء على رؤية أن المال لله تعالى والعبد لله عز وجل فيعطى عبد الله مال الله على غير رؤية الفقر. وقيل: من أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيئاً فهو صاحب جود، ومن قاسى الضر وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار، ومن لم يبذل شيئاً فهو صاحب بخل.
وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة الجود والبخل، بل نقول: المال خلق لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق، ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه، ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه، ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ، ويبذل حيث يجب البذل. فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير. وبينهما وسط وهو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه؛ إذ لم يؤمر رسول الله ﷺ إلا بالسخاء، وقد قيل له "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" وقال تعالى "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً" فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض، وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب، ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيباً به غير منازع له فيه. فإن بذل في محل وجوب البذل ونفسه تنازعه وهو يصابرها فهو متسخ وليس بسخي، بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له وهو صرفه إلى ما يجب صرفه إليه.
فإن قلت: فقد صار هذا موقوفاً على معرفة الواجب فما الذي يجب بذله? فأقول: إن الواجب قسمان: واجب بالشرع، وواجب بالمروءة والعادة. والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحداً منهما فهو بخيل، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة، أو يؤديها ولكنه يشق عليه، فإنه بخيل بالطبع، وإنما يتسخى بالتكلف، أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله، أو من وسطه، فهذا كله بخل.
وأما واجب المروءة فهو ترك المضايقة والاستقصاء، فإن ذلك مستقبح، واستقباح ذلك يخلف بالأحوال والأشخاص. فمن كثر ماله استقبح منه مالا يستقبح مع العبد، ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح في المعاملة، فيختلف ذلك بما فيه من المضايقة في ضيافة أو معاملة وبما به المضايقة من طعام أو ثوب، إذ يستقبح في الأطعمة ما لا يستقبح في غيرها، ويستقبح في شراء الكفن مثلاً أو شراء الأضحية أو شراء خبز الصدقة ما لا يستقبح في غيره من المضايقة. وكذلك بمن معه المضايقة من صديق أو أخ أو قريب أو زوجة أو ولد أو أجنبي. وبمن منه المضايقة من صبي أو امرأة أو شيخ أو شاب أو عالم أو جاهل أو موسر أو فقير.
فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة، وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره. ولعل حد البخل هو إمساك المال عن غرض، ذلك الغرض هو أهم من حفظ المال، فإن صيانة الدين أهم من حفظ المال، فمانع الزكاة والنفقة بخيل. وصيانة المروءة أهم من حفظ المال، والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحب المال فهو بخيل. ثم تبقى درجة أخرى، وهو أن يكون الرجل ممن يؤدي الواجب ويحفظ المروءة ولكن معه مال كثير قد جمعه ليس يصرفه إلى الصدقات وإلى المحتاجين، فقد تقابل غرض حفظ المال ليكون له عدة على نوائب الزمان وغرض الثواب ليكون رافعاً لدرجاته في الآخرة، وإمساك المال عن هذا الغرض بخل عند الأكياس وليس ببخل عند عوام الخلق، وذلك لأن نظر العوام مقصور على حظوظ الدنيا فيرون إمساكه لدفع نوائب الزمان مهماً، وربما يظهر عند العوام أيضاً سمة البخل عليه إن كان في جواره محتاج فمنعه وقال: قد أديت الزكاة الواجبة وليس على غيرها. ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقداره ما له، وباختلاف شدة حاجة المحتاج وصلاح دينه واستحقاقه. فمن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل. نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات، فإذا اتسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ولا تتوجه إليه الملامة في العادة فهو جواد بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير. ودرجات ذلك لا تحصر وبعض الناس أجود من بعض، فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو الجود، ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ولا يكون طمع ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد، فإنه يشتري المدح بماله والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه، والجود هو بذل الشيء من غير عوض. هذا هو الحقيقة ولا يتصور ذلك إلا من الله تعالى، أما الآدمي فاسم الجود عليه مجاز إذ لا يبذل الشيء إلا لغرض، ولكنه إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة أو اكتساب فضيلة الجود وتطهير النفس عن رذالة البخل فيسمى جواداً، فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلاً أو من ملامة الخلق أو ما يتوقعه من نفع يناله من المنعم عليه فكل ذلك ليس من الجود، لأنه مضطر إليه بهذه البواعث، وهي أعواض معجلة له عليه فهو معتاض لا جواد، كما روي عن بعض المتعبدات أنها وقفت على حيان بن هلال وهو جالس مع أصحابه فقالت: هل فيكم من أسأله عن مسألة? فقالوا لها: سلي عما شئت -وأشاروا إلى حيان بن هلال- فقالت: ما السخاء عندكم? قالوا: العطاء والبذل والإيثار، قالت: هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين? قالوا: أن نعبد الله سبحانه سخية بها أنفسنا غير مكرهة، قالت: فتريدون على ذلك أجراً? قالوا: نعم، قالت ولم? قالوا لأن الله تعالى وعدنا بالحسنة عشر أمثاله، قالت سبحان الله! فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فبأي شيء تسخيتم عليه? قالوا لها فما السخاء عندك يرحمك الله? قالت السخاء عندي أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته غير كارهين ولا تريدون على ذلك أجراً حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء! ألا تستحيون من الله أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنكم تريدون شيئاً بشيء? إن هذا في الدنيا لقبيح! وقالت بعض المتعبدات أتحسبون أن السخاء في الدرهم والدينار فقط? قيل ففيم? قالت السخاء عندي في المهج. وقال المحاسبي السخاء في الدين أن تسخو بنفسك تتلفها لله عز وجل ويسخو قلبك ببذل مهجبتك وإهراق دمك لله تعالى بسماحة من غير إكراه، ولا تريد بذلك ثواباً عاجلاً ولا آجلاً، وإن كنت غير مستغن عن الثواب ولكن يغلب على ظنك حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله، حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا تحسن أن تختار لنفسك.
بيان علاج البخل
اعلم أن البخل سبب حب المال. ولحب المال سببان أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل، فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ربما أنه كان لا يبخل بما له، إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم أو في شهر أو في سنة قريب، وإن كان قصير الأمل ولكن كان له أولاد أقام الولد مقام طول الأمل،فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم. ولذلك قال عليه السلام "الولد مبخلة مجبنة مجهلة فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة.
السبب الثاني: أن يحب عين المال؛ فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته وبتفضل آلاف وهو شيخ بلا ولد ومعه أموال كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محباً للدنانير عاشقاً لها يلتذ بوجودها في يده وبقدرته عليها، فيكنزها تحت الأرض وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه، ومع هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل أو يتصدق منها بحبة واحدة، وهذا مرض للقلب، عظيم عسير العلاج لا سيما في كبر السن، وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه. ومثال صاحبه: مثال رجل عشق شخصاً فأحب رسوله لنفسه ثم نسي محبوبه واشتغل برسوله، فإن الدنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك، لأن الموصل إلى اللذيذ لذيذ، ثم قد تنسى الحاجات ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه وهو غاية الضلال، بل من رأى بينه وبين الحجر فرقاً فهو جاهل إلا من حيث قضاء حاجته به، فالفاضل عن قدر حاجته والحجر بمثابة واحدة. فهذه أسباب حب المال. وإنما علاج كل علة بمضادة سببها، فتعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير وبالصبر، وتعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم، وتعالج التفات القلب إلى الولد بأن خالقه خلق معه رزقه، وكم من ولد ولم يرث من أبيه مالاً وحاله أحسن ممن ورث? وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير وينقلب هو إلى شر، وأن ولده إن كان تقياً صالحاً فالله كافيه، وإن كان فاسقاً فيستعين بماله على المعصية وترجع مظلمته إليه. ويعالج أيضاً قلبه بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم. ومن الأدوية النافعة: كثرة التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم واستقباحهم له، فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره، ويستثقل كل بخيل من أصحابه، فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه. ويعالج أيضاً قلبه بأن يتفكر في مقاصد المال، وأنه لماذا خلق? ولا يحفظ من المال إلا بقدر حاجته إليه والباقي يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل له ثواب بذله. فهذه الأدوية من جهة المعرفة والعلم، فإذا عرف بنور البصيرة أن البذل خير له من الإمساك في الدنيا والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلاً، فإن تحركت الشهوة فينبغي أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف، فإن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه.
حكي أن أبا الحسن البوشنجي كان ذات يوم في الخلاء فدعا تلميذاً له وقال: انزع عني القميص وادفعه إلى فلان، فقال: هلا صبرت حتى تخرج? قال: لم آمن على نفسي أن تتغير، وكان قد لي بذله! ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفاً كما لا يزول العشق إلا بمفارقة المعشوق بالسفر عن مستقره؛ حتى إذا سافر وفارق تكلفاً وصبر عنه مدة تسلى عنه قلبه، فكذلك الذي يريد علاج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفاً بأن يبذله، بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه إياه مع الحب له. ومن لطائف الحيل فيه أن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالسخاء، فيبذل على قصد الرياء حتى تسمح نفسه بالبذل طمعاً في حشمة الجود، فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل واكتسب بها خبث الرياء، ولكن ينعطف بعد ذلك على الرياء ويزيله بعلاجه، ويكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال، كما يسلي الصبي عند الفطام عن الثدي باللعب بالعصافير وغيرها لا ليخلى واللعب، ولكن لينفك عن الثدي إليه، ثم ينقل عنه إلى غيره، فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي أن يسلط بعضها على بعض كما تسلط الشهوة على الغضب وتكسر سورته بها، ويسلط الغضب على الشهوة وتكسر رعونتها به، إلا أن هذا مفيد في حق من كان البخل أغلب عليه من حب الجاه والرياء، فيبذل الأقوى بالأضعف، فإن كان الجاه محبوباً عنده كالمال فلا فائدة فيه فإن يقلع من علة ويزيد في أخرى مثلها، إلا أن علامة ذلك أن لا يثقل عليه البذل لأجل الرياء، فلذلك يتبين أن الرياء أغلب عليه، فإن كان البذل يشق عليه مع الرياء فينبغي أن يبذل فإن ذلك يدل على أن مرض البخل أغلب على قلبه.
ومثال دفع هذه الصفات بعضها ببعض ما يقال إن الميت تستحيل جميع أجزائه دوداً ثم يأكل بعض الديدان البعض، حتى يقل عددها ثم يأكل بعضها بعضاً حتى ترجع إلى اثنتين قويتين عظيمتين، ثم لا تزالان تتقاتلان إلى أن تغلب إحداهما الأخرى فتأكلها وتسمن بها، ثم لا تزال تبقى جائعة وحدها إلى أن تموت، فكذلك هذه الصفات الخبيثة يمكن أن يسلط بعضها على بعض حتى يقمعها، ويجعل الأضعف قوتاً للأقوى إلى أن لا يبقى إلا واحدة، ثم تقع العناية بمحوها وإذابتها بالمجاهدة وهو منع القوت عنها. ومنع القوت عن الصفات أن لا يعمل بمقتضاها، فإنها تقتضي لا محالة أعمالاً، وإذا خولفت خمدت الصفات وماتت. مثل البخل فإنه يقتضي إمساك المال فإذا منع مقتضاه وبذل المال مع الجهد مرة بعد أخرى ماتت صفة البخل وصار البذل طبعاً وسقط التعب فيه، فإن علاج البخل بعلم وعمل، فالعلم يرجع إلى معرفة آفة البخل وفائدة الجود، والعمل يرجع إلى الجود والبذل على سبيل التكلف، ولكن قد يقوى البخل بحيث يعمي ويصم فيمنع تحقق المعرفة فيه، وإذا لم تتحقق المعرفة لم تتحرك الرغبة فلم يتيسر العمل فتبقى العلة مزمنة، كالمرض الذي يمنع معرفة الدواء وإمكان استعماله فإنه لا حيلة فيه إلا الصبر إلى الموت.
وكان من عادة بعض شيوخ الصوفية في معالجة علة البخل في المريدين أن يمنعهم من الاختصاص بزواياهم. وكان إذا توهم في مريد فرحه بزاويته وما فيها، نقله إلى زاوية غيرها، ونقل زاوية غيره إليه وأخرجه عن جميع ما ملكه، وإذا رآه يلتفت إلى ثوب جديد يلبسه أو سجادة يفرح بها يأمره بتسليمها إلى غيره ويلبسه ثوباً خلقاً لا يميل إليه قلبه.
فبهذا يتجافى القلب عن متاع الدنيا. فمن لم يسلك هذا السبيل أنس بالدنيا وأحبها، فإن كان له أفل متاع كل له ألف محبوب، ولذلك إذا سرق كل واحد منه ألمت به مصيبة بقدر حبه له، فإذا مات نزل به ألف مصيبة دفعة واحدة لأنه كان يحب الكل وقد سلب عنه، بل هو في حياته على خطر بالفقد والهلاك.
حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجواهر لم ير له نظير، ففرح الملك بذلك فرحاً شديداً فقال لبعض الحكماء عنده. كيف ترى هذا? قال: أراه مصيبة أو فقراً، قال: كيف? قال: إن كسر كان مصيبة لا جبر لها وإن سرق صرت فقيراً إليه ولم تجد مثله، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر، ثم اتفق يوماً أن كسر أو سرق وعظمت مصيبة الملك عليه فقال: صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا! وهذا شأن جميع أسباب الدنيا فإن الدنيا عدوة لأعداء الله تسوقهم إلى النار، وعدوة أولياء الله إذ تغمهم بالصبر عنها، وعدوة الله إذ تقطع طريقه على عباده، وعدوة نفسها فإنها تأكل نفسها، فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن والحراس. والخزائن والحراس لا يمكن تحصيلها إلا بالمال وهو بذل الدراهم والدنانير، فالمال يأكل نفسه ويضاد ذاته حتى يفنى، ومن عرف آفة المال لم يأنس به ولم يفرح ولم يأخذ منه إلا بقدر حاجته، ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل لأن ما أمسكه لحاجته فليس ببخل، ولا يحتاج إليه، فلا يتعب نفسه بحفظه فيبذله، بل هو كالماء على شط الدجلة إذ لا يبخل به أحد لقناعة الناس منه بمقدار الحاجة.
بيان مجموع الوظائف التي على العبد في ماله
اعلم أن المال كما وصفناه خير من وجه وشر من وجه. ومثاله مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق، ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا يدري ولا يخلو أحد عن سم المال إلا بالمحافظة على خمس وظائف.
الأولى: أن يعرف مقصود المال وأنه لماذا خلق وأنه لم يحتج إليه حتى يكتسب ولا يحفظ إلا قدر الحاجة، ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه.
الثانية: أن يراعي جهة دخل المال فيجتنب الحرام المحض، وما الغالب عليه الحرام كمال السلطان، ويجتنب الجهات المكروهة القادحة في المروءة كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة، وكالسؤال الذي فيه الذلة وهتك المروءة وما يجري مجراه.
الثالثة: في المقدار الذي يكتسبه فلا يستكثر منه ولا يستقل، بل القدر الواجب ومعياره الحاجة، والحاجة ملبس ومسكن ومطعم. ولكل واحد ثلاث درجات: أدنى، وأوسط، وأعلى. وما دام مائلاً إلى جانب القلة ومتقرباً من حد الضرورة كان محقاً ويجيء من جملة المحقين، وإن جاوز ذلك وقع في هاوية لا آخر لعمقها. وقد ذكرنا تفصيل هذه الدرجات في كتاب الزهد.
الرابعة: أن يراعي جهة المخرج ويقتصد في الإنفاق غير مبذر ولا مقتر كما ذكرناه، فيضع ما اكتسبه من حله في حقه ولا يضعه في غير حقه، فإن الإثم في الأخذ من غير حقه والوضع في غير حقه سواء.
الخامسة: أن يصلح نيته في الأخذ والترك والإنفاق والإمساك، فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادة، ويترك ما يترك زهداً فيه واستحقاراً له إذا فعل ذلك لم يضره وجود المال، ولذلك قال علي رضي الله عنه: لو أن رجلاً أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه الله تعالى فهو زاهد، ولو أنه ترك الجميع ولم يرد به وجه الله تعالى فليس بزاهد. فلتكن جميع حركاتك وسكناتك لله مقصورة على عبادة أو ما يعين على العبادة، فإن أبعد الحركات عن العبادة الأكل وقضاء الحاجة وهما معينان على العبادة، فإذا كان ذلك قصدك بهما صار ذلك عبادة في حقك. وكذلك ينبغي أن تكون نيتك في كل ما يحفظ من قميص وإزار وفراش وآنية، لأن كل ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وما فضل من الحاجة ينبغي أن يقصد به أن ينتفع به عبد من عباد الله ولا يمنعه منه عند حاجته، فمن فعل ذلك فهو الذي أخذ من حية المال جوهرها وترياقها واتقى سمها فلا تضره كثرة المال، ولكن لا يتأتى ذلك إلا لمن رسخ في الدين قدمه وعظم فيه علمه. والعامي إذا تشبه بالعالم في الاستكثار من المال وزعم أنه يشبه أغنياء الصحابة شابه الصبي الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ الحية ويتصرف فيها فيخرج ترياقها فيقتدي به، ويظن أنه أخذها مستحسناً صورتها وشكلها ومستليناً جلدها، فيأخذها اقتداء به فتقتله في الحال، إلا أن قتيل الحية يدري أنه قتيل، وقتيل المال قد لا يعرف. وقد شبهت الدنيا بالحية فقيل: هي دنيا كحية تنفث السم وإن كانت المجسة لانت
وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحر والطرق المشوكة فمحال أن يتشبه العامي بالعالم الكامل في تناول المال.
بيان ذم الغنى ومدح الفقر
اعلم أن الناس قد اختلفوا في تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر -وقد أوردنا ذلك في كتاب الفقر والزهد وكشفنا عن تحقيق الحق فيه- ولكنا في هذا الكتب ندل على أن الفقر أفضل وأعلى من الغني على الجملة من غير التفات إلى تفصيل من الأغنياء، حيث احتج بأغنياء الصحابة وبكثرة مال عبد الرحمن بن عوف وشبه نفسه بهم والمحاسبي رحمه الله حبر الأمة في علم المعاملة وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات، وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه. وقد قال بعد كلام له في الرد على علماء السوء: بلغنا أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: يا علماء السوء تصومون وتصلون وتصدقون ولا تفعلون ما تؤمرون، وتدرسون ما لا تعملون فيا سوء ما تحكمون، تتوبون بالقول والأماني وتعملون بالهوى، وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة، بحق أقول لكم لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة؛ كذلك أنتم تخرجون الحكم من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم؛ يا عبيد الدنيا كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقطع منها رغبته? بحق أقول لكم إن قلوبكم تبكي من أعمالكم، جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم والعمل تحت أقدامكم؛ بحق أقول لكم أفسدتم آخرتكم فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة؛ فأي الناس أخسر منكم لو تعلمون? ويلكم حتام تصفون الطريق للمدلجين وتقيمون في محل المتحيرين! كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم، مهلاً مهلاً! ويلكم ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم? كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة متعطلة! يا عبيد الدنيا لا كعبيد أتقياء ولا كأحرار كرام؛ توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم ثم تكبكم على مناخركم، ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم ثم تدفعكم من خلفكم حتى تسلمكم إلى الملك الديان عراة فرادى، فيوقفكم على سوآتكم ثم يجزيكم بسوء أعمالكم. ثم قال الحارث رحمه الله: إخواني فهؤلاء علماء السوء شياطين الإنس وفتنه على الناس، رغبوا في عرض الدنيا ورفعتها وآثروها على الآخرة، وأدلوا الدين للدنيا فهم في العاجل عار وشين، وفي الآخرة هم الخاسرون أو يعفو الكريم بفضله.
وبعد: فإني رأيت الهالك المؤثر للدنيا سروره ممزوج بالتنغيص، فيتفجر عنه أنواع الهموم وفنون المعاصي وإلى البوار والتلف مصيره، فرح الهالك برجائه فلم تبق له دنياه ولم يسلم له دينه "خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين" فيا لها من مصيبة ما أفظعها ورزية ما أجلها، ألا فراقبوا الله إخواني ولا يغرنكم الشيطان وأولياؤه من الآنسين بالحجج الداحضة عند الله، فإنهم يتكالبون على الدنيا ثم يطلبون لأنفسهم المعاذير والحجج، ويزعمون أن أصحاب رسول الله ﷺ كانت لهم أموال فيتزين المغرورون بذكر الصحابة ليعذرهم الناس على جمع المال، ولقد دهاهم الشيطان وما يشعرون. ويحك أيها المفتون إن احتجاجك بمال عبد الرحمن بن عوف مكيدة من الشيطان ينطق بها على لسانك فتهلك! لأنك متى زعمت أن أخيار الصحابة أرادوا المال للتكاثر والشرف والزينة فقد اغتبت السادة ونسبتهم إلى أمر عظيم، ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه فقد ازدريت محمداً والمرسلين? ونسبتهم إلى قلة الرغبة والزهد في هذا الخير الذي رغبت فيه أنت وأصحابك من جمع المال، ونسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت، ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى من تركه، فقد زعمت أن رسول الله ﷺ لم ينصح للأمة إذ نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمع المال خير للأمة? فقد غشهم بزعمك حين نهاهم عن جمع المال، كذبت ورب السماء على رسول الله ﷺ! فلقد كان للأمة ناصحاً وعليهم مشفقاً وبهم رؤوفاً. ومتى زعمت أن جمع المال أفضل فقد زعمت أن الله عز وجل لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمع المال خير لهم? أو زعمت أن الله تعالى لم يعلم أن الفضل في الجمع فلذلك نهاهم عنه، وأنت عليم بما في المال من الخير والفضل لذلك رغبت في الاستكثار كأنك أعلم بموضع الخير والفضل من ربك تعالى الله عن جهلك أيها المفتون? تدبر بعقلك ما دهاك به الشيطان حين زين لك الاحتجاج بمال الصحابة! ويحك ما نفعك الاحتجاج بمال عبد الرحمن بن عوف وقد ود عبد الرحمن بن عوف في القيامة أنه لم يؤت من الدنيا إلا قوتاً? وقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك! فقال كعب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن كسب طيباً وأنفق طيباً وترك طيبا! فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضباً يريد كعباً فمر بعظم لحي بعير فأخذه بيده ثم انطق يريد كعباً، فقيل لكعب. إن أبا ذر يطلبك، فخرج هارباً حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر، وأقبل أبو ذر يقص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هارباً من أبي ذر، فقال له أبو ذر: هيه يا بن اليهودية! تزعم أن لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف، ولقد خرج رسول الله ﷺ يوماً نحو أحد وأنا معه فقال "يا أبا ذر" فقلت: لبيك يا رسول الله فقال "الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وشماله وقدامه وخلفه وقليل ما هم" ثم قال "يا أبا ذر" قلت: نعم يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قال "ما يسرني أن لي مثل أحد أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت وأترك منه قيراطين" قلت أو قنطارين يا رسول الله? قال "بل قيراطان" ثم قال "يا أبا ذر أنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل فرسول الله يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف? كذبت وكذب من قال! فلم يرد عليه خوفاً حتى خرج.
وبلغنا أن عبد الرحمن بن عوف قدمت عليه عير من اليمن فضجت المدينة ضجة واحدة فقالت عائشة رضي الله عنها: ما هذا? قيل عير قدمت لعبد الرحمن، قالت: صدق الله ورسوله ﷺ، فبلغ ذلك عبد الرحمن فسألها فقالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني رأيت الجنة فرأيت فقراء المهاجرين والمسلمين يدخلون سعياً، ولم أرد أحداً من الأغنياء يدخلها معهم إلا عبد الرحمن بن عوف يدخلها معهم حبوا فقال عبد الرحمن: إن العير وما عليها في سبيل الله، وإن إرقاءها أحراراً لعلي أدخلها معهم سعياً.
وبلغنا أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف "أما إنك أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي وما كدت أن تدخلها إلا حبواً .
ويحك أيها المفتون، فما احتجاجك بالمال وهذا عبد الرحمن في فضله وتقواه وصنائعه المعروف وبذله الأموال في سبيل الله مع صبحته لرسول الله ﷺ وبشراه بالجنة أيضاً يوقف في عرصات القيامة وأهوالها بسبب مال كسبه من حلال للتعفف ولصنائع المعروف، وأنفق منه قصداً، وأعطي في سبيل الله سمحاً، منع من السعي إلى الجنة مع الفقراء المهاجرين وصار يحبو في آثارهم حبواً? فما ظنك بأمثالها الغرقى في فتن الدنيا? وبعد: فالعجب كل العجب لك يا مفتون تمرغ في تخاليط الشبهات والسحت، وتتكالب على أوساخ الناس، وتتقلب في الشهوات والزينة والمباهاة، وتتقلب في فتن الدنيا ثم تحتج بعبد الرحمن وتزعم أنك إن جمعت المال فقد جمعه الصحابة كأنك أشبهت السلف وفعلهم? ويحك إن هذا من قياس إبليس ومن فتياه لأوليائه! وسأصف لك أحوالك وأحوال السلف لتعرف فضائحك وفضل الصحابة. ولعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال أرادوها للتعفف والبذل في سبيل الله، فكسبوا حلالاً وأكلوا طيباً وأنفقوا قصداً، وقدموا فضلاً، ولم يمنعوا منها حقاً، ولم يبخلوا بها، لكنهم جادوا لله بأكثرها، وجاد بعضهم بجميعها، وفي الشدة آثروا الله على أنفسهم كثيراً، فبالله أكذلك أنت? والله إنك لعبيد الشبه بالقوم.
وبعد: فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين، ومن خوف الفقر آمنين، وبالله في أرزاقهم واثقين، وبمقادير الله مسرورين، وفي البلاء راضين، وفي الرخاء شاكرين، وفي الضراء صابرين، وفي السراء حامدين، وكانوا لله متواضعين، وعن حب العلو والتكاثر ورعين. لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم بالبلغه منها وزجوا الدنيا وصبروا على مكارهها وتجرعوا مرارتها وزهدوا في نعميها وزهرتها. فبالله أكذلك أنت? ولقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا وقالوا: ذنب عجلت عقوبته من الله، وإذا رأوا الفقر مقبلاً قالوا: مرحباً بشعار الصالحين. وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء أصبح كئيباً حزيناً، وإذا لم يكن عندهم شيء أصبح فرحاً مسروراً، فقيل له: إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا، وإذا كان عندهم شيء فرحوا، وأنت لست كذلك! قال: إني إذا أصبحت وليس عند عيالي شيء فرحت إذ كان لي برسول الله ﷺ أسوة، وإذا كان عند عيالي شيء اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمد أسوة. وبلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا وقالوا: ما لنا وللدنيا وما يراد بها فكأنهم على جناح خوف، وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا: الآن تعاهدنا ربنا. فهذه أحوال السلف ونعتهم وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا. فبالله أكذلك أنت? إنك لبعيد الشبه بالقوم.
وسأصف لك أحوالك أيها المفتون ضداً لأحوالهم، وذلك أنك تطغي عند الغنى، وتبطر عند الرخاء، وتمرح عند السراء، وتغفل عن شكر ذي النعماء، وتقنط عن الضراء، وتسخط عند البلاء، ولا ترضى بالقضاء. نعم وتبغض الفقر وتأنف من المسكنة؛ وذلك فخر المرسلين وأنت تأنف من فخرهم. وأنت تدخر المال وتجمعه خوفاً من الفقر وذلك من سوء الظن بالله عز وجل وقلة اليقين بضمانه، وكفى به إثماً، وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها وشهواتها ولذاتها. ولقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال "شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم فربت عليهم أجسامهم وبلغنا أن بعض أهل العلم قال: ليجيء يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم فيقال لهم "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها" وأنت في غفلة قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدنيا فيا لها حسرة ومصيبة! نعم وعساك تجمع المال للتكاثر والعلو والفخر والزينة في الدنيا، وقد بلغنا أنه من طلب الدنيا للتكاثر أو للتفاخر لقي الله وهو عليه غضبان، وأنت غير مكترث بما حل بك من غضب ربك حين أردت التكاثر والعلو نعم عساك المكث في الدنيا أحب إليك من النقلة إلى جوار الله، فأنت تكره لقاء الله والله للقائك أكره، وأنت في غفلة وعساك تأسف على ما فاتك من عرض الدنيا؛ وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال "من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة شهر. وقيل سنة." وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله. نعم ولعلك تخرج من دينك أحياناً لتوفير دنياك وتفرح بإقبال الدنيا عليك وترتاح لذلك سروراً بها، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال "من أحب الدنيا وسر بها ذهب خوف الآخرة من قلبه وبلغنا أن بعض أهل العلم قال إنك تحاسب على التحزن على ما فاتك من الدنيا، وتحاسب بفرحك في الدنيا إذا قدرت عليها وأنت فرح بدنياك وقد سلبت الخوف من الله تعالى، وعساك تعنى بأمور دنياك أضعاف ما تعنى بأمور آخرتك، وعساك ترى مصيبتك في معاصيك أهون من مصيبتك في انتقاص دنياك، ونعم وخوفك من ذهاب مالك أكثر من خوفك من الذنوب، وعساك تبذل للناس ما جمعت من الأوساخ كلها للعلو والرفعة في الدنيا، وعساك ترضى المخلوقين مساخطاً لله تعالى كيما تكرم وتعظم. ويحك! فكأن احتقار الله تعالى لك في القيامة أهون عليك من احتقار الناس إياك، وعساك تخفى من المخلوقين مساويك ولا تكترث باطلاع الله عليك فيها فكأن الفضيحة عند الله أهون عليك من الفضيحة عند الناس، فكأن العبيد أعلى عندك قدراً من الله، تعالى الله عن جهلك! فكيف تنطق عند ذوي الألباب وهذه المثالب فيك? أف لك! متلوثاً بالأقذار وتحت بمال الأبرار? هيهات هيهات ما أبعدك عن السلف الأخيار، والله لقد بلغني أنهم كانوا فيما أحل لهم أزهد منكم لكبائر المعاصي، فليت صومك على مثال إفطارهم? وليت اجتهادك في العبادة مثل فتورهم ونومهم? وليت جميع حسناتك مثل واحدة من سيئاتهم، فمن لم يكن كذلك فليس معهم في الدنيا ولا معهم في الآخرة، فسبحان الله! كم بين الفريقين من التفاوت? فريق خيار الصحابة في العلو عند الله وفريق أمثالكم في السفالة، أو يعفو الله الكريم بفضله.
وبعد: فإنك إن زعمت أنك متأس بالصحابة بجمع المال للتعفف والبذل في سبيل الله فتدبر أمرك، ويحك هل تجد من الحلال في دهرك كما وجدوا في دهرهم? أو تحسب أنك محتاط في طلب الحلال كما احتاطوا، لقد بلغني أن بعض الصحابة قال: كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام، أفتطمع من نفسك في مثل هذا الاحتياط? لا ورب الكعبة ما أحسبك كذلك! ويحك! كن على يقين أن جمع المال لأعمال البر مكر من الشيطان ليوقعك بسبب البر في اكتساب الشبهات الممزوجة بالسحت والحرام، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال "من اجترأ على الشبهات أوشك أن يقع في الحرام أيها المغرور، أما علمت أن خوفك من اقتحام الشبهات أعلى وأفضل وأعظم لقدرك عند الله من اكتساب الشبهات، وبذلها في سبيل الله وسبيل البر? بلغنا ذلك عن بعض أهل العلم قال: لأن تدع درهماً واحداً مخافة أن لا يكون حلالاً خير لك من أن تتصدق بألف دينار من شبهة لا تدري أيحل لك أم لا? فإن زعمت أنك أتقى وأورع من أن تتلبس بالشبهات وإنما تجمع المال بزعمك من الحلال للبذل في سبيل الله! ويحك! إن كنت كما زعمت بالغاً في الورع فلا تتعرض للحاسب، فإن خيار الصحابة خافوا المسألة، وبلغنا أن بعض الصحابة قال: ما سرني أن أكتسب كل يوم ألف دينار من حلال وأنفقها في طاعة الله ولم يشغلني الكسب عن صلاة الجمعة، قالوا: ولم ذاك رحمك الله? قال: لأني غني عن مقام يوم القيامة فيقول عبدي من أين اكتسبت وفي أي شيء أنفقت? فهؤلاء المتقون كانوا في جدة الإسلام والحلال موجود لديهم، تركوا المال وجلا من الحساب مخافة أن لا يقوم خير المال بشره، وأنت بغاية الأمن والحلال في دهرك مفقود. تتكالب على الأوساخ ثم تزعم أنك تجمع المال من حلال، ويحك! أين الحلال فتجمعه.
وبعد: فلو كان الحلال موجوداً لديك أما تخاف أن يتغبر عند الغنى قلبك، وقد بلغنا أن بعض الصحابة كان يرث المال الحلال فيتركه مخافة أن يفسد قلبه? أفتطمع أن يكون قلبك أنقى من قلوب الصحابة فلا يزول عن شيء من الخلق في أمرك وأحوالك? لئن ظننت ذلك لقد أحسنت الظن بنفسك الأمارة بالسوء، ويحك! إني لك ناصح أرى لك أن تقنع بالبلغة ولا تجمع المال لأعمال البر ولا تتعرض للحساب، فإنه بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال "من نوقش الحساب عذب وقال عليه السلام "يؤتى برجل يوم القيامة وقد جمع مالاً من حرام وأنفقه في حرام فيقال اذهبوا به إلى النار، ويؤتى برجل قد جمع مالاً من حلال وأنفقه في حرام فيقال اذهبوا به إلى النار، ويؤتى برجل قد جمع مالاً من حرام وأنفقه في حلال فيقال اذهبوا به إلى النار، ويؤتى برجل قد جمع مالاً من حلال وأنفقه في حلال فيقال له: قف لعلك قصرت في طلب هذا بشيء مما فرضت عليك من صلاة لم تصلها لوقتها، وفرطت في شيء من ركوعها وسجودها ووضوئها فيقول: لا يا رب كسبت من حلال وأنفقت في حلال ولم أضيع شيئاً فرضت علي، فيقال: لعلك اختلت في هذا المال في شيء من مركب أو ثوب باهيت به فيقول: لا يا رب لم أختل ولم أباه في شيء، فيقال: لعلك منعت حق أحد أمرتك أن تعطيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فيقول: لا يا رب كسبت من حلال وأنفق في حلال ولم أضيع شيئاً مما فرضت علي ولم أختل ولم أباه ولم أضيع حق أحد أمرتني أن أعطيه، قال: فيجيء أولئك فيخاصمونه فيقولون: يا رب أعطيته وأغنيته وجعلته بين أظهرنا وأمرته أن يعطينا، فإن كان أعطاهم وما ضيع من ذلك شيئاً من الفرائض ولم يختل في شيء فيقال: قف، الآن هات شكر كل نعمة أنعمتها عليك من أكلة أو شربة أو لذة فلا يزال يسئل ويحك فمن ذا الذي يتعرض لهذه المسألة التي كانت لهذا الرجل الذي تقلب في الحلال وقام بالحقوق كلها وأدى الفرائض بحدودها، حوسب هذه المحاسبة فكيف ترى يكون حال أمثالها الغرقى في فتن الدنيا وتخاليطها وشبانها وشهواتها وزينتها? ويحك لأجل هذه المسائل يخاف المتقون أن يتلبسوا بالدنيا فرضوا بالكفاف منها وعملوا بأنواع البر من كسب المال، فلك ويحك بهؤلاء الأخيار أسوة، فإن أبيت ذلك وزعمت أنك بالغ من الورع والتقوى، ولم تجمع المال إلا من حلال -بزعمك- للتعفف والبذل في سبيل الله، ولم تنفق شيئاً من الحلال إلا بحق، ولم يتغير بسبب المال قلبك عما يحب الله، ولم تسخط الله في شيء من سرائرك وعلانيتك ويحك فإن كنب كذلك، ولست كذلك، فقد ينبغي لك أن ترضى بالبلغة وتعتزل ذوي الأموال إذا وقفوا للسؤال وتسق مع الرعيل الأول في زمرة المصطفى، لا حبس عليك للمسألة والحساب، فإما سلامة وإما عطب. فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال "يدخل صعاليك المهاجرين قبل أغنيائهم الجنية بخمسمائة عام وقال عليه السلام "يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم فيأكلون ويتمتعون والآخرون جثاة على ركبهم فيقولون قبلكم طلبتي أنتم حكام الناس وملوكهم فأروني ماذا صنعتم فيما أعطيتكم .
وبلغنا أن بعض أهل العلم قال: ما سرني أن لي حمر النعم ولا أكون في الرعيل الأول مع محمد عليه السلام وحزبه. يا قوم فاستبقوا السباق مع المخفين في زمرة المرسلين عليهم السلام، وكونوا وجلين من التخلف والانقطاع عن رسول الله ﷺ وجل المتقين. لقد بلغني أن بعض الصحابة وهو أبو بكر رضي الله عنه عطش فاستسقى فأتي بشربة من ماء وعسل فلما ذاقه خنقته العبرة ثم بكى وأبكى، ثم مسح الدموع عن وجهه وذهب ليتكم فعاد في البكاء، فلما أكثر البكاء قيل له: أكل هذا من أجل هذه الشربة? قال: نعم، بينا أنا ذات يوم عند رسول الله ﷺ وما معه أحد في البيت غيري، فجعل يدفع عن نفسه وهو يقول "إليك عني!" فقلت له: فداك أبي وأمي ما أرى بين يديك أحداً فمن تخاطب? فقال "هذه الدنيا تطاولت إلي بعنقها ورأسها فقالت لي: يا محمد خذني، فقلت: إليك عني، فقالت: إن تنج مني يا محمد فإنه لا ينجو مني من بعدك" فأخاف أن تكون هذه قد لحقتني تقطعني عن رسول اللهﷺ يا قوم فهؤلاء الأخبار بكوا وجلا أن تقطعهم عن رسول الله ﷺ شربة من حلال! ويحك أنت في أنواع من النعم والشهوات من مكاسب السحت والشبهات لا تخشى الانقطاع? أف لك ما أعظم جهلك! ويحك فإن تخلفت في القيامة عن رسول الله ﷺ محمد المصطفى لتنظرن إلى أهوال جزعت منها الملائكة والأنبياء، ولئن قصرت عن السباق فليطولن عليك اللحاق، ولئن أردت الكثرة لتصيرن إلى حساب عسير، ولئن لم تقنع بالقليل لتصيرن إلى وقوف طويل وصراخ وعويل؛ ولئن رضيت بأحوال المتخلفين لتقطعن عن أصحاب اليمين وعن رسول رب العالمين ولتبطئن عن نعيم المتنعمين، ولئن خالفت أحوال المتقين لتكونن من المحتسبين في أهوال يوم الدين. فتدب رويحك ما سمعت وبعد. فإن زعمت أنك في مثال خيار السلف، قانع بالقليل، زاهد في الحلال، بذول لما لك، مؤثر على نفسك، لا تخشى الفقر ولا تدخر شيئاً لغدك، مبغض للتكاثر والغنى، راض بالفقر والبلاء، فرح بالقلة والمسكنة، مسرور بالذل والضعة، كاره للعلو والرفعة قوي في أمرك لا يتغير عن الرشد قلبك، قد حاسبت نفسك في الله، وحكمت أمورك كلها على ما وافق رضوان الله ولن توقف في المسألة، ولن يحاسب مثلك من المتقين. وإنما تجمع المال الحلال للبذل في سبيل الله، ويحك أيها المغرور فتدبر الأمر وأمعن النظر! أما علمتأن ترك الاشتغال بالمال وفراغ القلب للذكر والتذكر والتذكار والفكر والاعتبار. أسلم للدين وأيسر للحساب وأخف للمسألة وآمن من روعات القيامة وأجزل للثواب وأعلي لقدرك عند الله أضعافاً. بلغنا عن بعض الصحابة أنه قال: لو أن رجلاً في حجره دنانير يعطيها والآخر يذكر الله لكان الذاكر أفضل. وسئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر قال تركه أبر به. وبلغنا أن بعض خيار التابعين سئل عن رجلين، أحدهما طلب الدنيا حلالاً فأصابها، فوصل بها رحمه وقدم لنفسه. وأما الآخر فإنه جانبها فلم يطلبها ولم يتناولها، فأيهما أفضل? قال: بعيد والله ما بينهما الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها. ويحك فهذا الفضل لك بترك الدنيا على من طلبها، ولك في العاجل إن تركت الاشتغال بالمال، وإن ذلك أروح لبدنك وأقل لتعبك وأنعم لعيشك وأرضى لبالك وأقل لهمومك، فما عذرك في جمع المال وأنت بترك المال أفضل ممن طلب المال لأعمال البر? نعم وشغلك بذكر الله أفضل من بذل المال في سبيل الله فاجتمع لك راحة العاجل مع السلامة والفضل في الآجل.
وبعد: فلو كان في جمع المال فضل عظيم لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى بنبيك إذ هداك الله به، وترضى ما اختاره لنفسه من مجانبة الدنيا. ويحك! تدبر ما سمعت وكن على يقين أن السعادة والفوز في مجانبة الدنيا، فسر مع لواء المصطفى سابقاً إلى جنة المأوى. فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال "سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء، وإذا استقرض لم يجد قرضاً، وليس له فضل كسوة إلا ما يواريه، ولم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه، يمسي مع ذلك ويصبح راضياً عن ربه "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً" ألا يا أخي متى جمعت هذا المال بعد هذا البيان فإنك مبطل فيما ادعيت أنك للبر وللفضل تجمعه، لا! ولكنك خوفاً من الفقر تجمعه، وللنعم والزينة والتكاثر والفخر والعلو والرياء والسمعة والتعظيم والتكرمة تجمعه، ثم تزعم إنك لأعمال البر تجمع المال: راقب الله واستحي من دعواك أيها المغرور. ويحك إن كنت مفتوناً بحب المال والدنيا فكن مقراً أن الفضل والخير في الرضا بالبلغة ومجانبة الفضول، نعم وكن عن جمع المال مزرياً على نفسك معترفاً بإساءتك وجلا من الحساب، فذلك أنجى لك وأقرب إلى الفضل من طلب الحجج لجمع المال. إخواني اعلموا أن دهر الصحابة كان الحال فيه موجوداً وكانوا مع ذلك من أورع الناس وأزهدهم في المباح لهم، ونحن في دهر الحلال فيه مفقوداً وكيف لنا من الحلال مبلغ القوت وستر العورة. فأما جمع المال في دهرنا فأعاذنا الله وإياكم منه.
وبعد: فأين لنا بمثل تقوى الصحابة وورعهم ومثل زهدهم واحتياطهم? وأين لنا مثل ضمائرهم وحسن نياتهم? دهينا ورب السماء بأدواء النفوس وأهوائها، وعن قريب يكون الورود؛ فيا سعادة المخفين يوم النشور وحزن طويل لأهل التكاثر والتخاليط، وقد نصحت لكم إن قبلتم والقابلون فهذا قليل. وفقنا الله وإياكم فكل خير برحمته آمين. هذا آخر كلامه وفيه كفاية في إظهار فضل الفقر على الغنى ولا مزيد عليه. ويشهد لذلك جميع الأخبار التي أوردناها في كتاب ذم الدنيا، وفي كتاب الفقر والزهد.
ويشهد له أيضاً ما روي عن أبي أمامة الباهلي: أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، قال "يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، قال "يا ثعلبة أما لك في أسوة أما ترضى أن تكون مثل نبي الله تعالى? أما والذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضة لسارت" قال: والذي بعثك بالحق نبياً لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، ولأفعلن ولأفعلن، قال رسول الله ﷺ "اللهم ارزق ثعلبة مالاً" فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في الجماعة ويدع ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الجماعة إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، وطفق يلقى الركبان يوم الجمعة فيسألهم عن الأخبار في المدينة، وسأل رسول الله ﷺ عنه فقال "ما فعل ثعلبة بن حاطب?" فقيل يا رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة؛ وأخبر بأمره كله، فقال "يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة" قال وأنزل الله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" وأنزل الله تعالى فرائض الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم على الصدقة، وكتب لهما كتاباً بأخذ الصدقة وأمرهما أن يخرجا فيأخذا من المسلمين: وقال "مرا بثعلبة بن حاطب وبفلان -رجل من بني سليم- وخذا صدقاتهما: فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية! انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي فانطلقا نحو السليمي فسمع بهما فقام إلى خيار أسنان إبله فعز لها للصدقة، ثم استقبلهما بها؛ فلما رأوها قالوا: لا يجب عليك ذلك وما نريد نأخذ هذا منك، قال بلى خذوها، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه فقال: هذه أخت الجزية! انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ فلما رآهما قال "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلماه ودعا للسليمي فأخبراه بالذي صنع ثعلبة وبالذي صنع السليمي فأنزل الله تعالى في ثعلبة "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون" وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ما أنزل الله فيه، فخرج حتى أتى ثعلبة فقال: لا أم لك يا ثعلبة! قد أنزل الله فيك كذا، فخرج ثعلبة حتى أتي النبي ﷺ فسأله أن يقبل منه صدقته فقال "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو على التراب على رأسه فقال رسول الله ﷺ "هذا عملك أمرتك فلم تطعني" فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله، فلما قبض رسول الله ﷺ جاء بها إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله، فلما قبض ﷺ جاء بها إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأبى أن يقبلها منه، وجاء بها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبى أن يقبلها منه، وتوفي ثعلبة بعد في خلافه عثمان فهذا طغيان المال وشؤمه وقد عرفته من هذا الحديث، ولأجل بركة الفقر وشؤم الغني آثر رسول الله ﷺ الفقر لنفسه ولأهل بيته، حتى روى عن عمران بن حصين رضى الله عنه أنه قال: كانت لي من رسول الله منزلة وجاه فقال "يا عمران إن لك عندنا منزلة وجاهاً فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول الله ﷺ?" فقلت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقام وقمت معه حتى وقفت بباب منزل فاطنة فقرع الباب وقال "السلام عليكم أأدخل? "فقالت: ادخل يا رسول الله قال أنا ومن معي?" قالت ومن معك يا رسول الله? فقال عمران بن حصين، فقالت: والذي بعثك بالحق نبياً ما علي إلا عباءة! فقال، اصنعي بها هكذا وهكذا، وأشار بيده، فقالت: هذا جسدي فقد واريته، فكيف برأسي? فألقى إليها ملاءة كانت عليه خلقة فقال "شدي بها على رأسك" ثم أذنت له فدخل،
فقال "السلام عليك يا بنتاه كيف أصبحت?" قالت: أصبحت والله وجعة وزادني وجعاً على ما بي أني لست أقدر على طعام آكله، فقد أجهدني الجوع، فبكى رسول الله ﷺ وقال "لا تجزعي يا بنتاه فوالله ما ذقت طعاماً منذ ثلاثة، وإني لأكرم على الله منك ولو سألت ربي لأطعمني، ولكني آثرت الآخرة على الدنيا ثم ضرب بيده على منكبها وقال لها "أبشري فوالله إنك لسيدة نساء أهل الجنة" فقالت: فأين آسية امرأة فرعون ومريم ابنة فرعون? فقال "آسية سيدة نساء عالمها، ومريم سيد نساء عالمها، وخديجة سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، إنكن في بيوت منن قصب لا أذى فيها ولا صخب، ثم قال لها "اقنعي بابن عمك فواالله لقد زوجتك سيداً في الدنيا سيداً في الآخرة فانظر الآن إلى حال فاطمة رضي الله عنها وهي بضعة من رسول الله ﷺ كيف آثرت الفقر وتركت المال? ومن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم وما ورد من أخبارهم وآثارهم؛ لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات؛ إذ أقل ما فيه من أداء الحقوق والتوقي من الشبهات والصرف إلى الخيرات اشتغال الهم بإصلاحه وانصرافه عن ذكر الله، إذ لا ذكر إلا مع الفراغ، ولا فراغ مع شغل المال.
وقد روي عن جرير عن ليث قال: صحب رجل عيسى ابن مريم عليه السلام فقال: أكون معك وأصحابك، فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف ثالث، فقام عيسى عليه السلام إلى النهر فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف? فقال: لا أدري، قال: فانطلق ومعه صاحبه فرأى ظبية ومعها خشفان لها، قال: فدعا أحدهما فأتاه، فذبحه فاشتوى منه فأكل هو وذلك الرجل، ثم قال للخشف: ثم بإذن الله فقام فذهب، فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف? فقال: لا أدري، ثم انتهيا إلى وادي ماء، فأخذ عيسى بيد الرجل فمشيا على الماء، فلما جاوزوا قال له أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف? فقال لا أدري، فانتهيا إلى مفازة فجلسا، فأخذ عيسى عليه السلام يجمع تراباً وكثيباً ثم قال كن ذهباً بإذن الله تعالى، فصار ذهباً، فسمه ثلاثة أثلاث ثم قال ثلث لي وثلث لك وثلث لمن أخذ الرغيف، فقال أنا الذي أخذت الرغيف، فقال كله لك، وفارقه عيسى عليه السلام، فانتهى إليه رجلان في المفازة ومعه المال فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه، فقال هو بيننا أثلاثاً، فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري لنا طعاماً نأكله، قال فبعثوا أحدهم فقال الذي بعث لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال? لكني أضع في هذا الطعام سماً فأقتلهما وآخذ المال وحدي، قال ففعل، وقال ذانك الرجلان لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال? ولكن إذا رجع قتلناه واقتسمنا المال بيننا، قال فلما رجع إليهما قتلاه وأكلا الطعام فماتا، فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة عنده قتلى، فمر بهم عيسى عليه السلام على تلك الحالة فقال لأصحابه هذه الدنيا فاحذروها.
وحكي أن ذا القرنين أتى على أمة من الأمم ليس بأيديهم شيء مما يستمتع به الناس من دنياهم قد احتفروا قبرواً، فإذا أصبحوا تعهدوا تلك القبور وكنسوها وصلوا عندها ورعوا البقل كما ترعى البهائم، وقد قيض لهم في ذلك معايش من نبات الأرض، وأرسل ذو القرنين إلى ملكهم فقال له أجب ذو القرنين، فقال ما لي إليه حاجة، فإن كان له حاجة فليأتني! فقال ذو القرنين صدق فأقبل إليه ذو القرنين وقال له أرسلت إليك لتأتيني فأبيت، فها أنا قد جئت، فقال لو كان لي إليك حاجة لأتيتك، فقال له ذو القرنين ما لي أراكم على حالة لم أر أحداً من الأمم عليها? قال وما ذاك? قال ليس لكم دنيا ولا شيء أفلا اتخذتم الذهب والفضة فاستمتعتم بهما? قالوا إنما كرهناهما لأن أحداً لم يعط منهما شيئاً إلا تاقت نفسه ودعته إلى ما هو أفضل منه. فقال ما بالكم قد احتقرتم قبوراً فإذا أصبحتم تعاهدتموها فكنستموها وصليتم عندها? قالوا أردنا إذا نظرنا إليها وأملنا الدنيا منعتنا قبورنا من الأمل. قال وأراكم لا طعام لكم إلا البقل من الأرض. أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وركبتموها فاستمتعتم بها? قالوا كرهنا أن نجعل بطوننا قبوراً لها ورأينا في نبات الأرض بلاغاً وإنما يكفي ابن أدنى العيش من الطعام وأيما ما جاوز الحنك من الطعام لم نجد له طعماً كائناً ما كان من الطعام? ثم بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين فتناول جمجمة؛ فقال: يا ذا القرنين أتدري من هذا? قال: لا؛ ومن هو? قال: ملك من ملوك الأرض أعطاه الله سلطاناً على أهل الأرض فغشم وظلم وعتا؛ فلما رأى الله سبحانه ذلك منه جسمه بالموت فصار كالحجر الملقى؛ وقد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته. ثم تناول جمجمة أخرى بالية فقال: يا ذا القرنين هل تدري من هذا? قال: لا أدري ومن هو? قال: هذا ملك ملكه الله بعده؛ قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الغشم والظلم والتجبر؛ فتواضع وخشع لله عز وجل وأمر بالعدل في أهل مملكته؛ فصار كما ترى قد أحصى الله عليه عمله، حتى يجزيه في آخرته. ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين فقال: وهذه الجمجمة قد كانت كهذين فانظر يا ذا القرنين ما أنت صانع? فقال له ذو القرنين: هل لك في صبحتي فأتخذك أخاً ووزيراً وشريكاً فيما أتاني الله من هذا المال? قال: ما أصلح أنا وأنت في مكان ولا أن نكون جميعاً، قال ذو القرنين: ولم? قال: من أجل أن الناس كلهم لك عدو ولي صديق، قال: ولم? قال: يعادونك لما في ديك من الملك والمال والدنيا! ولا أجد أحداً يعاديني لرفضي لذلك ولما عندي من الحاجة وقلة الشيء، قال: فانصرف عنه ذو القرنين متعجباً منه ومتعظاً به، فهذه الحكايات تدلك على آفات الغنى مع ما قدمناه من قبل وبالله التوفيق.
تم كتاب ذم المال والبخل بحمد الله تعالى وعونه، ويليه كتاب ذم الجاه والرياء.
==========
إحياء علوم الدين/كتاب ذم الجاه والرياء
< إحياء علوم الديناذهب إلى التنقلاذهب إلى البحث
→ كتاب ذم البخل وذم حب المالإحياء علوم الدين
كتاب ذم الجاه والرياء
المؤلف: أبو حامد الغزاليالشطر الأول ←
وهو الكتاب الثامن من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله علام الغيوب، المطلع على سرائر القلوب، المتجاوز عن كبائر الذنوب، العالم بما تجنه الضمائر من خفايا الغيوب، البصير بسرائر النيات وخفايا الطويات، الذي لا يقبل من الأعمال إلا ما كمل ووفي، وخلص عن شوائب الرياء والشرك وصفا، فإنه المنفرد بالملكوت، فهو أغنى الأغنياء عن الشرك. والصلاة والسلام على محمد وآله وأصحابه المبرئين من الخيانة والإفك، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فقد قال رسول الله ﷺ "إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية التي هي أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ولذلك عجز عن الوقوف على غوائلها سماسرة العلماء فضلاً عن عامة العباد والأتقياء، وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكاديها. وإنما يبتلي به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة، فإنهم مهما قهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشهبات وحملوها بالقهر وعلى أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم؛ فوجدت مخلصاً من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم، فسارعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده، وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه الشهوات وتوقيه الشبهات وتحمله مشاق العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء وبالغوا في التقريظ والإطراء ونظروا إليه بعين التوقير والاحترام وتبركوا بمشاهدته ولقائه ورغبوا في بركة دعائه، وحرصوا على اتباع رأيه وفاتحوه بالخدمة والسلام، وأكرموه في المحافل غاية الإكرام، وسامحوه في البيع والمعاملات، وقدموه في المجالس وآثروه بالمطاعم والملابس، وتصاغروا له متواضعين وانقادوا له في أغراضه موقرين، فأصابت النفس في ذلك لذة هي أعظم اللذات وشهوة هي أغلب الشهوات، فاستحقرت فيه ترك المعاصي والهفوات واستلانت خشونة المواظبة على العبادات لإدراكها في الباطن لذة اللذات وشهوة الشهوات، فهو يظن أن حياته بالله وبعبادته المريضة، وإنما حياته بهذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة القوية، ويرى أنه مخلص في طاعة الله ومجتنب لمحارم الله، والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزييناً للعباد وتصنعاً للخلق وفرحاً بما نالت من المنزلة والوقار، وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور الأعمال، وقد أثبتت اسمه في جريد المنافقين وهو يظن أنه عند الله من المقربين. وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون، ومهواة لا يرقى منها إلا المقربون، ولذلك قيل: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة.
وإذا كان الرياء هو الداء الدفين الذي هو أعظم شبكة للشيطانين، وجب شرح القول في سببه وحقيقته ودرجاته وأقسامه وطرق معالجته والحذر منه، ويتضح الغرض منه في ترتيب الكتاب على شطرين
===============
إحياء علوم الدين/كتاب ذم الجاه والرياء/الشطر الأول
الشطر الأول
في حب الجاه والشهرة
وفيه بيان ذم الشهرة وبيان فضيلة الخمول، وبيان ذم الجاه، وبيان معنى الجاه وحقيقته، وبيان السبب في كونه محبوباً أشد من حب المال، وبيان أن الجاه كمال وهمي وليس بكمال حقيقي، وبيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم، وبيان السبب في حب المدح والثناء وكراهية الذم. وبيان العلاج في حب الجاه وبيان علاج حب المدح، وبيان علاج كراهة الذم، وباين اختلاف أحوال الناس في المدح والذم. فهي إثنا عشر فصلاً منها تنشأ معاني الرياء، فلا بد من تقديمها والله الموفق للصواب بلطفه ومنه وكرمه.
بيان ذم الشهرة وانتشار الصيت
اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار وهو مذموم، بل المحمود الخمول إلا من شهرة الله تعالى لنشر دينه م غير تكلف طلب الشهرة منه. قال أنس رضي الله عنه: قال رسو الله ﷺ "حسب امرئ من الشر أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إلا من عصمه الله وقال جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ "يحسب المرء من الشر إلا من عصمه الله من السوء أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه. إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ولكن ذكر الحسن رحمه الله الحديث تأويلاً، ولا بأس به، إذ روى هذا الحديث فقيل له: يا أبا سعيد إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع، فقال: إنه لم يعن هذا وإنما عنى به المبتدع في دينه والفاسق في دنياه وقال علي كرم الله وجهه: تبذل ولا تشتهر ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار. وقال إبراهيم ابن أدهم رحمه الله: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال أيوب السختياني: والله ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه. وعن خالد بن معدان، أنه كان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة. وعن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام. ورأى طلحة قوماً يمشون معه نحواً من عشرة، فقال: ذياب طمع وفراش نار. وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة. فقال أنظر يا أمير المؤمنين ما تصنع? فقال: إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع وعن الحسن قال: خرج ابن مسعود يوماً من منزله فاتبعه ناس فالتفت إليهم فقال: علام تتبعوني فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه باب ما اتبعني منكم رجلان? وقال الحسن: إن خفق النعال حول الرجال قلما تلبث عليه قلوب الحمقى. وخرج الحسن ذات يوم فاتبعه قوم فقال: هل لكم من حاجة? وإلا فما عسى أن يبقى هذا من قلب المؤمن. وروي أن رجلاً صحب ابن محيريز في سفر فلما فارقه قال: أوصني، فقال: إن استطعت أن تعرف ولا تعرف وتمشي ولا يمشي إليك وتسأل ولا تسئل فافعل. وخرج أيوب في سفر فشيعه ناس كثيرون فقال: لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله عز وجل. وقال معمر: عاتبت أيوب على طول قميصه فقال. إن الشهرة فيما مضى كانت في طوله وهي اليوم في تشميره. وقال بعضهم: كنت مع أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية فقال: إياكم وهذا الحمار الناهق! يشير به إلى طلب الشهرة. وقال الثوري: كانوا يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة والثياب الرديئة إذ الأبصار تمتد إليهما جميعاً. وقال رجل لبشر بن الحارث: أوصني، فقال أخمل ذكرك وطيب مطعمك. وكان حوشب يبكي ويقول: بلغ اسمي مسجد الجامع. وقال بشر: ما أعرف رجلاً أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح. وقال أيضاً: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس. رحمة الله عليه وعليهم أجمعين.
بيان فضيلة الخمول
قال رسول الله ﷺ "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك" وقال ابن مسعود: قال النبي ﷺ "رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره لو قال اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئاً وقال ﷺ "ألا أدلكم على أهل الجنة: كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره وأهل النار كل متكبر مستكبر جواظ وقال أبو هريرة: قال ﷺ "إن أهل الجنة كل أشعث غير ذي طمرين لا يؤبه له الذي إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا وإذا قالوا لم ينصت لقولهم حوائج أحدهم تتخلل في صدره لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم" وقال ﷺ "إن من أمتي من لو أتى أحدكم يسأله ديناراً لم يعطه إياه ولو سأله فلساً لم يعطه إياه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، وما منعها إياه إلا لهوانها عليه، رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وروي أن عمر رضي الله عنه دخل المسجد فرأى معاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله ﷺ فقال ما يبكيك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن اليسير من الرياء شرك وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ينجون من كل غبراء مظلمة .
وقال محمد بن سويد: قحط أهل المدينة وكان بها رجل صالح لا يؤبه له ملازم لمسجد النبي ﷺ، فبينما هم في دعائهم إذ جاءهم رجل عليه طمران خلقان فصلى ركعتين أوجز فيهما ثم بسط يديه فقال: يا رب أقسمت عليك إلا أمطرت علينا الساعة! فلم يرد يديه ولم يقطع دعاءه حتى تغشت السماء بالغمام، وأمطروا حتى صاح أهل المدينة من مخافة الغرق، فقال: يا رب إن كنت تعلم أنهم قد اكتفوا فارفع عنهم، وسكن، وتبع الرجل صاحبه الذي استسقى حتى عرف منزله، ثم بكر عليه فخرج إليه فقال إني أتيك في حاجة! فقال ما هي? قال تخصني بدعوة، قال: سبحان الله! أنت أنت وتسألني أن أخصك بدعوة? ثم قال ما الذي بلغك ما رأيت? قال: أطع الله فيما أمرني ونهاني فسألت الله فأعطاني. وقال ابن مسعود: كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيوت سرج الليل جدد القلوب خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض. وقال أبو أمامة: قال رسول الله ﷺ "يقول الله تعالى إن أغبط أوليائي عبد مؤمن خفيف الحاذر ذو حظ من صلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر كان غامضاً في الناس لا يشار إليه بالأصابع ثم صبر على ذلك" قال: ثم نقر رسول الله ﷺ بيده فقال "عجلت منينه وقل تراثه وقلت بواكيه وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أحب عباد الله إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء: قال: الفارون بدينهم يجتمعون يوم القيامة إلى المسيح عليه السلام. وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول في بعض ما يمن به على عبده؛ ألم أنعم عليك! ألم أسترك! ألم أخمل ذكرك! وكان الخليل بن أحمد يقول: اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني عند نفسي من أوضع خلقك، واجعلني عند الناس من أوسط خلقك. وقال الثوري: وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب قوت وعناء. وقال إبراهيم بن أدهم: ما قرت عيني يوماً في الدنيا قط إلا مرة، بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام وكان بي البطن، فجرني المؤذن برجلي حتى أخرجني من المسجد. وقال الفضيل: إن قدرت على أن لا تعرف فافعل، وما عليك أن لا تعرف وما عليك أن لا يثنى عليك وما عليك أن تكون مذموماً عند الناس إذا كنت محموداً عند الله تعالى? فهذه الآثار والأخبار تعرفك مذمة الشهرة وفضيلة الخمول. وإنما المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب، وحب الجاه هو منشأ كل فساد.
فإن قلت: فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء! فكيف فاتهم فضيلة الخمول? فاعلم أن المذموم طلب الشهرة، فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء، وهم كالغريق إذا كان معه جماعة منن الغرقى فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به فيضعف عنهم فيهلك معهم، وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ويثاب على ذلك.
بيان ذم الجاه ومعناه
قال الله تعالى "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً" جمع بين إرادة الفساد والعلو، وبين أن الدار الآخرة للخالي عن الإرادتين جميعاً. وقال عز وجل "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون" وهذا أيضاً متناول بعمومه لحب الجاه فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها. وقال رسول الله ﷺ "حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وقال ﷺ "ما ذئبان ضاريان أرسلاً في زريبة غنم بأسرع إفساداً من حب الشرف والمال في دين الرجل المسلم وقال ﷺ لعلي كرم الله وجهه "إنما هلاك الناس باتباع الهوى وحب الثناء نسأل الله العفو والعافية بمنه وكرمه.
بيان معنى الجاه وحقيقته
اعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا. ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع بها ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها وطاعتها. وكما أن الغني هو الذي يملك الدراهم والدنانير، أي يقدر عليهما ليتوصل بهما إلى الأغراض والمقاصد وقضاء الشهوات وسائر حظوظ النفس، فكذلك ذو الجاه هو الذي يملك قلوب الناس، أي يقدر على أن يتصرف فيها ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه ومآربه. وكما أنه يكتسب الأموال بأنواع من الحرف والصناعات فكذلك يكتسب قلوب الخلق بأنواع من المعاملات، ولا تصير القلوب مسخرة إلا بالمعارف والاعتقادات، فكل من اعتقد القلب فيه وصفاً من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له بحسب قوة اعتقاد القلب وبحسب درجة ذلك الكمال عنده، وليس يشترط أن يكون الوصف كمالاً في نفسه بل يكفي أن يكون كمالاً عنده وفي اعتقاده، وقد يعتقد ما ليس كمالاً كمالاً، ويذعن قلبه للموصوف به انقياداً ضرورياً بحسب اعتقاده، فإن انقياد القلب حال للقلب. وأحوال القلوب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومها وتخيلاتها، وكما أن محب المال يطلب ملك الأرقاء والعبيد فطالب الجاه يطلب أن يسترق الأحرار ويستعبدهم ويملك رقابهم بملك قلوبهم، بل الرق الذي يطلبه صاحب الجاه أعظم، لأن المالك يملك العبد قهراً والعبد متأب بطبعه، ولو خلى ورأيه انسل عن الطاعة وصاحب الجاه يطلب الطاعة طوعاً ويبغي ان كون له الأحرار عبيداً بالطبع والطوع، مع الفرح بالعبودية والطاعة له، فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرق بكثير. فإذاً معنى الجاه: قيام المنزلة في قلوب الناس، أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال فيه، فبقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له قلوبهم، وبقدر إذعان القلوب تكون قدرته على القلوب وبقدر قدرته على القلوب يكون فرحه وحبه للجاه. فهذا هو معنى الجاه وحقيقته وله ثمرات كالمدح والإطراء، فإن المعتقد للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده، فيثني عليه، وكالخدمة والإعانة فإنه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده فيكون سخرة له مثل العبد في أغراضه، وكالإيثار وترك المنازعة والتعظيم والتوقير بالمفاتحة بالسلام وتسليم الصدر في المحافل والتقديم في جميع المقاصد، فهذه آثار تصدر عن قيام الجاه في القلب ومعنى قيام الجاه في القلب اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمال في الشخص إما بعلم أو عبادة أو حسن خلق أو نسب أو ولاية أو جمال في صورة أو قوة في بدن أو شيء مما يعتقده الناس كمالاً، فإن هذه الأوصاف كلها تعظم محله في القلوب فتكون سبباً لقيام الجاه والله تعالى أعلم.
بيان سبب كون الجاه محبوباً بالطبع
حتى لا يخلو عنه قلب إلا بشديد المجاهدة
اعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع الأموال محبوباً هو بعينه يقتضي كون الجاه محبوباً، بل يقتضي أن يكون أحب من المال، كما يقتضي أن يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساويا في المقدار، وهو أنك تعلم أن الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما إذ لا تصلح لمطعم ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس، وإنما هي والحصباء بمثابة واحدة، ولكنهما محبوبان لأنهما وسيلة إلى جميع المحاب وذريعة إلى قضاء الشهوات، فكذلك الجاه لأن معنى الجاه ملك القلوب من الأحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرة على التوصل إلى جميع الأغراض، فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة، وترجيح الجاه على المال اقتضى أن يكون الجاه أحب من المال، ولملك الجاه ترجيح على ملك المال من ثلاثة أوجه.
الأول: أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصيل بالمال إلى الجاه، فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسر له، فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال، وأما الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمال إذا وجد كنزاً ولم يكن له جاه يحفظ ماله وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له، فإذاً الجاه آلة ووسيلة إلى المال، فمن ملك الجاه فقد ملك المال، ومن ملك المال لم يملك الجاه بكل حال، فلذلك صار الجاه أحب.
الثاني: هو أن المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرق ويغصب ويطمع فيه الملوك والظلمة، ويحتاج فيه إلى الحفظة والحراس والخزائن، ويتطرق إليه أخطار كثيرة، وأما القلوب إذا ملكت فلا تتعرض لهذه الآفات فهي على التحقيق خزائن عتيدة، لا يقدر عليها السراق ولا تتناولاه أيدي النهاب والغصاب، وأثبت الأموال العقار ولا يؤمن فيه الغصب والظلم ولا يستغني عن المراقبة والحفظ، وأما خزائن القلوب فهي محفوظة محروسة بأنفسها، والجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها. نعم إنما تغصب القلوب بالتصريف وتقبيح الحال وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال، وذلك مما يهون دفعه ولا يتيسر على محاولة فعله.
الثالث: أن ملك القلوب يسري ونمي ويتزايد منغير حاجة إلى تعب ومقاساة، فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الألسنة لا محالة بما فيها، فيصف ما يعتقده لغيره ويقتنص ذلك القلب أيضاً له، ولهذا المعنى يحب الطبع الصيت وانتشار الذكر. لأن ذلك إذا استطار في الأقطار اقتنص القلوب ودعاها إلى الإذعان والتعظيم، فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد وليس له مرد معين، وأما المال فمن ملك منه شيئاً فهو مالكه ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاساة، والجاه أبداً في النماء بنفسه ولا مرد لموقعه والمال واقف، ولهذا إذا عظم الجاه وانتشر الصيت وانطلقت الألسنة بالثناء استحقرت الأموال في مقابلته، فهذه مجامع ترجيحات الجاه على المال. وإذا فصلت كثرت وجوه الترجيح.
فإن قلت فالإشكال قائم في المال والجاه جميعاً فلا ينبغي أن يحب الإنسان المال والجاه. نعم القدر الذي يتوصل به إلى جلب الملاذ ودفع المضار معلوم، كالمحتاج إلى الملبس والمسكن والمطعم أو كالمبتلي بمرض أو بعقوبة إذا كان لا يتوصل إلى دفع العقوبة عن نفسه إلا بمال أو جاه، فحبه للمال والجاه معلوم، إذ كل ما لا يتوصل إلى المحبوب إلا به فهو محبوب، وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب جميع الأموال وكنز الكنوز وادخار الذخائر واستكثار الخزائن وراء جميع الحاجات، حتى لو كان للعبد واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً، وكذلك يحب الإنسان اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعاً أنه لا يطؤها ولا يشاهد أصحابها، ليعظموه أو ليبرون بمال أو ليعينوه على غرض من أغراضه، ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبع، ويكاد يظن أن ذلك جهل فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة? فنقول: نعم هذا الحب لا تنفك عنه القلوب. وله سببان? أحدهما: جلي تدركه الكافة. والآخر: خفي وهو أعظم السببين ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن أفهام الأذكياء فضلاً عن الأغبياء، وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس وطبيعة مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغواصون.
فأما السبب الأول: فهو دفع ألم الخوف، لأن الشفيق بسوء الظن مولع، والإنسان وإن كان مكفياً في الحال فإنه طويل الأمل ويخطر بباله أن المال فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره، فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزغ إليه إن أصابت هذا المال جائحة، فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة يقدر طول الحياة؛ ويقدر هجوم الحاجات؛ ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال، ويستشعر الخوف من ذلط فيطلب ما يدفع خوفه وهو كثرة المال، حتى إن أصيب بطائفة من ماله استغنى بالآخر، وهذا خوف لا يوقف له على مقدار مخصوص من المال، فلذلك لم يكن لمثله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدنيا ولذلك قال رسول الله ﷺ "منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال ومثل هذه العلة تطرد في حبه قيام المنزلة والجاه في قلوب الأباعد عن وطنه وبلده، فإنه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه، ويحتاج إلى الاستعانة بهم؛ ومهما كان ذلك ممكناً ولم يكن احتياجه إليهم مستحيلاً إحالة ظاهرة كان للنفس فرح ولذة بقيام الجاه في قلوبهم لما فيه من الأمن من هذا الخوف.
وأما السبب الثاني وهو الأقوى: لأن أمر رباني، به وصفه الله تعالى إذ قال سبحانه "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" أو معنى كونه ربانياً أنه من أسرار علوم المكاشفة ولا رخصة في إظهاره إذا لم يظهره رسول الله ﷺ ولكنك قبل معرفة ذلك تعلم أن للقلب ميلاً إلى صفات بهيمية كالأكل والوقاع، وإلى صفات سبعية كالقتل والضرب والإيذاء؛ وإلى صفات شيطانية كالمكر والخديعة والإغواء، وإلى صفات ربوبية كالكبر والعز والتجبر وطلب الاستعلاء، وذلك لأنه مركب من أصول مختلفة يطول شرحها وتفصيلها، فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع، ومعنى الربوبية التوحد بالكمال والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال. فصار الكمال من صفات الإلهية فصار محبوباً بالطبع للإنسان، والكمال بالتفرد بالوجود فإن المشاركة في الوجود نقص لا محالة، فكمال الشمس أنها موجودة وحدها، فلو كان معها شمس أخرى لكان ذلك نقصاً في حقها، إذ لم تكن منفردة بكمال معنى الشمسية، والمنفرد بالوجود هو الله تعالى إذ ليس معه موجود سواه، فإن ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته، بل هو قائم به، فلم يكن موجوداً معه لأن المعية توجب المساواة في الرتبة، والمساواة في الرتبة نقصان في الكمال، بل الكامل من لا نظير له في رتبته. وكما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصاناً في الشمس بل هو من جملة كمالها، وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى تساويها في الرتبة مع الاستغناء عنها، فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة فيكون تابعاً ولا يكون متبعاً فإذن معنى الربوبية التفرد بالوجود وهو الكمال. وكل إنسان فإنه بطبعه محب لأن يكون هو المنفرد بالكمال، ولذلك قال بعض مشايخ الصوفية: ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله "أنا ربكم الأعلى" ولكنه ليس يجد له مجالاً وهو كما قال، فإن العبودية قهر على النفس. والربوبية محبوبة بالطبع وذلك للنسبة الربانية التي أومأ إليها قوله تعالى "قل الروح من أمر ربي" ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال لمتسقط شهوتها للكمال، فهي محبة للكمال ومشتهية له وملتذة به لذاته لا لمعنى آخر وراء الكمال، وكل موجود فهو محب لذاته ولكمال ذاته؛ ومبغض للهلاك الذي هو عدم ذاته أو عدم صفات الكمال من ذاته. وإنما الكمال بعد أن يسلم التفرد بالوجود في الاستيلاء على كل الموجودات؛ فإن أكمل الكمال أن يكون وجود غيرك منك فإن لم يكن منك إن تكون مستولياً عليه، فصار الاستيلاء على الكل محبوباً بالطبع، لأنه نوع كمال. وكل موجود يعرف ذاته فإنه يحب ذاته ويحب كمال ذاته ويلتذ به، إلا أن الاستيلاء على الشيء بالقدرة على التأثير فيه، وعلى تغييره بحسب الإرادة وكونه مسخراً لك تردده كيف تشاء، فأحب الإنسان أن يكون له استيلاء على كل الأشياء الموجودة مع. إلا أن الموجودات منقسمة إلى ما لا يقبل التغيير في نفسه كذات الله تعالى وصفاته. وإلى ما يقبل التغيير ولكن لا يستولى عليه قدرة الخلق، كالأملاك والكواكب وملكوت السموات ونفوس الملائكة والجن والشياطين؛ وكالجبال والبحار. وإلى ما يقبل التغيير بقدرة العبد كالأرض وأجزائها وما عليها من المعادن والنبات والحيوان ومن جملتها قلوب الناس، فإنها قابلة للتأثير والتغيير مثل أجسادهم وأجساد الحيوانات.
فإذا انقسمت الموجودات إلى ما يقدر الإنسان على التصرف فيه كالأرضيات، وإلى ما لا يقدر عليه كذات الله تعالى والملائكة والسموات، أحب الإنسان أن يستولي على السموات بالعلم والإحاطة والإطلاع على أسرارها فإن ذلك نوع استيلاء؛ إذ المعلوم المحاط به كالداخل تحت العلم، والعالم كالمستولي عليه، فلذلك أحب أن يعرف الله تعالى والملائكة والأفلاك والكواكب، وجميع عجائب السموات، وجميع عجائب البحار والجبال وغيرها لأن ذلك نوع استيلاء عليها، والاستيلاء نوع كمال. وهذا يضاهي اشتياق منن عجز عن صنعة عجيبة إلى معرفة طريق الصنعة فيها، كمن يعجز عن وضع الشطرنج، فإنه قد يشتهي أن يعرف اللعب به وأنه كيف وضع? وكمن يرى صنعة عجيبة في الهندسة أو الشعبذة أو جر الثقيل أو غيره وهو مستشعر في نفسه بعض العجز والقصور عنه ولكنه يشتاق إلى معرفة كيفيته فهو متألم ببعض العجز متلذذ بكمال العلم إن علمه.
وأما القسم الثاني: وهو الأرضيات التي قدر الإنسان عليها، إن يحب بالطبع أن يستولي عليها بالقدرة على التصرف فيها كيف يريد وهي قسمان: أجساد وأرواح.
"أما الأجساد" فهي الدراهم والدنانير والأمتعة فحب أن يكون قادراً عليها يفعل فيها ما شاء من الرفع والوضع والتسليم والمنع، فإن ذلك قدرة والقدرة كمال، والكمال من صفات الربوبية، والربوبية محبوبة بالطبع، فلذلك أحب الأموال وإن كان لا يحتاج إليها في ملبسه ومطعمه وفي شهوات نفسه، وبذلك طلب استرقاق العبيد واستعباد الأشخاص الأحرار ولو بالقهر والغلبة حتى يتصرف في أجسادهم وأشخاصهم بالاستسخار، وإن لم يملك قلوبهم، فإنها ربما لم تعتقد كماله حتى يصير محبوباً لها ويقوم القهر منزلته فيها، إن الحشمة القهرية أيضاً لذيذة لما فيها من القدرة.
"القسم الثاني" نفوس الآدميين وقلوبهم وهي أنفس ما على وجه الأرض، فهو يحب أن يكون له استيلاء وقدرة عليها لتكون مسخرة له متصرفة تحت إشارته وإرادته لما فيه من كمال الاستيلاء والتشبه بصفات الربوبية، والقلوب إنما تتسخر بالحب ولا تحب إلا باعتقاد الكمال، فإن كل كمال محبوب لأن الكمال من الصفات الإلهية والصفات الإلهية كلها محبوبة بالطبع للمعنى الرباني من جملة معاني الإنسان، وهو الذي لا يبليه الموت فيعدمه ولا يتسلط عليه التراب فيأكله، فإنه محل الإيمان والمعرفة وهو الواصل إلى لقاء الله تعالى والساعي إليه فإذن معنى الجاه تسخير القلوب، ومن تسخرت له القلوب كانت له قدرة واستيلاء عليها، والقدرة والاستيلاء كما وهو من أوصاف الربوبية. فإذن محبوب القلب بطبعه الكمال بالعلم والقدرة، والمال والجاه من أسباب القدرة، ولا نهاية للمعلومات ولا نهاية للمقدورات، وما دام يبقى معلوم، أو مقدور فالشوق لا يسكن والنقصان لا يزول. ولذلك قال ﷺ "منهومان لا يشبعان" فإذن مطلوب القلوب الكمال، والكمال بالعلم والقدرة وتفاوت الدرجات فيه غير محصور، فسرور كل إنسان ولذته بقدر ما يدركه من الكمال، فهذا هو السبب في كون العلم والمال والجاه محبوباً، وهو أمر وراء كونه محبوباً لأجل التوصل إلى قضاء الشهوات فإن هذه العلة قد تبقى مع سقوط الشهوات، بل يحب الإنسان من العلوم ما لا يصلح للتوصل به إلى الأغراض، بل ربما يفوت عليه جملة من الأغراض والشهوات، ولكن الطبع يتقاضى طلب العلم في جميع العجائب والمشكلات، لأن في العلم استيلاء على المعلوم وهو نوع من الكمال الذي هو من صفات الربوبية فكان محبوباً بالطبع، إلا أن في حب كمال العلم والقدرة أغاليط لا بد من بيانها إن شاء الله تعالى.
بيان الكمال الحقيقي والكمال الوهمي
الذي لا حقيقة له
قد عرفت أنه لا كمال بعد فوات التفرد بالوجود إلا في العلم والقدرة، ولكن الكمال الحقيقي فيه متلبس بالكمال الوهمي، وبيانه أن كمال العلم لله تعالى وذلك من ثلاثة أوجه: "أحدها" من حيث كثرة المعلومات وسعتها، فإنه محيط بجميع المعلومات، فلذلك كلما كانت علوم العبد أكثر كان أقرب إلى الله تعالى "الثاني" من حيث تعلق العلم بالمعلوم على ما هو به، وكون المعلوم مكشوفاً به كشفاً تاماً، فإن المعلومات مكشوفة لله تعالى بأتم أنواع الكشف على ما هي عليه، فلذلك مهما كان علم العبد أوضح وأيقن وأصدق وأوفق للمعلوم في تفاصيل صفات العلوم كان أقرب إلى الله تعالى "الثالث" من حيث بقاء العلم أبد الآباد بحيث لا يتغير ولا يزول، فإن علم الله تعالى باق لا يتصور أن يتغير فكذلك مهما كان علم العبد بمعلومات لا يقبل التغير والانقلاب كان أقرب إلى الله تعالى.
والمعلومات قسمان: متغيرات وأزليات.
أما المتغيرات: فمثالها العلم بكون زيد في الدار، فإنه علم له معلوم، ولكنه يتصور أن يخرج زيد من الدار ويبقى اعتقاد كونه في الدار كما كان فينقلب جهلاً، فيكون نقصاناً لا كمالاً، فكلما اعتقدت اعتقاداً موافقاً وتصور أن ينقلب المعتقد فيه عما اعتقدته كنت بصدد أن ينقلب كمالك نقصاً، ويعود علمك جهلاً. ويلتحق بهذا المثال جميع متغيرات العالم، كعلمك مثلاً بارتفاع جبل ومساحة أرض، وبعد البلاد وتباعد ما بينها من الأميال والفراسخ، وسائر ما يذكر في المسالك والممالك، وكذلك العلم باللغات التي هي اصطلاحات تغير بتغير الأعصار والأمم والعادات فهذه علوم معلوماتها مثل الزئبق تتغير من حال إلى حال، فليس فيه كمال إلا في الحال ولا يبقى كمالاً في القلب.
القسم الثاني: هو المعلومات الأزلية وهو جواز الجائزات ووجوب الواجبات واستحالة المستحيلات، فإن هذه معلومات أزلية أبدية، إذ لا يستحيل الواجب قط جائزاً ولا الجاز محالاً ولا المحال واجباً. فكل هذه الأقسام داخلة في معرفة الله وما يجب له، وما يستحيل في صفاته، ويجوز في أفعاله، فالعلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت السموات والأرض وترتيب الدنيا والآخرة ومايتعلق به هو الكمال الحقيقي الذي يقرب من يتصف به من الله تعالى، ويبقى كمالاً للنفس بعد الموت، وتكون هذه المعرفة نور للعارفين بعد الموت "يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا" أي تكون هذه المعرفة رأس مال يوصل إلى كشف ما لم ينكشف في الدنيا، كما أنه معه سراج خفي فإنه يجوز أن يصير ذلك سبباً لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه، فيكمل النور الخفي على سبيل الاستتمام، ومن ليس معه أصل السراج فلا مطمع له في ذلك، فمن ليس معه أصل معرفة الله تعالى لم يكن له مطمع في هذا النور، فيبقى كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها بل "كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض" فإذن لا سعادة إلا في معرفة الله تعالى وأما ما عدا ذلك من المعارف فمنها ما لا فائدة له أصلاً كمعرفة الشعر وأنساب العرب وغيرهما، ومنها ما له منفعة في الإعانة على معرفة الله تعالى كمعرفة لغة العرب والتفسير والفقه والأخبار، فإن معرفة لغة العرب تعين على معرفة تفسير القرآن، ومعرفة التفسير تعين على معرفة ما في القرآن من كيفية العبادات والأعمال التي تفيد تزكية النفس، ومعرفة طريق تزكية النفس تفيد استعداد النفس لقبول الهدايا إلى معرفة الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى "قد أفلح من زكاها" وقال عز وجل "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" فتكون جملة هذه المعارف كالوسائل إلى تحقيق معرفة الله تعالى، وإنما الكمال في معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله، وينطوي فيه جميع المعارف المحيطة بالموجودات إذ الموجودات كلها من أفعاله، فمن عرفها من حيث هي فعل الله تعالى. ومن حيث ارتباطها بالقدرة والإرادة والحكمة، فهي من تكملة معرفة الله تعالى، وهذا حكم كمال العلم ذكرناه وإن لم يكن لائقاً بأحكام الجاه والرياء ولكن أوردناه لاستيفاء أقسام الكمال.
وأما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبد، بل للعبد علم حقيقي وليس له قدرة حقيقية، وإنما القدرة الحقيقية لله وما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد وقدرته وحركته فهي حادثة بإحداث الله -كما قررنا في كتاب الصبر والشكر، وكتاب التوكل وفي مواضع شتى من ربع المنجيات- فكمال العلم يبقى معه بعد الموت ويوصله إلى الله تعالى فأما كمال القدرة فلا نعم له كمال من جهة القدرة بالإضافة إلى الحال وهي وسيلة له إلى كمال العلم كسلامة أطرافه وقوة يده للبطش ورجله للمشي وحواسه للإدراك، فإن هذه القوة آلة للوصول بها إلى حقيقة كمال العلم، وقد يحتاج استيفاء هذه القوى إلى القدرة بالمال والجاه للتوصل به إلى المطعم والمشرب والملبس والمسكن، وذلك إلى قدر معلوم، فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة جلال الله فلا خير فيه البتة إلا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب، ومن ظن ذلك كمالاً فقد جهل، فالخلق أكثرهم هالكون في غمره هذا الجهل، فإنهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة، وعلى أعيان الأموال بسعة الغنى، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه؛ كمال، فلما اعتقدوا ذلك أحبوه ولما أحبوه طلبوه ولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله تعالى ومن ملائكته وهو العلم والحرية "أما العلم" فما ذكرناه من معرفة الله تعالى "وأما الحرية" فالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبهاً بالملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم لغضب، فإن دفع آثار الشهوة والغضب عن النفس من الكمال الذي هو من صفات الملائكة. ومن صفات الكمال لله تعالى استحالة التغيير والتأثر عليه فمن كان عن التغير والتأثر بالعوارض أبعد كان إلى الله تعالى أقرب وبالملائكة أشبه، ومنزلته عند الله أعظم. وهذا كمال ثالث سوى كمال العلم والقدر، وإنما لم نورده في أقاسم الكمال لأن حقيقته ترجع إلى عدم ونقصان، فإن التغير نقصان إذ هو عبارة عن عدم صفة كائنة وهلاكها، والهلاك نقص في اللذات وفي صفات الكمال.
فإذن الكمالات ثلاثة -إن عددنا (عدم التغير بالشهوات وعدم الانقياد لها) كمالاً ككمال العلم وكمال الحرية؛ وأعني به عدم العبودية للشهوات وإرادة الأسباب الدنيوية- وكمال القدرة للعبد طريق إلى اكتساب كمال العلم، وكمال الحرية ولا طريق له إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته، إذ قدرته على أعيان الأموال وعلى استسخار القلوب والأبدان تنقطع بالموت، ومعرفته وحريته لا ينعدمان بالموت بل يبقيان كمالاً فيه ووسيلة إلى القرب من الله تعالى. فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبوا على وجوههم انكباب العميان فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالجاه والمال، وهو الكمال الذي لا يسلم وإن سلم فلا بقاء له، وأعرضوا عن كمال الحرية والعلم الذي إذا حصل كان أبدياً لا انقطاع له، وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى "المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً" فالعلم والحرية هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالاً في النفس، والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله الله تعالى حيث قال "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض" الآية. وقال تعالى "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء" إلى قوله "فأصبح هشيماً تذروه الرياح" وكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات. فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال ظني لا أصل له، وأن من قصر الوقت على طلبه وظنه مقصوداً فهو جاهل، وإليه أشار أبو الطيب بقوله: ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل: الفقـر
إلا قدر البلغة منهما إلى الكمال الحقيقي اللهم اجعلنا ممن وفقته للخير وهديته بلطفك.
بيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم
مهما عرفت أن معنى الجاه مللك القلوب والقدرة عليها فحكمه حكم ملك الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا، وينقطع بالموت كالمال، والدنيا مزرعة الآخرة، فكل ما خلق في الدنيا فيمكن أن يتزود منه للآخرة، وكما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم والمشرب والملبس، فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق، والإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام أو المال الذي يبتاع به الطعام، فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه، ورفيق يعينه، وأستاذ يرشده، وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة بمذموم، وحبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم، وحبه لأن يكون له في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ليس بمذموم، وحبه لأن يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحثه ذلك على دفع الشر عنه ليس بمذموم، فإن الجاه وسيلة إلى الأعراض كالمال، فلا فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال والجاه بأعيانهما محبوبين له، بل ينزل ذلك منزلة حب الإنسان أن يكون له في داره بيت ماء لأنه مضطر إليه لقضاء حاجته، ويود أن لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء، فهذا على التحقيق ليس محباً لبيت المال فكل ما يراد للتوصل به إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوصل إليه. وتدرك التفرقة بمثال آخر وهو أن الرجل قد يحب زوجته من حيث إنه يدفع بها فضلة الشهوة، كما يدفع بيت الماء فضلة الطعام، ولو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجز زوجته، كما أنه لو كفى قضاء الحاجة لكان لا يدخل بيت الماء ولا يدور به، وقد يحب الإنسان زوجته لذاتها حب العشاق ولو كفى الشهوة لبقي مستصحباً لنكاحها؛ فهذا هو الحب دون الأول، وكذلك الجاه والمال. وقد يجب كل واحد منهما على هذين الوجهين، فحبهما لأجل التوصل بهما إلى مهمات البدن غير مذموم، وحبهما لأعيابهما فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم، ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمل الحب على مباشرة معصية. وما يتوصل به إلى اكتساب بكذب وخداع وارتكاب محظور وما لم يتوصل إلى اكتسابه بعبادة، فإن التوصل إلى الجاه والمال بالعبادة جناية على الدين وهو حرام، وإليه يرجع معنى الرياء المحظور كما سيأتي.
فإن قلت: طلبه المنزلة والجاه في قلب أستاذه وخادمه ورفيقه وسلطانه ومن يرتبط به أمره مباح على الإطلاق كيفما كان؛ أو يباح إلى حد مخصوص على وجه مخصوص? فأقول: يطلب ذلك على ثلاثة أوجه؛ وجهان مباحان، ووجه محظور.
أما الوجه المحظور: فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة وهو منفك عنها، مثل العلم والورع والنسب، فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع وهو لا يكون كذلك. فهذا حرام لأنه كذب وتلبيس أما بالقول أو بالمعاملة.
أما أحد المباحين: فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها كقول يوسف ﷺ فيما أخبر عنه الرب تعالى "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظاً عليماً، وكان محتاجاً إليه وكان صادقاً فيه "والثاني" أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه، حتى لا يعلم فلا تزول منزلته به، فهذا أيضاً مباح لأن حفظ الستر على القبائح جائز، ولا يجوز هتك الستر وإظهار القبيح. وهذا ليس فيه تلبيس، بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة في العلم به، كالذي يخفي عن السلطان أنه يشرب الخمر ولا يلقى إليه أنه ورع، فإنه قوله: إني ورع، تلبيس، وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع بل يمنع العلم بالشرب.
ومن جملة المحظورات تحسين الصلاة بين يديه ليحسن فيه اعتقاده، فإن ذلك رياء، وهو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله وهو مراء بما يفعله، فكيف يكون مخلصاً? فطلب الجاه بهذا الطريق حرام وكذا بكل معصية، وذلك يجري مجرى اكتساب المال الحرام من غير فرق، وكما لا يجوز له أن يتملك مال غيره بتلبيس في عوض أو غيره فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع، فإن مللك القلوب أعظم من ملك الأموال.
بيان السبب في حب المدح والثناء
وارتياح النفس به وميل الطبع إليه وبغضها للذم ونفرتها منه
اعلم أن لحب المدح والتذاذ القلب به أربعة أسباب: السبب الأول وهو الأقوى: شعور النفس بالكمال فإنا بينا أن الكمال محبوب، وكل محبوب فإدراكه لذيذ. فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت واعتزت وتلذذت، والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها، فإن الوصف الذي به مدح لا يخلو إما أن يكون جلياً ظاهراً أو يكون مشكوكاً فيه، فإن كان جلياً ظاهراً محسوساً كانت اللذة به أقل، ولكنه لا يخلو عن لذة كثنائه عليه بأنه طويل القامة أبيض اللون فإن هذا نوع كمال ولكن النفس تغفل عنه فتخلو عن لذته، فإذا استشعرته لم يخل حدوث الشعور عن حدوث لذة، وإن كان ذلك الوصف مما يتطرق إليه الشك فاللذة فيه أعظم كالثناء عليه بكمال العلم أو كمال الورع أو بالحسن المطلق، فإن الإنسان ربما يكون شاكاً في كمال حسنه وفي كمال علمه وكمال ورعه ويكون مشتاقاً إلى زوال هذا الشك بأن يصير مستيقناً لكونه عديم النظير في هذه الأمور إذ تطمئن نفسه إليه، إذا ذكره غيره أورث ذلك طمأنينة وثقة باستشعار ذلك الكمال فتعظم لذاته، وإنما تعظم اللذة بهذه العلة مهما صدر الثناء من بصير بهذه الصفات خبير بها لا يجازف في القول إلا عن تحقيق وذلك كفرح التلميذ بثناء أستاذه عليه بالكياسة والذكاء وغزارة الفضل فإنه في غاية اللذة، وإن صدر ممن يجازف في الكلام أو لا يكون بصيراً بذلك الوصف ضعفت اللذة، وبهذه العلة يبغض الذم أيضاً ويكرهه لأنه يشعره بنقصان نفسه والنقصان ضد الكمال المحبوب فهو ممقوت الشعور به مؤلم، ولذلك يعظم الألم إذا صدر الذم من بصير موثوق به كما ذكرناه في المدح.
السبب الثاني: أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح وأنه مريد له ومعتقد فيه ومسخر تحت مشيئته وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ، وبهذه العلة تعظم اللذة مهما صدر الثناء ممن تتسع قدرته وينتفع باقتناص قلبه كالملوك والأكابر، ويضعف مهما كان المادح ممن لا يؤبه له ولا يقدر على شيء، فإن القدرة عليه بملك قلبه قدرة على أمر حقير فلا يدل المدح إلا على قدرة قاصرة، وبهذه العلة أيضاً يكره الذم ويتألم به القلب، وإذا كان من الأكابر كانت نكايته أعظم لأن الفائت به أعظم.
السبب الثالث: أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه، لا سيما إذ كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتد بثنائه، وهذا مختص بثناء يقع على الملأ فلا جرم كلما كان الجمع أكثر والمثني أجدر بأن يلتفت إلى قوله كان المدح ألذ والذم أشد على النفس.
السبب الرابع: أن المدح يدل على حشمة الممدوح، واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالثناء على الممدوح إما عن طوع وإما عن قهر، فإن الحشمة أيضاً لذيذة لما فيها من القهر والقدرة، وهذه اللذة تحصل وإن كان المادح لا يعتقد في الباطن ما مدح به، ولكن كونه مضطراً إلى ذكره نوع قهر واستيلاء عليه، فال جرك تكون لذته بقدر تمنع المادح وقوته، فتكون لذة ثناء القوي الممتنع عن التواضع بالثناء أشد.
فهذه الأسباب الأربعة قد تجمع في مدح مادح واحد فيعظم بها الالتذاذ، وقد تفترق فتنقص اللذة بها. أما العلة الأولى وهي استشعار الكمال فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في قوله، كما إذا مدح بأنه نسيب أو سخي أو عالم يعلم أو متورع عن المحظورات وهو يعلم من نفسه ضد ذلك، فتزول اللذة التي سببها استشعار الكمال وتبقى لذة الاستيلاء على قلبه وعلى لسانه وبقية اللذات، فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلت اللذة الثانية وهو استيلاؤه على قلبه، وتبقى لذة الاستيلاء والحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالثناء فإن لم يكن ذلك عن خوف بل كان بطريق اللعب بطلت اللذات كلها فلم يكن فيه أصلاً لذة لفوات الأسباب الثلاثة فهذا ما يكشف الغطاء عن علة التذاذ النفس بالمدح وتألمها بسبب الذم. وإنما ذكرنا ذلك ليعرف طريق العلاج لحب الجاه وحب المحمدة وخوف المذمة، فإن ما لا يعرف سببه لا يمكن معالجته، إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض. والله الموفق بكرمه ولطفه وصلى الله على كل عبد مصطفى.
بيان علاج حب الجاه
اعلم ان من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفاً بالتودد إليهم والمراءات لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق وأصل الفساد، ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناص القلوب، ولذلك شبه رسول الله ﷺ حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين وقال عليه السلام "إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل" إذاً النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول أو الفعل، وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطر إلى النفاق معهم وإلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها، وذلك هو عين النفاق.
فحب الجاه إذن من المهلكات، فجب علاجه وإزالته عن القلب فإنه طبع جبل عليه القلب كما جبل على حب المال؛ وعلاجه مركب من علم وعمل.
أما العلم: فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه وهو كمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم، وقد بينا أن ذلك إن صفا وسلم فآخره الموت، فليس هو من الباقيات الصالحات، بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى المغرب فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له، ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له. فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها، ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي -كما سبق- صغر الجاه في عينه، إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده، ويكون حاله كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن عبد العزيز "أما بعد: فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات" فانظر كيف مد نظره نحو المستقبل وقدره كائناً. وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حين كتب في جوابه "أما بعد: فكأنك الدنيا لم تكن وكأنك الآخرة لم تزل" فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة، فكان عملهم لها بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقين، فاستحقروا الجاه والمال في الدنيا. وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب، ولذلك قال تعالى "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى" وقال عز وجل "كلا بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة" فمن هذا حده فينبغي أن يعالج قلبه من حب الجاه بالعلم بالآفات العاجلة، وهو أن يتفكر في الأخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا، فإن كل ذي جاه محسود ومقصود بالإيذاء وخائف على الدوام على جاهه ومحترز من أن تتغير منزلته في القلوب، والقلوب أشد تغيراً من القدر في غليانها وهي مترددة بين الإقبال والإعراض، فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر فإنه لا ثبات له، والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء كل ذلك غموم عاجلة ومكدرة للذة الجاه، فلا يفي في الدنيا مرجوها بمخوفها فضلاً عما يفوت في الآخرة، فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة. وأما من نفذت بصيرته وقوي إيمانه فلا يلتفت إلى الدنيا، فهذا هو العلاج من حيث العلم.
وأما من حيث العمل: فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول ويرد الخلق ويقنع بالقبول من الخالق. وهذا هو مذهب الملامتية؛ إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس فيسلموا من آفة الجاه، وهذا غير جائز لمن يقتدى به فإنه يوهن الدين في قلوب المسلمين، وأما الذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدم على محظور لأجل ذلك، بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس؛ كما روي أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد، فلما علم بقربه منه استدعى طعاماً وبقلاً وأخذ يأكل بشره ويعظم اللقمة، فلما نظر غليه الملك سقط من عينه وانصرف، فقال الزاهد: الحمد لله الذي صرفك عني. ومنهم من شرب شراباً حلالاً في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب الخمر فيسقط من أعين الناس. وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقه مهما رأوا إصلاح قلوبهم فيه ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير، كما فعل بعضهم، فإنه عرف بالزهد وأقبل الناس عليه، فدخل حماماً ولبس ثياب غيره وخرج فوقف في الطريق حتى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا: إنه طرار وهجروه وأقوى الطرق في قطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول، فإن المعتزل في بيته في البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته، فإنه ربما يظن أنه ليس محباً لذلك الجاه وهو مغرور، وإنما سكنت نفسه لأنها قد ظفرت بمقصودها ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى أمر غير لائق به جزعت نفسه وتألمت، وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ولا يبالي به، وبه ويتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة. ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال بل هو شر منه فإن فتنة الجاه أعظم، ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس، فإذا أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى وقطع طمعه عن الناس رأساً أصبح الناس كلهم عنده كالأرذال، فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن، كما لا يبالي بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم، ولا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة، فمن قنع استغنى عن الناس وإذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس ولم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن، ولا يتم ترك الجاه إلا بالقناعة وقطع الطمع. ويستعين على جميع ذلك بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول والذل مثل قولهم: المؤمن لا يخلو من ذلة أو قلة أو علة. وينظر في أحوال السلف وإيثارهم للذل على العز ورغبتهم في ثواب الآخرة رضي الله عنهم أجمعين.
بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم
اعلم أن أكبر الناس إنما هلكوا فخوف مذمة الناس وحب مدحهم، فصار حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات فيجب معالجته وطريقة ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره الذم.
أما السبب الأول: فهو استشعار الكمال بسبب قول المادح فطريقك فيه أن ترجع إلى عقلك وتقول لنفسك: هذه الصفة التي يمدحك بها أنت متصف بها أم لا? فإن كنت متصفاً بها فهي إما صفة تستحق المدح كالعلم والورع، وإما صفة لا تستحق المدح كالثروة والجاه والأعراض الدنيوية فإن كانت من الأعراض الدنيوية فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيماً تذروه الرياح، وهذا من قلة العقل، بل العاقل يقول كما قال المتنبي: أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا
فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعروض الدنيا، وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بها بوجودها والمدح ليس هو سبب وجودها. وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع فينبغي أن لا يفرح بها لأن الخاتمة غير معلومة، وهذا إنما يفتضي الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى، وخطر الخاتمة باق ففي الخوف من سوء الخاتمة شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا، بل الدنيا دار أحزان وغموم لا دار فرح وسرور ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا يمدح المادح، فإن اللذة في استشعار الكمال والكمال موجود من فضل الله لا من المدح والمدح تابع له فلا ينبغي أن تفرح بالمدح، والمدح لا يزيدك فضلاً وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون، ومثالك مثال من يهزأ به إنسان ويقول سبحان الله ما أكثر العطر الذي في أحشائه وما أطيب الروائح التي تفوح منه? إذا قضى حاجته، وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان، ثم يفرح بذلك فكذلك إذا ثنوا عليك بالصلاح والورع ففرحت به والله مطلع على خبائث باطنك وغوائل سريرتك وأقذار صفاتك -كان ذلك من غاية الجهل. فإذاً المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتتك التي هي من فضل الله عليك، وإن كذب فينبغي أن يغمك ذلك ولا تفرح به.
وأما السبب الثاني: وهو دلالة المدح على تسخين قلب المادح وكونه سبباً لتسخير قلب آخر، فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب -وقد سبق وجه معالجته، وذلك بقطع الطمع عن الناس وطلب المنزلة عند الله، وبأن تعلم أن طلبة المنزلة في قلوب الناس وفرحك به يسقط منزلتك عند الله! فكيف تفرح به? وأما السبب الثالث: وهو الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح، فهو أيضاً يرجع إلى قدرة عارضة لإثبات لها ولا تستحق الفرح، بل ينبغي أن يغمك مدح المادح وتكرهه وتغضب به -كما نقل ذلك عن السلف- لأن آفة المدح على الممدوح عظيمة -كما ذكرناه في كتاب آفات اللسان- قال بعض السلف: من فرح بمدح فقد مكن الشيطان من أن يدخل في بطنه. وقال بعضهم: نعم الرجل أنت، فكان أحب إليك من أن يقال لك: بئس الرجل أنت، فأنت والله بئس الرجل. وروي في بعض الأخبار -فإن صح فهو قاصم للظهور- أن رجلاً أثنى على رجل خيراً عند رسول الله ﷺ فقال "لو كان صاحبك حاضراً فرضي الذي قلت فمات على ذلك دخل النار وقال ﷺ مرة للمادح "ويحك قصمت ظهره لو سمعك ما أفلح إلى يوم القيامة وقال عليه السلام "ألا لا تمادحوا وإذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب فلهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على وجل عظيم من المدح وفتنته وما يدخل على القلب من السرور العظيم به، حتى إن بعض الخلفاء الراشدين سأل رجلاً عن شيء فقال: أنت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم، فغضب وقال: إني لم آمرك بأن تزكيني وقيل لبعض الصحابة: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله، فغضب وقال: إني لأحسبك عراقياً. وقال بعضهم -لما مدح- اللهم إن عبدك تقرب إلي بمقتك فأشهدك على مقته. وإنما كرهوا المدح خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق وهم ممقوتون عند الخالق، فكان اشتغال قلوبهم بحالهم عند الله تعالى يبغض إليهم مدح الخلق، لأن الممدوح هو المقرب عند الله والمذموم بالحقيقة هو المبعد من الله الملقى في النار مع الأشرار فهذا الممدوح إن كان عند الله من أهل النار فما أعظم جهله إذا فرح بمدح غيره، وإن كان من أهل الجنة فلا ينبغي أن يفرح إلا بفضل الله تعالى وثنائه عليه إذ ليس أمره بيد الخلق. ومهما علم أن الأرزاق والآجال بيد الله تعالى قل التفاته إلى مدح الخلق وذمهم وسقط من قلبه حب المدح واشتغل بما يهمه من أمر دينه. والله الموفق للصواب برحمته.
بيان علاج كراهة الذم
قد سبق أن العلة في كراهة الذم هو ضد العلة في حب المدح، فعلاجه أيضاً يفهم منه. والقول الوجيز فيه أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال.
إما أن يكون قد صدق فيما قال وقصد به النصح والشفقة؛ وإما أن يكون صادقاً ولكن قصده الإيذاء والتعنت وإما أن يكون كاذباً.
فإن كان صادقاً وقصده النصح فلا ينبغي أن تذمه وتغضب عليه وتحقد بسببه، بل ينبغي أن تتقلد منته فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك حتى تتقيه، فينبغي أن تفرح به وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت عليها، فأما اغتمامك بسبب وكراهتك له وذمك إياه فإنه غاية الجهل، وإن كان قصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلاً به، وأذكرك عيبك إن كنت غافلاً عنه، أو قبحه في عينك لينبعث من حرصك على إزالته إن كنت قد استحسنته. وكل ذلك أسباب سعادتك وقد استفدته منه فاشتغل بطلب السعادة فقد أتيح لك أسبابها بسبب ما سمعته من المذمة. فمهما قصدت الدخول على مللك وثوبك ملوث بالعذرة وأنت لا تدري، ولو دخلت عليه كذلك لخفت أن يحز رقبتك لتلويثك مجلسة بالعذرة فقال قائل: أيها الملوث بالعذرة طهر نفسك، فينبغي أن تفرح به لأن تنبيهك بقوله غنيمة، وجميع مساوئ الأخلاق مهلكة في الآخرة والإنسان إنما يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن يغتنمه. وأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين نفسه وهو نعمة منه عليك فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو به? الحالة الثالثة: أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي أن لا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه، بل تتفكر في ثلاثة أمور "أحدها" أنك إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباهه، وما ستره الله من عيوبك أكثر، فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ما أنت بريء عنه. "والثاني" أن ذلك كفارات لبقية مساويك وذنوبك فكأنه رماك بعيب أنت بريء منه وطهرك من ذنوب أنت ملوث بها وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته وكل من مدحك فقد قطع ظهرك. فما بالك تفرح بقطع الظهر وتحزن لهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله تعالى وأنت تزعم أنك تحب القرب من الله. "وأما الثالث" فهو أن المسكين قد جنى على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك نفسه بافترائه وتعرض لعقابه الأليم، فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب الله عليه فتشمت به الشيطان وتقول: اللهم أهلكه، بل ينبغي أن تقول: اللهم أصلحه اللهم تب عليه اللهم ارحمه، كما قال ﷺ "اللهم اغفر لقومي اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون لما أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه حمزة يوم أحد. ودعا إبراهيم بن أدهم لمن شج رأسه بالمغفرة فقيل له في ذلك فقال: علمت أني مأجور بسبب وما نالني منه إلا خير فلا أرضى أن يكون هو معقباً بسببي. ومما يهون عليك كراهة المذمة قطع الطمع فإن من استغنيت عنه مهما ذمك لم يعظم أثر ذلك في قلبه، وأصل الدين القناعة وبها ينقطع الطمع عن المال والجاه، وما دام الطمع قائماً كان حب الجاه والمدح في قلب من طمعت فيه غالباً، وكانت همتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة، ولا ينال ذلك إلا بهدم الدين، فلا ينبغي أن يطمع طالب المال والجاه ومحب المدح ومبغض الذم في سلامة دينه فإن ذلك بعيد جداً.
بيان اختلاف أحوال الناس في المدح والذم
اعلم أن للناس أربعة أحوال بالإضافة إلى الذام والمادح: الحالة الأولى: أن يفرح بالمدح ويشكر المادح ويغضب من الذم ويحقد على الذام ويكافئه أو يحب مكافأته، وهذا حال أكثر الخلق وهو غاية درجات المعصية في هذا الباب.
الحالة الثانية: أن يمتعض في الباطن على الذام ولكن يمسك لسانه وجوارحه عن مكافاته ويفرح باطنه، ويرتاح للمادح ولكن يحفظ ظاهره عن إظهار السرور، وهذا من النقصان إلا أنه بالإضافة إلى ما قبله كمال.
الحالة الثالثة: وهي أول درجات الكمال أن يستوي عنده ذامه ومادحه فلا تغمه المذمة ولا تسره استثقالاً. وهذا قد يظنه بعض العباد بنفسه ويكون مغروراً إن لم يمتحن نفسه بعلاماته. وعلاماته أن لا يجد في نفسه استثقالاً للذام عند تطويله الجلوس عنده أكثر مما يجده في المادح، وأن لا يجد في نفسه زيادة هزة ونشاط في قضاء حوائج المادح فوق ما يجده في قضاء حاجة الذام، وأن لا يكون انقطاع الذام عن مجلسه أهون عليه من انقطاع المادح، وأن لا يكون موت المادح المطري له أشد نكاية في قلبه من موت الذام، وأن لا يكون غمه بمصيبة المادح وما يناله من أعدائه أكثر مما يكون بمصيبة الذام، وأن لا تكون زلة المادح أخف على قلبه وفي عينه من زلة الذام. فمهما خف الذام على قلبه كما خف المادح واستويا من كل وجه فقد نال هذه الرتبة وما أبعد ذلك وما أشده على القلوب! وأكثر العباد فرحهم بمدح الناس لهم مستبطن في قلوبهم وهم لا يشعرون حيث لا يمتحنون أنفسهم بهذه العلامات، وربما شعر العابد بميل قلبه إلى المادح دون الذام، والشيطان يحسن له ذلك ويقول: الذام قد عصى الله بمذمتك، والمادح قد أطاع الله بمدحك، فكيف تسوي بينهما? وإنما استثقالك للذام من الدين المحض. وهنا محض التلبيس، فإن العابد لو تفكر علم أن في الناس من ارتكب كبائر المعاصي أكثر مما ارتكب الذام في مذمته، ثم إنه لا يستثقلهم ولا ينفر عنهم، ويعلم أن المادح الذي مدح لا يخلو عن مذمة غيره. ولا يجد في نفسه نفرة عنه بمذمة غيره كما يجد لمذمة نفسه، والمذمة من حيث إنها معصية لا تختلف بأن يكون هو المذموم أو غيره. فإذا العابد المغرور لنفسه يغضب ولهواه يمتعض، ثم إن الشيطان يخيل إليه أنه من الدين حتى يعتل على الله بهواه فيزيده ذلك بعداً من الله. ومن لم يطع على مكايد الشيطان وآفات النفوس فأكثر عباداته تعب ضائع يفوت عليه الدنيا ويخسره في الآخرة، وفيهم قال الله تعالى "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً".
الحالة الرابعة: وهي الصدق في العبادة؛ أن يكره المدح ويمقت المادح، إذا يعلم أنه فتنة عليه قاصمة للظهر مضرة له في الدين، ويحب الذام إذ يعلم أنه مهد غليه عيبه ومرشد له إلى مهمه ومهد إليه حسناته، فقد قال ﷺ "رأس التواضع أن تكره أن تذكر بالبر والتقوى وقد روي في بعض الأخبار ما هو قاصم لظهور أمثالنا إن صح، إذ روي أن ﷺ قال "ويل للصائم وويل للقائم وويل لصاحب الصوف إلا من..." فقيل يا رسول الله إلا من? فقال "إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا وأبعض المدحة واستحب المذمة وهذا شديد جداً، وغاية أمثالها الطمع في الحالة الثانية، وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذام والمادح، ولا يظهر ذلك بالقول والعمل، فأما الحالة الثالثة وهي التسوية بين المادح والذام فلسنا نطمع فيها. ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية فإنها لا تفي بها، لأنها لا بد وأن تتسارع إلى إكرام المادح وقضاء حاجاته، وتتثاقل على إكرام الذام والثناء عليه وقضاء حوائجه، ولا نقدر على أن نسوي بينهما في الفعل الظاهر كما لا نقدر عليه في سريرة القلب، ومن قدر على التسوية بين المادح والذام في ظاهر الفعل فهو جدير بأن يتخذ قدوة في هذا الزمان إن وجد فإنه الكبريت الأحمر يتحدث الناس به ولا يرى، فكيف بما بعده من المرتبتين? وكل واحدة من هذه الرتب أيضاً فيها درجات. أما الدرجات في المدح فهو أن من الناس من يتمنى المدحة والثناء وانتشار الصيت، فيتوصل إلى نيل ذلك بكل ما يمكن حتى يرائي بالعبادات، ولا يبالي بمفارقة المحظورات لاستمالة قلوب الناس واستنطاق ألسنتهم بالمدح وهذا من الهالكين. ومنهم من يريد ذلك ويطلبه بالمباحات ولا يطلبه بالعبادات، ولا يباشر المحظورات، وهذا على شرف جرف هاو، فإن حدود الكلام الذي يستميل به القلوب وحدود الأعمال لا يمكنه أن يضبطها فيوشك أن يقع فيما لا يحل لنيل الحمد، فهو قريب من الهالكين جداً. ومنهم من لا يريد المدحة ولا يسعى لطلبها، ولكن إذا مدح سبق السرور إلى قلبه فإذا لم يقابل ذلك بالمجاهدة ولم يتكلف الكراهية فهو قريب من أن يستجره فرط السرور إلى الرتبة التي قبلها وإن جاهد نفسه في ذلك وكلف قلبه الكراهية وبغض السرور إليه بالتفكر في آفات المدح، فهو في خطر المجاهدة فتارة تكون اليد له وتارة تكون عليه. ومنهم من إذا سمع المدح لم يسر به ولم يغتم به ولم يؤثر فيه وهذا على خير، وإن كان قد بقي عليه بقية من الإخلاص. ومنهم من يكره المدح إذا سمعه ولكن لا ينتهي به إلى أن يغضب على المادح وينكر عليه، وأقصى درجاته أن يكره ويغضب ويظهر الغضب وهو صادق فيه، لا أن يظهر الغضب وقلبه محب له فإن ذلك عين النفاق، لأنه يريد أن يظهر من نفسه الإخلاص والصدق وهو مفلس عنه؛ وكذلك بالضد من هذا تتفاوت الأحوال في حق الذام، وأول درجاته إظهار الغضب وآخرها إظهار الفرح، ولا يكون الفرح وإظهاره إلا ممن في قلبه حنق وحقد على نفسه لتمردها عليه وكثرة عيوبها ومواعيدها الكاذبة وتلبيساتها الخبيثة فيبغضها بغض العدو، والإنسان يفرح ممن يذم عدوه، وهذا شخص عدوه نفسه فيفرح إذا سمع ذمها ويشكر الذام على ذلك ويعتقد فطنته وذكاءه لما وقف على عيوبها، فيكون ذلك كالتشفي له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار بالمذمة أوضع في أبين الناس حتى لا يبتلي بفتنة الناس، وإذا سقيت إليه حسنات لم ينصب فيها فسعاه يكون خيراً لعيوبه التي هو عاجز عن إماطتها، ولو جاهد المريد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدة وهو أن يستوي عنده ذامه ومادحه لكان له شغل شاغل فيه لا يتفرغ معه لغيره وبينه وبين السعادة عقبات كثيرة هذه إحداها، ولا يقطع شيئاً منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل.
====
الشطر الثاني من الكتاب
في طلب الجاه والمنزلة بالعبادات
وهو الرياء:
بيان ذم الرياء
اعلم أن الرياء حرام والمرائي عند الله ممقوت، وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار والآثار.
أما الآيات:
وأما الأخبار:
عمله يجاوزني إلى غيري إنه كان يفتخر به على الناس في مجالسهم" قال "وتصعد الحفظة يعمل يبتهج نوراً من صدقة وصيام وصلاة قد أعجب الحفظة فيجاوزون به إلى السماء الثالثة فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بها العمل وجه صاحبه، أنا ملك الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم" قال "وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كما يزهر الكوكب الدري له دوى من تسبيح وصلاة وحج وعمرة حتى يجاوزوا به السماء الرابعة فيقول لهم الملك الموكل بها:قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه اضربوا به ظهره وبطنه، أنا صاحب العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري إنه كان إذا عمل عملاً أدخل العجب في عمله" قال "وتصعد الحفظة بعمل العبد حتى تجاوزوا به السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة إلى أهلها فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه أنا ملك الحسد إنه كان يحسد الناس من يتعلم ويعمل بمثل عمله وكل من كان يأخذ فضلاً من العبادة يحسدهم ويقع فيها أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري" قال "وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وحج وعمرة وصيام فيجاوزون بها إلى السماء السادسة فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه إنه كان لا يرحم إنساناً قط من عباد الله أصابه بلاء أو ضر أضر به بل كان يشمت به، أنا ملك الرحمة أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري" قال "وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم وصلاة ونفقة وزكاة واجتهاد وورع له دوي كدوي الرعد وضوء كضوء الشمس معه ثلاثة آلاف ملك فيجاوزون به إلى السماء السابعة فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، اضربوا به جوارحه اقفلوا به على قلبه إني أحجب عن ربي كل عمل لم يرد به وجه ربي إنه أراد بعمله غير الله تعالى، إنه أراد رفعة عن الفقهاء وذكراً عند العلماء وصيتاً في المدائن، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، وكل عمل لم لله خالصاً فهو رياء ولا يقبل الله عمل المرائي" قال "وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر لله تعالى وتشيعه ملائكة السموات حتى يقطعوا به الحجب كلها إلى الله عز وجل فيقفون بين يديه ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص لله" قال "فيقول الله لهم أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على نفسه إنه لم يردني بهذا العمل وأراد به غيري فعليه لعنتي، فتقول الملائكة كلهم: عليه لعنتك ولعنتنا، وتقول السماوات كلها: عليه لعنة الله ولعنتنا وتلعنه السماوات السبع والأرض ومن فيهن" قال معاذ: قلت يا رسول الله أنت رسول الله وأنا معاذ قال "اقتد بي وإن كان في عملك نقص، يا معاذ حافظ على لسانك من الوقيعة في إخوانك من حملة القرآن واحمل ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم ولا تزك نفسك بذمهم ولا ترفع نفسك عليهم ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة ولا تتكبر في مجلسك لكي يحذر الناس من سوء خلقك، ولا تناج رجلاً وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس فينقطع عنك خير الدنيا، ولا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار قال الله تعالى "والناشاطات نشطاً" أتدري من هن يا معاذ"? قلت: ما هن بأبي أنت وأمي يا رسول الله? قال "كلاب في النار تنشط اللحم والعظم" قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن يطيق هذه الخصال ومن ينجو منها? قال "يا معاذ إنه ليسير على من يسره الله عليه قال فما رأيت أكثر تلاوة للقرآن من معاذ للحذر مما في هذا الحديث.
وأما الآثار: فيروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً يطأطئ رقبته فقال: يا صاحب الرقبة ارفع ركبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأى أبو أمامة البلقلي رجلاً في المسجد يبكي في سجوده فقال: أنت أنت لو كان هذا في بيتك. وقال علي كرم الله وجهه: للمرائي ثلاث علامات؛ يكسل إذا كان وحده وينشط إلى كان في الناس يزيد في العمل إذا أثني عليه وينقص إذا ذم. وقال رجل لعبادة بن الصامت: أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله تعالى ومحمدة الناس، قال: لا شيء لك، فسأله ثلاث مرات كل ذلك يقول: لا شيء لك، ثم قال في الثالثة: إن الله يقول أنا أغنى الأغنياء عن الشرك... الحديث. وسأل رجل سعيد بن المسيب فقال: إن أحدثنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر، فقال له: أتحب أن تمقت? قال: لا، قال: فإذا عملت لله عملاً فأخلصه. وقال الضحاك: لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا يقولن هذا لله وللرحم، فإن الله تعالى لا شريك له. وضرب عمر رجلاً بالدرة ثم قال له: اقتص مني! فقال: لا بل أدعها لله ولك. فقال له عمر: ما صنعت شيئاً إما أن تدعها لي فأعر فذلك أو تدعها لله وحده، فقال: ودعتها لله وحده، فقال: فنعم إذن. وقال الحسن: لقد صحبت أقواماً إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه وما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة وإن كان أحدهم ليمر فيرى الأذى في الطريق فما يمنعه أن ينحيه إلا مخافة الشهرة ويقال: إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي يا غادر يا خاسر يا فاجر اذهب فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندنا. وقال الفضيل بن عياض: كانوا يراءون بما يعملون وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون. وقال عكرمة: إن الله يعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله لأن النية لا رياء فيها. وقال الحسن رضي الله: المرائي يريد أن يغلب قدر الله تعالى وهو رجل سوء يريد أن يقول الناس هو رجل صالح، وكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء? فلا بد لقلوب المؤمنين أن تعرفه. وقال قتادة: إذا راءى العبد يقول الله تعالى انظروا إلى عبدي يستهزئ بي. وقال مالك بن دينار الفراء: ثلاثة قراء الرحمن وقراء الدنيا وقراء الملوك، وأن محمد بن واسع من قراء الرحمن. وقال الفضل: من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلي. وقال محمد بن المبارك الصوري: أظهر السمت بالليل فإنه أشرف من سمتك بالنهار لأن السمت بالنهار للمخلوقين وسمت الليل لرب العالمين. وقال أبو سليمان: التوقي عن العمل أشد من العمل. وقال ابن المبارك: إن كان الرجل ليطوف بالبيت وهو بخراسان، فقيل له وكيف ذاك? قال يحب أن لا يذكر أنه مجاور بمكة. وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله من أراد أن يشتهر.
بيان حقيقة الرياء وما يراءى به
اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإبراءهم خصال الخير إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى العبادات وتطلب بالعبادات. واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة وإظهارها فحد الرياء هو إرادة العباد بطاعة الله، فالمرائي هو العابد والمرائي هو الناس المطلوب رؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم، والمرائي به هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها، والرياء هو قصده إظهار ذلك، والمراءى به كثير وتجمعه خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين به العبد للناس وهو: البدن، والزي والقول، والعمل والأتباع والأشياء الخارجة. وكذلك أهل الدنيا يراءون بهذه الأسباب الخمسة غلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات.
"القسم الأول" الرياء في الدين بالبدن: وذلك بإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين وغلبة خوف الآخرة، وليدل بالنحول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظم الحزن على الدين، وكذلك يرائي بتشعيث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين وعدم التفرغ لتسريح الشعر. وهذه الأسباب مهما ظهرت استدل الناس بها على هذه الأمور فارتاحت النفس لمعرفتهم، فلذلك تدعوه النفس إلا إظهارها لنيل تلك الراحة. ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين، ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته أو ضعف الجوع هو الذي ضعف من قوته. وعن هذا قال المسيح عليه السلام: إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ويكحل عينيه. وكذلك روي عن أبي هريرة وذلك كله لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء؛ ولذلك قال ابن مسعود أصبحوا صياماً مدهنين. فهذه مراءاة أهل الدين بالبدن.
فأما أهل الدنيا فيراءون بإظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن الوجه ونظافة البدن وقوة الأعضاء وتناسبها.
"الثاني" الرياء بالهيئة والزي: أما الهيئة فبتشعيث شعر الرأس وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً، كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه متبع للسنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين، ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق تشبهاً بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف في الباطن. ومنه التقنع بالإزار فوق العمامة وإسبال الرداء على العينين ليرى به أنه قد انتهى تقشفه إلى الحذر من غبار الطريق، ولتنصرف إليه الأعين بسبب تميزه بتلك العلامة. ومنه الدراعة والطيلسان يلبسه من هو خال عن العلم ليوهم أنه من أهل العلم.
والمراءون بالزي على طبقات: فمنهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاة بإظهار الزهد فيلبس الثياب المخرقة الوسخة القصيرة الغليظة ليرائي بغلظها ووسخها وقصرها وتخرقها أنه غير مكترث بالدنيا، ولو كلب أن يلبس ثوباً وسطاً نظيفاً مما كان السلف يلبسه لكان عنده بمنزلة الذبح، وذلك لخوفه أن يقول الناس قد بدا له من الزهد ورجع عن تلك الطريق ورغب في الدنيا: وطبقة أخرى يطلبون القبول عن أهل الصلاح وعند أهل الدنيا من الملوك والوزراء والتجار، ولو لبسوا الثياب الفاخرة ردهم القراء ولو لبسوا الثياب المخرقة البذلة ازدرتهم أعين الملوك والأغنياء، فهم يريدون الجمع بين قبول أهل الدين والدنيا، فلذلك يطلبون الأصواف الدقيقة والأكسية الرقيقة والمرقعات المصبوغة والفوط الرفيعة فيلبسونها، ولعل قيمة ثوب أحد الأغنياء ولونه وهيأته لون ثياب الصلحاء فيلتمسون القبول عند الفريقين، وهؤلاء إن كلفوا لبس ثوب خشن أو وسخ لكان عندهم الذبح خوفاً من السقوط من أعين الملوك والأغنياء، ولو كلفوا لبسوا الديبقى والكتان الدقيق الأبيض والمقصب المعلم -وإن كانت قيمته دون قيمة ثيابهم- لعظم ذلك عليهم خوفاً من أن يقول أهل الصلاح قد رغبوا في زي أهل الدنيا. وكل طبقة منهم رأى منزلته في زي مخصوص فيثقل عليهم الانتقال إلى ما دونه وإن كان مباحاً خيفة من المذمة.
وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالثياب النفيسة والمراكب الرفيعة وأنواع التوسع والتجمل في الملبس والمسكن وأثاث البيت وفره الخيول وبالثياب المصبغة والطيالسة النفيسة، وذلك ظاهر بين الناس فإنهم يلبسون في بيوتهم الثياب الخشنة ويشتد عليهم لو برزوا للناس على تلك الهيئة ما لم يبالغوا في الزينة.
"الثالث" الرياء بالقول: ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار، لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلم ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن، ليدل بذلك على الخوف والحزن، وادعاء حفظ لحديث ولقاء الشيوخ والدق على من يروي الحديث ببيان خلل في لفظه ليعرف أنه بصير بالأحاديث والمبادرة إلى أن الحديث صحيح أو غير صحيح لإظهار الفضل فيه، والمجادلة على قصد إفحام الخصم ليظهر للناس قوته علم الدين. والرياء بالقول كثير وأنواعه لا تنحصر.
وأما أخل الدنيا فمراءاتهم بالقول بحفظ الأشعار والأمثال والتفاصح في العبارات وحفظ النحو الغريب للأغراب على أهل الفضل وإظهار التودد إلى الناس لاستمال القلوب.
"الرابع" الرياء بالعمل: كمراءاة المصلي بطول القيام ومد الظهر وطول السجود والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء والسكون وتسوية القدمين واليدين، وكذلك بالصوم والغزو والحج وبالصدقة وبإطعام الطعام، وبالإخبات في المشي عند اللقاء كإرخاء الجفون وتنكيس الرأس والوقار في الكلام، حتى إن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا طلع عليه أحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس خوفاً من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته، فإذا رآه عاد إلى خشوعه ولم يحضر ذكر الله حتى يكون يجدد الخشوع له، بل هو لإطلاع إنسان عليه يخشى أن لا يعتقد فيه أنه من العباد والصلحاء، ومنهم من إذا سمع هذا استحيا من أن تخالف مشيته في الخلوة مشيته بمرأى من الناس، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ويظن أنه يتخلص به عن الرياء وقد تضاعف به رياؤه، فإنه صار في خلوته أيضاً مرائياً، فإنه إنما يحسن مشيته في الخلوة ليكون كذلك في الملأ لا لخوف من الله وحياء منه.
وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر والاختيال وتحريك اليدين وتقريب الخطا والأخذ بأطراف الذيل وإدارة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة.
"الخامس" المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين: كالذي يتكلف أن يستزير عالماً من العلماء ليقال إن فلاناً قد زار فلاناً، أو عابداً من العباد ليقال إن أهل الدين يتبركون بزيارته ويترددون إليه، أو ملكاً من الملوك أو عاملاً من عمال السلطان ليقال إنهم يتبركون به لعظم رتبته في الدين. وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه لقي شيوخاً كثيرة واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ومباهاته ومراءاته تترشح منه عند مخاصمته، فيقول لغيره: من لقيت من الشيوخ وأنا قد لقيت فلاناً وفلاناً ودرت البلاد وخدمت الشيوخ? وما يجري مجراه. فهذه مجامع ما يرائي به المراءون وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد. ومنهم من يقنع بحسن الاعتقادات فيه فكم من راهب انزوى إلى ديره سنين كثيرة? وكم من عابد اعتزل إلى قلة جبل مدة مديدة، وإنما خبأته من حيث علمه بقيام جاهه في قلوب الخلق ولو عرف أنهم نسبوه إلى جريمة في ديره أو صومعته لتشوش قلبه ولم يقنع بعلم الله ببراءة ساحته، بل يشتد لذلك غمه ويسعى بكل حيلة في إزالة ذلك من قلوبهم، مع أنه قد قطع طمعه من أموالهم ولكنه يحب مجرد الجاه -فإنه لذيذ كما ذكرناه في أسبابه- فإنه نوع قدرة وكمال في الحال وإن كان سريع الزوال لا يغتر به إلا الجهال ولكن أكثر الناس جهال، ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلته بل يلتمس من ذلك إطلاق اللسان بالثناء والحمد. ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه. ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته وتنجز الحوائج على يده فيقوم له بذلك جاه عند العامة، ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال ولو من الأوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك من الحرام، وهؤلاء شر طبقات المرائين الذين يراءون بالأسباب التي ذكرناها. فهذه حقيقة الرياء وما به يقع الرياء.
فإن قلت: فالرياء حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل? فأقول فيه تفصيل فإن الرياء هو طلب الجاه، وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات، فإن كان بغير العبادات فهو طلب المال فلا يحرم من حيث إنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورات فكذلك الجاه، وكما أن كسب قليل من المال هو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به عن الآفات أيضاً محمود، وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث قال "إني حفيظ عليم" وكما أن المال فيه سم ناقع ودرياق نافع فكذلك الجاه، وكما أن كثير المال يلهي ويطغى وينسي ذكر الله والدار الآخرة فكذلك كثير الجاه بل أشد، وفتنة الجاه أعظم من فتنة المال، وكما أنا نقول تملك المال الكثير حرام فلا نقول أيضاً تملك القلوب الكثيرة حرام إلا إذا حملته كثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز. نعم انصراف الهم إلى سعة الجاه مبدأ الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال، ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها، وأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اغتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه، فلا جاه أوسع من جاه رسول الله ﷺ وجاه الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من علماء الدين، ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ولا يوصف بالتحريم، فعلى هذا نقول: تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة وهو ليس بحرام لأنه ليس رياء بالعبادة بل بالدنيا، وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم. والدليل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ أراد أن يخرج يوماً إلى الصحابة فكان ينظر في جب الماء ويسوي عمامته وشعره فقالت: أو تفعل ذلك يا رسول الله? قال "نعم إن الله تعالى يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم نعم هذا كان من رسول الله ﷺ عبادة لأنه كان مأموراً بدعوة الخلق وترغيبهم في الاتباع واستمالة قلوبهم، ولو سقط من أعينهم لو يرغبوا في اتباعه، فكان يجب عليه أن يظهر لهم محاسن أحواله لئلا تزدريه أعينهم، فإن أعين عوام الخلق تمتد إلى الظواهر دون السرائر، فكان ذلك قصد رسول الله ﷺ ولكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم حذراً من ذمهم ولومهم واسترواحاً إلى توقيرهم واحترامهم كان قد قصد أمراً مباحاً، إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمة ويطلب راحة الأنس بالإخوان. ومهما استثقلوه واستقذروه لم يأنس بهم.
فإذن المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة، وقد تكون طاعة، وقد تكون مذمومة، وذلك بحسب الغرض المطلوب بها. ولذلك نقول: الرجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة والصدقة ولكن ليعتقد الناس أنه سخي فهذا مراءاة وليس بحرام وكذلك أمثاله.
أما العبادات كالصدقة والصلاة والصيام والغزو والحج فللمرائي فيه حالتان إحداهما: أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر، وهذا يبطل عبادته لأن الأعمال بالنيات، وهذا ليس بقصد العبادة، لا يقتصر، على إحباط عبادته حتى نقول صار كما كان قبل العبادة بل يعصي بذلك ويأثم كما دلت عليه الأخبار والآيات.
والمعنى فيه أمران "أحدهما" يتعلق بالعباد وهو التلبيس والمكر لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله وأنه من أهل الدين وليس كذلك، والتلبيس في أمر الدنيا حرام أيضاً، حتى لو قضى دين جماعة وخيل للناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم به لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر. "والثاني" يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله فهو مستهزئ بالله. ولذلك قال قتادة: إذا راءى العبد قال الله لملائكته انظروا إليه كيف يستهزئ بي.
ومثاله أن يتمثل بين يدي ملك من الملوك طول النهار كما جرت عادة الخدم وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواري الملك أو غلام من غلمانه، فإن هذا استهزاء بالملك إذ لم يقصد التقريب إلى الملك بخدمته بل قصد بذلك عبداً من عبيده، فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله تعالى مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضراً ولا نفعاً? وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله? وأنه أولى بالتقريب إليه من الله إذ آثره على ملك الملوك فجعله مقصود عبادته? وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى? فهذا من كبائر المهلكات ولهذا سماه رسول الله ﷺ الشرك الأصغر .
نعم بعض درجات الرياء أشد من بعض -كما سيأتي بيانه في درجات الرياء إن شاء الله تعالى- ولا يخلو شيء منه عن إثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله لكان فيه كفاية، فإنه وإن لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله، ولعمري لو عظم غير الله بالسجود لكفر كفراً جلياً، إلا أن الرياء هو الكفر الخفي لأن المرائي عظم في قلبه الناس، فاقتضت تلك العظمة أن يسجد ويركع فكان الناس هم المعظمون بالسجود من وجه، ومهما زال قصد تعظيم الله بالسجود وبقي تعظيم الخلق كان ذلك قريباً من الشرك، إلا أنه قصد تعظيم نفسه في قلب من عظم عنده بإظهاره من نفسه صورة التعظيم لله، فعن هذا كان شركاً خفياً لا شركاً جلياً، وذلك غاية الجهل ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن العباد يملكون من ضره ونفعه ورزقه وأجله ومصالح حاله ومآله أكثر مما يملكه الله تعالى، فلذلك عدل بوجهه عن الله إليهم وأقبل بقلبه عليهم ليستميل بذلك قلوبهم، ولو وكله الله تعالى إليهم في الدنيا والآخرة لكان ذلك أقل مكافأة له على صنيعه، فإن العباد كلهم عاجزون عن أنفسهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فكيف يملكون لغيرهم هذا في الدنيا? فكيف في يوم لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً بل تقول الأنبياء فيه نفسي نفسي? فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ونيل القرب عند الله ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدنيا من الناس? فلا ينبغي أن نشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط الله من حيث النقل والقياس جميعاً هذا إذا لم يقصد الأجر فأما إذا قصد الأجر والحمد جميعاً في صدقته أو صلاته فهو الشرك الذي يناقض الإخلاص. وقد ذكرنا حكمه في كتاب الإخلاص، ويدل على ما نقلناه من الآثار قول سعيد بن المسيب وعبادة بن الصامت. إنه لا أجر له فيه أصلاً.
بيان درجات الرياء
اعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض، واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه. وأركانه ثلاثة: المرائي به والمرائي لأجله ونفس قصد الرياء.
الركن الأول: نفس قصد الرياء وذلك لا يخلوا إما أن يكون مجرداً دون إرادة عبادة الله تعالى والثواب، وإما أن يكون مع إرادة الثواب، فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساوية لإرادة العبادة فتكون الدرجات أربعاً: "الأولى" وهي أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلاً، كالذي يصلي بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلي، ربما يصلي من غير طهارة مع الناس، فهذا جرد قصده إلى الرياء فهو الممقوت عن الله تعالى. وكذلك من يخرج الصدقة خوفاً من مذمة الناس وهو لا يقصد الثواب ولا خلا بنفسه لما أداها فهذه الدرجة العليا من الرياء.
"الثانية" أن يكون له قصد الثواب أيضاً ولكن قصداً ضعيفاً، بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم يكن قصد الثواب لكان الرياء يحمله على العمل، فهذا قريب مما قبله وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل لا ينفي عنه المقت والإثم.
"الثالثة" أن يكون له قصد الثواب وقصد الرياء متساويين، بحيث لو كان كل واحد منهما خالياً عن الآخر لم يبعثه على العمل فلما اجتمعا انبعثت الرغبة، أو كان كل واحد منهما لو انفرد لاستقل بحمله على العمل؛ فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأساً برأس لا له ولا عليه، أو يكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم، وقد تكلمنا عليه في كتاب الإخلاص.
"الرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجحاً ومقوياً لنشاطه ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة ولو كان قصد الريا وحده لما أقدم عليه فالذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب وأما قوله ﷺ "يقول الله تعالى أنا أغنى الأغنياء عن الشرك" فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح.
الركن الثاني: المرائي به وهو الطاعات وذلك ينقسم إلى الرياء بأصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها.
القسم الأول وهو الأغلظ: الرياء بالأصول وهو على ثلاث درجات.
"الأولى" الرياء بأصل الإيمان وهذا أغلظ أبواب الرياء وصاحبه مخلد في النار، وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب ولكنه يرائي بظاهر الإسلام، وهو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في مواضع شتى كقوله عز وجل "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" أي في دلالتهم بقولهم على ضمائرهم وقال تعالى "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها" الآية وقال تعالى "وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ" وقال تعالى "يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً مذبذبين بين ذلك" والآيات فيهم كثيرة. وكان النفاق يكثر في ابتداء الإسلام ممن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء لغرض، وذلك مما يقل في زماننا، ولكن يكثر نفاق من ينسل عن الدين باطناً فيجحد الجنة والنار والدار الآخرة ميلاً إلى قول الملحدة، أو يعتقد على بساط الشرع والأحكام ميلاً إلى أهل الإباحة، أو يعتقد كفراً أو بدعة وهو يظهر خلافه، فهؤلاء من المنافقين والمرائين المخلدين في النار، وليس وراء هذا الرياء رياء، وحال هؤلاء أشد حالاً من الكفار المجاهرين، فإنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر.
"الثانية" الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين، وهذا أيضاً عظيم عند الله ولكنه دون الأول بكثير. ومثاله: أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزكاة خوفاً من ذمه، والله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجه، أو يدخل وقت الصلاة وهو في جمع وعادته ترك الصلاة في الخلوة، وكذلك يصوم رمضان وهو يشتهى خلوة من الخلق ليفطر، وكذلك يحضر الجمعة ولولا خوف المذمة لكان لا يحضرها، أو يصل رحمه أو يبر والديه لا عن رغبة ولكن خوفاً من الناس، أو يغزو أو يحج كذلك. فهذا مراء معه أصل الإيمان بالله يعتقد أنه لا معبود سواه، ولو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغيره لم يفعل، ولكنه يترك العبادات للكسل وينشط عند اطلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحب من منزلته عند الخالق، وخوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله، ورغبته في محمدتهم أشد من رغبته في ثواب الله، وهذا غاية الجهل وما أجدر صاحبه بالمقت وإن كان غير منسل عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد.
"الثالثة" لا يرائي بالإيمان ولا بالفرائض، ولكنه يرائي بالنوافل والسنن التي لو تكرها لا يعصى، ولكنه يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها ولإيثار لذة الكسل على ما يرجى من الثواب، ثم يبعثه الرياء على فعلها، وذلك كحضور الجماعة في الصلاة وعيادة المريض واتباع الجنازة وغسل الميت، وكالتجهد بالليل وصيام يوم عرفة وعاشوراء ويوم الاثنين والخميس. فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفاً من المذمة أو طلب للمحمدة، ويعلم الله تعالى منه أنه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض. فهذا أيضاً عظيم ولكنه دون ما قبله، فإن الذي قبله آثر حمد الخلق على حمد الخالق، وهذا أيضاً قد فعل ذلك واتق ذم الخلق دون ذم الخالق، فكان ذم الخلق أعظم عنده من عقاب الله، وأما هذا فلم يفعل ذلك لأنه لم يخف عقاباً على ترك النافلة لو تركها، وكأنه على شطر من الأول وعقابه نصف عقابه. فهذا هو الرياء بأصول العبادات.
القسم الثاني: الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها، وهو أيضاً على ثلاثة درجات.
"الأولى" أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة، كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ولا يطول القراءة، فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك الالتفات وتمم القعود بين السجدتين، وقد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه عز وجل؛ أي أنه ليس يبالي باطلاع الله عليه في الخلوة، فإذا اطلع عليه آدمي أحسن الصلاة، ومن جلس بين يدي إنسان متربعاً أو متكئاً فدخل غلامه فاستوى وأحسن الجلسة كان ذلك منه تقديماً للغلام على السيد واستهانة بالسيد لا محالة، وهذا حال المرائي بتحسين الصلاة في الملأ دون الخلوة. وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الدنانير الرديئة أو من الحب الرديء فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد خوفاً من مذمته، وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث لأجل الخلق لا إكمالاً لعبادة الصوم خوفاً من المذمة، فهذا أيضاً من الرياء المحظور لأن فيه تقديماً للمخلوقين على الخالق، ولكنه دون الرياء بأصول العبادات.
إن قال المرائي: إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة، فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجود والكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة، وإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية? فيقال له: هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس، وليس الأمر كذلك، فإنضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك بغيبة غيرك، فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر، وما أنت في هذا إلا كمن يهدي وصيفة إلى ملك لينال منه فضلاً وولاية يتقلدها، فيهديها إليه وهي عوراء قبيحة مقطوعة الأطراف ولا يبالي به إذا كان الملك وحده، وإذا كان عند بعض غلمانه امتنع خوفاً من مذمة غلمانه، وذلك محال بل من يراعي جانب غلام الملك ينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر.
نعم للمرائي فيه حالتان: إحداهما أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس وذلك حرام قطعاً. والثانية: أن يقول ليس يحضرني الإخلاص في تحسين الركوع والسجود، ولو خففت كانت صلاتي عندهم ناقصة وآذاني الناس بذمهم وغيبتهم، فأستفيد بتحسين الهيبة دفع مذمتهم ولا أرجو الله عليه ثواباً، فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفون الثواب وتحصل المذمة فهذا فيه أدنى نظر. والصحيح أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص، فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عادته في الخلوة فليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله فإن ذلك استهزاء كما سبق.
"الدرجة الثانية" أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته، كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين الهيئة ورفع اليدين والمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال والزيادة على السور المعتادة، وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان وطول الصمت، وكاختيار الأجود على الجيد في الزكاة وإعتاق الرقبة الغالية في الكفارة. وكل ذلك مما لو خلا بنفسه لكان لا يقدر عليه.
"الثالثة" أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضاً كحضوره الجماعة قبل القوم وقصده للصف الأول وتوجهه إلى يمين الإمام وما يجري مجراه. وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى يحرم بالصلاة? فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به وبعضه أشد من بعض. والكل مذموم.
الركن الثالث: المرائي لأجله، فإن للمرائي مقصوداً لا محالة، وإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة، وله أيضاً ثلاث درجات:
"الأولى" وهي أشدها وأعظمها أن يكون مقصوده التمكن من معصية، كالذي يرائي بعبادته ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل والامتناع عن أكل الشبهات وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى القضاء أو الأوقاف أو الوصايا أو مال الأيتام فيأخذها أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما قدر عليه منها، أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها، أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحج فيختزل بعضها أو كلها، أو يتوصل بها إلى استتباع الحجيج ويتوصل بقوتهم إلى مقاصدة الفاسدة في المعاصي. وقد يظهر بعضهم زي التصوف وهيئة الخشوع وكلام الحكمة على سبيل الوعظ والتذكير وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور، وقد يحضرون مجالس العلم والتذكير وحلق القرآن يظهرون الرغبة في سماع العلم والقرآن وغرضهم ملاحظة النساء والصبيان، أو يخرج إلى الحج ومقصوده الظفر بمن في الرفقة من امرأة أو غلام. وهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلماً إلى معصية واتخذوها آلة ومتجراً وبضاعة لهم في فسقهم، ويقرب من هؤلاء وإن كان دونهم من هو مقترف جريمة اتهم بها وهو مصر عليها ويريد أن ينفي التهمة عن نفسه فيظهر التقوى لنفي التهمة كالذي جحد وديعة واتهمه الناس بها فيتصدق بالمال ليقال إنه يتصدق بمال نفسه فكيف يستحل مال غيره وكذلك من ينسب إلى فجور بامرأة أو غلام فيدفع التهمة عن نفسه بالخشوع وإظهار التقوى.
"الثانية" أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة، كالذي يظهر الحزن والبكاء ويشتغل بالوعظ والتذكير لتبذل له الأموال ويرغب في نكاحه النساء، فيقصد إما امرأة بعينها لينكحها أو امرأة شريفة على الجملة، وكالذي يرغب أن يتزوج بنت عالم عابد فيظهر له العلم والعبادة ليرغب في تزويجه ابنته. فهذا رياء محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول، فإن المطلوب بهذا مباح في نفسه.
"الثالثة" أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح، ولكن يظهر عبادته خوفاً من أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة العامة كالذي يمشي مستعجلاً فيطلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك العجلة كيلا يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقار، وكذلك إن سبق إلى الضحك أو بدا منه المزاح فيخاف أن يظهر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن، ويقول ما أعظم غفلة الآدمي عن نفسه، والله يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك، وإنما يخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار لا بعين التوقير، وكالذي يرى جماعة يصلون التراويح أو يتهجدون أو يصومون الخميس والاثنين أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ويلحق بالعوام، ولو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئاً من ذلك، وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء أو في الأشهر الحرم فلا يشرب خوفاً من أن يعلم الناس أنه غير صائم، فإذا ظنوا به الصوم امتنع عن الأكل لأجله، أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم وقد لا يصرح بأن صائم ولكن يقول: لي عذر، وهو جمع بين خبيثين، فإنه يرى أنه صائم ثم يرى أنه مخلص ليس بمراء، وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون مرائياً فيريد أن يقال إنه ساتر لعبادته، ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذراً تصريحاً أو تعريضاً بأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ويمنع من الصوم، أو يقول أفطرت تطييباً لقلب فلان، ثم قد لا يذكر ذلك متصلاً بشربه كي لا يظن به أن يعتذر رياء، ولكنه يصبر ثم يذكر عذره في معرض حكاية عرضا؛ مثل أن يقول: إن فلاناً محب للإخوان شديد الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه وقد ألح علي اليوم ولم أجد بداً من تطييب قلبه. ومثل أن يقول: إن أمي ضعيفة القلب مشفقة علي تظن أني لو صمت يوماً مرضت فلا تدعني أصوم، فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء فلا يسبق إلى اللسان إلى لرسوخ عرق الرياء في الباطن. أما المخلص فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه? فإن لم يكن له رغبة في الصوم وقد علم الله ذلك منه فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله فيكون ملبساً، وإن كان له رغبة في الصوم لله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك فيه عنده، وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به وتحريك رغبة الناس فيه وفيه مكيدة وغرور - وسيأتي شرح ذلك وشروطه -.
فهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين وجميعهم تحت مقت الله وغضبه، وهو من أشد المهلكات وإن من شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل كما ورد به الخبر، يزل فيه فحول العلماء فضلاً عن العباد الجهلاء بآفات النفوس وغوائل القلوب والله أعلم.
بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل
اعلم أن الرياء جلي وخفي، فالجلي هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه ولو قصد الثواب وهو أجلاه، وأخفى منه قليلاً هو ما لا يحمل على العمل بمجرده، إلا أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله، كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه وعلم أنه لولا رجاء الثواب لكان لا يصلي لمجرد رياء الضيفان وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ولا بالتسهيل والتخفيف أيضاً ولكنه مع ذلك مستطبن في القلب، ومهما لم يؤثر في الدعاء إلى العمل لم يكن يعرف إلا بالعلامات، وأجلى علاماته أن يسر باطلاع الناس على طاعته فرب عبد يخلص في عمله ولا يعتقد الرياء بل يكرهه ويرده ويتمم العمل كذلك، ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك وارتاح له وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة، وهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور، ولولا التفات القلب إلى الناس لما ظهره سروره عند اطلاع الناس، فلقد كان الرياء مستكناً في القلب استكنان النار في الحجر فأظهر عنه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور، ثم إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ولم يقابل ذلك بكراهية فيصير ذلك قوتاً وغذاء للعرق الخفي من الرياء حتى يتحرك على نفسه حركة خفية، فيتقاضى تقاضياً خفياً أن يتكلف سبباً يطلع عليه بالتعريض وإلقاء الكلام عرضاً وإن كان لا يدعو إلى التصريح، وقد يخفى فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضاً وتصريحاً ولكن بالشمائل، كإظهار النحول والصفار وخفض الصوت ويبس الشفتين وجفاف الريق وآثار الدموع وغلبة النعاس الدال على طول التهجد، وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع ولا يسر بظهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدءوه بالسلام وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه وأن ينشطوا في قضاء حوائجه وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له في المكان، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعاداً في نفسه كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطلع عليه، ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه، ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله ولم يكن خالياً عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ولا يسلم منه إلا الصديقون.
وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إن الله عز وجل يقول للقراء يوم القيامة، ألم يكن يرخص عليكم السعر ألم تكونوا تبتدءون بالسلام ألم تكونوا تقضى لكم الحوائج. وفي الحديث "لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم" وقال عبد الله بن المبارك. روي عن وهب بن منبه أنه قال إن رجلاً من السواح قال لأصحابه إنا إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان فنخاف أن نكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم، إن أحدنا إذا لقي أحب أن يعظم لمكان دينه، فبلغ ذلك ملكهم فركب في موكب من الناس فإذا السهل والجبل قد امتلأ بالناس، فقال السائح ما هذا? قيل هذا الملك قد أظللك، فقال للغلام ائتني بطعام فأتاه ببقل وزيت وقلوب الشجر، فجعل يحشو شدقه ويأكل أكلاً عنيفاً فقال المالك أين صاحبكم? فقالوا هذا، قال كيف أنت? قال كالناس، وفي حديث آخر: بخير، فقال الملك ما عند هذا من خير! فانصرف عنه، فقال السائح الحمد لله الذي صرفك عني وأنت لي ذام. فلم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي مجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة يحرصون على إخفائها أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة فيجازيهم الله في القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلص، إذ علموا أن الله لا يقبل في القيامة إلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة وأنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا يجزى والد عن ولده، ويشتغل الصديقون بأنفسهم فيقول كل واحد. نفسي نفسي! فضلاً عن غيرهم فكانوا كزوار بيت الله إذا توجهوا إلى مكة فإنهم يستصحبون مع أنفسهم الذهب المغربي الخالص لعلمهم أن أرباب البوادي لا يروج عندهم الزائف والبهرج، والحاجة تشتد في البادية ولا وطن يفزع إليه ولا حميم يتمسك به فلا ينجى إلا الخالص من النقد، فكذا يشاهد أرباب القلوب يوم القيامة والزاد الذي يتزودونه له من التقوى. فإذن شوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر، ومهما أدرك من نفسه تفرقه بين أن يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء فإنه لما قطع طمعه عن البهائم لم يبال حضره البهائم أو الصبيان الرضع أم غابوا، اطلعوا على حركته أم لم يطلعوا، فلو كان مخلصاً قانعاً بعلم الله لاستحقر عقلاء العباد كما استحقر صبيانهم ومجانينهم، وعلم أن العقلاء لا يقدرون له على رزق ولا أجل ولا زيادة ثواب ونقصان عقاب كما لا يقدر عليه البهائم والصبيان والمجانين، فإذا لم يجد ذلك ففيه شوب خفي، ولكن ليس كل شوب محبطاً للأجر مفسداً للعمل بل فيه تفضيل.
فإن قلت: فما نرى أحداً ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته، فالسرور مذموم كله أو بعضه محمود وبعضه مذموم? فنقول: أولاً، كل سرور فليس بمذموم بل السرور منقسم إلى محمود وإلى مذموم.
فأما المحمود فأربعة أقسام "الأول" أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله، ولكن لما اطلع عليه الخلق علم أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله، فيستدل به على حسن صنع الله به ونظره إليه وإلطافه به، فإنه يستر الطاعة والمعصية ثم الله يستر عليه المعصية ويظهر الطاعة، ولا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل، فيكون فرحه بجميل نظر الله لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم وقد قال تعالى "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا" فكأنه ظهر له أنه عند الله مقبول ففرح به.
"الثاني" أن يستدل بإظهار الله الجميل وستره القبيح عليهفي الدنيا أنه كذلك يفعل في الآخرة إذ قال رسول الله ﷺ "ما ستر الله على عبد ذنباً في الدنيا إلى ستره عليه في الآخرة فيكون الأول فرحاً بالقبول في الحال من غير ملاحظة المستقبل، وهذا التفات إلى المستقبل.
"الثالث" أن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره، فيكون له أجر العلانية بما أظهر آخراً وأجر السر بما قصده أولاً، ومن اقتدى به في طاعة فله مثل أجر أعمال المقتدين به من غير أن يقنص من أجورهم شيء، وتوقع ذلك جدير بأن يكون سبب السرور، فإن ظهور مخايل الربح لذيذ وموجب للسرور لا محالة.
==========
================
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق